دعوة رجل الله

 

 

في كلّ حقبة من حقبات التاريخ، منذ ابراهيم إلى أيّامنا، جعل الله نفسه حاضراً للبشر بألف شكل وشكل، ولا سيّما بواسطة عمل بعض الرجال وقولهم. فالله يربطهم به، ويربّيهم لكي يكونوا، في شكل من الأشكال، هو نفسه، ويُعلنوا خلاصه. كان الأنبياء بلا شكّ، أولئك الذين تكلّموا بسلطانٍ عن نوايا الله. اغتنوا بروح الله وعلمه، فندّدوا دوماً بانحرافات معاصريهم، ودعوهم ليعودوا إلى طرق حياة فاضلة. ويتلخّص كلّ تعليمهم في كلمة واحدة: التوبة.

هذه الكرازة النبويّة تجد قمّتها في كرازة يسوع ابن الله. ففي شخصه يتمّ اللقاء النهائيّ بين الله والانسان، ويتحقّق الخلاص. ولكن لا بدّ، حتّى نهاية الأزمنة، من وجود أنبياء آخرين امتلأوا من الروح فوَلجوا هذا الوحيَ الأخير لكي يُعلنوه في كل مكان.

كلّ هذا نكتشفه في النشيد الثاني من أناشيد عبد الربّ (49:3 - 6)، فيه يدعو الربّ نبيّه. يربطه بشخصه فيصبح عبده، عابده، خادمه. ويا له من شرف عظيم! ونقرأ نص أشعيا:

1 اسمعي لي يا جزر البحر،

وأصغوا أيّتها الأممُ البعيدة.

الربّ دعاني من رحم أمي،

ومن أحشائها ذكرَ اسمي.

2 فمي جعله كسيف قاطع،

وفي ظلّ يده خبأني.

جعلني سهماً مصقولاً،

وفي جعبته أخفاني.

3 قال لي: «أنت عبدي،

يا اسرائيل، وبك أتمجّد».

4 فقلتُ: «أنا باطلاً تعبتُ،

وعبثاً أتلفتُ قوّتي.

ولكن عند الربّ حقّي،

وعند إلهي جزائي».

5 فقال الربّ الذي جبلني

من الرحم عبداً له،

لأردّ يعقوب إليه

وأجمع شعبه اسرائيل،

فأكرم في عيني الربّ

ويكون إلهي عزّتي:

6 «قليل أن تكون لي عبداً

لتثير همّة أسباط يعقوب

وتردّ الباقين من بني اسرائيل،

ولتكون نوراً للأمم

وخلاصاً إلى أقاصي الأرض».

بعد كلام عن أناشيد «عبد الربّ»، نتوقّف عند شرح النشيد الثاني الذي فيه يدعو الربّ نبيّه فيُرسله لا إلى بني اسرائيل وحسب، بل إلى أقاصي الأرض ليكون نوراً للأمم.

 

1 - أناشيد عبد الربّ

أخِذ 49:3 - 6 من أشعيا الثاني (ف 40 - 55) الذي ارتبط بنبيٍّ أخفى اسمه وترك لنا كلاماً قاله في السنوات الأخيرة من المنفى، في النصف الثاني من القرن السادس ق م.

أ - أشعيا الثاني

هذا النبيّ الذي دُعيَ «أشعيا الثاني» طبع بطابعه حقبة هامة، فعمّق الفكر الدينيّ في شعب اسرائيل.

في مسيرة الخروج، اختار الربّ بعض القبائل لكي تكون شعبه. وطلب منها أن تعترف به أنّه إلهها الواحد (خر 20:3: لا يكن لك إله سواي؛ تث 6:4)، كما طلب من كلّ واحد أن يحترم أعضاء هذا الشعب. فأمانة الشعب لشريعة العهد كانت شرطاً لأمانة الربّ لمواعيده. غير أنّ الشعب نقض هذا الاتفاق أكثر من مرّة. فأرسل الربّ الأنبياء ليعيدوه إلى رشده. ولكنّه لبث في عناده وخياناته. لهذا، استردَّ عهدَه وكان سقوط مملكتَي اسرائيل (في الشمال) ويهوذا (في الجنوب).

