تحية إلى الكنائس السبع

 

نحن في رؤ مع نبوءة مسيحية دوّنت في لغة جليانية. دوّنها يوحنا، ذاك النبي المسيحي في آسية. أما التعليم فكلمة رجاء في قلب الصراعات التي تعرفها الكنيسة. ونبدأ هنا مع مجموعة أولى تبدأ في 1: 4 وتنتهي في 3: 22. نجد أول ما نجد "تحية" إلى الكنائس السبع، ثم الرؤية الأولى (1: 9- 320)، وسلسلة من سبع رسائل إلى الكنائس (2: 1- 3: 22). 

1- قراءة إجمالية
أ- البداية
منذ البداية (آ 4) نجد الرقم 7. أهميته ظاهرة كمبدأ لتنظيم العناصر في سلسلة من السباعيات. وهو سيوحّد هذه المجموعة الأولى حول موضع السبع كنائس.
تُذكر هذه الكنائس أولاً "جملة": من يوحنا إلى الكنائس السبع" (آ 4). ثم ترتبط بيسوع نفسه الذي يأمر يوحنا بأن يكتب لها (1: 11). وأخيراً، ترتبط بالملائكة السبعة، "ملائكة الكنائس السبع" (1: 20).
وجّهت رسالة إلى ملاك كل كنيسة (2: 1، 8، 12، 18؛ 3: 1، 7، 14). ولكن النظرة الخاصة لا تنسينا النظرة إلى سبع كنائس لا تنفصل بعضها عن بعض. فكل رسالة تتوجّه إلى كنيسة كما تتوجّه إلى مجمل الكنائس. نقرأ: "من له أذنان فليسمع ما يقوله الروح للكنائس" (لا للكنيسة المحددة) (2: 7، 11، 17، 29؛ 3: 6، 13، 22). إذن، نحن هنا أمام سباعية تامة محورها الرسائل السبع إلى الكنائس.
والعنصر المحرّك والديناميكي لهذه المجموعة هو وجه المسيح: يقدّم النصّ المسيح أولاً في قطعة ليتورجية (1: 4- 8)، ثمّ يتأمله في رؤية (1: 9- 20) ترسمه في صور رمزية (آ 12- 16)، قبل أن يتكلّم هو ويقدّم نفسه (آ 17- 18). وهو يعطي الأمر بالكتابة، كما نجده في بداية الرؤية ونهايتها (1: 11، 19)، وفي بداية كل رسالة (2: 1، 8، 12، 18؛ 3: 1، 7، 14). يأمر بالكتابة. ثمّ يملي كل رسالة متحدّثاً في صيغة المتكلّم. إنه الشخص المركزي.
ب- التحية إلى الكنائس (آ 1- 4)
ونبدأ بالبنية، فنكتشف عناصر متماسكة. في آ 4- 5 أ، نجد وحدة تشير إليها الأداة "من": من الكائن، من الأرواح السبعة، من يسوع المسيح. في آ 5 ب- 6، تتوقّف المسيرة فنقرأ: "هو الذي أحبّنا". تتبدّل الصيغة من المخاطب الجمع (النعمة لكم أنتم) إلى المتكلّم الجمع (أحبنا نحن). قد نكون هنا أمام جواب تطلقه الجماعة: أحبنا، حرّرنا، جعل منا ملكوتاً. وتبرز الوحدة في التقابل بين "هو الذي" و"له" (المجد). وتثبت في "آمين".
في آ 7، يتبدّل الفاعل والبنية الغراماطيقية. يتكرّر ثلاث مرّات الضمير الذي يدلّ على يسوع. "هو" (آت). "ستراه" (هو). و"تنتحب عليه" (هو). هذا التكرار الذي يسنده "نعم" (وآمين) يبدو خاتمة آ 6، بل موافقة على ما يسبق، وهذا يعني تبدّلاً في المتحدّث. وتستعمل صيغة المتكلّم (أنا هو) في آ 8، فتدل على وحدة جديدة. ولفظة "أنا" تفترض حواراً وسامعين. نلاحظ أن جميع العناصر هي مثلّثة، وهذا ما نجده بتواتر في الأقوال التي تشير إلى الله.
كل هذه الإشارات تتيح لنا أن نفترض أننا أمام حوار ليتورجي.
- حيّى يوحنا الجماعة السامعة (آ 4- 5 أ).
- ردّت الجماعة السامعة بمجدلة (آ 5 ب- 6): له المجد والعزة.
