أعطنا اليوم خبزنا

 

أعطنا اليوم خبزنا الجوهريّ أو كما يقول لوقا: أعطنا كلّ يوم خبزنا الجوهريّ. إفترض بعض الشرّاح أنّ علينا أن نصلّي من أجل الخبز المادّيّ، فلا بدّ من الردّ على ضلالهم. فكيف يقدر الذي يجعلنا نسأل الخيرات الرفيعة والسماويّة (بينما الخبز الجسديّ ليس خيرًا سماويًّا ولا موضوع طلبة رفيعة) أن ننسى تعليمه ويطلب منّا أن نسأل أباه من أجل خير صغير وأرضيّ؟

 

الخبز الحقيقيّ

سنتبع الربّ نفسه الذي يعلّمنا ما يتعلّق بالخبز وسنعرضه مطوّلاً. في إنجيل يوحنّا قال يسوع للذين جاؤوا يطلبونه في كفرناحوم: "الحقّ الحقّ أقول لكم، أنتم تطلبونني لا لأنّكم رأيتم العجائب بل لأنّكم أكلتم الخبز وشبعتم" (يو 6: 26). من أكل الخبز الذي باركه يسوع تغذّى منه يحاول أن يتعرّف أكثر إلى ابن الله ويسرع بالذهاب إليه. لهذا يأمر يسوع: "إعملوا لا للطعام الفاني، بل للطعام الباقي في الحياة الأبديّة، ذلك الذي يعطيه ابن الإنسان" (يو 6: 27).

وسأله السامعون قائلين: ماذا يجب علينا أن نعمل لنعمل عمل الله"؟ أجاب يسوع: "عمل الله هو أن تؤمنوا بمن أرسله" (6: 28-29). والله أرسل كلمته وشفاهم كما كتب في المزامير (107: 20) الذي يشير إلى المرض. فالذين يؤمنون بالكلمة يعملون أعمال الله التي هي طعام يدوم في الحياة الأبديّة.

ثمّ قال: "أبي هو الذي أعطاكم خبز الحياة لأنّ خبز الله الذي نزل من السماء يعطي العالم الحياة (يو 6: 32-33). فالخبز الحقيقيّ هو الذي يقيت الإنسان الحقيقيّ المخلوق على صورة الله، وينمّي الذي يقيته إلى أن يتشبّه بخالقه. فأيّ شيء أثمن لعقل من يفهم أكثر من الحكمة وأي شيء يوافق أكثر الطبيعة العاقلة أكثر من الحقيقة؟

وقد يعترض معترض لم يعلّمنا الربّ أن نطلب الخبز الجوهريّ بل الخبز الآخر؟ لقد تحدّث يسوع في إنجيل يوحنّا عن هذا الخبز مرّة كأنّه آخر: مرّة كأنّه هو نفسه آخر حين قال: "أعطاكم موسى الخبز الآتي من السماء؟ لا الخبز الحقيقيّ، بل هو أبي الذي يعطيكم من السماء الخبز الحقيقيّ". هو نفسه حين أجاب الذين يسألونه: "أعطنا دومًا من هذا الخبز". قال: "أنا خبز الحياة. فالذي يأتي إليّ لا يجوع والذي يؤمن بي لا يعطش" (يو 6: 34-35). وبعد هذا قال: "أنا الخبز الحيّ الذي نزل من السماء. فإن أكل أحد من هذا الحبز يحيَ إلى الأبد. والخبز الذي أعطيه هو جسيدي لحياة العالم" (يو 6: 51).

إنّ الكتاب يسمّي الخبز كلّ طعام. هذا ما قيل عن موسى: "ظلّ أربعين يومًا لا يأكل خبزًا ولا يشرب ماء" (تث 9: 9). والكلمة بقيت بطرق شتّى لأنّهم لا يقدرون كلّهم أن يتحمّلوا قوّة التعاليم الإلهيّة المقوّية. وإذ أراد يسوع أن يعطي طعامًا متينًا للكمال قال: "الخبز الذي أعطيه هو جسدي لحياة العالم. وبعد هذا: إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه فلا حياة لكم في داخلكم. من يأكل جسدي ويشرب دمي له الحياة الأبديّة وأنا أقيمه في اليوم الأخير. لأنّ جسدي مأكل حقيقيّ ودمي شراب حقيقيّ، فمن يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيّ وأنا فيه. وكما أنّ الآب الذي هو حيّ أرسلني وأنا أحيا بالآب كذلك الذي يأكلني يحيا بي أيضًا" (يو 6: 53-57).