هكذا مارس الربّ دينونته في شعبه الذي فسد، وفي الوقت عينه نقّاه من أجل انطلاقة جديدة. وأقام نبياً جديداً لكي يُعلن معنى الأحداث. أخبر هذا النبيّ كيف أنّ الربّ الذي غلب مصر، سيغلب أيضاً بابل. وهو يُعدّ خروجاً ثانياً، يتفوّق تفوّقاً كبيراً على الأوّل: خروج جديد تجاه القديم (40:1 - 8؛ 41:17 - 20؛ 43:1 - 7). ويتجلّى مجدُ الربّ بحيث يكسف مجد سائر الآلهة إلى الأبد: «من البدء أنا هو، لا منقذ من يدي، ولا مردّ لما أعمل» (43:13). هو الخالق الوحيد، وبالتالي وحده ملكٌ على جميع الأمم. هذه المعجزات كانت جديدة، ونقرأ 43:16 - 19.

فتحتُ في البحر طريقاً، وفي المياه العاتية مسلكاً

لمركبات الصدّيق وفرسانه، لجنوده ورجاله الأشدّاء

فسقطوا جميعاً ولا قيام، وكفتيلة خامدة انطفأوا.

لكن ما لنا ولذكر ما مضى، وللقديم والتفكير فيه.

ها أنا صانعٌ جديداً فينشأ الآن، أفلا تعرفونه؟

في الصحراء أشقّ طريقاً، وفي القفر أجري الأنهار.

ب - عبد الربّ وعابده

اكتشف الشرّاح في أشعيا الثاني أربعة أناشيد، يمكن أن تُعزل فتؤلّف وحدة شبه مستقلّة، وإن دخلت فيما بعد في سياق نبوءة أشعيا، سواء كتبها أشعيا الثاني أو كتبها آخر (وهذا هو الرأي الأصحّ). فالقرابة واضحة على مستوى الأسلوب والألفاظ والأفكار.

ومن هو عبد الربّ؟ هو شخص لغز. رأوا فيه بني اسرائيل الذين ذهبوا إلى المنفى فنالوا الذلّ والاضطهاد. قد نكون هنا أمام خبرة أولى ألقيَ عليها ضوء النبوءة. وقالوا: يتكلّم النبيّ عن شخص فرد يضمّ في ذاته الشعب كلّه. فما على اسرائيل أن يحقّقه في تاريخ الخلاص، يحقّقه شخصٌ واحد. تفسير فرديّ من جهة. وتفسير جماعيّ من جهة أخرى. يتكاملان ولا يتعارضان.

فإن كنّا في درجة أولى أمام شخص فرد، فمن يكون؟ قال البعض: هو المسيح المتألّم في الأزمنة الاسكاتولوجيّة. وقال آخرون: هو شخصٌ من التاريخ. واقترحوا اثني عشر اسماً، مثل إرميا وغيره. قد يكون أشعيا الثاني اتّخذ سمات هذا النبيّ أو ذاك وجعلها في صورة نموذجيّة، سوف تجد كمالها في شخص يسوع المسيح. ولكن لا شخص من الأشخاص الذين اقترح اسمُهم، يمكن أن يستنفد شخصيّة عابد الربّ. فهذا العابد هو في الوقت عينه، ملك وكاهن ونبيّ، وإن كان التشديد أولاً على الوظيفة النبويّة. إنّ التقليد الذي تحدّث عن موسى على أنّه «النبيّ» أثّر على كاتب هذه الأناشيد (انطلاقاً من تث 18:18). انتظروا نبياً جديداً مثل موسى الذي دُعي أكثر من مرّة «ع ب د. ي ه و ه»، عبد الربّ (تث 34:5؛ رج 3:24). وتأثّر هذا النبيّ أيضاً بإرميا وبما احتمله من عذاب في حياته.

