الخلاص الآتي

 

بعد دينونة الله التي أصابت شعباً صغيراً يقيم قرب البحر الميت، شعب أدوم، فتوسّعت وسع الكون، تتبدّل الأوضاع تبدّلاً تاماً. لم تعد البريّة الموضع القفر الذي فيه تتلاقى الوحوش وبنات آوى، بل هي صارت فردوساً على الأرض، ودينونةُ الله تحوّلت. هي لا تدمّر بل تخلق من جديد. وإن هي أرادت أن تُفني الشرّ فلكي تدعو الناس إلى التوبة ومسيرة الحياة وعلى وجوههم فرح أبديّ.

ما هو سياق هذا المقطع، وكيف نفهم آياته؟

 

1 - السياق

هذا المقطع جزء من مجموعة أوسع. فإن ف 34 - 35 يفسّران الدمار الذي ضرب أدوم (34:5 - 6). ونحن نجد عبارات نشتمُّ فيها رائحة المتشفّي (34:3 - 7):

تُطرَح قتلاهم في الشوارع،

ويفوح النتن من جيفهم،

فيرتوي من السماء سيفي.

تفسَّر هذه القساوة انطلاقاً من معاداة تقليديّة، قديمة، بين أدوم والشعب العبريّ، معاداة تعود إلى زمن الخروج (عد 20:14 - 21). ونما هذا العداء على مدّ الحقبات التالية (تك 27:1؛ 1 صم 14:47؛ 2 صم 8:13 - 15) لكي يصل إلى الذروة في زمن المنفى. في ذلك الوقت، تصرّف الأدوميّون بحقد، وفرحوا بشقاء يصيب جيرانهم. فهدّدهم الأنبياء بعقاب يليق بهم (عو 1 ي؛ إر 49:7 - 22؛ حز 25:12 - 14؛ 35:2- 15؛ ملا 1:2 - 3). وبدا هذا العقاب خارقاً، لأنّ الأدوميّين الذين أقاموا على الصخور، جنوبيّ البحر الميت، اعتبروا نفوسهم في أمان، لأنّ لا أحد يقدر أن يصل إليهم.

في هذا السياق التاريخيّ نَقرأ ف 34 - 35. لهذا مال عدد من الشرّاح لقراءتهما واعتبارهما من زمن المنفى، على أنّهما تطبيق لشريعة قاسية نجدها في سفر الخروج: شريعة المثل. سن بسن وعين بعين. تتشفّى أدوم لخراب يهوذا بعاصمتها أورشليم. وها هي يهوذا تتشفّى لدمار أدوم. وبنو أدوم الذين حرّكوا أعداء شعب الله، حركوا البابلونيّين لدمار أورشليم بلا شفقة (مز 137:7). هم يستحقّون أن يعامَلوا بالقساوة التي عرفها جيرانهم.

ولكن بجانب هذا الكلام القاسي عن الانتقام، يجب أن نرى أيضاً وجهة أخرى في النبوءة التي نقرأ: فبعد قولٍ يُعلن العقاب يأتي قول التعزية. فعقاب أدوم الذي صوِّر بشماتة ظاهرة، لا يستأثر بانتباه النبيّ الذي ينطلق حالاً للكلام عن خلاص يُعدّه الله لشعبه، فيسوم معاديه عقاباً يكون مثلاً للآخرين. والمقطع الذي نقرأ يبدأ عند العبور من كلام على الكارثة إلى كلام عن الخلاص.

مرات عديدة نلاحظ في البيبليا ارتباطاً وثيقاً بين هذين الزمنين المتعارضين والمتكاملين حيث يكون الواحد مع الآخر. يكفي أن نتذكر هنا أنّ أشعيا الثاني، الذي يُدعىكتاب التعزية، ينطبع كلّه بهذه المفارقة. يُذكر العقاب والسعادة، ولكنّ التشديد يكون على السعادة. مرّتين يتحوّل الحزن إلى فرح. في آ 1 - 2، تتغطّى الأرض القفر والصحراء بالمروج الخضراء. والنفوس التي خارت عزائمها عادت الثقةُ إليها والأمل: الأعرج قفز كالغزال. والأبكم ترنّم بعد أن حُلَّت عقدة لسانه.

