لا تخضعنا للتجربة، لكن نجّنا من الشرّير

 

لا نجد في إنجيل لوقا العبارة "ولكن نجّنا من الشرّير". إن كان المخلّص لا يدعونا لكي نطلب المستحيل، إلاّ أنّه حسن أن نبحث كيف يجب أن نصلّي لئلاّ نخضع للتجربة. ساعة حياةُ الإنسان كلّها تجربة متواصلة. فما دمنا على هذه الأرض، نحن مرتبطون باللحم (والدم) الذي يقاتل الروح: "رغبة اللحم (والدم، أي الضعف) تعادي الله، ولا تخضع لشريعة الله" (روم 8: 7). وعلّمنا أيّوب أيضًا أنّ حياة الإنسان كلّها تجربة، "كلّ حياة البشر على الأرض، أما هي تجربة"؟ (أي 7: 1). ونقرأ القول عينه في مز 18: 30: "فيك أنجو من التجربة". وحين كتب بولس إلى الكورنثيّين، ما قال إنّنا لا نجرّب، بل لا نجرَّب فوق قوانا: "ما جاءتكم تجربة تتجاوز مقدرة الإنسان. فالله أمين ولا يسمح بأن تجرَّبوا فوق قواكم. فمع التجربة يضع الوسائل التي تتيح لكم أن تقاوموا" (1 كور 10: 13).

كيف يستطيع المخلّص أن يطلب منّا أن لا ندخل في تجربة، ساعة يقال إنّ الله يجرِّب جميعَ البشر؟ قالت يهوديت، لا للكهنة فقط، بل أيضًا لجميع قرّانها: تذكّروا ما حصل لإبراهيم. كم جرّب إسحق ويعقوب الذي عاش في بلاد الرافدين السوريّة، فرعى للابان خراف خاله. هؤلاء جرّبهم لكي ينقّي قلوبَهم. أدّب لا ليهلك، بل ليُصلح (يه 8: 22-27). وتحدّث داود عن كلّ الأبرار: "عديدة هي مصائب البارّ" (مز 34: 20). وقال الرسول في سفر الأعمال: "علينا أن نمرَّ في مضايق عديدة لكي ندخل إلى ملكوت الله" (أع 14: 22).

إذا كنّا لا نعرف أن نرتفع فوق حكم الناس بالنظر إلى هذه الطلبة بأن لا ندخل في تجربة، يجب أن نؤكّد أنّ الرسل هم أيضًا ما استجيبوا حين تلوا هذه الصلاة. قاسوا عددًا من الشرور خلال حياتهم كلّها: الأعمال، السجون، الضربات بلا حدود، ومرّات الموت. وبولس، بشكل خاصّ، نال من اليهود خمس مرّات التسع والثلاثين جلدة. ثلاث مرّات انكسرت به السفينة، وحصل له أن يبقى يومًا وليلة فوق البحر (2 كور 11: 24-25). هو مضغوط من كلّ جهة، يُقاوَم، يُضطهَد، يُرذَل. ويعلن: حتّى الساعة الحاضرة، نتألّم من الجوع والعطش، ونَعرى ونُلطم. نعمل بأيدينا كثيرًا فنحسّ بالتأرجح والإنهاك. نُلعَن فنبارك. نُضطهَد فنقاسي. يجدَّف علينا فنعزّي (2 كور 4: 11-13). فإذا كان الرسل ما استجيبوا، أي أمل يبقى للذين هم أدنى منهم بكثير، بأن يروا الله يستجيب صلاتهم؟