ونتوقّف بشكل خاص عند لفظ «ع ب د». هو يُشير دوماً إلى علاقة شخصيّة بين السيّد والخاضع له، سواء كان عبداً يُشرى ويُباع، أو موظفاً لدى الملك، أو أحدَ العاملين في الهيكل، أو شعباً خاضعاً لشعب آخر. فاللقاء الشخصيّ بين الله والانسان في اتحاد عميق على مستوى العمل والإرادة، هو ما يعطي أفضل تحديد عن «الخدمة» الدينيّة. هم أشخاص تسمّوا بهذا اللقب. في خر 14:31، قيل عن موسى، بعد عبور البحر الأحمر: «وشاهد بنو اسرائيل الفعل العظيم الذي فعله الربّ بالمصريّين، فخافوا الربّ وآمنوا به وبموسى عبده». وقيل عن داود: «الربّ قال له: ''على يد داود عبدي أخلّص شعبي» (2 صم 3:18). وتحدّث الله عن داود أيضاً فقال: «لا آخذ المملكة كلّها من يده (= من يد سليمان). بل أبقي له سبطاً واحداً إكراماً لداود عبدي، ولأورشليم التي اخترتها» (1 مل 11:13؛ رج 11:32). الأنبياء هم عبيد الربّ (ار 7:25) كما يقول إرميا مراراً (7:25؛ 25:4؛ 26:5؛ 29:19) وعاموس (3:7) وحزقيال (38:17) وغيرهم.

بدأ أشعيا الثاني واعتبر الشعب كلّه «ع ب د»، كما في أش 41:8 - 10:

وأنت، يا اسرائيل عبدي، يا يعقوب الذي اخترته،

من نسل ابراهيم خليلي.

يا من أخذتُه من أقاصي الأرض، ودعوتُه من أبعد أطرافها،

وقلت له: «أنت عبدي». واخترتُه وما رفضته.

«لا تخف فأنا معك، ولا تتحيّر فأنا إلهك».

ويقول الشيء عينه في 44:1 - 2 (يعقوب عبدي، اسرائيل الذي اخترته. لا تخف يا يعقوب عبدي). وفي آ 21-22:

أذكر هذا يا يعقوب، يا اسرائيل عبدي،

أنا جبلتك عبداً لي، ولن أنساك أبداً

محوتُ كالسحاب معاصيك، وكالغمام جميع خطاياك.

هكذا دلّ النبيّ أنّ الشعب يخصّ الربّ. كما دلّ على عمل الفداء الذي تمّ في الشعب وبيد الشعب: «أعلِنوا هذا ونادوا به، أذيعوه إلى أقاصي الأرض. قولوا: افتدى الربّ شعبه. سيَّرهم في القفار من قبل، وشقّ الصخر ففاضت المياه» (48:20 - 21).

أنت عبدي. قلت له: تعبتُ باطلاً. أتلفتُ قوّتي عبثاً. لا فائدة من كلّ هذا. فجاءت كلمة الربّ فخلقت هذا العابد من جديد، وشدّدته في رسالته، كما كان الأمر بالنسبة إلى إيليا (1 مل 19:15: إرجع في طريقك): تردّ الباقين من شعبك. تكون نوراً للأمم.

كان قولٌ إلهي عاد إلى شباب النبيّ، فأكّد أنّ الله سيُظهر مجده ويكشف له عن ذاته. غير أنّ الأحداث بدت وكأنّ هذا المشروع صار إلى الفشل. لهذا سأل الله، كما فعل إرميا: «إلى متى» (ار 12:4)؟ وكان جواب الربّ: الآتي أصعب من الحاضر: «تجري مع المشاة فتتعب. فكيف تسابق الفرسان» (آ 5)؟

نقرأ في آ 3: أنت عبدي، يا اسرائيل. اعتبر بعضهم أنّ «اسرائيل» أقحِم في النصّ. فإن جُعل خارجَ النصّ، أشار النشيد إلى شخص فرد، لا إلى جماعة. ولكنّ اللفظ موجود منذ القدم حتّى في مخطوطات قمران. لهذا نحافظ عليه، وإن أراد بعضهم أن يقول: «أنتَ عبدي وبك أتمجّد».

