يَفتحُ فلا يُغلقُ أحد

 

جاء ف 22 يحمل أقوالاً نبويّة حول أورشليم. وبعد ذلك كان كلام موظّفَين كبيرين في المدينة المقدّسة. في آ 1 - 14، يتنبّأ النبيّ على وادي الرؤية، ثمّ يحكم على أورشليم حكماً قاسياً. في آ 1 - 8 أ، نقرأ قولاً يندّد بالفرح في أورشليم. أمّا ترى المدينة الحرب التي تُعدّ؟ وفي آ 9 - 14، هي الاستعدادات العسكريّة. أمّا آ 19 - 25 فتقدّم قولين، واحداً عن «شبنا، نديم الملك والقيّم على قصره» (آ 15 - 18). وآخر عن «إلياقيم بن حلقيا» (آ 19 - 25).

ونبدأ نحن فنورد النصّ الكتابيّ (22:15-23) مشدّدين على السلطة الكبيرة التي نالها إلياقيم: انتقلت المفاتيح إلى يده:

15 وهذا ما قال السيّد الربّ القدير:

«اذهب إلى شبنا،

نديم الملك والقيّم على قصره

16 (وقل له:): أيّ حق لك هنا

ومن لك هنا

حتّى تحفر لنفسك قبراً عالياً

وتحفره في الصخر مسكناً لك؟

17 سيقبض عليك الربّ قبضة جبّار،

ويقذف بك قذفاً

18 ويدحرجك دحرجة الكرة

إلى أرض واسعة الأطراف

هناك تموت، ومركباتك المجيدة

فضيحة لبيت مولاك.

19 وسأقيلك من منصبك

وأخلعك عن مقامك.

20 ويكون في ذلك اليوم،

أنّي أدعو عبدي إلياقيم بن حلقيا

21 وألبسه حلَّتك،

وأشدّ وسطه بحزامك،

وأجعل سلطانك في يده،

فيكون كأب لسكّان أورشليم

ولبيت يهوذا.

22 وأُلقي مفتاح بيت داود على كتفه،

يَفتحُ فلا يَغلِق أحد،

ويُغلِق فلا يفتح أحد.

23 وأركّزه وتداً في مكان ثابت،

فيكون عرش مجد لبيت أبيه.

 

1 - سياق النصّ

تتوجّه الآيات الأولى في ف 22 إلى أورشليم التي تعيّد خلاصاً لم تتوقّعه، وهي تدلّ على عدم مسؤوليّتها، كما لا تنظر إلى الماضي وما فيه من خيانات، ولا إلى المستقبل وما فيه من واجبات. المشهد يرتبط بسنة 701 ق م وذلك بعد أن رفع سنحاريب الحصار عن المدينة. نقرأ 2 مل 18:13 - 22:

وفي السنة الرابعة عشرة للملك حزقيا، هجم سنحاريب، ملك أشور، على مدن يهوذا المحصّنة واحتلّها. فأرسل حزقيا إلى ملك أشور في لخيش يقول له: «أعترف بخطأي (آ 7، سبق له وتمرّد على ملك أشور، ورفض الخضوع له)، فانصرفْ عني، ومهما تفرض عليّ أرسله إليك». ففرض عليه ملك أشور أربعين قنطار فضّة وأربعة قناطير ذهب... وأرسل ملك أشور من لخيش إلى الملك حزقيا جيشاً عظيماً... قالوا له: «على مَن اتّكلت هذا الاتّكال؟ أعلى مصر، هذه القصبة المرضوضة التي تنفذ في كفّ من تعكّز عليها، وتثقبها؟ وإن قلت: نحن اتكلنا على الربّ إلهنا، فما هو هذا الإله».

ولكن كان أشعيا هنا، فأرسل من يقول للملك حزقيا باسم الرب: «لا تخف من الكلام الذي جدّف به عليّ قادة ملك أشور. فأنا أبعثُ إليه بخبر كاذب، فيرجع إلى أرضه، وهناك يسقط بالسيف» (2 مل 19:6 - 7). وفي الواقع، أُجبر سنحاريب على العودة بعد أن تآمر عليه ولداه وقتلاه في معبد نسروخ إلهه. وضرب جيشَه الوباء فمات الكثيرون. ولكنّ السبب الأساسي هو الربّ. لهذا قال 2 مل 19:35 - 36: «وفي الليل، جاء ملاك الربّ وقتل من جيش أشور... فلما طلع الصباح، كانوا جثّة هامدة. فانصرف سنحاريب، ملك أشور، راجعاً إلى عاصمته نينوى».