كُتب في المزمور: "امتحنّي يا ربّ وجرّبني. عبِّر في النار كليتيّ وقلبي" (مز 26: 2). إن كان أحد لا يتنبّه لأمر الربّ، فسيجد هذه الأقوال معارضة لما علّمه الربُّ حول الصلاة. من يتخيّل أن ينجو البشر من التجارب، ساعة يعرفُ أنّ كيلهم مملوء مهزوز؟ متى نكون في منأى عن الخطيئة بدون مجهود؟ أنت فقير؟ فاحذر بأن تحلف باسم الله باطلاً (أم 30: 9). أنت غنيّ؟ لا تكن واثقًا، متّكلاً، فقد يُصبح الغنيُّ كاذبًا ويقول في كبريائه: من يراني؟ فبولس نفسه الذي ألقى الله عليه الغنى، غنى الكلام وغنى العلم، هُدِّد بأن يرتفع فوق الآخرين. فاحتاج شوكة من الشيطان كلِّفت بأن تلطمه على وجهه لئلاّ يتكبّر. إن كان الإنسان ضميرًا صالحًا، وظنّ نفسه أنّه ناجٍ من الشرّ، فليقرأ ما كُتب في 2 أخ 32: 25-26 عن حزقيّا الذي سقط لأنّه تكبّر.

ما تحدّثنا كثيرًا عن الفقراء، فإن رفض أحد أن يهتمّ بهذا الأمر، فيتذرّع قائلاً بأن لا تجربة في مجال الفقر، فليعلم أنّ المجرّب يتآمر على الفقير المسكين (مز 37: 14). وقد قال سليمان: "لا يستطيع الفقير أن يقاوم التهديد" (أم 13: 8). لا حاجة إلى تعداد الأشخاص الذين أساؤوا استعمال الغنى فكان لهم حظّ الغنيّ في الإنجيل. وغيرهم آخرون، ما عرفوا أن يتحمّلوا فقرهم، فعاشوا عيشًا لا يليق بالقدّيسين. وهكذا خسروا الرجاء السماويّ. والذين هم في منتصف الطريق بين الغنى والفقر، لا ينالون حماية أكبر من عند إمكاناتهم الضعيفة.

وهل يتخيّل إنسان يمتلك الصحّة والعافية، أنّه بمنأى عن التجربة؟ من يدمِّر هيكل الله إلاّ الأصحّاء؟ أيّ إنسان يقدر أن يناقض هذه الأمور الواضحة؟ هل يسهل على المريض أن يتجنّب تجربة تدنيس هيكل الله؟ ساعة يستقبل كسلُه بسرعة أمورًا نجسة؟ لماذا تعداد كلّ الشهوات التي تتربّص به، إن لم يحفظ قلبه ويسهر؟ ذاك هو وضعُ عدد كبير حطّمتهم المحنة، فما عرفوا أن يتحمّلوا المرض بشجاعة، ففضّلوا أن يروا نفوسهم قبل أجسادهم. وآخرون أرادوا أن يفلتوا من العار، استحوا أن يحملوا بنبل اسم المسيح، فهم في الحقيقة، في العار الأبديّ.

والمجد البشريّ لا يحفظ الإنسان من التجربة. فما أقسى القول الذي يعنيهم: "لقد نالوا أجرهم" (مت 6: 2). فهذا القول يتوجّه إلى الذين يطلبون الكرامة من عند البشر. فعليهم أن يخشوا أيضًا هذا القول: "كيف تستطيعون أن تؤمنوا؟ وأنتم تطلبون المجدَ بعضكم من بعض، ولا تطلبون المجد الصادر عن الله الواحد" (يو 5: 14). لماذا تعداد السقوط في الكبرياء لدى الذين يحسبون نفوسهم وجهاء. والتبجّح البليد لدى الذين يحنون الظهر أمام من يحسبونه "رئيسهم": مثل هذه الدنائة تُبعد عن الله أولئك الذين لا يمتلكون الودّ الصادق. هم "يسعدنون" (يتصنّعون مثل السعدان والقرد) أجمل ما في الإنسان عنيتُ به المحبّة.

لا شكّ في أنّ حياة الإنسان كلّها هي تجربة. لهذا نصلّي لكي ننجو منها. ونطلب لا أن نُبعَد عن التجربة (وهذا يستحيل بشكل خاصّ على البشر على الأرض)، بل أن لا نسقط فيها حين نجرَّب. فالذي يسقط في التجربة، يدخل، في رأيي، في التجربة، يُؤخذ بحبائلها. ولج المخلّص أيضًا التجربة من أجل الذين استولت عليهم، "نظر عبر النافذة" (نش 2: 9). تحاور مع الذين استولت عليهم. قال لهم وهم عروسه: "قومي، أسرعي، يا أختي، يا جميلتي، يا حمامتي".

