الرب يدعو كورش، الملك الفارسيّ

 

إنّ سقوط أورشليم سنة 586 ق م بيد نبوخذ نصّر، خلق وضعاً جديداً: لن يكون شعب اسرائيل ويهوذا مملكة سياسيّة مستقلّة. فكل النظم المختلفة التي توالت حتّى سنة 70 ب م، جعلت شعب الله يخضع لملوك وثنيّين. وكانت ردّة فعل الأنبياء حضّهم على الصدق في التعامل مع السلطة الحاكمة. فإرميا كتب سنة 594 إلى أبناء وطنه الذين هُجِّروا إلى بابل: «اعملوا لخير المدينة التي سبيتُكم إليها، وصلّوا من أجلها. ففي خيرها خيركم» (ار 29:7). ودعا الربّ نبوخذ نصّر «عبده» بفم إرميا (25:9:27:6؛ 43:10). وبعد أربعين سنة تقريباً، كان القول لنبيّ لم يُفصح عن اسمه، فقال: كورش السيّد الجديد في الشرق الأوسط، هو «مسيح الربّ» وممسوحه بالزيت، شأنه شأن الملوك في يهوذا. هل نقرأ في هذه اللغة سياسة انتهازيّة أو خضوع العبوديّة تجاه الحاكم الفارسيّ؟

في الواقع، ما اعتاد الأنبياء «الانصياع» أمام السلطة الآتية من الخارج. فهم ما تلفّظوا بأقوالهم إكراماً للرؤساء، بل وجّهوها إلى المؤمنين. حينئذ شرحوا: لا يتصرّف أسياد العالم اليوم بمعزل عن الله. سواء عرفوا أم لم يعرفوا، هم ينفّذون مقاصده. وأش 45:1 - 7 سيساعدنا على التعرّف إلى هذه الوجهة من تعليم الأنبياء.

ونبدأ فنورد النصّ الكتابيّ:

1 وهذا ما قال الربّ لمسيحه

لكورش الذي أمسكتُه بيمني،

ليُخضع له الشعوب،

ويُضعف سلطان الملوك

حتّى يفتح أمامه المصاريع،

فلا تُغلَق في وجهه الأبواب:

2 أنا أسير أمامك

فأهدم الأسوار،

وأحطّم مصاريع النحاس

وأكسر مغاليق الحديد.

3 أعطيك الكنوز الدفينة

والذخائر المخبّأة

فتعلم أنّي أنا الربّ

الذي دعاك باسمك

4 لأجل يعقوب عبدي،

اسرائيل الذي اخترته،

دعوتك باسمك وكنيتك،

وأنت لا تعرف

5 أنا الربّ ولا آخر،

وسواي لا يُوجد إله.

ألبستُك وشاح الملك

وأنت لا تعرفني.

6 ليعلم البشر

من مشرق الشمس إلى مغربها،

أن لا إله غيري.

أنا الربّ ولا آخر.

7 أنا مبدعُ النور وخالق الظلمة،

وصانع الهناء وخالق الشقاء

أنا الربّ صانع هذا كلّه.

1 - سياق النصّ

بعد السياق التاريخيّ والأدبيّ، نتوقّف عند السياق المباشر لهذا النصّ الأشعيائي.

أ - السياق التاريخيّ

حوالي سنة 550 ق م، كورش، ملك انزان التي هي مدينة واقعة إلى الشرق من شوشن، تمرّد على سيّده استياجيس، ملك ماداي. سانده نابونيد، ملك بابل، فدخل إلى اكباتان (أو همذان)، وتسلّم الارث السياسيّ لسيطرة المادايين: أشورية، سورية، الكبادوك. سنة 546، نجح كورش في محاولة جديدة فقهر كريسوس، ملك ليدية (تركيا الحالية) واحتلَّ سرديس. وهكذا سيطر على البقاع الممتدّة من نهر أموداريا (أفغانستان) إلى بحر إيجه (بين اليونان وتركيا).