منذ وقت، ما زال النبيّ يحدّث إخوته باسم إيمانه: الربّ وحده هو سيّد التاريخ، ولا سيّما تاريخ شعبه، بحسب متطلّبات عهد لا رجوع عنه ومواعيد متبادلة. وما يسوس العالم، هو أمانة إله العهد. إذن، كلّ محاولة سياسيّة تحاول أن تستقلّ عن الله، تبدو انتهاكاً للأقداس، تبدو غير شرعيّة، تبدو تمرّداً وخطيئة ضدّ الإيمان ونقضاً للعهد. هنا نقرأ 30:1 - 3:

1 وقال الربّ:

ويل للأبناء المتمرّدين (من بني يهوذا):

ابتغوا مشورةً غير مشورتي.

وعقدوا حلفاً مخالفاً لروحي،

فزادوا خطيئة على خطيئة

2 نزلوا إلى مصر وما نالوا رأيي،

ليتحصّنوا بحصن فرعون،

ويحتموا بظلّ مصر

3 لكنّ حصن فرعون يكون لهم خزياً،

والاحتماء بظلّ فرعون عاراً.

في الواقع، دينَتْ أورشليم، فيبقى عليها أن تتميّز في الأحداث مشروعَ الله «السياسيّ» تجاه مشاريع السياسيّين التي لا تدوم أكثر من ساعة.

22:8 في ذلك اليوم،

تتفقّدون السلاح في بيت الغابة،

9 وتنظرون كم تكاثرت الشقوق

في سور مدينة داود

10 وتعدّون بيوت أورشليم،

وتهدمون بعضها لتحصين السور.

11 وتصنعون خزّاناً بين السورين،

لمياه البركة العتيقة.

ولكنّكم لا تلتفتون إلى الذي فعل ذلك،

ولا تعتبرون الذي أعدّه،

من قديم الزمان.

والكلام يتوجّه أوّل ما يتوجّه إلى الرؤساء:

28:1 ويل لإكليل الكبرياء،

على جبين سكارى افرائيم

ولبهاء جمال الزهرة الزاوية

على مشارف الوادي الخصيب

7 فالكهنة والأنبياء ضلّوا بالخمر،

وترنّحوا بالمسكر وغرقوا في الخمر

8 كلّ الموائد امتلأت

من القيء القذر،

وما بقي مكانٌ نظيف

في مثل هذا المناخ نقرأ أش 22:10 - 23.

2 - قيَمُ بيتٍ غريبٌ (22:15 - 19)

تحدّثت آ 15 - 18 عن حاكم غريب يعتدّ بنفسه وهو «على البيت». لقبه معروف في زمن أشعيا: عزيا، الملك الأبرص، عاش معزولاً، فمارس ابنه الوصاية ودُعي «ربّ بيت». نقرأ في 2 مل 15:5: «رمى الربّ الملك بالبرص، فعاش معزولاً إلى يوم وفاته، وتولّى يوتام ابنه شؤون الحكم في البلاد».

إنّها وظيفة هامّة جداً. ولكنّ نلاحظ أنّ الوجهة اللاهوتيّة تحمل مدلولاً هاماً، وكذلك اسم الوظيفة. «فالبيت» يمكن أن يكون بيت الله (الهيكل) أو بيت الملك (القصر). وفي أسلوب العهد الداودي، بين الله السيّد والملك تابعه، يدلّ «البيت» على البيت الملكي، على السلالة الملكيّة كوعد وكتتمّة: «سأقيم لك بيتاً» (2 صم 7:11). أمّا المغتصب فهو «عار بيت» سيّده (آ 18). ظنّ نفسه قوياً بحيث ينحت بقوّته مسكناً (ولو بعدَ موته) في صخرة أورشليم: لو فعل، تزعزع بيتُ داود. نشير هنا إلى أنّ القبر علامة المُلك في الأرض المقدّسة. ذاك كان الوضع بالنسبة إلى ابراهيم (تك 23:45). غير أنّ مثل هذا المُلك، هو موضوع وعد من عند الله، لا نتيجة امتلاك بالقوّة.