وأضيف أيضًا لأبيّن أن الإنسان يجرَّب دومًا. فلا يفلت منها حتّى الإنسان الذي يتأمّل، نهارًا وليلاً، في شريعة الله، ويسعى إلى ممارسة كلمته: "فم البارّ يتأمّل الحكمة" (أم 10: 31). أجل، مثل هذا لا تدّخره التجربة.

كم من الأشخاص تكرّسوا لدراسة الكتب المقدّسة، وأخطأوا في تفسير المواعيد الموجودة في الشريعة والأنبياء! وصلوا إلى تعاليم لادينيّة، كافرة، أو في معتقدات بعيدة ومضحكة. وآخرون الذين لا يستحقّون اللوم عينه، سقطوا مع ذلك في الضلالات عينها.

وحصل الشقاء نفسه لعدد من قرّاء الكتب الإنجيليّة والرسوليّة: استنبطوا ابنًا آخر، أو أبًا غير الذي علّمه القدّيسون وأكّدته الحقيقة. فالذي يضلّ حول الله أو مسيحه، يبتعد عن الإله الحقيقيّ وعن ابنه الوحيد. هو لا يسجد، في الواقع، لهذا الذي "فبركه" جنونُه، حين يتخيّل أنّه الآب والابن. بل يتألّم لأنّه لم يفهم التجربة التي تتضمّنها قراءة الكتب المقدّسة. هم ما تسلّموا ليواجهوا صدمة العدوّ.

أ. تجربة يسمح بها الله

إذن، علينا أن نطلب، لا أن نفلت من التجربة، وهذا مستحيل، بل أن لا تفاجئنا التجربة، وهذا ما يحصل للذين تتلاعبُ بهم وتقهرهم. فخارج الصلاة، أمرٌ بأن لا ندخل في تجربة، هذا هو واضح، بحسب ما قلنا. أمّا في الصلاة، فيجب أن نقول لله: لا تدخلنا في تجربة.

لنرَ كيف يستطيع الله أن يدخلَ في تجربة ذاك الذي لا يصلّي أوّلاً ليستجاب. لا يُقتَل، ساعة التجربة تغلب الإنسان، أن يُدخل الله إنسانًا في التجربة وكأنّه يسلّمه إلى الذبيحة. فالصعوبة باقية مهما كانت الطريقة التي بها نشرح العبارة: صلّوا لئلاّ تدخلوا في تجربة. إذا كان من الشرّ أن نسقط في التجربة، وهذا ما نطلب من الله أن يوفّره علينا، أما يكون عبثًا أن نتخيّل أنّ الله الصالح، الذي لا يمكن أن يحمل ثمارًا رديئة، يقدر أن يرمي إنسانًا في الشرّ؟

من المفيد أن نورد هنا أقوال بولس في الرسالة إلى رومة: "زعموا أنّهم حكماء، فصاروا حمقى. واستبدلوا بمجد الله الخالد، صورًا على شاكلة الإنسان الفاني والطيور والدواب والزحّافات. لذلك أسلمهم الله بشهواب قلوبهم إلى الفجور يهينون به أجسادهم" (روم 1: 22-24). وبعد ذلك بقليل: "ولهذا أسلمهم الله إلى الشهوات الدنيئة، فاستبدلت نساؤهم بالوصال الطبيعيّ الوصالَ غير الطبيعيّ. وكذلك ترك الرجال الوصال الطبيعيّ للنساء والتهب بعضهم شهوة لبعض" (آ 26-27). ثمّ قال: "ولأنّهم رفضوا أن يحتفظوا بمعرفة الله الحقّة، أسلمهم الله إلى فساد عقولهم يقودهم إلى كلّ عملٍ شائن" (آ 28).

