قبريانس أسقف قرطاجة (+ 258)

 

ولد قبريانس في أفريقيا حوالي سنة 200 و210، في عائلة غنيّة ووثنيّة. مسّت قلبه النعمة يوم كان في قرطاجة خطيبًا لامعًا. وما مرّت سنتان حتّى انتخب مطرانًا على قرطاجة بالإجماع. وقد أدار دفّة الكنيسة فيها خلال اضطهاد داقيوس الداميّ. نفي أوّلاً إلى كوروبيس في 30 آب سنة 257. وفي 14 أيلول 258 قُطع رأسه قرب قرطاجة فكان أوّل أسقف يموت شهيدًا في أفريقيا.

كان قبريانس راعيًا فكتب من أجل رعيّته المقالات العديدة عن العذارى، عن الجاحدين. وكتب إلى صديقه دونوتُس يروي له كيف ارتدّ إلى الإيمان المسيحيّ. ووضع كتابًا في وحدة الكنيسة، ومقالة في الصلاة الربيّة وغيرها من المقالات والرسائل العديدة.

كتب شرح الأبانا في اللاتينيّة. وترجم إلى العربيّة في صلاة المؤمن، الجزء الأوّل، (بيروت، 1966)، ص 244-265، الجزء الثالث، (بيروت، 1967)، ص 239-263.

 

أيّها الإخوة الأعزّاء،

ليست تعاليم الإنجيل سوى التعليم الآتي من الله. فهي الأساس الذي يبنى عليه رجاؤنا، والجدار الذي يستند إليه إيماننا. تغذّي قلبنا، وتسير بنا في طريق الخلاص إلى النهاية حتّى إذا عرفت بها نفوس المؤمنين، بلغت بهم إلى ملكوت السماوات.

إنّ الله قد أراد أن يصل إلينا كلامه على أفواه خدمه الأنبياء، ولكن أهمّ من تعليم الأنبياء تعليم ابنه. فقد أثبت بصوته الإلهيّ ما عند الأنبياء من كلمة الله. لم يبقَ الآن أمر بإعداد الطريق للآتي. فإنّ الآتي قد أتى، لكي يدلّنا على الطريق ويفتحه لنا. وها نحن بعد أن كنّا عميانًا، على شفا ظلام الموت، قد استنرنا بالنعمة، ووجدنا الطريق، بإرشاد الربّ نفسه.

ومن تعاليم الربّ الإلهيّة تعليم الصلاة. فقد أوصانا أن نصلّي، وعلّمنا كيف نصلّي. فمتى دعونا الآب بالصلاة التي علّمنا إيّاها ابنُه، استجاب دعاءنا بأسهل استجابة.

وقد قال يومًا: إنّها تأتي ساعة يسجد فيها الساجدون للآب بالروح والحقّ. ثمّ أنجز ما قال: فكما قبلنا بحضوره المقدّس الحقيقة الروحيّة، عرفنا بتعليمه أن نعبد الله بالروح والحقّ. فهل من صلاة أكثر روحيّة من التي علّمنا إيّاها المسيح؟ هل من صلاة أخلص عند الله من التي لفظتها شفتا ابن الله وهو الحقّ بعينه؟

فلنصلِّ إذًا إيّها الإخوة الأحبّاء كما علّمنا الله معلّمنا. وهذه طريقة حسّيّة مألوفة: أن ندعو الله بدعائه، ونسِر سمعه بصلاة المسيح، فيعرف الآب كلام ابنه في صلاتنا. وليكن من يسكن في قلبك على شفتيك. وبما أنّ يسوع هو المحامي عن خطايانا أمام الآب، فلنتوسّل إليه من أجل خطايانا بكلام محامينا وبما أنّه يقول لنا أن ما نطلبه باسمه من الآب نناله، فكم يكون طلبنا فعّالاً حين نطلب باسم المسيح، إذا طلبناه بصلاة المسيح.