سنة 539 سقطت بابل بدورها، من دون قتال. فرأت هذه العاصمة في كورش ذاك الذي حمل إليها الحرية. ولما انتصر على الشرق كلّه، أعلن نفسه «ملك العالم... ملك بابل، ملك سومر وأكاد». وبدا سخياً بسخاء الأقوياء، فمارس سياسة متحرّرة: رفض أن يقتل المغلوبين، بل حفظ لهم أملاكهم، وكفل حريّة العبادة للجميع. وقد حفر هذا الملك العظيم على «أسطوانة كورش» هذه الكلمات: «يا ليت جميع الآلهة التي أعدتُها إلى مقامها في مدنها المقدسة، تطلب من أجلي العمر الطويل من بيل ونابو».

وشابه اليهود سائر الشعوب التي احتلّها نبوخذ نصّر وسبى أهلها إلى بابل، فنعمت بسياسة الحريّة التي انتهجها الملك الفارسيّ. هو الرجل الذي اختاره الله ليحرّر شعبه ويعيد بناء هيكله. هكذا يدعوه أشعيا الثاني (ف 40 - 55) لأبناء وطنه، قبل سقوط بابل. فكان كلامه قراءة نبويّة لعلامات الأزمنة.

ب - السياق الأدبيّ في ف 40 - 55

ما يميّز اللاهوت في أشعيا الثاني، هو الطابع الكونيّ. فمنذ أش 40، أشار الكاتب إلى الأمور العظيمة التي تؤلّف الكون: السماء، الأرض، البحر، الجبال، التلال (آ 12). الجزر (آ 11). الحيوان والنبات (آ 16). الكواكب والنجوم (آ 26). كلّ هذه الأشياء التي يتأثّر بها الانسان أو يدهش، هي خليقة في خدمة الله. وإذا كان الله قادراً أن يخرج جيش السماء، الكواكب (40:26)، كيف لا يقدر أن يُقيم أيضاً، على الأرض، رئيساً حربياً يضع حدّاً لقوّة جعلت من العالم سجناً، عنيتُ بها بابل؟ تلك هي براهين أشعيا الثاني.

في 41:2 - 3، وساعة دخل كورش على المسرح السياسيّ، لمّح إليه النبيّ دون أن يسمّيه:

2 من أنهض الوفيّ من الشرق،

فلاقاه النصر في كلّ خطوة؟

من هزم الشعوب أمامه،

وأخضع الملوك له؟

جعلهم كالتراب بسيفه،

وكالتنين المذرّى بقوسه.

3 يطردهم ويمرّ سالماً،

في طريق لم تدُسها قدماه.

ظهر كورش بمهابة الشمس وأمانتها عند شروقها. وهناك نصّان يرياننا ظلَّ كورش في خلفية المشهد الكونيّ حيث جند السماء (45:12-13):

12 أنا صنعتُ الأرض،

وخلقتُ البشر عليها.

يداي، أنا، نشرتا السماوات،

وأمرتُ كلَّ جنودها.

13 أنا جعلتُ كورش على العدل،

ويسَّرتُ له جميع طرقه

هو يبني مدينتي لا بثمن،

ويطلق أسراي لا برشوة.

ونقرأ في 48:13 - 15 دعوة الربّ لكورش ليحمل الخلاص لشعب يهوذا ولجميع شعوب الأرض:

13 أنا هو، أنا الأوّل والآخر،

ويدي أسّست الأرض،

وقاست السماوات يميني.

أدعوهنّ فيقفن جميعاً

14 إجتمعوا كلّكم واسمعوا!

من منكم أخبر بهذا.

الرجل الذي أحبّه الرب،

سيفعل مشيئته في بابل،

ويرفع ذراعه على شعبها.

أنا، أنا تكلّمت ودعوتُه،

15 جئتُ به وستنجح طريقُه.

الله يخلق الآن بواسطة كورش. يخلق عالماً جديداً. أمّا بنو يهوذا فيُطلب منهم أن يكونوا شهوداً: «أنتم شهودي، يقول الربّ» (43:12). لهذا كُلِّفوا بأن يكشفوا مدلول التحوّلات الجارية، لا أن يبدّلوا فيها. في الحقيقة، نال الشعب «الخلاص» وحسب. وكان لكورش الفضل على المستوى الحربيّ والمستوي السياسيّ.