فهذا العابد الذي رجع إلى فلسطين، أعلن على الكون كلّه مجد الربّ وقدرته. أمّا «اسرائيل الجديد» فدلّ على أنّه خاطئ مثل «اسرائيل القديم»: هو شعب أصمّ مع أنّ الله يقول لهم: اسمعوا. هو شعب أعمى، مع أنّه يقال لهم: انظروا وأبصروا (42:18). ويقول لهم النبيّ: «هل فيكم من يسمع هذا الكلام، ويُصغي ويستمع لما سأقول» (آ 23)؟ هذا الشعب ما عاد يطلب الله. بل تعب منه (43:22). شابَهَ أباه الأوّل (يعقوب) فخطئ إلى الربّ. ما تميّز عن الذين يمثّلونه من رؤساء وكهنة، فعصى كما هم عصوا (آ 27).

لهذا ركّز الربّ حلمه على اسرائيل كامل، على هذا الشخص الفرد الذي يكوّنه بعنايته تكويناً شخصياً. وهكذا يحقّق هذا العابد وحده اسرائيل المثالي، هذه «البقيّة الباقية» التي تحدّث عنها الأنبياء.

ومع ذلك، فكلّ نشاط هذا العابد لبث إلى الآن، باطلاً وعبثاً وقبضة ريح. عملُه يذكرنا بعمل اسرائيل الذي تعب من أجل الأصنام التي هي باطل وعدم (40:17؛ 41:24 - 29)، فما عرف أن يُكرم الاله الواحد (43:22). شعر الخادم أنّه وصل إلى عالم من الأوهام، بعد مجهود لإعادة ديانة يهوه إلى قلب شعبه. ولكنّه يعود إلى رشده. فتأتيه أفكار فيها بعض العافية. ففي العمق من هذا السياق، تحدّد موقعُ «ع ب د. ي ه و ه». ونحن لا نحصره في شخص واحد، في ملك أو كاهن أو نبيّ. كما لا نماهيه فقط بشعب اسرائيل. بل هو يجسّد في شخصه كلّ أشكال الخدمة هذه ليرفعها إلى أعلى مستواها. هو يشبه كلّ عباد الربّ في الماضي، فيتعلّق تعلّقاً متيناً بإله التزم تجاهه. وهو أداة يستخدمه الله ليزرع ملكوته وسط البشر. غير أنّ هذا الملك يتضمّن منذ الآن جميع أمم الأرض، كما يتجاوز حدود نظام سياسيّ يُعاد بناؤه. ما كان للنبيّ رؤية واضحة ودقيقة. بل هو استشفّ زمناً جديداً فيه تتجدّد القلوبُ من الداخل. فتُكتَب الشريعة في الضمائر، وفي القلوب، ويعرف جميعُ البشرِ اللهَ الذي يغفر ذنوبهم ولا يعود يذكر خطاياهم (إر 31:33 - 34).

 

2 - النشيد الثاني (49:1 - 6)

ما وسّع النبيّ نشيده حسب تصميم منطقيّ، بل راح في لمسات متلاحقة يُلقي الضوء على شخصيّة عبد الربّ ورسالته. قد تكون آ 5 قولاً يربط ما قبلها بما بعدها، فنكون أمام درفتين، حيث كلّ درفة تتحدّث عن وجهة خاصة لدى عابد الربّ وخادمه.

أ - اختيار الله لعبده (آ 1 - 4)

نقرأ هنا علاقات العبد بالربّ. إن كان الربّ كوّنه من رحم أمّه (آ 1)، فهذا لا يعني أنّه يتخلّى عنه حين يقوم بمهمّته. فعناية الله تجاهه ترافقه في كلّ مكان وفي كلّ زمان. فعمله ليس مغامرة بشريّة. بل هو يجسّد عمل الله وسط البشر (آ 2). كلّ هذه اللوحة الأولى تبدو استعارة، لحساب العابد، لما سبق الكاتب وقاله عن الشعب (44:2؛ 24: أنا الربّ فاديك، ومن الرحم جبلتك). ونقرأ في 46:3 - 4.

إسمعوا يا بيت يعقوب، يا بقيّة بيت اسرائيل،

يا من حملتُهم من البطن، ورفعتُهم من الرحم:

إلى شيخوختكم أنا هو، وإلى شيبكم أنا أضمنكم.

أنا صنعتكم وأنا أرفعكم، وأنا أحملكم وأنجّيكم.