 

الصلاة الحقيقيّة

لتكن صلاتكم منظّمة، ولتكن هادئة، رصينة. ولنذكر عندها أننا واقفون أمام الله وأنّه يجب أن نحسُن في عينيه بهيئة الجسم وطريقة الكلام. فالطائش يضجّ في كلامه، والقدّيس يصلّي باحتشام. وقد أمرنا الربّ في تعليمه أن نصلّي سرًّا، في أماكن خفيّة، منعزلة، في حجرتنا. وهذا يتّفق مع الإيمان. فهو يعلّمنا أنّ الله حاضر في كلّ مكان، يرى ويسمع كلّ شيء. وأنّ عظمته تخترق الخفايا والأسرار. وقد كتب: "أإله أنا عن قرب ولست إلهًا عن بعد؟ أيستخفي أنسان في الخفايا وأنا لا أراه، يقول الربّ؟ ألست مالئ السماوات والأرض" (إرميا 23: 23-24). وفي موضع آخر: "عينا الربّ في كلّ مكان ترقبان الأخيار والأشرار" (أمثال 15: 3).

متى كنّا واحدًا في جماعة الإخوة، نحتفل بالذبيحة الإلهيّة مع كاهن الربّ، يجب ألاّ ننسى النظام والهدوء، ولا نزرع صلاتنا في الهواء، هنا وهناك، بكلمات لا معنى لها. ولا نضجّ بالثرثرة والصراخ، في حين أنّ الله يرتضي بالتواضع، ويصغي إلى القلوب لا إلى الأصوات. ومن يرى أفكار البشر لا يحتاج أن ينبّهوه بصراحهم: تعلم جميع الكنائس أنّي فاحص الكلى والقلوب (رؤيا 2: 23).

نرى حنّة في كتاب صموئيل الأوّل، وهي رمز الكنيسة، تمارس هذه الوصايا، فقد كانت تطلب من الله بدون صراخ، وهي ساكتة، في ظلّ جدار قلبها الوضيع. لم يكن أحد يسمع صلاتها، لكنّ إيمانها كان ظاهرًا. وكان قلبها يتكلّم، لا لسانها. وكانت تعلم أنّ الله يستجيب. فنالت ما كانت تطلب، لأنّها طلبت بإيمان. والكتاب قد أثبت ذلك حيث يقول: "كانت تتكلّم بقلبها، وشفتاها تتحرّكان، لكن لم يكن أحد يسمع صوتها، فاستجاب الله طلبها" (صموئيل الأوّل 1: 13). ونرى في المزمور: "تكلّموا في قلوبكم على مضاجعكم، وكونوا ساكتين" (مزمور 4: 5). والروح القدس يعلِّم الشيء نفسه في إرميا: "يجب أن نعبد الله بالروح" (إرميا 6: 5).

 

صلاة المسيحيّ جمهوريّة

أوّلاً، إنّ معلّم الوحدة وسيّدها لم يرد صلاة فرديّة "عازلة"، حتّى لا يصلّي من يصلّي لنفسه لا غير. فلسنا نقول: "يا أبي الذي في السماوات" ولا "أعطني خبزي اليوم". ومن يطلب إسقاط دَين لا يطلب إسقاط دَينه وحده، ولا يصلّي من أجل نفسه وحدها، حين يصلّي للنجاة من تجربة وللخلاص من الشرّير.

صلاتنا جمهوريّة مشتركة، ونحن عندما نصلّي لا نصلّي من أجل شخص واحد ولكن لأجل الشعب كلّه. لأنّ الشعب كلّه شعب واحد. وإله السلام وربّ الاتّحاد، الذي أوصانا بالوحدة، أراد أن يصلّي الواحد من أجل الجميع، لأنّه هو حملنا جميعنا في واحد.

الفتيان الثلاثة حفظوا هذه الوصيّة في الأتّون: إذ أجمعوا على الاتّحاد روحًا واحدًا وقلبًا واحدًا. ويرينا كتاب الله كيف كانوا يصلّون، ويقدّمهم لنا مثلاً لنقتدي بهم في صلواتنا الخاصّة حتّى نكون يومًا مثلما كانوا. فيقول: "فكان هؤلاء الثلاثة ينشدون ويباركون الربّ بصوت واحد" (دا 3: 51).