ج - السياق المباشر (في 44:24 - 46:13)

 

تشكّل هذه المتتالية (44:24 - 46:13) تضميناً كبيراً، أي قطعة يجمعها موضوع واحد، وعلى مستوى الكلام تتشابه البداية والنهاية. في 44:28 نقرأ: «أقول لكورش: إرعَ شعبي، فيتمّم كلَّ ما أشاء». وفي 46:11:

من المشرق أدعو الطير الكاسر،

ومن البعيد من يحقّق مقاصدي،

قلتُ ذلك وسأتمّمه،

قضيتُ به وسأفعله.

إذن، موضوع 44:24 - 46:13، مشروع الله. وكورش هو الذي ينفّذه. وتتوضّح طبيعةُ مشروع الربّ في 45:8:

هلّلي أيّتها السماء من فوق،

ولتمطر الغيومُ عدلاً،

لتتفتّح الأرض فينبت الخلاص

وينمو الحقّ معاً.

وفي 45:21: أَخبروهم وأعلنوا لهم، تشاوروا فيما بينكم:

من أسمع من قديم بما جرى،

وأنبأ به من ذلك الزمان؟

في آ 8، يريد الربّ أن يقوم الحقّ والخلاصُ في صهيون. وفي آ 21، أن يُعرف الله لدى الجميع، على أنّه البار والمخلّص. وتتيح بنية 44:24 - 46:13 أن تحيط إحاطة أفضل بمهمّة كورش:

44:24 أنا الربّ صنعتُ كلّ شيء،

نشرتُ السماوات وحدي.

هذه الآية تتقابل مع 45:7 (النور، الظلمة، صنعت كلّ هذا). وإن آ 8 تحدّد الموضوع الحاليّ لعمل الخلق. إذن، عمل كورش هو طليعة البرّ والخلاص. ونحن نتخيّل سامعي أشعيا الذين يستصعبون أن يلعب ملك وثنيّ دوراً ذات بُعد لاهوتيّ كبير. ولكن جاء جواب النبيّ قاطعاً:

45:9 ويل لمن يخاصم جابله

وهو خزفة من خزف الأرض!

أيقول الطين لجابله:

«ماذا تصنع»؟

أو يقول له:

«عملك تعوزُه يدان»؟

لا مجال لمناقشة مشروع الله. وهكذا يقدّم أشعيا الثاني كورش من جديد، على أنّه قائد جيش ارتدى سلطة من لدن ذاك الذي يأمر الكواكب والنجوم.

45:11 أنا صنعتُ الأرض كلّها

وخلقت البشر عليها.

يداي نشرتا السماوات،

وأنا أضأت جميع نجومها.

 

2 - تفسير النصّ (45:1 - 7)

يتضمّن هذا القول النبويّ قسمين: دعوة كورش (آ 1 - 3). مهمّة كورش (آ 4 - 7).

أ - كورش «مسيح» الربّ (آ 1 - 3)

الفنّ الأدبيّ لهذا المقطع الأشعيائيّ (45:1 - 7) هو فنّ التنصيب الملكيّ. ولنا مثلان في المزامير. في مز 2:6-8 نقرأ:

6 يقول: أنا مسحتُ ملكي

على صهيون جبلي المقدس.

7 دعوني أنا الملك أخبر

بما قضى به الربّ:

قال لي: أنت ابني،

أنا اليوم ولدتُك.

8 أطلبْ فأعطيك الأمم ميراثاً

وأقاصي الأرض ملكاً لك.

وفي مز 110 :1-2:

1 قال الربّ لسيدي الملك:

«اجلس عن يميني

حتّى أجعل أعداءك

موطئاً لقدميك».

2 صولجان عزّك يُرسله

الربّ من صهيون ويقول:

«تسلّط في وسط أعدائك».