- إستعاد يوحنا الكلام، فقدّم إعلاناً نبوياً نجده في قلب المجموعة (آ 7): "ها هو آتٍ على السحاب".
- قبلت الجماعة ووافقت: آمين، نعم (آ 7).
قدّم الله نفسه يوحنا (قراءة الكتاب المقدس) فأسند ما قيل (أو قُرىء) بالنسبة إلى يوحنا وإلى الجماعة.
أعدّ رؤ للقراءة الليتورجية (1: 3) فوجدنا فيه أثراً لما يجب أن نعيشه حين نقرأه. وهكذا تشكّل هذه التحية زمناً فيه يتّصل يوحنا بمحاوريه، فيشاركون في الاعتراف بالإيمان الواحد. ووجدت الكنيسةُ نفسَها في حضرة الله بشكل مباشر، فاستعدت لسماع الوحي الذي سيأتي.

2- قراءة تفصيلية
أ- التحية والسلام (1: 4- 5 أ)
أولاً: وضع الكنائس
توجّه يوحنا إلى كنائس معروفة ومحدّدة في مقاطعة آسية الرومانية (أي: شاطىء آسية الصغرى، تركيا). لا شكّ في أن هذه المقاطعة عدّت جماعات مسيحية كثيرة غير تلك المذكورة في آ 11 (كو 1: 2؛ 2: 1؛ 4: 13؛ أع 20: 5) فلماذا اكتفى يوحنا بسبع كنائس؟ لأنه أحبّ الرقم 7 (علامة الملء والكل. إذن، كل كنائس آسية الصغرى، بل كنائس العالم كله). وسبب آخر: قد تكون هذه الكنائس عرفت حياة أخوية عميقة. وأولاها هي أفسس المدينة الأسقفية (2: 1) حيث مارس الرسولان بولس ويوحنا خدمتهما. وأخيراً، هذه الكنائس تقع على خط البريد الملكي. لهذا كان من السهل إيصال رؤ إلى هذه الجماعات. لم يقل يوحنا إلى كنائس سبع (بدون أل التعريف)، بل الكنائس السبع (مع أل التعريف) فدلّ على مجموعة. الكنيسة هي واحدة وكثيرة. ويوحنا يوجّه تعليمه إلى المؤمنين في كل زمان ومكان.
لا نجد اسم سميرنة، برغامس، سارديس، فيلادلفية إلاّ في رؤ. أما المدن الثلاث الأخرى فنجدها في العهد الجديد. تذكر أفسس 16 مرة وفيها كرز بولس وكتب رسالته الأولى إلى كورنتوس. تياتيرة هي موطن ليدية، بائعة الأرجوان، التي عمّدها بولس في فيلبي (أع 16: 14). وجماعة لاودكية مذكورة في كو 4: 16.
ثانياً: النعمة والسلام
نظن نفوسنا في رسالة بولسية. السلام هو الخلاص والبركة. والنعمة تدلّ على رضى الله الفاعل. وسمّى يوحنا الينابيع الثلاثة الدائمة التي منها تنبع هذه النعمة وهذا السلام.
الينبوع الأول: الكائن والذي كان والذي يأتي. ستعود هذه العبارة كما هي في آ 8؛ 4: 8. وستكون ناقصة (بدون الذي يأتي) في 11: 17؛ 16: 5. نحن هنا أمام توسّع في خر 3: 14 حيث كشف الله عن اسمه كشفاً سرياً: "أنا هو الذي هو". وقد حاولت التقاليد اليهودية أن توضح هذا الاسم، فقالت السبعينية: "أنا الكائن". والترجوم الفلسطيني (في خر 3: 14): "أنا هو الذي هو والذي يجب أن يكون". وفي تث 32: 39: "أنا هو ذلك الذي هو والذي كان، وأنا هو من يجب أن يكون". لسنا أمام معطية حول كائن الله الحميم وكيانه الماورائي، بل حول موقفه تجاه شعبه. نحن أمام الإله الفاعل اليوم، الإله الذي تدخّل في الماضي والذي سيكون هنا غداً. تأثّر يوحنا بالليتورجيا اليهودية، ولكنه حوّل العبارة في خط مسيحي، فأبرز إقتراب النهاية وجعل "ذاك الذي يأتي" محل "ذاك الذي يجب أن يكون".