كانوا ينشدون بصوت واحد قبل أن يعلّمهم المسيح، فكان توسّلهم مقنعًا فعّالاً، لأنّ كلّ توسّل هادئ مخلص يرضي الربّ. وهكذا صلّى الرسل والتلاميذ بعد صعود الربّ: "هؤلاء كلّهم كانوا مواظبين على الصلاة بنفس واحدة مع النساء ومريم أمّ يسوع ومع إخوته" (أع 1: 14). كانوا مواظبين، متّحدين في الصلاة، يدلّون على ملازمتهم للصلاة وعلى اتّحادهم فيها. إنّ الله الذي يمنح القلوب المتّحدة بيتًا لا يقبل في بيته الأبديّ الإلهيّ إلاّ من ارتفعت صلاتهم نحوه بقلب واحد.

 

الإنجيل كلّه في صلاة "أبانا".

وأيّ غرابة، أيّها الإخوة، في أن يكون لصلاة واحدة هذه المنزلة، إذا كان الله مؤلّفها ومعلّمها؟ لقد حصر صلاتنا كلّها في كلمته الخلاصيّة. وقد سبق أشعيا وتكلّم عن جودته الإلهيّة حيث يقول: "تتمّ كلمته بالبرّ، ويجمع الأرض بأسرها". فكلمة الله هي ربّنا يسوع المسيح. وقد جاء من أجل الجميع، للعملاء والجهّال، ووضع شرائع تصلح للرجال وللنساء. وكلّ من يحفظ التعليم السماويّ ويتأدّب به، لا يبقى عليه أن يتعب، بل يتعلّم بلا تعب ما يلزم للإيمان.

مثلاً، عندما كلّمنا يسوع عن الحياة الأبديّة، بيّن لنا هذا السرّ ببعض كلمات تحمل معنى إلهيًّا: "هذه هي الحياة الأبديّة أن يعرفوك أنت الإله الحقيقيّ وحدك والذي أرسلته يسوع المسيح" (يو 17: 3). وهكذا صنع عندما استخرج من الشريعة والأنبياء أوّل الأحكام وأهمّها: "اسمع يا إسرائيل، الربّ إلهك واحد، فأحبَّه بكلّ نفسك وكلّ ذهنك. هذه هي الوصيّة العظمى والأولى. والثانية التي تشبهها: أن تحبّ قريبك كنفسك. بهاتين الوصيّتين تتعلّق الشريعة كلّها والأنبياء" (مت 22: 37-43). وإليك مثلاً آخر: "كلّ ما تريدون أن يفعله الناس بكم، فافعلوه أنتم بهم، فإنّ هذا هو الشرعية والأنبياء" (مت 7: 12).

لم يعلّمنا الربّ أن نصلّي بترديد كلماته فقط بل بطريقة سلوكه. فقد كان يصلّي غالبًا، وكان يبيّن لنا بمثله ما يجب أن نفعل: كان ينعزل منفردًا ويصلّي.

كان الربّ إذًا يصلّي ويبتهل، لا لنفسه، وما يستطيع أن يطلب من كان بلا خطيئة، بل كان يصلّي لأجل خطايانا.

ما أعظم رحمة الله علينا وجودته على خلاصنا! لم يُرضِه أن يفدينا بدمه، فهو يصلّي كثيرًا من أجلنا. أنظروا ما يتمنّاه لنا في صلاته: أن نثبت في الوحدة كوحدة الآب والابن. ومن هذا يمكن أن نتصوّر ما يقترفه من الإثم الجسيم من يمزّق وحدة السلام: فإنّه يلوم الربّ على ما كان يصلّي من أجله. وإذا كان يريد للشعب أن يعيش في السلام فلأنّه كان عالمًا بأن لا نصيب للشقاق في ملكوت الله.

 

الإنسان كلّه صلاة

متى اجتمعنا للصلاة، أيّها الإخوة الأعزّاء، يجب علينا أن نوجّه كلّ فكرنا إلى ما نقول، ونبعد عنّا كلّ فكر شهوانيّ غريب، حتّى تكون النفس كلّها فيما نعمل. من أجل هذا يعدّ الكاهن نفوس المؤمنين قبل تقديم الذبيحة فيقول: "إرفعوا قلوبكم إلى العلاء".