إذا الطعام الحقيقيّ هو جسد (أو لحم) المسيح الذي صار كلمة الله بشرًا (لحمًا) حسب الكلمة: "والكلمة صار بشرًا" (أو لحمًا) (يو 1: 14). وحين نأكله ونشربه يجعل مقامه بيننا. وحين يوزَّع تتمّ الكلمة: "أبصرنا مجده" (يو 1: 14). "هذا هو الخبز النازل من السماء إنّه ليس مثل الذي أكله آباؤكم وماتوا. فالذي يأكل من هذا الحب يحيا إلى الأبد" (يو 6: 58).

وحين يكلّم بولس الكورنثيّين مثل أطفال يسلكون ككائنات لحميّة يقول: "أعطيتكم الحليب لا الطعام القويّ. فما كنتم حينذاك تستطيعون أن تحتملوه ولا تستطيعونه الآن لأنّكم لم تزالوا لحميّين" (1 كور 3: 2-3). وفي الرسالة إلى العبرانيّين (5: 12-14): "فأنتم بحاجة إلى حليب لا إلى طعام قويّ. فمن كان طعامه الحليب يجهل تعليم البرّ ولم يزل طفلاً. فالطعام القويّ هو للكاملين للذين تدرّبت حواسهم بالممارسة على التمييز بين الخير والشرّ. وفي رأيي إنّ العبارة "هذا يرى أنّه يقدر أن يأكل من كلّ شيء، وذاك الضعيف لا يأكل إلاّ البقول" (رو 14: 2)، لا تتعلّق أساسًا بالطعام الجسديّ بل بكلمات الله التي تغذّي النفس.

فالذي هو، في الحقيقة، أمين وكامل، يستطيع أن يأكل كلَّ شيء، كما يدلّ عليه القول التالي: ذاك يظنّ أنّه يستطيع أن يأكل من كلّ شيء. أمّا الضعيف واللاكامل فعليه أن يكتفي بالتعاليم البسيطة، التي لا تكفي لتشدّد الإنسان ملء التشديد. فعنه يتكلّم بولس حين يقول: وآخر ضعيف، لا يأكل سوى البقول.

قال سليمان في سفر الأمثال: البسيط الذي لا يفهم العقائد السامية التي تشدّد الإنسان (دون أن يكون في الضلال) يتفوّق على آخر يكون أكثر مهارة وأكثر دقّة، ذات عقل متحرّر ولكنّه لا يلج كلمة السلام ولا يكتشف تناسق كلّ شيء. وإليك النصّ: "خير لك أن تُدعى بمحبّة وتأكل العشب، من أن تأكل عجلاً سمينًا وتكون مبغضًا" (أم 15: 17). فطعام بسيط وزاهد يضعه أمامك بلطافة، أولئك الذين لا يستطيعون أن يقدّموا أكثر، يُسرّنا أكثر من خطب مختلفة يتلوها الذين لا يعرفون الله، ويقدّمون تعليمًا مغايرًا لتعليم أبي ربّنا يسوع الذي أعطانا الشريعة والأنبياء.

فلنطلب من الآب خبز الحياة الذي هو الخبز الفوجوهري، لئلاّ تذبل نفوسنا من الجوع فتموت بعد أن نقصتها كلمةُ الربّ.

ب. الفوجوهريّ

يجب علينا الآن أن نتفحّص معنى اللفظ "فوجوهريّ". (أي فوق الجوهريّ، ما يتجاوز الجوهريّ). لا يُستعمل هذا اللفظ لدى المعلّمين اليونان، كما لا يُستعمل أيضًا في اللغة اليوميّة. فيبدو أنّ الإنجيل قد صاغه. اتّفق متّى ولوقا على الألفاظ وما تركا اختلافة واحدة. ونقول الشيء عينه عن ألفاظ أخرى استعملها أولئك الذين نقلوا النصّ العبريّ في الكتاب المقدّس. أي يونانيّ مثلاً استعمل أفعالاً تعني "تقبّل في الأذنين" أو "اجعله يسمع"؟

ونجد لفظًا مماثلاً لفوجوهريّ في كتاب موسى، الذي يجعله على شفتي الله. "تكونون لي شعبًا فوجوهريًّا" (خر 19: 6). يعود اللفظ هنا وهناك إلى "أوسيّا" الجوهر. فالأوّل يدلّ على الخبز الذي تحوّل إلى جوهرنا، والثاني على الشعب الحيّ حول الجوهر الإلهيّ الذي يشارك فيه.