 

2 - ستفرح البريّة (35:1 - 2)

1 ستفرح البريّة والبارية،

ويبتهج القفر ويُزهر كالنرجس

2 يزهر إزهاراً،

ويبتهج ويرنِّم طرباً.

مجد لبنان أعطيَ له،

وبهاء الكرمل والشارون،

فيرى كلُّ بشر مجد الله،

وبهاء الربّ إلهنا.

الصورة الأولى صورة طبيعيّة ساعة تسير قافلة العائدين من المنفى، في طريق العودة. ساعة تعبر، تحسّ البريّة برعشة الحياة، وتتحوّل، بسحر ساحر، إلى أرض خصبة وجنّة غناء.

هذه الصورة الجريئة قد نجدها في صحراء سورية وفلسطين. فما هي بالقاحلة القاحلة. فالطبقات الكلسيّة تسمح حتى لندى الليل ببعض الخضر. لهذا، تُجعَل «البرية» في آ 1، في موازاة مع «البادية».

غير أنّ فكرة البريّة التي تزهر وتتحوّل، تحرّكها ذكرياتٌ دينيّة ترتبط بالإيمان. لا شكّ في أنّ الساكن في الأراضي المزروعة، يرى في البرية موضعاً لا يمكن السكن فيه (إر 2:6)، متاهة مهجورة لا نبات فيها (تث 32:10)، هي أرض العطش (هو 13:5) والرعب (أش 13:2؛ 30:6). ونتخيّلها غارقة في الظلام (ار 2:6، 31). ولكنّ العبرانيّ لا ينسى أنّه مرّ في خبرة البرية قبل أن يصل إلى العهد مع الله (خر 24:3 - 8). هناك نال الشريعة التي جعلت منه شعب الربّ (خر 19:5). في هذا المنظار، لا تذكّرُه حقبةُ البريّة بعذابات قاساها جيل الخروج، بل بالحياة الحميمة مع الله. هذا ما نقرأ في إر 2:2 - 3:

أَذكرُ مودَّتك في صباك،

وحبَّك يوم خطبتك.

سرتِ ورائي في البرية،

في أرض لا زرع فيها.

اسرائيل مكرّسة للربّ،

باكورة غلّته في الشعوب.

في تلك المسيرة، تحوّلت الأرض القاسية الجرداء إلى جنّة مزهرة، والسماء والأرض والجبال والجزر البعيدة، بدت كلّها متضامنة مع مصير الانسان:

تخور الأرض وتذبل،

تخور المسكونة وتذوي

تخور السماوات والأرض جميعاً (24:4)

الخمر تنوح والدوالي تخور،

فتتحسّر قلوب أهل المسرّة

ويَبطل طربُ الدفوف والكنّارة،

ويزول هتاف المرح (آ 7)

وكلّ هذا يتحوّل:

هؤلاء يرفعون أصواتهم،

بالترنيم لعظمة الربّ.

وأولئك من البحر يهتفون.

يمجّدون الربّ في المشارق

وفي جزر البحر اسم الربّ.

من أطراف الأرض نسمع الأناشيد:

الإكرام للاله الصادق (آ 14 - 16)

وهكذا تشاركت الطبيعة التي كانت علاقتها وثيقة مع الشعب السائر في الخروج. فالناجون من منفى بابل عادوا إلى أرضهم. عندئذ أزهرت البريّة التي عبروا فيها. هذا ما نقرأ في آ 2 ب. نالت البرية مجد لبنان بغابات الأرز التي تغطي جبله، وبهاء الكرمل والشارون بما فيهما من هضاب خصبة وسهول تبدو كالجنائن.

نلاحظ أنّ فرح البادية يصوّر في عبارات تشير إلى الحالة النفسيّة التي يحسّ بها من يشارك في احتفال ليتورجيّ. فالأفعال «ش ش» (فرح)، «ج ل» (ابتهج) «رنان» (رنّم)، تعود مراراً في سفر المزامير. وهي تلتقي مع «ز م ر »، أنشد مزموراً مع العزف، وهلّل. هذه الاشارة مهمّة جداً بقدر ما نرى في لغة النبيّ قصداً ليتورجياً. فالمسيرة في البرية هي تطواف يسير فيه الربّ في المقدّمة، فيصبح الصعب سهلاً والمعوجّ قويماً.