فيقول الشعب: "إنّها مرتفعة نحو الربّ". أي أنّ الشعب متنبّه بأنّ لا شيء يشغله غير الربّ. فالباب مقفل في وجه العدوّ، والقلب مفتوح نحو الله. فلا ندع عدوّ الله ينزلق إلينا وقت الصلاة. فإنّه يتغلغل فينا ويتسلّط علينا، ويحوّل صلاتنا عن الله. فيحدث حينئذٍ أنّنا نفتكر في شيء ونتكلّم عن آخر. على حين أنّه يجب علينا أن نصلّي إلى الله بنيّة مستقيمة، من أعماق القلب، لا من طرف اللسان.

فمن المؤسف أن تترك أفكارك تنشغل بأمور باطلة، بينما أنت تبتهل إلى الله، كأنّ لديك شيئًا أفضل من مخاطبة الله. كيف تطلب من الله أن يصغي إلى توسّلاتك، وأنت لا تصغي إليه؟ تريد أن يهتمّ بك حين تدعوه، وأنت لا تهتمّ بنفسك؟ كلّ ما يجري وقتَ الصلاة من هذا القبيل هو تهاون محقّر للعظمة الإلهيّة. هو نوم القلب والعيون مفتوحة، على حين أنّه يجب على المسيحيّ، عندما تكون عيونه مقفلة، أن يكون قلبه مستيقظًا.

 

صلاة المسيحيّ الدائمة

أمّا نحن أيّها الإخوة، فعلينا أن نصلّي صباحًا حتّى نعيِّد قيامة المسيح بصلاة صباحيّة. هذه الصلاة التي كان الروح القدس قد أشار إليها في المزامير: "ملكي وإلهي، إنّي إليك أبتكر وإليك أصلّي. يا ربّ، في الغداة تسمع صوتي وفي الغداة أتأهّب لك وأترقّب" (مز 5: 3-4). وأشار إليها في هوشع (6: 1): "إنّهم في ضيقهم سيأتون إليّ باكرًا قائلين: هلمّوا نرجع إلى الربّ إلهنا".

وحين تغرب الشمس ويزول النهار، يجب أن نصلّي ثانية. وبما أنّ المسيح هو شمسنا الحقيقيّة ونورنا الصحيح، فإنّنا، حينما تغيب الشمس ويذهب نور العالم، نلتمس عودة النور من حضور المسيح لكي يهبنا نعمة النور الأبديّ.

وإذا كان المسيح يُدعى في الكتب الشمسَ الحقيقيّة والنور الحقيقيّ، فلا تمرُّ على المسيحيّ ساعة ولا برهة وجيزة، دون أن يعبد الله فيها. وبما أنّنا في المسيح، أيّ في نور الشمس الحقيقيّة، فلنلبث في الصلاة مدى النهار. وإذا عاد الليل، فلا شيء من ظلامه قادر أن يؤذي من يصلّون: إنّهم أبناء النور ويكونون تحت ظلام الليل، في نهار. وهل يكون بلا نور من يضيء النورُ قلبه؟ متى يحرم من الشمس والضياء من كان المسيح شمسه المضيئة؟

فنحن الذين في المسيح، أي في النور، لا نترك في الليل صلاتنا. هكذا كانت حنّة أرملة الإنجيل مواظبة، مرضاةً لله، على الصلاة بلا انقطاع "لا تفارق الهيكل، متعبّدة بالأصوام والصلوات ليلاً ونهارًا" (لو 3: 73). فليفعل من يجهلون النور ما شاؤوا. أمّا نحن أبناء النور، وقد قبلنا النعمة وامتلكناها فلنجعل الليل نهارًا.

لنكن على يقين أنّنا نسير دائمًا في النور، فلا يقف لنا الليل حاجزًا دونه. ولا يُؤذِ الصلاة، ولا يكن حجّة للتراخي والكسل. فلنتجدّد بالروح وبجودة الله. ونتشبّه الآن بما سنصير يومًا، يوم نبلغ الملكوت، اليوم الذي لا يزول ولا يعقبه ليل. فلنسهر في الليل كأنّنا في وضح النهار. وبما أنّنا منذ الآن نصلّي ونشكر الله دائمًا، فلا نبرح مصلّين وشاكرين.