وجب علينا أن نورد هذه النصوص التي تقسم اللاهوت. يجب أن نسأل الذين يميّزون بين أبي ربّنا (يسوع) الصالح وبين إله الشريعة: أترى الله الصالح يُدخل في تجربة ذاك الذي ما استُجيب؟ وهل أسلم أبو ربّنا إلى شهوات قلوبهم، إلى الفجور، إلى إماتة أجسادهم، أولئك الذي سبق فخطئوا؟ وهم يظنّون، بعد أن نسوا الدينونة والعذابات، أنّه أسلمهم في رغبات قلبهم، إلى شهوات مشينة، إلى روح لم يمرّ في المحنة، لكي يحكم عليهم حكمًا!

أعرف أنّ هذه الأفكار سوف تبلبل حقًّا هؤلاء الناس. لهذا، تخيّلوا إلهًا غير ذاك الذي خلق السماوات والأرض. وإذ وجدوا في الشريعة والأنبياء، عددًا من النصوص المشابهة، اعتبروا أنّ ذاك الذي يتفوّه بمثل هذه الأقوال ليس صالحًا.

فأمام هذه الصعوبات التي تحرّكها هذه الكلمات "لا تدخلنا في تجربة"، والتي حولها أوردنا كلام الرسول، يجب علينا أن نرى إن كان باستطاعتنا أن نردّ على هذه الاعتراضات.

يبدو أنّ الربّ رتّب جميع النفوس العاقلة من أجل الحياة الأبديّة. ولكنّها تبقى حرّة. بفضل حرّيّتها تستطيع أن ترتفع وترقى إلى قمّة الكمال، أو تتهامل فتغرق في شكل هذا الشرّ أو ذاك. حين يُشفى بعض الناس، يحتقرون بسهولة أمراضهم السابقة، ويرون أنّ من السهل معالجتها فيقعون فيها مرّة أخرى. لهذا، كان الله على حقّ حين احتقر شرّهم المتنامي والذي لم يَعُد يُعالَج: ثبتوا في الشرّ فشبعوا في النهاية من الخطيئة حتّى الغثيان، وأحسّوا بشرورها وأبغضوا ما يشدّ عليهم خناقهم. هكذا يستطيعون أن يشفوا ويتشدّدوا في حفظ الصحّة الروحيّة التي استعادوها.

"وتأوّه الأوباش الذين فيما بين إسرائيل شهوةً، فجلسوا باكين وقالوا: من يطعمنا لحمًا. نذكر السمك الذي كنّا نأكله في مصر مجّانًا، والقتاد والبطّيخ والكراث والبصل والثوم. والآن نفوسنا يبست، لا شيء أمام عيوننا غير المنّ" (عد 11: 4-6). ثمّ: "سمع موسى الشعب يبكي، كلّ واحد في بيته، عند مدخل خيمته" (آ 10). ثمّ قال الربّ لموسى: "قل للشعب: قدّسوا أنفسكم للغد، فتأكلون لحمًا لأنّي سمعتكم تقولون: من يطعمنا لحمًا؟ في مصر كان لنا خير. والآن، فالربّ يعطيكم لحمًا فتأكلونه. لا يومًا تأكلون، ولا يومين، ولا خمسة أيّام، ولا عشرة أيّام، ولا عشرين يومًا، بل شهرًا من الزمان إلى أن يخرج من أنوفكم ويعيدكم بشرًا، لأنّهم رفضتم الربّ الذي بينكم، وبكيتم في وجهه وقلتم: لماذا أخرجنا من مصر" (آ 18-20).

لنرَ إن كنّا أحسنّا حين أوردنا هذا الخبر لنحلّ الصعوبة التي يحرّكها القول: لا تدخلنا في تجربة. إشتعلت رغبة جامحة في قلب جماعة من الأوباش، فبكوا معًا. لا شكّ في أنّهم، ما داموا لا يملكون ما يرغبون فيه، لم يشعروا القرف ولا رغبتهم قائمة. لهذا، كما يقول الكاتب، لم يلبثوا يومًا واحدًا دون أن يأكلوا لحمًا. فلو لبثوا زمنًا قصيرًا، لظلّت شهوتُهم تحترق وتدّمر نفوسهم. وما هدّأ الربّ بعطاياه، في شكل من الأشكال، وقال: ستأكلون لحمًا، لا خمسة أيّام مرّتين، ولا أربع مرّات خمسة أيّام، بل شهرًا كاملاً، إلى أن يخرج من أنوفكم فتمرضون بالكوليرا، لتزول رغبتكم الخطرة والمشوّشة.