اعتاد الشعراء البيبليّون أن يضمّوا الطبيعة إلى مصير الانسان: إن هو تضايق، وصلت الضربات إلى الخلائق الماديّة: «الأرض تنوح وترزح، ولبنان يذوي من الخجل. الشارون صار كالبادية، وتعرّى باشان والكرمل» (33:9؛ رج ار 4:28؛ هو 4:3). فالجبال والسماء والبحر تشارك مشاركة ناشطة في أحداث الخلاص، ولا سيّما حين يتمّ الخلاص النموذجيّ في العبور.

الجبال قفزت مثل الجبال،

والتلال كأولاد الغنم.

ما لك يا بحر تهرب،

يا أردن تثب إلى الوراء،

يا جبال تقفزين مثل الكباش،

ويا تلال مثل صغار الغنم (مز 114:4 - 6).

هذا الجمع ليس وليد لغة شعرية، بل نظرة خاصة تتصوّر هذه الأحداث أوقاتاً فيها تتمّ ليتورجيا عظيمة، وتبرز هذه الفكرةُ بشكل خاص في الوثيقة الكهنوتيّة حين تتكلّم عن عبور البحر الأحمر (خر 14:1 - 2) والمسيرة عبر البريّة (عد 10:11 - 28). هذا ما نجده في خبر الخروج وسقوط أريحا الذي صُوِّر بشكل تطواف ليتورجيّ (يش 6:1 ي).

حين نستنير بهذه النظرة إلى أحداث الخروج الخلاصيّة، وبهذا اليقين الذي عرفه الأنبياء فاعتبروا أنّ العودة من منفى بابل هي تكرار أكثر عجباً (51:9 - 10) للخلاص الذي أتمّه الله في الزمن القديم. حين نستنير بكلّ هذا، لا نستصعب في أن نأخذ الأفعال الليتورجيّة في آ 1 - 2 في معناها الواقعيّ. حينئذ نكتشف أنّ النبيّ يتمثّل المشهد بشكل عمل ليتورجيّ: الناجون يعبرون البريّة كما في تطواف. كلّ شيء يقف على الصفّين، ويضمّ صوته إلى أصوات المديح التي يُطلقها المفديّون.

 

3 - تشدّدوا ولا تخافوا (35:3 - 6)

3 شدّوا الأيدي المسترخية،

وثبّتوا الركب المرتجفة.

4 قولوا لمن فزعت قلوبهم:

«تشدّدوا ولا تخافوا!

ها إلهكم آتٍ لخلاصكم،

يكافئكم على أمانتكم

وينتقم لكم من أعدائكم».

5 عيون العمي تنفتح،

وتنفتح آذان الصمّ.

6 ويقفز الأعرج كالغزال،

ويترنّم لسان الأبكم.

تنفجر المياهُ في البرية،

وتجري الأنهارُ في الصحراء.

في آ 3 - 4، يتطلّع النبيّ إلى البشر. وهكذا نفهم أنّ ابتهاج الطبيعة انعكاس وصدى لفرح الناجين. هو فعل الأمر الذي ما كنّا ننتظره في قلب هذه الصورة، يحثُّ الذين خارت عزائمهم لكي يتشدّدوا، لكي يثبتوا (آ 3). نقرأ عن صورة الأيدي المسترخية في أش 13:7؛ أي 4:3 - 4، للدلالة على حالة من الانهيار الداخليّ التام.

وما تقوله آ 3 من خلال الصور، تُوضحه آ 4. فالكلام الذي يتوجّه إلى المتراخين (تشجّعوا ولا تخافوا) ليس نداء للحرب على من اضطهدهم، بل نداء إلى الابتعاد عن القلق لدى مجيء الربّ المفاجئ. والمخافة في البيبليا ليست عاطفة نشعر بها أمام الناس، بل ردّة الفعل لدى الخليقة أمام ظهور الله (حف 3:17؛ لو 1:30؛ مت 28:5 وز). اذن، تعود آ 4 أ (قولوا لمن فزعت قلوبهم) إلى إعلان تجلّي الله كما تعبِّر عنه آ 4 ب: «ها إلهكم آتٍ لخلاصكم».