قمنا بأبحاث حول مدلول الجوهر بسبب الخبز الفوجوهريّ والشعب الفوجوهريّ وشرحنا مختلف مفاهيم اللفظ. سبق لنا فبيّنّا أن الخبز الذي يجب أن نطلبه كان روحيًّا. فإنّ جسد ذاك الذي يتغذّى منه، هكذا خبز الحياة النازل من السماء يُعطي قوّته الخاصّة الروح الذي يأكل منه ونفسه. وهكذا يُصبح الخبزَ الفوجوهريّ الذي نطلبه. والأطعمة، سواء أكل المصارعين القويّ أو اللبن أو البقول، تغذّي أخذيها وتقوّيهم بشكل مختلف. وهكذا نقول عن كلمة الله: هي لبن الأطفال، بقول للضعفاء، لحم للضعفاء. كلّ واحد يستفيد منها بحسب استعداداته. غير أنّ هناك تُعتبَر طعامًا. فالخبز الفوجوهريّ يتكيّف مع طبيعتنا العاقلة ويقترب من الجوهر ذاته فيمنح النفس الصحّة والنشاط والقوّة. ويهب لاهوتَه بالذات، لأنّ كلمة الله هو لا موتٌ لمن يأكله.

يُدعى الخبز الفوجوهريّ في الكتاب المقدّس، على ما يبدو، باسم آخر. اسم شجرة الحياة التي بفضلها يحيا إلى الأبد ذاك الذي يمدّ يده ويأخذ منها. دعاها سليمان: حكمة الله. "هي شجرة حياة للذين يعانقونها. هنيئًا لمن يمضي إليها كما إلى الربّ" (أم 3: 18). والملائكة أنفسهم يغتذون بحكمة الله. وفيها يستقون القوّة لكي ينفّذوا مهمّتهم فيشاهدوا الحقيقة والحكمة. حسب المزامير، يغتذي الملائكة، ورجال الله الذين يُدعَون العبرانيّين، يأكلون معهم، في شكل من الأشكال. فقد كُتب: "أكل الإنسان خبز الملائكة" (مز 78: 25). لا نكن بهذا الضعف العقليّ لكي نتخيّل أنّنا هنا أمام خبز عاديّ يُشبه ذاك الذي نزل من السماء على العبرانيّين في خروجهم من مصر، حين قبل بأنّ البشر يشاركون في مائدة الملائكة خدّام الله.

بما أنّنا ندرس الخبز الفوجوهريّ، شجرة الحياة، حكمة الله والطعام المشترك بين البشر والملائكة، من المفيد أنّ نتوقّف عند ثلاثة رجال تقبّلهم إبراهيم، الذين تكلّم عنهم سفر التكوين. اغتذوا بثلاثة أكيال دقيق عُجنوا لتكون خبزات مطبوخة تحت الرماد. لا نأخذ هذه الكلمات بحرفيّتها، بل في الرمز. يستطيع القدّيسون بعض المرّات أن يقاسموا طعامًا روحيًّا وعقليًّا مع الرجال بل مع القوّات الإلهيّة لكي ينعموا بما يشبعهم ويدلّوا عليه.

أمّا الملائكة فيبتهجون به ويتيحون للقدّيسين بأن يهضموا هضمًا أفضل التعابير التي تلقّوها. فيجب أن لا ندهش حين نرى الإنسان يُطعم الملائكة. فالمسيح نفسه أعلن أنّه يقف أمام الباب ويفرح، لكي يدخل ويتعشى مع ذاك الذي فتح له. والربّ بدوره يُشبع بخيراته الخاصّة ذاك الذي أطعم ابن الله، بحسب وسائله.