سأخرجكم هكذا من الحياة، بدون رغبة. وتذكّر كلّ ما توجّعتم لتتطهّروا من كلّ شدّة. يمنعكم من الوقوع فيما بعدُ، إلى الأبد. فإن حدث فيما بعد ونسيتم كلّ هذه المحن التي سبّبتها الشهوة، وما تقبّلتهم ملء التقبّل، الكلمة التي تحرّر، ستسقطون أيضًا في شقاواتكم. وأخيرًا، إن شئتم أن تحيوا حياة جديدة، فاطلبوها أيضًا، واحتقروا ما رغبتم فيه، واطلبوا الطعام السماويّ. وما هو خير هو أنّكم حين أهملتموها طلبتم ما هو شرّ منها.

ذاك هو أيضًا مصير الذين أحلّوا محلّ مجد الله الخالد، صورًا تمثّل الإنسان المائت، والطيورَ والدواب والزحّافات. وحين تركوا الله، أُسلموا إلى شهوات قلبهم، إلى الفجور، بحيث أهانوا جسدهم. أعطوا لجسد لا حياة فيه ولا حواسّ، اسم (الله) الذي يعطي جميعَ الكائنات صاحبة الحسّ والعقل، لا الإحساس والعقل وحسب، بل لبعض منهم الإحساس الروحيّ والفهم.

بحقّ ترك الله هؤلاء الناس الذي تركوه. فأُسلموا إلى الشهوات المشينة، ونال أجرة ضلالهم الذي جعلهم يحبّون اللّذة الماجنة. وأجرة الضلال هذه ضربة أقسى (حين أُسلموا إلى الرغبات المشينة) ممّا لو تنقّوا بنار روحيّة ورُموا في السجن إلى أن يدفعوا آخر فلس من ديونهم.

حين أسلموا إلى النجاسة، تدنّسوا بخطايا بحسب الطبيعة وتعارض الطبيعة، فتعذّبوا في لحمهم، في النار وفي السجن، نالوا، لا أجرة الضلال، بل خير التطهير من شرور رافقت الضلال. وهكذا، فالذين أحبّوا اللذّة، نجوا من النجاسة ومن الدم الذي حملوه، دون أن يعرفوا كيف يفلتون من الهلاك.

"سيغسل الربّ نجاسة أبناء صهيون والبنات، ويطهّر الدم المراق، بنفخة الدينونة بنفخة الدمار" (أش 4: 4). "فسيكون كالنار التي تذيب المعادن، وكالعشب التي يستعملها القصّار" (ملا 3: 2). هو يُغسل ويطهّر المحتاجين إلى هذه الأدوية، بعد أن رفضوا أن يحفظوا معرفة الله الحقّة. استسلم هؤلاء الناس، بإرادتهم، إلى هذه المحن، وأبغضوا روحهم الشرّيرة. فالله لا يريد أن يفرض الخير، لأنّه يريد كائنات حرّة، وبعض الناس الذين استسلموا للشرّ واستسلموا، ما عادوا يحسّون بالخجل، فيبعدونه لأنّهم حسبوه خيرًا فأخطأوا.

