ترتيليانس (+ 220)

 

ابن قائد رومانيّ في قرطاجة. تعلّم البلاغة ثمّ الحقوق. اهتدى إلى المسيحيّة وهو في الثلاثين، فحمل إلى الكنيسة الفتيّة في أفريقيا، اندفاعه وحسَّه القانونيّ. حطّم الهراطقة من أيّة جهّة جاؤوا، ولكنّه انطلق من فكر مطلق وصل به إلى قساوة المونتانيّة، حيث يعتبر الإنسان نفسه صوت الوحي، صوت الروح القدس، فتنبّأ عن نهاية العالم القريبة.

كان ترتليانس المدافعَ عن الكنيسة. كما كان مؤسّسَ اللاهوت اللاتينيّ. كما ترك مقالاً في الصلاة، نأخذ منه هذا الشرحَ للأبانا.

 

 

أبانا الذي في السماوات

الصلاة الربّيّة هي حقًّا موجز الإنجيل كلّه. تبدأ بشهادة نؤدّيها لله، وبفعل الإيمان حين نقول: أبانا الذي في السماوات. نصلّي إلى الله، بهذا الدعاء، ونعلنُ إيماننا. فقد كتب: "فالذين قبلوه أعطاهم سلطانًا به يصيرون أبناء الله" (يو1: 12). ثمّ ابن الربّ يدعو اللهَ مرارًا: يا أبانا. بل أمرَنا بأن لا ندعو أحدًا على الأرض باسم أب. فنحتفظ بهذا الاسم للآب السماويّ (مت 23: 9). وحين نصلّي بهذه الطريقة، نطيع مشيئته. فطوبى للذين يعرفون الآب!

وجّه الله توبيخًا لإسرائيلَ، واستشهد الروحُ السماء والأرض فقال: "ولدتُ بنين ولكنّهم لم يعرفوني" (1 تس 1: 2). وحين ندعوه أبًا نعرفه إلهًا. هذا اللفظ هو شهادة ورعٍ وقدرة. وندعو أيضًا الابن في الآب. قال: "أنا والآب واحد" (يو 10: 30). ونحن لا ننسى أيضًا الكنيسة أمّنا. حين نسمّى الآب والابن، نعلن الأمّ التي بدونها لا آبًا ولا ابنًا. وهكذا بلفظ واحد، نمجّد له مع أخصّائه، نطيع فريضته، ونتنكّر للذين نسوا أباهم (= اليهود).

إنّ عبارة الله الآب لم تُكشف لأحدٍ من قبل. فحين سأل موسى نفسه الله من هو، سمع اسمًا آخر. لنا كُشف هذا الاسم في الابن. لأنّ هذا الاسم يتضمّن اسمًا جديدًا، اسم الآب. "جئتُ باسم أبي" (يو 5: 43). وفي موضع آخر: "أيّها الآب، مجّد اسمك". وبشكل صريح أيضًا: "كشفتُ اسمك للبشر" (يو 17: 6)، إذن نحن نطلبُ منه:

 

ليتقدّس اسمك

هذا لا يعني أنّه يليق بالإنسان أن يتمنّى لله، وكأنّه يقدر أن يتمنّى له شيئًا لا يملكه لولا تمنّياتنا. يجب علينا أن نبارك الله في كلّ زمانٍ وفي كلّ مكانٍ لنودّي الإكرام وعرفان الجميل الواجب على كلّ إنسان لقاء ما نال من إحسانات. فالمباركة تقوم لهذا الواجب، ثمّ كيف لا يكون اسمُ الله دومًا مقدَّسًا ومقدِّسًا في ذاته، إذ إنّه يقدّس الآخرين. وجيش الملائكة المحيط به لا يني يقول: "قدّوس، قدّوس، قدّوس" (أش 6: 3). ونحن الذين نتوق إلى مقاسمة سعادة الملائكة، ننضمّ من الآن إلى أصواتهم ونردّد دورًا يليق بنا في الآخرة. هذا ما يشير إلى مجد الله.