أنا هو الحي (تك 17: 1؛ أش 48: 12؛ أم 8: 22 ي؛ سي 24: 4 ي). تدلّ هذه العبارة على أزلية الله، على قربه وابتعاده، على طبيعته السماوية وقوة تدخّله في التاريخ. إن الإله الآب الذي "يأتي" قد وهب قدرته لابنه (يو 5: 22).
* الينبوع الثاني هو الروح القدير في ملئه وكماله عطاياه. في أش 11: 1 ي، يحلّ على المسيح سبعة أرواح أي ملء الروح. لسنا هنا أمام أرواح سبعة أو ملائكة سبعة مميزين. فهؤلاء يعرفهم رؤ ويسميهم "ملائكة" لا "أرواحاً" (8: 2). ويتكلّم زك 4: 2، 10 عن منارة (شمعدان) فيها 7 سرج و 7 مساكب للسرج. إنها تدلّ على أعين الرب. يلمّح رؤ إلى هذا النصّ فيقابل هذه السرج (4: 5) وهذه الأعين (5: 6) مع أرواح الله السبعة التي هي صورة عن معرفة ذاك الذي يجلس على العرش. وفي 3: 1 و5: 6، تبدو الأرواح السبعة "شيئاً" يمتلكه المسيح. في هذا الرقم 7، نحن أمام الروح كما تدركه الخبرة المسيحية في ملئه كما في تعدّد أفعاله وتدخّلاته.
* الينبوع الثالث هو يسوع المسيح. هي اللفظة الثالثة في هذه العبارة الثالوثية. نحن أمام المسيح الذي مات وقام وتمجّد. وقد أخذ هذا الكلام من تصوير المسيح في مز 89: 28، 38: "وأنا أجعله بكراً، علياً فوق ملوك الأرض... مثل القمر شاهداً أميناً". الشاهد الأمين هو ثابت وأهل للثقة حين يشهد عن كيان الله العميق وعن قصده، وسيذهب في شهادته حتى الموت. وهو بكر الأموات (كو 1: 18؛ 1 كور 15: 20). البكر يدلّ غلى حظوة ينعم بها الابن. وحين زاد "بين الأموات" شدّد أن بعدَه سيُولد له أخوة عديدون للحياة الأبدية. وهو ملك ملوك الأرض. إن ملوك الأرض يجسّدون في رؤ 6: 15؛ 17: 2؛ 18: 3، 9 الوجه السلبي في العالم (خوف، زنى). في النهاية، سيتدخل المسيح، ملك الملوك (17: 14: الحمل يغلبهم؛ 19: 16) فيغلبهم وينتزع منهم قوتهم. وهكذا تكون سلطة المسيح واضحة على القوى التاريخية المعادية.
إن هذا الإعلان الإيماني يتضمّن أربعة تأكيدات: (1) يسوع الناصري هو المسيح الموعود به في العهد القديم. يرد إسم "يسوع" 14 مرّة في رؤ، وإسم "المسيح" 8 مرّات. (2) ويُعبد يسوع كالشاهد الأمين. سار النصّ في خطّ يوحنا، فلم يشر في الدرجة الأولى إلى الكرازة الشفهية وتتمة الرسالة الخلاصية بالأمانة (فل 2: 8)، بل إلى حياة يسوع وآلامه وموته على الصليب: كل هذان شهادة مؤثّرة لحب الله وحنانه وغفرانه. وابن الله المتأنس هو علامة عن هذه الشهادة. (3) غير أن سّر يسوع الإلهي قد تجلّى للعالم في أنه بكر القائمين من بين الأموات. فالمسيح دشّن بقيامته في اليوم الثالث علاقة جديدة وشاملة مع الكون. "كان قبل كل شيء وفيه يتكوّن كل شيء... هو البدء وبكر من قام من بين الأموات لتكون له الأولوية في كل شيء" (كو 1 :17-18).
(4) والتأكيد الرابع: يسوع هو الضابط الكل، لأنه ابن الله الأزلي الذي به خُلق العالم (يو 1: 10)، ولأنه الرب القائم من الموت. فأعضاء الجماعات المسيحية الذين فرضت عليهم عبادة الامبراطور، إبتهجوا حين سمعوا أن "ربنا" هو "ملك ملوك الأرض". هذا هو الجواب على الخيار الذي جُعل أمامهم: المسيح هو الـ "كيريوس" الوحيد الحقيقي. وكل ملك أرضي، حتى لو كان إمبراطور رومة مع مطالبته بالألوهة، يبقى خاضعاً لملك المسيح على الكون.