في آ 1 من نصّ أشعيا، هي مقدّمة دُوّنت بلغة الحاشية، فذكرت إعلاناً من الله إلى ملوك أورشليم، في يوم تولّيهم الملك، بأنّه سوف يعينهم. ويتابع المزمور:

110:5 الربّ يقف عن يمينك (ليحامي عنك)

ويهشّم الملوك يوم غضبه.

6 يدين في الأمم.

وبالجثث يملأ الأدوية.

فكورش مدعو «المسيح»، من مُسح بالزيت شأنه شأن داود (2 صم 12:7: مسحتك ملكاً على بني اسرائيل؛ 19:22: أنت الذي مسحك الربّ ملكاً؛ 23:1؛ مز 89:21) والملوك الذين خلفوه. في الواقع، واسعٌ هو استعمال اللفظ في العهد القديم. وهو يدلّ على الملك، على الكهنة (لا 4:3: كاهناً ممسوحاً). وفي معنى استعاري، على آباء الشعب (مز 105:5) وأنبيائه (1 مل 19:16: أليشع؛ أش 61:1: مسحني). في هذه السمات المختلفة قاسمٌ مشترك، فرزُ الشخص، اختياره (يؤخذ من بين الآخرين ويوضع على حدة) لخدمة الله. في هذا المعنى كورش هو «الممسوح». إذن، اللقب الذي ناله يتماهى مع ذاك الذي يناله يسوع المسيح (أع 2:36). غير أنّ التماهي بين لقب ولقب، لا يُخفي الفرق البعيد بين مهمّة ومهمّة.

حسب آ 2، مشى الربّ أمام كورش ليسهّل له الطريق. ليست العُدة الحربيّة هي التي تجعل كورش لا يُقهَر (مز 33:16 - 17)، بل تدخّل الربّ:

16 الملك لا يخلص بكثرة جيشه،

ولا يُنقذ الجبارَ عظيمُ قوّته.

17 الخيل لا تقود إلى الخلاص،

وبشدّة عزيمتها لا تنجّي.

فكما في الخروج من مصر، الله يتقدّم حليفه. وعبارة «حطّم الأسوار» أو: عبَّد الطريق» تعود إلى 40:3: هي الطريق الملكيّة التي عليها يقود الله شعبه. وتحدّث 45:2 عن مرحلة سابقة: إذ يفتح الربّ الطريق أمام كورش، ينطلق إلى مساعدة المنفيّين. ومغاليق النحاس التي سوف تتحطّم، هي التي كانت تجعل المسبيّين في القيود (45:2؛ 42:7).

في آ 3، بدا الله وكأنّه يدعو كورش: «أنا الربّ. أدعوك باسمك». في ف 40 - 55، يدعو الله الكواكب (40:26)، أجيال البشر (41:4)، شعب اسرائيل (41:9)، عابد الربّ (42:6). فالله يجعل البشر (وسائر الخلائق) يعملون معه من أجل بناء عالم تصوَّر فيه كلّ شيء وتنظّم بالنظر إلى الخلاص. وكلّ دعوة تشارك، بطريقتها، في هذا القصد الالهيّ الواحد.

ب - مهمة كورش (آ 4 - 7)

تتوضّح آ 4 - 7 بالبواعث التي دعت الربّ لكي يسلّم المُلك لكورش. في الواقع، دُعي هذا الملك من أجل وظيفة هي خدمة. وتحدّدت مهمّته في إطار العهد الذي يجمع الله إلى شعبه. فعظمة اسرائيل «المختار والعابد» تتفوّق على عظمة الامبراطوريّة الفارسيّة. غير أنّ اسرائيل ليس «المطلق». هو نسبيّ. فهناك شعوب أخرى، وحده الله هو المطلق.

وتقدّم آ 6 الباعث الأخير الذي هو الحاسم حقاً: «ليعلم البشر من مشرق الشمس إلى مغربها أن لا إله غيري». فالتركيز على عمل الله يبقى هو هو في أشعيا الثاني، في أيّ وقت كان. فالمجد الذي به يخلّص الله ويفدي، يجب أن يعود إليه في الامتنان وعرفان الجميل (41:20). ونقرأ في

42:8 أنا الربّ، وهذا اسمي

لا أعطي لآخر مجدي،

ولا للأصنام تسبيحي.