أمّا الصلاة التي نتلوها لنا، حين نقول: ليتقدّس اسمك، فنطلب أن يتقدّس فينا، ونحن فيه، كما في الآخرين الذين تنتظرهم بعدُ كلمة الله، لكي نتوافق مع الفريضة التي تفرض علينا أن نصلّي من أجل الجميع، وحتّى أعدائنا. لذلك حين لا نقول بصريح العبارة: ليتقدّس اسمك فينا. نكون طالبين بأن يكون مقدّسًا في جميع البشر.

 

لتكن مشيئتك على الأرض كما في السماء

من الواضح أنّ ما من حاجز يقدر أن يمنع إرادة الله من أن تتحقّق، بل نحن لا نتمنّى له النجاح في تنفيذ مقاصده. بل نحن نطلب أن تتمّ إرادته لدى كلِّ البشر. ووراء صورة البشر والروح، ندلّ على نفوسنا بسماء وأرض. ولكن حتّى في المعنى الواضح، طبيعةُ الطلبة تبقى هي هي. أي لتتمّ مشيئةُ الله فينا على الأرض لكي تتمّ فينا في السماء. ولكن ما هي مشيئة الله سوى اتّباع طرق تعليمه؟ إذن، نتوسّل إليه بأن يعطينا جوهر مشيئته وقوّتها، لكي نخلص على الأرض وفي السماء، لأنّ مشيئته الجوهريّة في خلاص الأبناء الذين تبنّاهم. ومشيئة الله هذه، حقّقها الربّ بالكلمة والعمل والألم. في هذا المعنى قال إنّه لا يعمل مشيئته بل مشيئة أبيه.

لا شكّ في أنّه عمل إرادةَ الربّ ذاك أيضًا هو المثال الذي يعطينا اليوم: أن نكرز، أن نعمل، أن نتألّم حتّى الموت. وإذا أردنا أن نُتمّ هذا، نحتاج إلى إرادة الله فنقول: لتكن مشيئتك. ونهنِّئ نفوسنا بأنّ مشيئة الله ليست أبدًا شرًّا لنا، وإن هو عاملنا بقساوة بسبب خطايانا.

ثمّ نشجّع بعضنا بعضًا على الألم بهذه الكلمات. فالربّ الذي بيّن لنا، وسط الضيقات حاشه وآلامه، أنّ ضعف بشريّتنا كان في بشريّته، قال أيضًا: "أيّها الآب، أبعد هذه الكأس". ثمّ استعاد كلامه: "لا أن تتمّ مشيئتي، بل مشيئتك" (لو 22: 42). كان هو نفسه مشيئةَ الآب وقدرتَه. ولكن إذ أراد أن يعلّمنا أن ندفع ضريبة الألم، سلّم نفسه بكلّيّتها لإرادة الآب.

 

ليأتِ ملكوتك

ترتبط هذه الطلبةُ بسابقتها: لتكن مشيئتك. يعني: ليتمّ ملكُك فينا. فمتى لم يكن الله ملكًا، وهو الذي يُمسك في يده قلوبَ الملوك (أم 21: 1)؟ غير أنّ كل ما نتمنّاه لنفوسنا، نعيده إليه، نقدِّسه فيه، لأنّ هو من ننتظر. إنّ توافق مجيء ملكوت الله مع إرادته، وتطلّب انتظارنا، فلماذا يطلب بعضهم بالدموع، شخصًا أخذ من هذا العالم؟ فملكوت الله الذي نطلب مجيئه، يضع حدًّا لهذا العالم. نحن نطلب أن نملك بسرعة لنفلت بأقرب وقت من العبوديّة.