من تقبّل الفوجوهريّ قوّى قلبه وصار ابنَ الله. ومن اتّحد بالتنّين كان (ابن الصحراء الذي يشبه الحيوان البرّي المغتذي من الجيفة) الذي تحوّل إلى حيّة بحيل التنّين. إن طالب العماد، سمع توبيخ الكلمة: "يا نسل الأفاعي، أيّتها الحيّات، من علّمكم الهرب من غضب الله"؟ (مت 3: 7). وقال داود عن جسم التنّين الذي أكله الساعي: "حطّمت رؤوس التنانين على المياه، رضضت رأس لاويتان وجعلته طعامًا للشعوب الصاويتين" (مز 74: 13-14. في العبريّ: أهل البريّة).

إن لم يكن الواحدُ والآخر طعام هذا وذاك، لماذا نخاف القول بأنّ البشر يستطيعون أن يغتذوا بيد القوّات الصالحة أو الشرّيرة؟ فبطرس قبل أن يتّصل بكورنيليوس وأهل بيته في قيصريّة لمقاسمته كلمات الحياة، رأى في السماء سماطًا كبيرًا مربوطًا بزواياه الأربع. وكان فيه كلّ دوابّ الأرض والزحّافات ووحوش الأرض. وأمره الصوت: قف، أقبل وكلْ. رفض بطرس أوّلاً وقال: ما أكلتُ يومًا دنسًا أو نجسًا. فمنعه الصوت من أن يدعو إنسانًا عاديًّا أو نجسًا. ويجب عليه أن يعلن ما طهّره الله أنّه دنس. قال النصّ: "ما طهّره الله لا تعلنه نجسًا" (أع 10: 15). إذن، ميّزت شريعة موسى الطعام الطاهر والطعام النجس. أسماء عدد من الحيوانات قريبة، قياسًا، بعادات مختلفة لدى كائنات عاقلة، هي مفيدة أو مضرّة إلى أن يطهّر الله كلّ شيء.

ج. اليوم

مهما يكن من أمر الطعام. فالخبز الفوجوهريّ هو فريد. يجب أن نطلب أن نكون أهلاً له، فنتألّه بكلمة الله الذي هو، في البدء، في الله.

نستطيع أيضًا أن تفرِّع لفظ "فوجوهريّ" من فعل "وصل" (في اليونانيّ). حينئذ نتلقّى أمرًا بأن نطلب خبز الدهر الآتي، الذي يعطينا الله مسبقًا فما سوف يُمنح لنا، نتقبَّله منذ اليوم، وهكذا يعني "اليوم" الدهر الحاضر، و"الغد" الدهر الآتي. ولكنّ الشرح الأوّل هو الأفضل في رأيي.

ويجب علينا الآن أن نسعى لنعرف معنى لفظ "اليوم" (الحاضر) الذي أضافه متّى، أو عبارة "كلّ يوم" التي نجدها عند لوقا. فالكتاب يدعو مرارًا "اليوم"، الأبديّة كلّها. نقرأ في المقطع التالي: "هو أبو الموآبيّين الذين هم اليوم بعد" (تك 19: 37). "وهو أبو العمونيّين الذين نراهم اليوم بعد" (تك 19: 38). وفي موضع آخر: "فشاع هذا القول عند اليهود إلى اليوم" (مت 28: 15). وفي المزمور: "اليوم، إن سمعتم صوته، لا تقسّوا قلوبكم" (مز 95: 8). ونجد هذا واضحًا جدًّا في سفر يشوع: "لا تبتعدوا اليومَ عن الربّ".

إن كان "اليوم" يدلّ على كلّ الزمن الحاضر، فإنّ "أمس" قد يشير إلى الدهر الماضي. يبدو لنا أنّ الأمر هو هكذا في سفر المزامير، وعند القدّيس بولس في الرسالة إلى العبرانيّين. في المزامير: "ألفُ سنة في عينيك كيوم أمس الذي عبر" (مز 90: 4). هي الألفيّة الشهيرة التي تقابل مع يوم أمس وتعارض "اليوم" الحاضر. وعند الرسول: "يسوع المسيح هو هو أمس واليوم، وسيكون إلى الأبد" (عب 13: 8). لا عجب عند الله بأن لا يدوم الدهر سوى مدى يوم واحد من أيّامنا. وأظنّه أيضًا أقصر.

يجب أن نبحث أيضًا إن كانت الكلمات المكتوبة حول الأعياد والاحتفالات التي تمارَس حسب الأيّام والأشهر والأزمنة والسنين، تعود إلى الأبديّة. فإذا امتلكت الشريعة "ظلَّ الخيرات الآتية" فالسبوت العديدة هي بالضرورة ظلّ الأيّام العديدة.