أمّا الصعوبات المرتبطة بهذه الرسالة، فتبدو في شكل حوار بين الربّ وعابده على مثال ذاك الذي قرأناه حين دعا الربّ أشعيا في الهيكل (6:1 ي). قال: هو يخدم الربّ الذي يعطيه أجره. فلا عليه أن يخاف الفشل ولا الاضطهاد. وقاضيه لا يقف في صفّ القضاة البشريّين، ولا يتّخذ لحكمه قاعدةً من عندهم.

شابه هذا العابد شبهاً غريباً إرميا النبيّ، في مصيره وفي دعوته (إر 1:5)، كما في صعوبات رسالته. واجه إرميا مقاومة عنيفة، فأحسَّ بالثورة تتفجّر فيه فيسأل الربّ عن عدالته. «واعترافات» إرميا (11:18 - 12:6؛ 15:10 - 21؛ 17:14 - 18؛ 18:18 - 23؛ 20:7 - 18) صورة حيّة عن تشكّيات الخادم وثقته بالربّ الذي أعاد السلام إلى قلبه.

ب - مهمّة العابد (آ 5 - 6)

جاءت آ 5 انتقالة في هذا النشيد. في القسم الأول (آ 1 - 4) كان كلام عن دعوة العابد والاستعداد لمهمّته. وفي القسم الثاني (آ 5 - 6) يكون الكلام عن هذه المهمّة نفسها.

أولاً: خلاص الشعب المختار (آ 5)

هي ثلاث عبارات: جبلني من الرحم. لأردّ يعقوب. وأجمع اسرائيل. هي تبدو بشكل معترضة ومقدّمة لما سيَلي. هي تذكّرنا بقول سابق، كلّف العابد بعمل خلاص لدى الشعب المختار. هذه الآية التي تشير إلى شخص محدّد، تتوافق بصعوبة مع نظرية «عابد الربّ» كشخصيّة جماعيّة.

ودعوة يعقوب لا تنحصر فقط في رجوع المنفيّين إلى أرض الموعد. فالفعل المستعمل «ش و ب» يتضمّن هذا المعنى، كما يعني أيضاً «توبة» شعب العهد إلى إلهه (44:21-22؛ ارجع إليّ). كان الأنبياء قد شدّدوا على هاتين الوجهتين في الماضي، لأنّ التوبة التي تدلّ على الأمانة، تترافق مع عودة الشعب إلى أرض المواعيد (10:20 - 21؛ هو 14:2- 9).

إذن، لا نستطيع أن نحصر مهمّة العابد في إعادة تنظيم اسرائيل السياسيّ بعد المنفى. فالسائدُ هنا هو دور النبيّ الروحيّ. سيكون الضمير الحيّ للشعب فيندّد بانحرافاته، ويحرّك عزمه فيتجاوب في الإيمان والبرّ على متطلّبات الله فيرضى عنه.

ثانياً: رسالة لدى الأمم (آ 6)

لا يكفي لهذا العابد أن يحصر عمله الخلاصيّ في اسرائيل وحده. يجب أن تمتدّ هذه الرسالة إلى أقاصي الأرض (42:6 - 17: عهد الشعوب، ونور الأمم).

المهمّة لدى اسرائيل استعارة لما في آ 5. ولكن تشدّد آ 6 بشكل خاص على الدور السياسيّ لعابد الربّ، لأنّ اسرائيل يُسمّى «الأسباط»، «الباقين» أي الأغصان التي بقيت بعد أن سقطت الشجرة. فكّر الكاتب بهذه «البقيّة الباقية» التي نجت بعد الكارثة، لكي يُدخل تاريخ الشعب المختار في زمن جديد. إذن، يكون للعابد دورٌ مهمّ جداً في إعادة مملكة البرّ هذه. غير أنّ هذه المهمّة السياسيّة لا تتعارض والمهمّة النبويّة. أمّا يكون موسى الجديد (تث 18:18) الذي يعقد العهد الجديد الذي أعلنه إرميا (31:31 - 34)؟

وتتميّز رسالته لدى الأمم، «بالنور» الذي يحمله إليهم (42:6). هذا يعني أنّهم يعترفون بالربّ على أنّه الاله الواحد، ويدخلون في العهد (51:4؛ 553: ي). إذا كانت عبادة الأوثان تعيد الانسان إلى الشواش الأوّلانيّ الذي تسوده الظلمة، فرذلُ الآلهة الكاذبة يقود الانسان إلى النور. والشريعة أيضاً تُقدَّم على أنّها نور يضيءُ على الذين يتوافقون معها (58:10؛ مز 36:10؛ 97:11؛ 119:105؛ أم 6:23). غير أنّ الخاطئ ينحدر في الظلمة (59:9 ي). إذن، يكون العابد نبيّ العهد لدى الأمم لكي يستطيعوا بدورهم أن يشاركوا في بركاته.