وإن لم تفرض علينا هذه الصلاة أن نطلب مجيء هذا الملكوت، لكنّا نحن أطلقنا هذه الصيحة، ونحن معجِّلون لكي نضمَّ آمالنا (عب 4: 11). فنفوس الشهداء تحت المذبح، تدعو الربّ بصراخٍ عظيم: "إلى متى، يا ربّ، تتأخّر لتطلب حسابًا عن دمنا من سكّان الأرض"؟ (رؤ 6: 10). يجب أن ينتظروا العدالة في نهاية الأزمنة. فيا ربّ، عجِّل في مجيء ملكوتك! ذاك هو تمنّي المسيحيّين، وخزيُ اللامؤمنين، وانتصار الملائكة. فمن أجله نتألّم. أو بالأحرى: هم من ندعو.

 

أعطنا خبزنا كلَّ يوم

بأيّ فنّ رتّبت الحكمة الإلهيّة كلَّ أجزاء هذه الصلاة! بعد أمور السماء، أي بعد اسم الله، ومشيئة الله وملكوت الله تأتي حاجات الأرض التي أراد أن يُفرد لها مكانًا. أما قال الربّ: "أطلبوا أوّلاً ملكوت الله، وكلُّ هذا يعطى لكم زيادة"؟ (مت 6: 33).

ومع ذلك، يليق بالأحرى أن نعطي لهذه الكلمات معنى روحيًّا: أعطنا اليوم خبزنا لكلّ يوم. فالمسيح هو خبزنا، لأنّه حياتنا، ولأنّ حياتنا في الخبز. قال: "أنا هو خبز الحياة" (يو 6: 35). وقبل ذلك بقليل قال: الخبز هو كلمة الله الحيّ النازل من السماء (يو 6: 33). فالخبز يدلُّ على جسده. هذا هو جسدي" (لو 22: 10).

إذن، حين نطلب خبزنا كلّ يوم، نطلب أن نحيا دومًا في المسيح، أن نتماثل مع جسده. ولكنّ التفسير الحرفيّ الذي قد يتوافق مع الإيمان والتأديب، تبقى له قيمة كاملة. فهو يأمرنا بأن نطلب الخبز، الشيء الوحيدَ الضروريّ للمؤمنين: "يبقى للوثنيّين أن يهتمّو بالباقي كلّه" (مت 6: 33).

وهذا ما أراد الربُّ أن يفهمنا إيّاه بأمثالٍ، فصوّره في أمثاله حين قال: "أيأخذ الأبُ من البنين الخبز ليعطيه للكلاب"؟ (مت 15: 26). وأيضًا: "إذا طلب الابن خبزًا فمن يعطيه حجرًا"؟ (مت 7: 9). فبيّن هكذا ما يحقّ للأبناء أن ينتظروا من أبيهم. وهذا أيضًا ما يطلبه هذا الرجل الذي جاء يقرع البابَ ليلاً.

وبحقٍّ أضاف: "لا تهتمّوا لما تأكلون غدًا" (مت 6: 22). أراد الربّ أيضًا أن يعلّمنا هذه الحقيقة، فعرض مثلَ هذا الرجل الذي جمع في أهرائه غلّة وافرة، وقاس لنفسه زمنًا طويلاً من الطمأنينة. ولكنّه مات في الليلة عينها (لو 12: 16).

 

أترك لنا ديوننا

بعد أن صوّر سخاء الله، كان من الطبيعيّ أن يطلب حنانه، فما فائدة الأطعمة إذا كانت تكتفي بأن تسمّننا مثل ثيرانٍ معدّة للذبح؟ عرف الربّ أنّه وحده بلا خطيئة. فعلّمنا أن نقول: "أترك لنا ديوننا. الإقرار بالذنوب هو طلب غفران. وطلب الغفران هو الإقرار بالخطيئة. هذا ما يبرهن لنا أنّ التوبة ترضي الربّ لأنّه يفضّلها على موت الخاطئ.