43:1 فأنا أنا الربّ،

ولا مخلّص غيري.

44:6 أنا الأوّل والآخِر،

ولا إله في الكون غيري.

46:9 أذكروا ما جرى في القديم.

أنا الله ولا إله آخر،

أنا الله ولا إله مثلي.

بما أنّ يهوه هو الله، وهو وحده الكائن، فكلّ شيء يُوجد يرتبط به

48:11 من أجلي أفعل هذا،

لئلاّ يتدنّس اسمي،

أو يأخذه أحدٌ غيري.

وفي النهاية، النداء إلى كورش يدخل في نطاق عباديّ «من المشرق إلى المغرب» (45:21). يكون المحور الكونيّ بواسطة الهيكل (44:28). فالكون ما خرج من الشواش، إلاَّ حين طلب سكّانه الله، وقدّموا له عبادة. وتتوضّح حركةُ الفكر هذه في 45:18 - 19، مع العلم أن كورش هو من يعيد بناء الهيكل.

18 وهذا ما قال الربّ

خالق السماوات،

الله جابل الأرض وصانعُها

الذي ثبّتها وأوجدها للعمران،

لا للفراغ:

أنا الربّ ولا آخر.

19 لا أتكلّم في الخفية،

ولا في موضع مظلم من الأرض،

ولا أقول لذريّة يعقوب:

أطلبوني حيث الفراغ!

أنا الربّ أتكلّم بالصدق،

وأخبر بما هو حقّ.

وتجعل آ 7 التاريخ في امتداد الخلق، فتضمّ النور إلى الظلمة، والسعادة إلى الشقاء. الله هو خالق ما هو وما يكون. وهكذا تنفتح هذه الآيات (آ 1 - 7) على منظار لاهوتيّ عميق جداً. فالتاريخ لا يتمّ أبداً بمعزل عن الله. ولا يمكن إلاّ أن يكون انشداداً إلى نموّ البرّ ونضوج الخلاص (45:8). وبديهيّة الإيمان هذه التي نعود إليها من أجل تفسير الماضي، تنطبق بصعوبة حين يجب أن نواجه الحاضر والمستقبل. ومع ذلك، يبقى في الإيمان يقينٌ بوجود حسّ يعلّم جماعة المؤمنين قراءة علامات الأزمنة.

الخاتمة

حين نقرأ الكلام الذي وجّهه الله بواسطة نبيّه إلى كورش، في أسلوب اعتاد عليه الملوك، لا نستطيع إلاّ أن نتذكّر موقف مردوك الاله البابليّ من أجل كورش (اسطوانة كورش): «طلب مردوك رئيساً مستقيماً ليأخذ بيده. فكان كورش. لفظ اسمَه، وأعلنه سيّد العالم... وأطلقه على بابل ومشى بجانبه مثل صديق له». هو الإطار عينه استقى منه كلّ من اسطوانة كورش وأشعيا الثاني. ولكن تبقى المسافة بعيدة بين «انسان» أُلّه فصُنع له تمثال، وبين الاله الحقيقيّ الذي هو خالق السماء والأرض وسيّد التاريخ. وهو لا يمسح فقط الملوك في شعبه، بل ملوك الأمم جميعاً، نبوخذ نصّر هو عبده أو وزيره الأوّل الذي يعمل إرادته. وكورش هو من اختاره ومسحه بالزيت بعد أن فشل ملوك يهوذا. كلُّ ملك يملك بقدرة الله الواحد. ويحكم باسمه. ويعمل باسمه. هو فأس. هو عصا. وعليه أن يعرف اليد التي تحرّكه: «أتفتخر الفأس على من يقطع بها؟ أو يتكبّر المنشار على من يحرّكه؟ أيحرِّك القضيب رافعه، أو ترفع العصا حاملها» (10:15)؟ يا ليت الملوك والحكام يعرفون، بحيث لا يظنّون أنّهم يصنعون التاريخ. وحده ذاك الذي خلق السماء والأرض يصل بالبشريّة إلى كمالها فتصبح واحدة، يجمعُها الله في شخص