وحين نشر الكاتب هذا النصّ في حقبة ما بعد المنفى، أدرج بعد آ 19 قولاً نبوياً يختلف بلهجته عمّا سبق، وامّحت النبذة امّحاء تاماً. ارتبط الاعلان بالتولّي الملكيّ، بموضوع «البيت» الملكيّ. ففي عهد داوديّ حقيقيّ، يمارس ربُّ بيت حقيقيّ وظيفة حاسمة، تُعطى له ولا يغتصبها.

قال الربّ لشبنا: «وأقيلُك من منصبك، وأخلعك عن مقامك». قال البعض: إنّ هذا العزل يرتبط بالامتداد الأشوريّ، ولكن يبدو أنّه تمَّ في إطار مملكة يهوذا.

 

3 - موظّف جديد (22:20 - 23)

أ - ويكون في ذلك اليوم (آ 20)

إنّ المقدّمة المعروفة للأقوال النبويّة المرتبطة بالنهاية حول مجيء الديّان خصوصاً، بعد سقوط المغتصب الغريب، تسبق نصاً قريباً من «أناشيد عبد الربّ» (42:10 - 2) وقولٍ حول تنصيب ملكيّ. هنا نعود إلى ف 8 - 9 والكلام عن عمانوئيل. أمّا هنا، فالقول يعني «وزيراً» في بيت يهوذا.

ب - وألبسه (آ 21 أ)

الربّ نفسه يعطي الشارات إلى هذا الموظّف الجديد الشرعيّ. ويشير اللباس الطويل والحزام، إلى الاحتفال الذي به تولّى هرون وأبناؤه وظيفتهم (لا 8:7، 13؛ ج خر 48:4)، وإلى اللباس الكهنوتيّ.

 

هو الربّ يشدّ الحزام. وهذا يعني متانة الوظيفة واسمراريّتها. ففعلتُه تسبق تسليم السلطة أو نقلها. والخبر الحكميّ الذي نقرأه في تك 41:41 - 42 والذي يروي كيف تسلّم يوسف السلطة من فرعون، يدلّ على البناء عينه. «وها أنا أقيمك حاكماً على كلّ أرض مصر. ونزع فرعون خاتمه من يده وجعله في يد يوسف، وألبسه ثياب كتّان، وطوّق عنقه بقلادة من ذهب».

ج - فيكون كأبٍ (آ 21 ب)

دورُ الوزير يشبه كلَّ الشبه دور الملك الحقيقيّ، أو الراعي، أو «الولد المسيحانيّ» الذي قال فيه أش 9:5: «وتكون الرئاسة على كتفه، يُسمّى باسم عجيب، ويكون مشيراً وإلهاً قديراً، وأباً أبدياً». نحن أمام موضوع تقليديّ منذ زمن يوسف (تك 45:8: أباً عند فرعون)، يرجع إلى الصورةُ التي تمثّل الله السيّد والأب (مز 103:13: كرحمة الأب على بنيه).

د - مفتاح بيت داود (آ 22)

هنا نقرأ قلب الاعلان الذي فيه يتسلّم إلياقيم وظيفته. هو يلعب الدور الذي لعبه القول الملكيّ في قلب التقاليد المرتبطة بالتنصيب الملكيّ: «أكون له أباً ويكون لي ابناً... بيتُك وملكك يدومان إلى الأبد أمامي، ويكون عرشك على الدوام ثابتاً» (2 صم 7:14، 16). فوظيفة الوزير أو سيّد القصر تشبه وظيفة بوّاب يمتلك وحده السلطة على إدخال الناس وإخراجهم. أي على حياة القصر وسلوك سائر الموظّفين.

هي صورة الراعي التي عرفها الشرق القديم، والتي نقرأها في يو 10:16: البوّاب الحقيقيّ هو الذي كلِّف تكليفاً رسمياً من قبل صاحب الخراف. الموضوع موضوع الشرعيّة. من له السلطة، من يحقّ له أن يأمر؟ وذلك لخير الذين يخضعون له.

هذه السلطة الحقيقيّة أو «الصالحة»، هي جزء من عهد الله مع بيت داود، وكفالة لمتانته. ومتانة هذا البيت تشهد لمتانة العهد مع السلالة. هذا ما تبرزه آ 23 فتستعمل ألفاظاً لا يمكن أن تُقرأ خارج سياق هذا العهد الخاص.