ولفظ "دين" في الكتاب المقدّس، صورة عن الخطيئة: فحين نخطأ نأخذ دَين الدينونة، الذي يجب أن ندفعه إلى آخر فلس، إلاّ إذا تُرك لنا مثل الدين الذي تركه السيّد لعبده (مت 18: 27). لا مدلول آخر لهذا المثل. فهذا العبد الذي نعم بحنان سيّده، لاحق بقساوةٍ قريبه المديون. أمّا سيّده فجعله يمثل أمامه يسلّمه إلى الجلاّد، إلى أن يفي إلى آخر فلس. يدلُّنا مثَلُه أنّه يجب علينا أن نترك لمديونينا ديونهم. وفي موضع آخر، سبق للربّ وقال بشكل صلاة: "إغفروا يُغفر لكم" (لو 6: 37). وحين سأله بطرس إذا كان يجب عليه أن يغفر لأخيه حتّى سبع مرّات، أجاب يسوع: "لا أقول حتّى سبع مرّات، بل حتّى سبعين مرّة سبع مرّات" (تك 18: 22). هكذا تتمّ الشريعةُ حيثُ يُقال في سفر التكوين: "سيُنتقم لقايين سبع مرّات وللامك سبعين مرّة سبع مرّات" (تك 4: 24).

 

ولا تدخلنا في تجربة

ونصلّي إلى الله لكي نكمِّل هذه الصلاة الموجزة، لا لكي يفي ديوننا وحسب، بل لكي يبعد أيضًا كلّ البعد الخطيئة عنّا. ولا تدخلنا في تجربة. أي لا تسمح أن يخدعنا المجرّب. ولكن لتحفظنا السماء بحيث نظنّ أنّ الله يجرّبنا، وكأنّه يجهل إيمان كلّ واحد منّا. أو هو يريد أن يزعزع هذا الإيمان. فالضعف والخبث هما من الشيطان. في الماضي، حين أمر الله إبراهيم بأن يذبح له ابنَه، ما كان هذا لكي يمتحن إيمانه، بل ليكشفه بحيث يصبحُ أبو الآباء لنا صورة حيّة عن فريضة سوف يعلّمها فيما بعد. أي يجب أن نفضّل الله على أعزّ ما لدينا.

ويسوع نفسه سمح بأن يجرّبه الشيطان لكي يجعلنا نكتشف، في الشيطان، أركون التجربة وصانعها. وثبّت هذه الحقيقة حين قال أيضًا: "صلّوا لئلاّ تدخلوا في تجربة" (لو 22: 46). وهذا من الصحّة بحيث جُرِّبوا فتخلّوا عن الربّ وفضّلوا أن يستسلموا للنعاس لا أن يتفرّغوا للصلاة. والطلبة الأخيرة تشرح لنا في موضع آخر ما يعني "لا تدخلنا في تجربة". أي: ولكن نجّنا من الشرّير.

 

في بضع كلمات، أقوالٌ أُخذت من الأنبياء والأناجيل والرسل! خطبُ الربّ وأمثاله ومثل حياته وفرائضه! وواجباتٌ يعبَّر عنها! إكرام يؤدَّى لله بلقب "أب"، شهادة إيمان باسمه، فعل خضوع تجاه مشيئته، استذكار الرجاء في مجيء ملكه، طلب الحياة في الخبز، الإقرار بخطايانا، اهتمام بالتجارب وطلب الحماية، لا عجب في ذلك. فالله وحده استطاع أن يعلّمنا كيف نصلّي إليه. فهو الذي ينظّم ديانة الصلاة ويحرِّكها بروحه، ساعة تخرجُ من فمه، فيمنحها امتيازًا بأن تنقلنا إلى السماء وتلمس قلب الآب بكلمات الابن.

والله يؤمِّن الحاجات البشريّة، حين سلّمنا عبارة الصلاة هذه، أضاف: "أطلبوا تجدوا" (لو 11: 8). فكلّ واحد يقدر أن يوجّه إلى السماء صلوات متنوّعة بحسب حاجاته. ولكنّه يبدأ دومًا بصلاة الربّ التي تبقى الصلاة الأساسيّة.