وتفسّر آ 5 - 6 فعل «خلّص»، فتذكر العميان الذين يرون، والصمّ الذين يسمعون، والعرج الذين يمشون، والبكم الذين يتكلّمون (مت 11:5؛ لو 7:22). هذه الظواهر ليست فقط عجيبة في ذاتها، بل أيضاً على أنّها أعمال خلاص. فقد حرص الانجيليّون حين يروون عجائب شفاء، أن يستعملوا فعل «خلّص» بدل فعل «شفى». قال يسوع للنازفة: «يا ابنتي، إيمانك خلّصك» (مر 5:34). هذا ما يسري بشكل خاص على إنجيل متى، الإنجيل الكنسي والتعليميّ في الجماعات المسيحيّة الأولى. فهو يقدّم أعمال الربّ، لا في ظاهرها الخارجيّ، بل في مدلولها العميق. نورد هنا مت 8:25 مع نداء التلاميذ إلى يسوع بعد أن أيقظوه: «نجّنا يا ربّ، فنحن نهلك».

 

4 - تتمّة الخلاص (35:7 - 10)

7 وينقلب السراب غديراً،

والرمضاء ينابيع ماء،

وحيث تسكن بنات آوى،

يخضرّ القصب والبرديّ.

8 يكون هناك طريق سالكة،

يقال لها الطريق المقدّسة.

لا يعبر فيها نجس،

ولا يضلّ إن سلكها جاهل.

9 لا يكون هناك أسد،

ولا يصعدها وحش مفترس!

بل يسير فيها المخلّصون

10 والذين فداهم الربّ يعودون،

ويأتون إلى صهيون مرنّمين

وعلى وجوههم فرح أبديّ.

يتبعهم السرورُ والفرح،

ويهرب الحزن والنحيب.

تمّت المعجزة الكبيرة: تفجّرت المياه في البريّة. فارتوت الأرض وأخصبت. كانت تعيش هناك بنات آوى، فصار الموضع مكاناً يربض فيه البقر (60:10) والغنم (ار 50:6). كان العشب يابساً، فنما القصب والبرديّ في ملء اخضراره. وفي قلب هذه الطبيعة الزاهرة انفتحت طريق. لا طريق عاديّة، بل طريق مقدّسة (40:3؛ 60:10 - 12)، مكرّسة للربّ وللسائرين عليها باسم الربّ. طريق تحرَّم على كلّ نجس. حتى إن سلكها الجاهل، فهو لا يضلّ. في أيّ حال، لن يبقى هناك جاهل، لأنّ الجميع يعرفون الربّ، من صغيرهم إلى كبيرهم (إر 31:34).

هذه الطريق تكون آمنة، لأنّ لا وحوش تمرّ عليها. نتذكّر أنّ الوحش يدلّ على الشرّ والموت. نقّاها الربّ فسار فيها المخلّصون وحدهم (آ 9). أولئك الذين افتداهم الربّ، كما يفتدي الأخ أخاه من العبوديّة أو من الأسر.

وتصوِّر آ 10 بني اسرائيل الذين تحرّروا من قيودهم في بابلونية. ليسوا بعدُ عبيداً، بل صاروا أحراراً. وها هم يعودون إلى أرضهم في إطار دينيّ رفيع: جاءت خاتمة دينونة الله لشعبه: تمرّدوا على العهد فنالوا العقاب. وها هم دفعوا الثمن مرّتين. والآن تابوا فنالوا الغفران.

ما من مرحلة من مراحل تاريخ شعب الله تنحصر في توالي الأحداث بشكل خارجيّ. ففي كلّ موضع، تفرض شريعةُ العهد نفسها. فيجب أن نعمل بها (خر 19:5 - 6). وإنّما جاء العقاب والمنفى لأنّنا تجاوزناها (تث 28:63 - 68؛ عا 5:27؛ هو 9:1 - 6؛ 2 مل 17:18). ولكنّ الله يغفر للخطأة التائبين (هو 2:1 - 2؛ 11:8 - 11؛ إش 40:11؛ 52:12). فراحة بنو اسرائيل وشقاؤهم لا يكشفان كلّ معناهما إلاّ للذين يقرأون فيهما تاريخ العهد. أمّا الآخرون فيرون فيهما لغزاً ومثلاً غامضاً (تث 28:37؛ 1 مل 9:8).