حصل لي مرارًا أن أحار حين أقابل نصَّين لدى الرسول. فأتساءل كيف تنتهي الدهور التي فيها ظهر يسوع مرّة واحدة لتدمير الخطايا، إن جاءت بعد هذا الدهر الأجيال الآتية. وإليك النصّين موضوع التساؤل: "الآن ظهر مرّة واحدة، في نهاية الأزمنة، لإلغاء الخطيئة بذبيحته" (عب 9: 21). ثمّ: "ليكشف في الدهور الآتية كنوز نعمته الفائقة بلطفه علينا" (أف 2: 7).

وإليك فكرتي تجاه تلك الصعوبة: السنةُ تنتهي في الشهر الأخير الذي بعده يأتي بدءُ شهر آخر. هكذا يكون ربّما حين دهور (قرن أو مئة سنة عديدة التي هي سنة من 365 يومًا من الدهور) تمضي. فيكمل الدهر الحاضر. بعده تأتي الدهور المقبلة التي تبدأ بالدهر الآتي. في هذه الدهور المقبلة، سيكشف الله كنوز نعمته، في لطفه. خلال الدهر الحاضر، ستمتلك الخطيئةُ أكبر الخطأة الذي جدّف على الروح القدس. ولكن في المستقبل، منذ بداية الدهر المقبل إلى نهايته، لا أعرف كيف سوف يُعامَل.

من تطلّع إلى هذه الأمور، من أمرَّ في فكره أسبوع الدهور ليتأمّل في سبتٍ جديد، أشهرَ الدهور ليرى نيومانيّة (الشهر الجديد) الله المقدّسة، وسنةَ الدهور يتطلّع إلى أعياد السنة حيث يُفرض على جميع الذكور أن يمثلوا أمام الربّ الإله، والسنوات المناسبة لعدد من الدهور ليفهم السنة السابعة المقدّسة. وأخيرًا سبعة أسابيع سنوات الدهور، لكي يمتدح ذاك الذي أقام شرائع عجيبة. مثل هذا الإنسان قد يتساءل: كيف نهتمّ اهتمامًا دقيقًا بجزء بسيط من ساعة في يوم من الدهر الحاضر، ولا نحرّك كلّ شيء لنستعدّ فنصير أهلاً لتقبّل الخبز الفوجوهريّ، ولتقبّله كلّ يوم.

منذ الآن بدا واضحًا معنى العبارة "كلّ يوم". فالذي يصلّي اليوم إلى الإله الموجود من الأزل إلى الأبد لكي ينال نعمًا لا اليوم فقط، بل كلَّ يوم. بواسطة ذلك القادر أن يفعل فوق كلّ شيء أكثر جدًّا من طلباتنا ومن أفكارنا" (أف 3: 20). مثل هذا يستطيع أن يتقبّل، (أنا أتكلّم بطريقة الاستعارة) سخاء أكبر "ممّا لم ترَهُ عين ولم تسمعه أذنٌ، ولا فكّر فيه قلبُ بشر" (1 كور 2: 9).

كلَّ هذه الاعتبارات تبدو لي ضروريّة لفهم لفظ "اليوم" وعبارة "كلّ يوم". حين نطلب من الآب أن يعطينا الخبز الفوجوهريّ. وإن تفحّصنا الضمير "نحن". في الإنجيل الثاني، حيث لم يُكتب أعطنا اليوم خبزنا الفوجوهريّ، بل أعطنا كلَّ يوم خبزنا الفوجوهريّ، يجب أن يبحث أيضًا كيف أن هذا الخبز هو خبزنا، علّمنا الرسول أن الحياة والموت، الحاضر والمستقبل، كلّ هو للقدّيسين، ولكن ليس من الضروريّ أن نتوسّع في هذه الفكرة هنا.