 

أبانا الذي في السماوات

إنّنا نبيّن منذ الكلمات الأولى أنّنا تخلّينا عن الأب الأرضيّ واعترفنا بأنّ لنا أبًا واحدًا. والآب الذي أخذنا نعرفه وهو الذي في السماوات.

ويأمرنا الربّ في الإنجيل بألاّ ندعو لنا على الأرض أصلاً أبًا، لأنّ لنا أبًا واحدًا وهو الذي في السماوات. ويقول للتلميذ الذي يتكلّم عن موت أبيه: "دع الموتى تدفن موتاها" (مت 8: 22).

فما أعظم مراحم الربّ وما أغزر جوده علينا. فقد أراد أن نقف بحضرة الله بحيث ندعى بنين كالمسيح ابن الله. فمن كان من بيننا يتجاسر ويلفظ هذه الكلمة في صلاته، لو لم يدفعنا الله نفسه إلى أن نصلّي هكذا؟

ويجب أن نعلم ولا ننسى، أيّها الإخوة الأعزّاء، أنّ علينا أن نسلك كأبناء الله لأنّنا ندعو الله أبانا. وكما نفرح نحن بالله، يفرح الله بنا. فلنحيَ كأنّنا هياكل الله حتّى يظهر أنّ الله يحيا في قلوبنا. ولتكن مساعينا غريبة عن الروح، نحن الذين صرنا روحانيّين سماويّين. فلا نفكّر في شيء ولا نعمل شيئًا لا يكون روحيًّا. فالربّ الإله نفسه قد قال: "إنّ الذين يكرمونني إيّاهم أكرم، والذين يستهينون بي يهانون".

 

ليتقدّس اسمك

لسنا نقول هذا تمنّيًا لله، أن يتقدّس بصلواتنا. بل نقوله لنطلب منه أن يتقدّس فينا. ثمّ من ذا يقدّس القدّوس نفسه؟ ولكن بما أنّه قال: "كونوا قدّيسين لأنّي أنا قدّوس"، نطلب منه نحن المقدّسين بالعماد أن نثبت حتّى نصير ما بدأنا بأن نكون.

ونطلب هذا يوميًّا، لأنّنا كلّ يوم في حاجة إلى التقديس، ما دمنا كلّ يوم نسقط في الخطيئة. إذن، فلنتقدّس دائمًا بتطهيرنا من وصمة الخطايا.

 

ليأتِ ملكوتك

ومن أجلنا أيضًا نطلب مجيء الملك كما طلبنا أن يتقدّس اسمه تعالى فينا. أمّا الله، فمتى لا يكون ملكًا؟ ومتى يبدأ عنه ما كان كلّ حين، وما لا يزول أبدًا؟ نحن فعلاً، إنّما نطلب مجيء مُلكنا: المُلك الذي وعدنا الله به. الملك الذي غنمه المسيح بدمه وآلامه. نعم، بعد أن نخدم المسيح على الأرض نملك يومًا في ظلّ عظمته. وهذا ما وعدنا به هو نفسه: "تعالوا يا مباركي أبي، رثوا الملك المعدّ لكم منذ إنشاء العالم".

أيّها الإخوة الأحبّاء، يمكننا بكلّ جواب أن نعتقد أنّ ملكوت الله هو المسيح نفسه. هذا المسيح الذي نشتهي كلّ يوم مجيئه. ونتمنّى أن يأتي أسرع ما يكون. هو قيامتنا، لأنّنا به نقوم. وعلى هذا نستطيع أن نعتبر أنّه ملكوت الله، لأنّه يجب أن نملك فيه.

ويحقّ لنا فوق ذلك أن نبيّن أنّنا نطلب ملكوت الله أي ملكوت السماء. لأنّ لدينا مملكة أرضيّة. ولكن من تخلّى عن العالم فهو فوق مجد العالم، وفوق مملكة الأرض، ولهذا فمن انقطع إلى الله وإلى المسيح لا يرضى أن يملك على الأرض بل في السماء. فلا بدّ من صلاة متواصلة حتّى لا نفقد هذا الملك كما فقده اليهود، وكانوا الموعودين به.