هـ - وتدٌ في مكان ثابت (آ 23)

نحن نعرف التقاليد المتعلّقة باختيار داود، والمرتبطة بتلك التي تشير إلى اختيار صهيون. ويشهد على ذلك خبرُ انتقال تابوت العهد إلى أورشليم، وكذلك مشروع داود الذي أراد أن يبني الهيكل، ومستقبل هذين الموضوعين في المدائح الملكيّة. رج مز 132:

1 أذكر يا ربّ داود

وكلّ عنائه:

2 كيف حلف للربّ ونذر للقدير:

3 «أنا لن أدخل خيمة بيتي،

ولن أصعد سريري،

4 ولن أعطي عينيّ رقاداً،

ولا أجفاني نوماً

5 إلى أن أجد مقاماً للربّ،

مسكناً للقدير إله يعقوب».

6 سمعنا أنّ (تابوت العهد)

في افراته،

وجدناه في حقول يعر.

7 لندخل إلى مساكن الربّ،

لنسجد لموطئ قدميه.

8 قم أيها الربّ إلى ديارك،

أنت وتابوت عزّتك.

صورة «الوتد المغروز» تدلّ على مدينة صهيون الملكيّة (33:20-21):

20 أنظروا إلى صهيون،

مدينة أعيادنا،

فترى عيونُكم أورشليم،

تراها مسكناً مطمئناً،

خيمة لا تُنقَل من مكانها.

أوتادُها لا تُقلَع إلى الأبد،

وحبل من حبالها لا ينقطع.

21 حيث الربّ يُظهر عظمته،

وحيث الأنهار الضفاف الواسعة.

أجل، لا يُقتلع وتدٌ منها. موقعها ثابت (ن ا م ن). هي موضع الإيمان. نستطيع القول تقريباً إنّ جميع النصوص المرتبطة بالايديولوجيا الملكيّة لصهيون، تشير إلى بيت داود الثابت.

نذكر أولاً 2 صم 7:16: «يكون بيتك وملكك ثابتَين على الدوام أمام وجهي، وعرشك يكون راسخاً إلى الأبد». كما نذكر كلمة أبيجائيل لداود: «ولا بدّ أن يُقيم لك الربّ ملكاً وطيداً» (1 صم 25:28). ووعد الربّ يربعام بلسان النبيّ أخيا الشيلوني: «أكون معك وأبني لك بيتاً ملكياً ثابتاً، كما بنيتُ لداود» (1 مل 11:38). أمّا مز 89 فيذكر أكثر من مرّة هذا الثبات للاشارة إلى نعم أكيدة وُعد بها الشعب في نهاية الأزمنة.

4 عاهدتُ الذي اخترته،

حلفتُ لداود عبدي:

إلى الأبد أُثبت نسلك،

وإلى جيل وجيل أبني عرشك.

وقال أش 55:3:

أعاهدكم عهداً أبدياً،

عهد رحمتي الصادق إلى داود.

فالسيّد الربّ هو الذي يمنح السلطة لملكه، ابن داود، باسم عهدٍ لامشروط يجعله الوارثَ الشرعيّ (1 مل 1:32 - 37).

وهكذا يشارك الوزير إلياقيم في شرعيّة الوارث الملكيّ الحقيقيّ، الذي يعيده ربّ العهد، بسبب أمانته، لأورشليم ويهوذا. وهكذا يرجع المجد الحقيقيّ إلى بيت داود. قد يكون ناشرٌ عرف بالأحداث السياسيّة المعاصرة، فقرأ في عزل شبنا الحاكم الأراميّ أو في تولية إلياقيم في وظيفته، كسيِّد في وطن سعيد، تتمّةً تسجّلت في تاريخ هذا القول الاسكاتولوجيّ. فالأمر يبقى ثانوياً، بالنظر إلى اللاهوت الذي ورد في سفر أشعيا.

 

الخاتمة

ما يحفظه قارئ أشعيا وما عبَّر عنه إنجيل متى (16:16 - 18): إيمان بصلابة برّ إله العهد «ومتانته». هو الأمين الذي لا يتراجع. على هذا الأساس تذكّر عالمُ المنفى اليهوديّ المواعيد الكبيرة التي أعلنها أشعيا الأول في القرن الثامن، فأعلن ما ينتظره: حاكم حقيقيّ، بارّ، لا يتزعزع، يبني العدالة الجديدة من أجل البشر. وحين أعلن يسوع وتلاميذه أنّ ملكوت الله يُدشَّن، ملكوت التطويبات وإنجيل الفقراء (مت 11:2 - 6)، وُلدَت جماعة لا تتزعزع حيث القاعدة برارة جديدة أقوى وأثبت من الموت، حاسمة، مؤسّسة على عهد جديد من أجل غفران الخطايا