كيرلّس الأورشليميّ (+ 386)

 

كان كيرلّس أسقف أورشليم وقد تعذّب كثيرًا على يد الأريوسيّين بسبب إيمانه بمجمع نيقية الذي عقد سنة 325 ودافع عن لاهوت الابن وعقيدة الثالوث الأقدس. بقي لنا منه 24 عظة أو تعليمًا ألقاها في الموعوظين الذين يستعدّون لقبول العماد المقدّس. وبين هذه العظات تستوقفنا الشروح عن الأسرار المقدّسة، أي المعموديّة والتثبيت والإفخارستيّا.

هذه العظة هي الثالثة والعشرون. موضوعها: في القدّاس الإلهيّ. بعد أن يتحدّث كيرلّس عن قبلة السلام والصلاة الجامعة يصل إلى الصلاة الربّيّة. دوّنت العظة في اليونانيّة. نقلها إلى العربيّة الأب جورج نصّور في كتاب كيرلّس الأورشليميّ، العظات، ص 408- 411.

 

الصلاة الربّانيّة وشرحها

وبعد ذلك تقول هذه الصلاة التي سلّمها المخلّص لأخصّائه التلاميذ، وبضمير نقيّ تعطي الله اسم الآب: أبانا الذي في السماوات... (مت 6: 9-13). بالعظمة محبّة الله للبشر! فإلى الذين ابتعدوا عنه سقطوا في هاوية الرذائل منحهم غفران الخطايا ونصيبًا وافرًا من نعمه، بحيث أنّهم يدعونه "أبّا"، أبانا الذي في السماوات. السماوات هي أيضًا هؤلاء الذين يحملون صورة العالم السماويّ، والذين يسكن الله فيهم ويقيم.

 

ليتقدّس اسمك:

"ليتقدّس اسمك": إنّ اسم الله مقدّس بطبيعته، وإن قلنا ذلك أو لم نقل. ولكن بما أنّ اسم الله يمتهنه أحيانًا الخطأة، كما هو مكتوب: "إنّ اسمي يجدّف عليه بسببكم بين الأمم" (أش 52: 5؛ روم 2: 24) فنحن نطلب أن يتقدّس اسم الله فينا. لا بمعنى أن يصبح مقدّسًا، كأنّه لم يكن مقدّسًا من قبل، بل أن يصبح مقدّسًا فينا نحن الذين يسعون إلى تقديس نفوسهم وإلى القيام بأعمال تليق بقداستهم.

 

ليأتِ ملكوتك

"ليأتِ ملكوتك": يليق بالنفس الطاهرة أن تقول بكلّ ثقة: "ليأتِ ملكوتك". لأنّ الذي يسمع بولس يقول: "فلا تسودنّ الخطيئة جسدكم الفاني" (روم 6: 12) ويعمل على تطهير نفسه بالفعل والفكر والقول، يستطيع أن يقول: "ليأتِ ملكوتك".

 

لتكن مشيئتك

"لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض". ملائكة الله الطوباويّون الإلهيّون يصنعون مشيئة الله، كما يرنّم ذلك داود: "باركوا الربّ يا ملائكته المقتدرين قوّة، العاملين بكلمته" (مز 103: 20). عندما تصلي بقوّة تريد أن تقول هذا: كما أنّ مشيئتك تتمّ في ملائكتك، فلتتمّ كذلك فينا على الأرض.

 

خبزنا كفافنا أعطنا اليوم

"خبزنا كفافنا أعطنا اليوم". الخبز العاديّ ليس بجوهريّ. الخبز الجوهريّ هو هذا الخبز المقدّس الذي يوزّع لغذاء النفس. هذا الخبز لا ينزل إلى الجوف ولا يدفع إلى المخرج (مت 15: 17)، ولكنّه يتوزّع في كلّ بنيتك لفائدة النفس والجسد. أمّا كلمة "اليوم" فتعني في الواقع كلّ يوم، كما يقول ذلك بولس أيضًا: "ما دام الوقت يدعى اليوم" (عب 3: 13).

 

إغفر لنا خطايانا

"واعفنا ممّا علينا كما أعفينا غيرنا ممّا لنا عليه". الحقّ أنّ لدينا خطايا كثيرة، لأنّنا نسقط بالقول والفكر ونرتكب أعمالاً كثيرة نستحقّ عليها العقاب. "إذا زعمنا أنّنا بلا خطيئة، خدعنا أنفسنا ولم نكن على الحقّ"، كما يقول يوحنّا (1 يو 1: 8). ولذلك نحن نساوم الله ونطلب إليه أن يغفر خطايانا، كما نحن من جهتنا نترك لقريبنا ما لنا عليه. فلنفكّر بما نتلقّى مقابل ما نعطي، ولا ننتظر ولا نتمهّل في أن نغفر بعضنا لبعض. إنّ الإساءات إلينا صغيرة طفيفة أو من السهل علينا أن نمحوها. أمّا إساءاتنا إلى الله فكبيرة، لا سبيل لنا غير محبّته للبشر. فاحذر إذن من أن تمنع الله، بسبب ما لحق بك من إساءات صغيرة طفيفة، أن يغفر لك ما ارتكبته نحوه من ذنوب كبيرة.

 

ولا تدخلنا في تجربة

"ولا تدخلنا في تجربة" يا ربّ. هل يعلّمنا الربّ أن نطلب ألاّ نجرَّب أبدًا؟ كيف إذن يقول في موضع آخر: "الذي لم يُختبَر يعلم قليلاً"؟ (سي 34: 10؛ روم 5: 3-4). وأيضًا: "أنظروا، يا إخوتي، إلى ما يصيبكم من مختلف المحن نظركم إلى دواعي الفرح الخالص" (يع 1: 2). ولكن ربّما هذه الكلمات "لا تدخلنا في تجربة" تعني: لا تدع التجربة تغمرنا وتجرفنا، باعتبار التجربة سيلاً عارمًا يصعب اجتيازه. فالذين لا تغمرهم التجربة يجتازون السيل كالسبّاحين الماهرين الذين لا يتركون التيّار يجرفهم. أمّا الباقون الذين لا يجيدون السباحة فيغرقون. يهوذا مثلاً، حالما نزل في تيّار البخل، لم يتمكّن من السباحة. ودخل بطرس في تجربة نكران سيّده، ولكنّه لم يغرق، بل سبّح بشجاعة وتخلّص من التجربة. واسمع في موضع آخر جوقة القدّيسين الذين لم يقهروا، وهم يؤدّون الشكر لكونهم أنقذوا من التجربة: "لقد بلوتنا يا الله، ومحّصتنا تمحيص الفضّة. أدخلتنا المصيدة، جعلت ضغطًا على متوننا، أركبت أناسًا على رأسنا. دخلنا النار والماء، ثمّ أخرجتنا إلى الرحب" (مز 65: 10-12). أنظر كيف إنّهم يبتهجون لاجتيازهم التجربة سالمين! "لقد أخرجتنا إلى مكان راحة"، معناه أنّهم نجوا من التجربة.

 

لكن نجّنا من الشرّير

"لكن نجّنا من الشرّير". لو كانت عبارة "لا تدخلنا في التجربة" تعني ألاّ نتجرّب أبدًا، لما أضاف الربّ: "ولكن نجّنا من الشّرير". الشرّير هو عدوّنا إبليس، ونحن نطلب النجاة منه. ثمّ عند نهاية الصلاة نقول: "آمين" أي "فليكن كذلك"، ممّا يعني أنّك تصدِّق على الطلبات في هذه الصلاة التي علّمنا إيّاها الله.