 

لتكن مشيئتك

لا حاجة إلى هذا الدعاء لكي يفعل الله ما يشاء. وإذا دعوناه فما ذلك إلاّ لنتمّم نحن إرادته. فمن يقدر أن يمنع الله من فعل ما يريد؟ ولكن بما أنّ الشيطان يمنع نفسنا وفعلنا عن طاعة الله، نطلب في صلاتنا أن تتمّ إرادة الله فينا. ولا بدّ من إرادته وعونه تعالى حتّى تتمّ إرادة الله فينا. ولا بدّ لنا من أن يعيننا ويحمينا، إذ لا أحد قويّ بقوّته الخاصّة، وإنّما يعتمد على عون الله وعلى رحمته.

وعند تطبيق الحكّام علينا، الاتّكال.

وعند الموت لنيل الإكليل، الصبر والاحتمال.

هذا ما يقتضي ممّن يريد أن يكون وارثًا مع المسيح. هذا ما يدعى حفظ وصايا الله، أو تتميم إرادة الآب. إنّنا نطلب أن تتمّ إرادة الله في السماء وعلى الأرض لأنّ السماء والأرض تعملان فينا حتّى تؤدّيا بنا إلى الخلاص. لقد أخذنا جسدنا من الأرض ونحن مدينون بنفسنا إلى السماء. فنحن أرض وسماء، ولهذا نطلب أن تتمّ إرادة الله على أرض جنسنا كما تتمّ في سماء نفسنا.

إنّ بين الجسد والروح صراعًا وشقاقًا في اتّحاهما كلّ يوم. ومن المحال أن نعمل ما نريد، لأنّ الروح تطلب ما هو إلهيّ والجسد يشتهي ما أرضيّ. ولذلك نسأل الله كلّ حين أن يجعل السلام بين جسدنا وروحنا فنخلِص بذلك نفسنا خليقة الله حين تتمّ إرادته في الجسد وفي الروح.

وهذا الخلاف ما بين الجسد والروح يثبّته القدّيس بولس بقوله: "إنّ الجسد يشتهي ما هو ضدّ الروح، والروح يشتهي ما هو ضدّ الجسد. كلّ منهما يقاوم الآخر، حتّى إنّكم لا تصنعون ما تريدون. وأعمال الجسد واضحة وهي : الزنى والنجاسة والعهر، وعبادة الأوثان، والسحر والعداوات، والخصام والغيرة والمغاضبات والمنازعات والمشاقّات، والبدع والمحاسدات والقتل والسكر وما يشبه ذلك".

 

أعطنا خبزنا كفاف يومنا

يمكننا أن نفهم هذه الكلمات فهمًا حرفيًّا أو روحيًّا: فكلا المعنيّين عند الله سواء. فخبز الحياة هو المسيح. وهذا الخبز ليس لأيّ كان، إنّما هو لنا، هو خبزنا. وكما تدعو الله أبانا لأنّه أبو المؤمنين، فهكذا ندعو المسيح خبزنا لأنّه خبز من يتّحدون بجسده.

نطلب الحصول على هذا الخبز كلّ يوم. ولكن يجب علينا نحن الذين نتقبل الخبز المقدّس يوميًّا، غذاء خلاصيًا، ألاّ ننفصل عن المسيح، بذنب كبير يحرمنا من أن نكون مع الآخرين ومن أن يكون لنا نصيب في هذا الخبز السماويّ: "أنا خبز الحياة الذي نزل من السماء. من يأكل من هذا الخبز يحيَ إلى الأبد. لأنّ الخبز الذي أعطيه أنا هو جسدي لحياة العالم" (يو 6: 51). ففي تصريحه بأنّ من يأكل من هذا الخبز يحيَ إلى الأبد؟ دليل على دوام الحياة لمن يتّحد بجسده ويتناول القربان المقدّس تناولاً لائقًا. فأمام هذا القول، ينبغي لنا أن نخاف (وأن نصلّي حذار أن يحدث) لمن يبتعد وينفصل عن جسد المسيح أن يظلّ بعيدًا عن الخلاص: "إن لم تأكلوا جسد ابن البشر وتشربوا دمه، فلا حياة لكم في ذاتكم" (يو 6:30). فانظروا لماذا نطلب يوميًّا خبزنا، أي المسيح، لكي لا نُحرم من تبريره ومن جسده نحن الذين نحيا فيه وبه.