أما قسّى الله قلب فرعون لكي يستطيع أن يقول مع قاله قبل تقسية قلبه: "الربّ عادل، وأنا وشعبي أشرار"؟ (خر 9: 27). هو يحتاج إلى أن يقسَّ ويتوجّع، بقدر ما تقسيته تصل بسرعة إلى نهايتها. في النهاية، لا يحتقرها على أنّها شرّ فتجعله أهلاً لأن يقسَّ بعدُ. إن لم يكن جورًا أن نضع الفخاخ للطيور كما قال أم 1: 17، فالله محقّ حين يقودنا في الشبكة، كما يقول مز 6: 11: "أوقعتنا في المصيدة". فأحقر الطيور، الدوري، لا يسقط في الفخّ من دون إرادة الآب، وإن سقط، فلأنّه أساء استعمال جناحيه اللذين وجب عليهما أن يرفعاه في الهواء. فلنطلب في صلاتنا أن لا نفعل شيئًا يجعلنا ندخل في تجربة، خاضعة لدينونة الله العادلة. هذا ما يحصل لكلّ من أسلمه الله إلى شهوات قلبه إلى النجاسة، إلى الشهوات المشينة، إلى حكمهم الفاسد لكي يفعلوا ما لا يليق.

 

ب. فائدة التجربة

والتجربة يمكن أن تكون صالحة لشيء ما. ما عدا الله، يجهل الجميع ما نالت نفسنا من الله بل نحن أنفسنا نجهل. ولكنّ التجربة تبيِّن ذلك لتعلّمنا أن نعرف ذواتنا وبالتالي نكشف شقاءنا. كما تفرض علينا أن نؤدّي الشكر عن الخيرات التي كشفتها لنا التجربة. في سفرَيْ أيّوب والتجربة، أعلن الربّ أنّ المحنة تكشف عواطف القلب الخفيّة. فقد كُتب: "لماذا تظنّ أنّي أحببتك، إلاّ لأظهر برّك" (كذا في اليونانيّ، أي 40: 8؛ لا في العبريّ). ونقرأ في تث 8: 3، 15: "عناك (الربّ) بالجوع، وأملحك المنّ، وقادك في البريّة حيث تقيم الحيّة المحرقة والعقرب والزحّاف، لكي تُعرَف أفكار قلبك".

ونعود أيضًا إلى مثلٍ في التاريخ، فنذكر أن فكر حوّاء لم يصبح سريع العطب، ضعيفًا، ساعة عصت الله وسمعت الحيّة. بل كان كذلك من قبل. فالحيّة اقتربت منها لأنّها بحدسها اكتشفت مسبقًا ضعف المرأة. والله الذي يسبر القلوب، "لم ينظر إلى قايين ولا إلى تقدمته" (تك 4: 5). أمّا شرُّ قايين فصار بارزًا حين قتل أخاه. نقول الشيء عينه عن نوح: فلو لم يشرب خمر الكرمة التي غرسها، حتّى سكر وتعرّى، لما كانت كُشفت وقاحةُ حام وشرّه، ولا إكرام الأخوين الآخرين واحترامهما.

والفخاخ التي نصبها أيضًا عيسو ليعقوب، كان باعثها سرقةُ البركة الأبويّة. ولكنّ الجذور كانت عميقة في نفسه التي كانت "عاهرة وخاطئة" (عب 11: 16). وما كانت لتُعرف نقاوة يوسف العجيبة، المترفّعة من كلّ شهوة، لو لم تشتعل الملكة تجاهه.

لهذا، ففي المسافة التي تفصل مختلف التجارب، يجب أن ننظر في المستقبل ونستعدّ لتحمّل كلّ ما يهيَّأ لنا بحيث لا نؤخذ على حين غفلة، بل نكون دومًا مستعدّين، وما ينقص طبيعتنا المعطوبة، بعد أن تكون عملنا مقدورنا، الله يكمّله وهو الذي، في كلّ شيء يشارك في خير الذين يحبّونه، الذي عرف مسبقًا، في معرفته السابقة التي لا تخطأ، ما سيكونون.