ب- الجواب (1: 5 ب- 6)
قدّم يوحنا للجماعة بركة الله حين أعلن إيمانها المركّز كلّه على يسوع. إنه لأمر مهمّ أن نشدّد على مركزية المسيح في رؤ. وفعل الشكر الذي يرد هو نشيد مسيحي قديم (شأنه شأن سائر أناشيد رؤ) يذكّرنا بما نقرأ عند بلينوس في رسالته إلى ترايانس (111- 113 ب. م.): ينشدون المدائح مناوبة للمسيح كأنه الله.
إلى الذي يحبّنا. لا عبارة تشبه هذه العبارة في العهد الجديد. لا شك في أننا نقرأ في غل 2: 20: "أحيا في الإيمان بابن الله الذي أحبني". ولكن الفعل هو في الماضي، لا في الحاضر. فالمسيح يحبّنا اليوم في حاضر جماعاتنا (3: 9، 19- 20)، في عمق صعوباتنا وآلامنا.
إلى الذي حرّرنا. يرد الفعل في الماضي فيحيلنا إلى حدث الصليب الفريد. فبدم الحمل الفصحي، نجونا من رباطات الخطيئة، تحرّرنا. كل هذه المجدلة تنشد عمل المسيح المتمّم للخروج. ولكن ما يميّزه هو أنه عمل حبّ. نحن هنا بلا شكّ أمام تلميح إلى سفر الخروج. ففي الفداء الفصحي الأول، كان دم الحمل علامة لهذا التحرّر الذي يجعل من العبرانيين شعب الله، شعب ملوك وكهنة (خر 19: 6). وأتمّ المسيحيون هذا التاريخ النبوي فصاروا شعب الله الحقيقي (رج 5: 9- 10) وشاركوا المسيح في ملكه وكهنوته (ق 20: 6؛ 22: 3- 5).
لا ينظر رؤ أبداً إلى المسيح على أنه منفصل عن عمله الخلاصي. فالكرستولوجيا (تعليم عن المسيح) والسوتيريولوجيا (تعليم عن الخلاص) لا ينفصلان. هنا نجد فكرة هامة عند يوحنا في خبر الصلب (خرج دم وماء، يو 19: 34) وفي الفقاهة على الافخارستيا التي تتبع معجزة تكثير الأرغفة (يشرب دمي، يو 6: 35). هذه الفكرة تجد هنا مداها اللاهوتي: فالفداء من الخطايا قد تمّ بواسطة الدم. وقد شدّدت الرسالة إلى العبرانيين بشكل خاص على قيمة دم المسيح (عب 9: 12، 14، 20، 22؛ 10: 19؛ 12: 24؛ 13: 12- 20).
جعل منا ملكوتاً وكهنة. حرّر الربّ شعبه فجعل منهم ملوكاً وكهنة. وهكذا فعل المسيح بالنسبة إلى المسيحيين، شعب الله الحقيقي. تعني لفظة "ملكوت" في رؤ، المملكة والسلطان الملكي (11: 5؛ 12: 10؛ 17: 12، 17، 18). هذا يعني أن المسيح يمكّنا من الإنتصار على الشّر. لقد تحرّرت الكنيسة من الخطيئة، فصار في وسعها أن تُصعد إلى الآب، أبي يسوع، الخليقةَ التي تخلّصت من الشّر.
لله أبيه. هنا في رؤ كما في يو، الله هو أب بارتباطه بيسوع. هو أبو يسوع المسيح. وينتهي كل هذا بالمجد الذي به نقرّ بحضور الله في يسوع الذي غمرنا بالنعم الإلهية. وبالعزة، أي بقدرة الله الفاعلة دائماً أبداً. وتجيب الجماعة كلّها: آمين. نحن نؤمن. هو كذلك.
إن التلميح إلى ملكوت المسيح قد توخّى تعزية المسيحيين المضطهدين الذين ظنوا أن المسيح تخلّى عنهم ولم يدافع عنهم من إضطهادات الأباطرة الرومان. غير أن ملكوت المسيح بعيد كل البعد عن مملوكة تدلّ على قدرتها الظاهرة: هو ملكوت ليتورجي ومقدّس. ودور المسيحي المخلَّص ليس في أن يملك، بل في الخدمة الكهنوتية والعبادة التي يؤدّيها مع المسيح وفي المسيح وبالمسيح لله الآب. يبقى أن تستعد الجماعات المسيحية الأولى لهذه المهمّة. فعبادتها للآب هي واجبها الأولى الذي قد يصل بها إلى الاستشهاد. 