يمكننا أن نفهم (حين نطلب خبزًا) أنّنا نطلب الطعام الضروريّ، نحن الذين زهدنا في العالم وتخلّينا عن غناه وزهوه، وآمنّا بالنعمة والحياة الروحيّة: "من لا يتخلَّ عن كلّ ماله، لا يمكنه أن يكون تلميذي" (لو 14: 33).

فمن بدأ يكون تلميذًا للمسيح وتخلّى عن كلّ شيء ليتبع معلّمه، وجب أن يلتمس طعامه اليوميّ بدون نظر إلى الغد، في التماسه ورغبته: "لا تهتمّوا بشأن الغد، فالغد يهتمّ بشأنه، ويكفي كلّ يوم شره" (مت 6: 34)

 

واغفر لنا ذنوبنا كما نحن نغفر

هنا نصلّي من أجل خطايانا. فبعد أن تقوّينا بالطعام نلتمس مغفرة خطايانا، فيحيا بالله حينئذٍ من يعيش في حماه.

إنّ الله يترك ما علينا من الذنوب. كما يقول في الإنجيل: "تركت لك كلّ ما كان لي عليك لأنّك سألتني" (مت 18: 32). فنحن خطأة، يجب أن نصلّي، نطلب المغفرة من الله. وتجنبًّا لما قد يخطر ببال أحد أنّه بار، يلزمنا أن نعلم أنّنا نخطئ كلّ يوم ويلزمنا أن نصلّي كلّ يوم من أجل خطايانا.

وهذا ما يعلّمنا إيّاه القدّيس يوحنّا في رسالته: "إذا قلنا إنّنا بلا خطيئة خدعنا أنفسنا، ولم يكن فينا حقّ. أمّا إذا اعترفنا بخطايانا، فإن الربّ الأمين العادل يغفر لنا" (1 يو 1: 8).

ففي هذه الرسالة حقيقتان: الأولى، إنّه يلزمنا أن نصلّي من أجل خطايانا. الثانية، إنّنا إذا صلّينا نلنا الغفران. ولهذا وصف الله بأنّه أمين: هو أمين بتركه للخطايا، وأمين بمحافظته على وعده. والذي علّمنا أن نصلّي من أجل خطايانا وعدنا برحمة الله ومغفرته.

وقد علَّق على هذه المغفرة شرطًا لا بدّ من تنفيذه وهو: أن نطلب ترك ديوننا فيما نترك دين مدينينا، ولن ننال ما نطلبه من مغفرة ذنوبنا ما لم نغفر لمن أذنب إلينا. وهذا تفسير قوله تعالى: "بالكيل الذي تكيلون به يكال لكم" (مت 7: 2).

والخادم الذي ترك له سيّده دينه، ولم يترك هو لرفيقه ما كان له عليه، قيّد بالحديد، لأنّه لم يُرد أن يسامح رفيقه فخسر ما كان سيّده قد أعطاه. والمسيح يبيّن لنا هذا الالتزام في وصاياه بنوع أشدّ حين يقول: "متّى قمتم للصلاة فذكرتم أنّ لكم على أحد شيئًا فاغفروا له لكي يغفر لكم أيضًا أبوكم الذي في السماء زلاتكم. وإن لم تغفروا أنتم، فأبوكم الذي في السماوات أيضًا لا يغفر لكم زلاتكم" (مر 11: 25).

بمّ تحتجّ يوم الدينونة حين تعامَل بما عاملت به غيرك؟ إنّ الله يأمرنا بالسلام والوفاق والاتّحاد في بيته.

 

ولا تدخلنا في التجارب

من الضروريّ أن نعلم أنّ العدوّ لا يقدر على شيء ضدّنا، ما لم يأذن له الربّ به من قبل. فصار علينا عند التجارب أن نبادر إلى الله ونعرض خوفنا عليه متيقّظين لأنّ الشرّير لا يقدر أن يمسّنا بسوء ما لم يسمح له به تعالى. وإليك الدليل من الكتاب المقدّس: "وفد نبوكدنصّر، ملك بابل، إلى أورشليم وحاصرها... وغضب الربّ لم يبرح على أورشليم وعلى يهوذا حتّى نفاهم من وجهه" (2 مل 24: 1ي).