7- أترك لنا ديوننا

"أترك لنا ديوننا، كما تركناها لمن لنا دين عليه". أو حسب عبارة لوقا: "أترك لنا خطايانا، كما غفرنا نحن لجميع الذين أساؤوا إلينا". قال الرسول عن الديون: "ردّوا لكلّ واحد ما يحقّ له: لمن له الجزية، لمن له الجباية، لمن له المخافة، لمن له الكرامة. لا تكونوا مديونين لأحد إلاّ بالمحبّة المتبادلة" (روم 13: 7-8). فعلينا واجب نقوم به، لا أن نعطي وحسب، بل أن نتكلّم أيضًا باللطف وننجز بعض الأعمال الصالحة ويجب علينا أيضًا أن نمتلك بعض الاستعدادات تجاه الآخرين. ندفع هذه الديون حين نمارس شريعة الله، أو نرفض أن ندفعها حين نحتقر العقل السليم، وهكذا نبقى مديونين.

أ. ما يجب علينا

لهذا يجب علينا أن نفكّر، في ديون وجبت علينا لإخوتنا، بالذين وُلدوا معنا من جديد، بالمسيح، بالكلمات السرّيّة، بالذين آباؤهم آباؤنا وأمّهاتهم أمّهاتنا. وهناك أيضًا ديون تجاه مواطنينا، وأخرى مشتركة، تجاه جميع البشر، وأخرى تجاه ضيوفنا، تجاه الذين عمرُهم عمرُ آبائنا، وأخرى تجاه الذين يجب أن نكرمهم كأبناء أو كإخوة. فالذي لا يفي بديونه الواجبة عليه تجاه إخوته، يبقى مديونًا لهم. وإن حرمنا إخوتنا ممّا يفرضه علينا روح المحبّة أو الحكمة، يكون ديننا أكبر أيضًا. ويمكن أيضًا أن نكون مديونين لذواتنا: نستطيع أن نحترم جسدنا دون أن ننهكه بعدد من الملذّات. وعلينا أن نهتمّ بنفسنا، ونسهر على مخافة عقلنا، ونجعل لغتنا مهذّبة، محبّة، لا باطلة على الإطلاق، فإنّ ثقّلنا الديون على ذواتنا، يكون ذنبنا أكثر ثقل أيضًا.

بما أنّنا بشكل خاصّ عملُ الله وخلقه، فيجب أن نحتفظ له بودِّنا، أن نحبّه بكلّ قلبنا وبكلّ قوانا وبكلّ فكرنا. فإن كنّا لا نقوم بهذا الواجب، نبقى مديونين لله، ونخطأ تجاه الربّ. فمن يصلّي حينئذٍ من أجلنا؟ "إن خطئ إنسان إلى الربّ، فمن يصلّي من أجله"؟ (1صم 2: 25). هذا ما قال إيليّا في كتاب الملوك (كانت أسفار الملوك أربعة في السبعينيّة: 1 و2 صم، 1 و2 مل).

ونحن مديونون أيضًا للمسيح الذي افتدانا بدمه، مثل كلّ عبد يكون مديونًا للسيّد الذي افتداه، ومن أجله دفع كمّيّة من المال. ويجب علينا أيضًا دين تجاه الروح القدس، نحن ندفعها حين نتجنّب إحزان ذاك الذي به خُتمنا بختم، من أجل يوم الفداء (أف 4: 30). وحين لا نحزنه نحمل الثمار المرجوّة بفضل حضوره الذي يُحيي نفسنا.

إن صعُبَ علينا أن نعرض من هو ملاك كلّ واحد منّا، الذي يرى دومًا وجه الآب الذي في السماوات، يبقى من الواضح أنّنا مديونون له أيضًا. "صرنا مشهدًا للعالم وللملائكة وللبشر". فعلى مدير المسرح أن ينتج المشهد المحدّد وإلاّ تعرّض للقصاص والهزء من قِبل المشاهدين الذين أساء إليهم. وهكذا نقول عن نفوسنا: يجب أن نعرض أمام الكون، أمام الملائكة والبشر، ما تعلّمناه من الحكمة.

وبجانب هذه الواجبات المسكونيّة، هناك دين للأرملة التي تهتمّ بها الكنيسة، ودين للشمّاس والكاهن، والدين الأثقل للأسقف. فإن لم يُدفَع هذا الدين، طالب به المخلّص من الكنيسة كلّها.

سبق الرسول وتحدّث عن دين يشارك فيه الرجل والمرأة: ليتمّ الزوج واجبَه تجاه زوجته. وكذلك المرأة تجاه زوجها. وأضاف: "بحيث لا يخون الواحد الآخر" (1 كور 7: 3). هكذا يستطيع كلُّ قارئ أن يحسب ديونه. وهل أحتاج فأضيف أن ضميره يُثقَل بكلّ ما لم يفِه، ومخفّف بكلّ ما أدّاه. وما دُمنا في هذه الحياة، ما من ساعة في الليل أو في النهار إلاّ ويجب علينا فيها شيء ما.