ج- النبوءة (1: 7)
بعد هذا التعلّق بماضي الإيمان وحاضره، يلتفت يوحنا إلى المستقبل. ويتصرّف كنبيّ حقيقي، فيعلن نبوءة. أي يقرأ قراءة جديدة عدداً من النصوص المأخوذة من العهد القديم. هي أول نبوءة في هذا الكتاب النبوي، وهى تكشف موضوعه المركزي: المسيح يأتي. هناك نصان يقفان في أساس هذه النبوءة. الأول مأخوذ من دا 7: 13: "وسط السحاب جاء مثل ابن الانسان". وهنا يأتي المسيح في جوّ إلهي: مع السحاب. هو المجيء الثاني الذي نقرأ عنه في آ 4 (الذي يأتي) وآ 8. والنصّ الثاني يعود إلى زك 12: 10 ي: "ينظرون إلّي أنا الذي طعنوه، ويحتفلون بالحداد كما لابن وحيد". هذا النصّ يدلّ على تبدّل تام في موقف إسرائيل الخاطىء: تأثّروا بفداء الله فانتقلوا من "الطعن" إلى "الحداد". والرباط بين هذين النصين يعود إلى الجماعات المسيحية الأولى. نقرأ في مت 24: 30: "وتظهر في ذلك الحين علامة إبن الانسان في السماء، فتنتحب جميع قبائل الأرض، (تقرع الصدور حزناً وندماً) ويرى الناس إبن الانسان آتياً على سحاب السماء في كل عزّة وجلال".
أجل إن المصلوب سيأتي في المجد، وسيعترف به العالم كلّه. إن مجيء المسيح المجيد سيفرض نفسه على الذين طعنوه، على الذين صلبوه،. سيفرض نفسه بذاته أو بشهوده (11: 7- 8). حينئذٍ تقرع الصدورَ كلُّ قبائل الأرض (لا اليهود فقط). هذا لا يدلّ على يأس الهالكين، بل على وعي لخطيئة اقترفوها. فرؤية المصلوب في المجد ستنزع من العالم سلاح العداوة. 
إن يوحنا يدعو الجماعة التي تستمع إليه، لكي تعي مسؤوليتها في موت المسيح (يو 19: 37). هذا ما يهيّىء النداءات إلى التوبة في 2: 5، 16، 22؛ 3: 3، 19. فكل إنسان مدعو إلى التوبة تجاه المسيح الآتي. كانت الليتورجيا صلاة عبادة فصارت صلاة توبة. وبعد أن فهمت الجماعة هذا التعليم ومتطلّباته، وافقت وهتفت: نعم، آمين!
في هذا الوقت المليء باليأس، يوجّه يوحنا أنظار الجماعات الأولى إلى عودة الرب. نحن ما زلنا ننتظرها، ولا شيء يدلّ عليها. ومع ذلك، سيأتي يوم يعلن فيه الرب دينونته. إنه سيد الكون، الضابط الكل (بنتوكراتور، آ 8). أما صورة السحاب فنجدها مراراً في الكتاب المقدس وهي تعبّر عن القدرة السامية التي يتحلّى بها ديّان الكون. كلهم سيدانون لأنهم كلهم (اليهود والوثنيون) مسؤولون عن موت يسوع.
د- كلام الله (1: 8)
الله حاضر في الجماعة الليتورجية، وهو يتكلّم بنفسه وبصوت نبيّه الذي قدّمه إلى الجماعة. الله يكفل صدق التعليم الذي يعلن. أنا هو. أنا حاضر هنا. أنا فاعل هنا والآن.
أنا الألف والياء. صورة خاصة بسفر الرؤيا. ستعود في 21: 6، وسيستعملها يسوع في 22: 13. وهكذا يؤكد رؤ مساواة الآب والابن، وارتباط الابن بالآب. لا نستطيع أن نلفظ اسم يسوع دون أن يرد حالاً اسم الآب.
هذا يعود بنا إلى أش 44: 6: "أنا الأول والآخر. أنا هو، ولا إله غيري". الله هو البداية والنهاية. الكلمة الأولى له. وله الكلمة الأخيرة. وإذا أردنا أن ننتقل من الحرف الأول إلى الحرف الآخر من الأبجدية، يجب أن نعبر كل الحروف. هذا ما يدلّ على إنتقال متواصل من الخلق إلى تتمة الخلاص. وحضور الله هذا في كل لحظة من لحظات التاريخ، نجده في العبارة التي فيها يشير "الذي كان" إلى الألف. و"الذي يأتي" إلى الياء. و"الكائن" يدلّ على حضور الله الذي يجعل الأمور تتقدّم شيئاً فشيئاً حتى النهاية (آ 4).