ولا يمنح الله الشيطان هذه السلطة على تجريبنا إلاّ قصاصًا لخطايانا، كما كتب: "من جعل يعقوب نهبًا وإسرائيل سلبًا؟ أليس الربّ الذي خطئنا إليه؟ إنّهم أبوا أن يسلكوا في طرقه ويسمعوا شريعته، فصبَّ عليهم ضرام غضبه" (أش 42: 24). ومثل هذا ما قيل عن سليمان الخاطئ وعن ابتعاده عن وصايا الله وعن طرقه: "وأثار الربّ فاتنًا آخر على سليمان" (1 مل 11: 23).

ويمنح الله هذه السلطة علينا بنوعين: إمّا قصاصًا لنا إذا كنّا خاطئين، وإمّا تمجيدًا لنا إذا صبرنا على المحنة، كما جرى لأيّوب، فقال للربّ الشيطان: "ها إنّ كلّ شيء له في يدك، ولكن إليه لا تمدّ يدك" (أي 1: 12). وقال الربّ لبيلاطس: "ما كان لك عليّ من سلطان لو لم يُعطَ لك من فوق" (يو 19: 11). متى أقررنا باتّضاع بذنوبنا، وقدّمنا نفسنا لله فلنا من جوده كلّ ما نطلبه بخوف واحترام.

 

نجّنا من الشرّير

هذه الطلبة هي خاتمة الصلاة، وفيها مجمل طلباتنا وابتهالاتنا. ومتى قلنا "نجّنا من الشرّير" لم يبقَ ما يلزم أن نطلبه، لأننا طلبنا إجمالاً حماية الله من كلّ شرّ. ومتى حصلنا على هذه الحماية صرنا في أمانه من تصرّفات البشر والشيطان جميعًا. فماذا يخشى من العالم من كان الله في العالم حاميه.

 

التعبير عن الصلاة بالأفعال

كم من صلاة نرفعها إلى الله، هي فارغة عقيمة، ولا ننال من ورائها شيئًا، لأنّه تعالى لا يستجيب للصلاة الفارغة العقيمة. ولمّا كانت كلّ شجرة عقيمة تُقطع وتُلقى في النار، كانت الكلمات غير المثمرة أبعد من أن ترضي الله لأنّها لا تعبّر عن فعل. والكتاب يقول: "صالحة الصلاة مع الصوم والصدقة" (طو 12: 8). فلا شكّ أنّ الذي يكافئ الصدقة والأعمال الصالحة يوم الدينونة إنّما هو من يستمع إلى الصلاة المرتفعة إليه، مقرونة بالأعمال. لهذا استمع الله إلى صلاة كورنيليوس قائد المئة، حتّى إنّ ملاكًا دنا منه، نحو الساعة التاسعة، وهو يصلّي، وشهد لأفعاله فقال: "إنّ صلواتك وصدقاتك قد صعدت أمام الله تذكارًا" (أع 10: 4).

فالصلوات التي ترتفع نحو الله هي تلك التي نقدّمها لجلاله الإلهيّ مقرونة بأعمالنا الصالحة. يشهد على ذلك قول الملاك لطوبيّا الذي لم يكن ينقطع عن الصلاة وعن العمل: "إنّك حين كنت تصلّي بدموع وتدفن الموتى، وتترك طعامك وتخبئ الموتى في بيتك نهارًا وتدفنهم ليلاً. وإذ كنت مقبولاً أمام الله، كان لا بدّ أن تمتحن بتجربة".

لقد وعد أنّه يعين ويستمع ويحمي من يحلّون من قلوبهم ربط النفاق ويطيعون أوامره ويحسنون إلى بيت الله. وبما أنّهم يعملون ما يريد الله، فإنّه يستجيب لطلباتهم. والرسول بولس، لمّا أعانه الإخوة في حال شدّته، دعا أعمالهم الصالحة ذبائح مقدّمة لله ومقبولة عنده (فل 4: 18).