حين يستدين أنسانٌ حالاً، فهو يدفعه أو لا يدفعه. وهذا الأمر وذاك قد يحصلان في هذه الحياة. فهناك أناس لا واجب لهم تجاه أحد، وآخرون يدفعون الجزء الأكبر من ديونهم، وآخرون يدفعون قسمًا صغيرًا، وآخرون في النهاية لا يدفعون شيئًا فيبقى عليهم الدين كلّه. غير أنّ ذاك الذي يصفّي كلّ ما يتوجّب عليه، يحتاج أيضًا إلى أن تترك له ديون سابقة. هو يصل إلى هذه الحالة إن حاول أن يدفع ديونه في الوقت المحدّد.

كلّ نشاط شرّير يبقى محفورًا في عقلنا، يُصبحُ وثيقة مدوَّنة ضدّنا، ونحن سوف نُدان عليها. نستطيع القول إنّه يسجَّل في الكتاب الذي يُبرَز "حين نمثل أمام دينونة المسيح لينال كلُّ واحد أجر ما فعله حين كان بعدُ في الجسد، خيرًا أو شرًّا" (روم 14: 10؛ 2 كو 15: 10). ولمّح سفر الأمثال إلى هذه الديون فقال: "لا ترتبط برهن إن كنتَ تُكرم وجهك. فإن لم يكن لك ما تفي، يأخذون حتّى فراشك عن سريرك" (أم 22: 26-27).

ب. ما يجب لنا

نحن لسنا مديونين فقط، بل دائنون أيضًا. نبيّن الناس، من لنا واجب عليهم، كوننا بشرًا. وآخرون بسبب لقبنا كمؤمن أو أب أو ابن. والزوجة لأنّي أنا زوجها، والصديق في إطار التبادل. فتجاه عدد من المديونين الذين قد يكونون تأخّروا في الواقع، نتصرّف تصرّفًا بشريًّا. لا نذكر ديوننا لهم بل ديوننا التي تهاملنا مرارًا في دفعها للناس كما لله.

نتذكّر التوجّبات التي لم ندفعها، والغشّ الذي مارسناه في الماضي تجاه القريب. حين نكون سموحين تجاه المديونين لنا، الذين ما دفعوا ديونهم. ولا ننسى بشكل خاصّ بأن نتذكّر ذنوبًا اقترفنا تجاه الله، فأسأنا التكلّم عن عظمته، وتجاهلنا حقيقته، وتذكّرنا عليه في الضيق وما صبرنا.

وإن حصل لنا أن نكون قساة تجاه مديونين لنا، نقاسم مصير ذاك الرجل الذي رفض أن يترك دين مئة دينار لرفيقه في العبوديّة، بعد أن عفاه سيّدُه من دَينه. يروي المثلُ الإنجيليّ حينذاك، أنّ السيّد جعله في القيود وأجبره على دفع المتوجّب عليه: "أيّها العبد الشرّير، الكسلان، أما وجب عليك أن ترحم رفيقك كما رحمتُك؟ أرموه في السجن حتّى يدفع كلّ ما عليه". وأضاف الربّ: "هكذا يعاملكم الآب السماويّ، إن كان كلّ منكم لا يغفر لأخيه من كلّ قلبه" (مت 18: 23-25).

يجب علينا أن نغفر للذين دلّوا أنّهم ندموا عن أخطاء اقترفوها تجاهنا، وإن كرّروا الخطأ. قال الربّ: "إذا خطئ إليك أخوك، في اليوم الواحد، سبع مرّات، وعاد إليك قائلاً: أنا تائب، فاغفر له" (لو 17: 3-4). نحن لا نكون قساة تجاه الذين لا يتوبون. فهم يسيئون إلى نفوسهم. "فالذي يرفض التأديب، يحتقر نفسه" (أم 15: 32). بل يجب أن نحسن العناية لهؤلاء الأشخاص الذين فسدوا بحيث ما عادوا يدركون شقاهم الذي يعميهم. فشرّهم يُسكرهم ويزيد في أذيّتهم أكثر من الخمر.