 

خاتمة

جاء موضوع النشيد الثاني من أناشيد عبد الربّ: دعوة انسان من أجل مهمّة خلاص يُتمّها في قلب شعب الله. فاختيار اسرائيل وسط الأمم مع موضوع العهد، هما المركز الحيويّ لكلّ العهد القديم. وفي تث وأش نجد الوعي الواضح للبعد الدينيّ والكامل لهذا الواقع. ولا ريب بأنّ اسرائيل غذّى إيمانه من العهد وعاش خبرته منذ البداية. واهتمام الله الخاص به، قد تُرجم أولاً بصوَرٍ عديدة، وأهمّها صورة الزواج. مثل هذه اللغة هي أفضل لغة للكلام عن قرب الله من الانسان وغرامه تجاه الذين يحبّهم. غير أنّ اختيار اسرائيل الخاص هذا، توخّى أن يُدخل البشريّة كلّها في حياة الله الحميمة.

وفي خلفيّة هذه الدعوة الجماعيّة، تظهر دعوة شخصيّة ذات بعد دينيّ كبير. فدعوة هذا أو ذاك، هي خدمة من أجل الخير المشترك، وهي بالنظر إلى العهد. والشعب المختار ليس «كومة من الناس» بل جماعة تتعلّم، تُبنى، تتوجّه. ومن داخلها يؤخذ أناس كرؤساء ومسؤولين وموجّهين ووسطاء. فبهؤلاء الأشخاص «المفاتيح» يُبنى تاريخ الخلاص.

في دعوة موسى (خر 2:23 - 7:7)، نكتشف السمات الأساسيّة لكلّ دعوة شخصيّة: حبّ الربّ لشعبه. تهيئة رئيس وحامل رسالة. عون الله في تنفيذ مخطّط الخلاص. وهذا ما نجده في دعوة أشعيا (ف 6) وإرميا (1:1 - 10) وحزقيال (2:1 - 3:21)، كما في دعوة عبد الربّ. وكان يوحنا المعمدان آخر المدعويّين قبل المجيء النهائيّ للملكوت في تجسّد ابن الله. فيه، وهو الاله الذي صار انساناً، تركّز كلُّ حبّ الربّ وكلّ قدرة عمله في عباده، في العهد القد يم. فيه «أقام الله لنا مخلّصاً قديراً في بيت عبده داود، كما وعد من قديم الزمان، بلسان أنبيائه القديسين» (لو 1:69 - 70). فهتف له سمعان الشيخ: «عيناي رأتا خلاصك الذي هيّأته للشعوب كلّها، نوراً لهداية الأمم ومجداً لشعبك اسرائيل» (لو 2:30 - 32).

وحده يسوع يحقّق كلّ رجاء الخلاص الذي ظلّ مخفياً في شخص العابد السريّ. فعبرَ انحداره وارتفاعه، كان اللقاء النهائيّ بين الله والبشر، من العمق، بحيث ما كان لنبيّ بأن يفكّر فيه. ولكن بعده، في هذه الأزمنة الجديدة، على أنبياء آخرين أن يقفوا في الساحات العامّة ليُعلنوا البشارة والخبر الطيّب، ليقودوا جميع البشر إلى التوبة. والله يقف دوماً بجانبهم ليمنحهم أنواره وقوّة خلاصه. وبولس، رسول الأمم، تكلّم عن خبرته الدينيّة كما تكلّم إرميا وعبد الربّ (غل 1:13 - 17). بواسطة كنيسة المسيح، يتواصل هذا السرُّ تجلّيَه في العالم إلى أن يجتمع كلّ البشر في ملكوته