القادر على كل شيء. هذا هو اللقب الوحيد في رؤ الذي يُنسب إلى الله ولا يُنسب إلى المسيح بسبب طابعه الجامد (4: 8؛ 11: 17؛ 15: 3؛ 16: 7، 14؛ 19: 6، 15؛ 21: 22). تجاه هذا، تعوّدنا أن نرى في الأيقونات "المسيح القادر" (بنتوكراتور). هذا ما يترجم "صباؤوت" أي إله الجنود، إله الاكوان، الإله القدير. هنا نتذكّر هو 12: 6 (الرب القدير، له المجد) وعا 4: 13: "فالذي يصوّر الجبال، ويخلق الريح... اسمه الرب الإله القدير". والقادر أو بنتوكراتور هو صفة الأمبراطور الروماني. وهكذا يقف الله القدير تجاه الامبراطور الذي يعتبر نفسه ضابط الأرض كلّها.

خاتمة: أي تعليم نستنتجه
- عاشت الجماعات المسيحية الأولى حدثاً عظيماً كان لها ينبوع تعزية: إن يسوع عاد يكلّمها (وحي يسوع المسيح). ففي ساعة صعوده، لم يقم الرب في البعيد. وراء الغيوم. إنه حاضر في كنيسته وفاعل فيها. هو في الوقت عينه "عن يمين أبيه" وفي وسط جماعته. فالكنيسة ليست فقط جماعة أسّسها المسيح، بل حدث خلاص يرافق سر العشاء السري وقيامة الرب. 
إن التاريخ كله يدخل في حاضر الله الأبدي. الله هو النسمة القدسية والمناخ المسيحي الذي تعيش فيه كل الخلائق. التاريخ هو مسيرة تقع بين الأزل والأبد.
- وصورة المسيح التي يقدّمها لنا رؤ، تشعّ حباً ورحمة. منذ البداية يظهر بوضوح الاهتمامُ الليتورجى: فالفداء قد جعل العالم جديراً بأن يقدم العبادة الكهنوتية والسجود لله الآب. فالعالم كلّه خُلق للمديح. والعبادة الليتورجية تميّز شعب الله علي الأرض وتعدّه لليتورجية الأبدية. "أنتم تكونون لي مملكة كهنة وأمّة مقدّسة" (حز 19: 6). واستعاد 1 بط 2: 9- 10 هذه الفكرة التوراتية فقال: "أما أنتم فنسل مختار وكهنوت ملوكي وأمّة مقدّسة وشعب اقتناه الله لإعلان فضائله، وهو الذي دعاكم من الظلمة إلى نوره العجيب. وما كنتم شعباً من قبل، وأما اليوم فأنتم شعب الله. كنتم لا تنالون رحمة، وأما الآن فنلتموها".
- في اليوم الأخير، سيظهر المسيح الرب والمخلّص والدّيان الرحيم للمخلّصين، سيظهر في قدرة مرعبة للذين اضطهدوه. سواء كان يسوع التاريخ (كما عاش على الأرض) أو "المسيح" الحاضر حضوراً سرياً في كنيسته والعالم فيها. فالذي يضطهد الكنيسة يضطهد المسيح. وسيدينه المسيح، وليس من يفلت من دينونته.
- في قلب عالم راكع أمام تماثيل الأباطرة وصور الآلهة، يقدّم لها البخور عبادة وإكراماً، يعرف المسيحيون أنه ليس إلاّ إله واحد حقيقي ومخلّص واحد. و"الآلهة" مهما كانت قديرة، هي باطل وعدم. فالمسيح هو الضابط الكل، ضابط الكون، ملك ملوك الأرض. وسيكون في يوم الرب واقع مرير، فتسقط جميع الأقنعة ويكون غروب الآلهة الكاذبة. ويتعرّى مقتدرو هذا العالم من قدرتهم، ويكون مضطهَدو هذا العالم المنتصرين في الأبدية. ذاك هو العزاء العظيم الذي يتوجّه إلى الجماعات المسيحية الأولى المعرّضة لليأس: فرغم الظواهر، التاريخ هو في يد الله. وانتصار قوى الأرض هو انتصار سرابي. فالغلبة الحقيقية تكون غلبة المسيح وحده في نهاية الأزمنة