ج. ترك الديون

حين كتب لوقا: "إغفر لنا خطايانا (الخطايا المتأتيّة من ديوننا)، يقول ما قاله متّى، وإن كان هذا حصر كلامه في المديونين التائبين. وما تطلّع إلى من لا يريد أن يغفر. منذ أورد لوقا أمر المخلّص فأضاف: "لأنّنا نترك لجميع الذين لنا عليهم دين" (لو 11: 4). إذن، نستطيع أن نعفو عن الذنوب المقترفة تجاهنا. وهذا ينتج بوضوح من الكلام التالي: "كما نترك لمديون لنا". ومن الكلام: "لأنّنا نترك لجميع الذين لنا دين عليهم".

فمن تصرّف بدفع من الربّ يسوع، مثل الرسل، فيدلّ بثماره على أنّه نال الروح القدس فصار روحيًّا، ويخضع لتحرّكات الروح مثل ابن الله، فيعمل كلّ شيء بحسب العقل، فهذا يترك ما يتركه الله، ويحتفظ بالخطايا التي لا يمكن أن تُترك. فهو كالأنبياء الذين ما عبّروا عن أفكارهم الخاصّة، بل عن مشيئةِ الله: هو في خدمة الله الذي له وحده السلطان على الخطايا.

وإليك كيف أورد إنجيل يوحنّا سلطان غفران الخطايا، الذي أعطيَ للرسل: "خذوا الروح القدس: من غفرتم خطاياه تُغفَر له. ومن أمسكتم عليه خطاياه تُمسك عليه" (يو 20: 22-23). فالذي يأخذ هذه الكلمات ولا يتميَّز معناها، قد يلوم الرسل لأنّهم ما غفروا لجميع البشر خطاياهم، بحيث يكون كلّ واحد خالصًا من الدين، بل هم أمسكوا الخطايا لدى البعض، بحيث إنّ الله أمسكها بدوره.

تقدّم لنا الشريعة هنا مثلاً حسنًا، فتدلّ أنّ الله هو الذي يغفر الخطايا بيد البشر: يُمنَع على الكاهن الشريعة أن يقدّم ذبيحة عن بعض الخطايا، لكي يغفر خطايا الذين ينعمون بالغفران. فله سلطان بأن يقدّم ذبيحة عن بعض الخطايا اللاإراديّة. ولكنّه لا يقدّم محرقة ولا ذبيحة لمحو الزنى والقتل المتعمِّد ولخطايا أخرى خطيرة جدًّا. وهكذا أيضًا الرسل وخلفاء الرسل، الكهنة. لقد عرفوا المعالجة الجديدة بحسب الكاهن الأعظم، يسوع. علّمهم الروح فعرفوا الخطايا التي يمكن أن يقدَّم عنها ذبيحة، بأيّ شكلٍ وفي أيّ زمان. ويعرفون أيضًا عن أيّة خطيئة يجب أن يمتنعوا. ذاك كان وضع الكاهن عالي: حين خطئ ابناه فنحاس وحفني، ما استطاع أن يعينهما فيغفر ذنبهما. هذا ما أقرّ به حين قال: "حين يخطأ إنسان تجاه إنسان، نستطيع أن نتشفّع له. ولكن إن خطئ إنسان تجاه الله، فمن يصلّي من أجله" (1 صم 1: 25).

وأتساءل: كيف يقدر بعضُ الناس أن يتجاوزوا السلطة القانونيّة التي بمنحهم إيّاهم كهنوتهم، ربّما عن جهل بالتنظيم الدينيّ. فيعتبرون أنّهم يقدرون أن يغفروا خطايا الزنى (بين شاب وفتاة) والخيانة الزوجيّة، وكأنّ الصلاة التي يتلونها على أصحاب هذه الذنوب، تستطيع أن تمحو الخطايا المميتة. فهم يجهلون قول رسالة يوحنّا الأولى (5: 16): "هناك خطيئة تقود إلى الموت، وأنا لا أطلب الصلاة لمثل هذه الخطيئة". ونتذكّر أيّوب الجبّار الذي قال وهو يقدّم ذبيحة عن أبنائه: "ربّما أغاظ أبنائي الله في قلبهم" (أي 1: 5). شكّ أيّوب، فقدّم ذبيحة وإن لم تبلغ خطيئة القلب إلى الشفتين.