 

9- نجّنا من الشرّير

حين قال لوقا "لا تدخلنا في تجربة"، بدا أيضًا وكأنّه يعلّمنا: نجّنا من الشرّير. يبدو أنّ الربّ تكلّم بشكل مجمَّع إلى تلاميذ ساروا معه منذ البدء، وإلى الجموع المحتاجة إلى تعليم موسّع، توسّع في كلامه. فالله ينجّينا من الشرّير، لا حين لا يهاجمنا العدوّ بحيله وأعوانه، بل حين نفشله بمقاومة لا تتوانى. هكذا نفهم الكلام: "كثيرة شرور الصدّيق، والله ينجّيه منها كلّها" (مز 34: 20). الله ينجّينا من الضيقات فلا يلغيها، وإن قال بولس: "نُضايَق من كلّ جهة، بل نحن لا نضطرب"، في الضيقات، بنعمة الله، حسب العبريّ تدلّ الضيقة على حالة مستقلّة عن إرادتنا. أمّا الاضطراب فيرتبط بنا حين يسحقنا الضيق. ولهذا استطاع بولس أن يكتب: "من كلّ جهة، نحن في الضيق، ولكن لا في الاضطراب" (2 كور 4: 8). وأرى أنّنا نجد الفكرة عينها في سفر المزامير: "في الضيق توسّع لي" (مز 4: 2). "التوسيع" هو فرح الروح، وفي المحن، الهدوء الذي من الله. وذلك بفضل عون الكلمة الإلهيّ وحضوره.

بهذه الطريقة ننجو من الشرّير. نجّى الله أيّوب، لا حين منع إبليس من أن يجرّبه بل لأنّ أيّوب ما خطئ أمام الربّ، ولبث دومًا على برارته. قال إبليس: "أمجّانًا يخاف أيّوب الله؟ أما أحطت كما بسورٍ، شخصه وبيته وكلَّ ما يملك؟ ولكن مدّ يدك قليلاً والمس كلّ ماله فترى أنّه يجدِّف عليك في وجهك" (أي 1: 9-11). فغطّى إبليسَ الخجل لأنّه افترى على أيّوب: هذا أصابته شرور كثيرة، فما تكلّم على الله، كما اعتقد الخصمُ. وإذ كان يُسلم إلى المجرِّب، ظلّ يبارك الله. ووبّخ امرأته التي قالت له: "إلعن الربّ ومت". فأجابها قائلاً: "تتكلّمين مثل امرأة سفيهة. إذا كنّا نلنا الخير من يد الله، فلماذا لا نقبل الشرّ أيضًا" (أي 2: 9-10).

مرّة ثانية، قال إبليس عن أيّوب لله: "الإنسان يعطي دومًا جلدًا بجلد، ويتخلّى عن كلّ شيء ينجو بحياته. ولكن مدّ يدك ومسَّ عظامه وجلده، فترى أنّه يجدّف عليك في وجهك" (أي 2: 4-5). ولكنّ فضيلة المصارع (أيّوب) صرعته، وكُشف كذبُه. وبالرغم من المحن القاسية جدًّا، ما خطئ أيّوب ولا تفوّه بكلمة على الله. واجه حربين وانتصر فيهما، وأعفيَ من حرب ثالثة. فقد حُفظت محنةُ الحرب الثالثة للمخلّص، كما وصلت لنا على يد الإنجيليّين الثلاثة، والمخلّص، في بشريّته، قهر العدوّ ثلاث مرّات.

 

قرأنا بعناية كلمات الربّ، وتأمّلنا فيها، لكي نطلب من الربّ، بملء معرفتنا، أن لا ندخل في تجربة، وأن ننجو من الشرّير. وبعد أن سمعنا الله، صرنا أهلاً لأن يستجيبنا. فلنصلِّ إليه إذن، إذا جُرِّبنا، لئلاّ نسقط. وإذا أصابتنا سهام الشرّير الملتهبة، أن لا نحترق بها. ضحايا النار هم أولئك الذين قلوبهم (حسب قول أحد الأنبياء الاثني عشر، هوشع) مثل التنّور (ه 7: 6). أمّا الذين يمسكون بيدهم ترس الإيمان، فيفلتون من سهام الشرّير الناريّة. ففيهم "ينبوع يجري للحياة الأبديّة" (يو 4: 14). وهو يوقف نار الشرّير، ويطفئها بموج الأفكار الإلهيّة والخلاصيّة. وهذه الأفكار حُفرت في النفس التي تسعى إلى أن تصير روحيّة بمشاهدة الحقيقة.