مع العودة من المنفى الذي به تتمّ دورة دينونة الله، تجد كلّ الأحداث السابقة والشريعة التي وجّهتها، ملء النور لكي يفهمها المؤمن.

في بداية آ 10 نقرأ فعل «ش و ب»، ثاب، رجع، عاد. هذه العودة ليست مجرّد واقع خارجيّ، بل دخول جديد في حياة حميمة مع الربّ. غير أنّه يجب أن نلاحظ أنّ هذا التفصيل يتوافق مع مختلف معاني «ش و ب» الذي هو من أغنى الألفاظ في اللغة العبريّة. التفت، مال، توجّه إليه، توجّه عنه. إن كان بنو اسرائيل راحوا في طريق المنفى (السبي، ش ب و ت)، «فها تأتي أيام، يقول الربّ، أبدّل (ش ب) مصير شعبي» (ار 30:3). وذلك بحسب الوعد في 30:3: «الربّ إلهك يعيد (ش و ب) سبيَك (ش ب و ت) ويرحمك (ش ب)، ويجمعك أيضاً من وسط جميع الشعوب حيث شتّتكَ الربّ إلهك». ولكن هذا يفترض عودة الاستقامة إلى العلاقات مع الله بعد أن بلبلتها (ش ب) الخطيئة. لهذا كان نداء زك 1:3 في توافق تام مع وضع المنفى: «عودوا إليّ وأنا أعود إليكم».

إلاّ أنّ العلاقة الأساسيّة التي تربط الانسان بالله، لا يمكن أن تصحَّح إلاّ بعد أن تستقيم الانحرافاتُ التي ولّدها الجمود والخيانة. فالله يَعِد المنفيين مع تلاعب على الكلام: «إن كنت تعود إليّ، أجعلك تعود إلى الأرض» (ار 15:19). وجاء صدى لهذا الوعد الالهيّ صلاة افرائيم في الأسر: «أعدْني فأعود» (ار 31:18).

بقدر ما اعتُبرت هذه العودةُ إلى أرض الموعد ختماً للقاء الله بشعبه كما تدشّن في العهد (هو 2:16؛ ار 2:2 - 3)، دلّت حقاً على تدخّل الله الخلاصيّ. وعبّرت أفضل تعبير عن الرجاء الاسكاتولوجيّ الذي موضوعه مُلك الله في الكون (أش 45:14).

 

خاتمة

ذاك هو موضوع هذه القطعة التي حدّثتنا عن خلاص الله الآتي. فالخلاص عمل سريّ لا تراه العيون. ولكنّ أموراً تدل عليه. ونحن نستطيع أن نراها بالعين. البريّة تصبح جنّة فيها الأشجار والزهر والثمر. وأصحاب المرض يستعيدون صحّتهم كاملة، بحيث لا يكون بعد لا وجع ولا موت. غاب الشرّ حين غابت الوحوش. غاب العطش من قلب الصحراء، ففاضت المياه أنهاراً، أين منها أنهر الفردوس الأربعة. كلّ شيء تبدّل: الحزن حلّ محله السرور. والفرح حلّ محلّ النحيب. رجع الشعب من المنفى، ورجع معه الخلاص. فيبقى عليه أن يرجع حقاً إلى الربّ بالتوبة والعودة إلى الثقة به رغم مظاهر العظمة عند الأصنام البابليّة وأبّهة الاحتفال بأعيادها. وهذه العودة تسهّلت بعد أن ضاعت الطريق وسط الغياب والظلمة. أمَّا الآن فكشفت الطريق. وهي طريق مقدّسة يسير فيها من لا نجاسة فيه. من عر ف نعمة الخلاص. من شارك في الفداء. حينئذ يحلّ مجد لبنان على العائدين، وبهاء الكرمل على الضعفاء. عندئذ يفهم أولئك الذين تراخت أيديهم وارتجفت ركبهم، أنّ الله حاضر هنا رغم الظواهر، وهو يفعل بحيث يرى كلُّ بشر، لا شعب واحد من الشعوب، مجدَ الله