اثبات تحريف القرآن

 

استقر لدى المسلمين اعتقاد راسخ مفاده أن القرآن الذي بين أيدينا اليوم محفوظ من التبديل والتحريف وأن الله تكفل بحفظه من الزيادة فيه أو النقصان منه مستدلين بالآية الشهيرة إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون . واطمئنوا لذلك غاية الاطمئنان واصطلحوا عليه اصطلاحا وراثيا دون النظر في عوارضه من جهة اثباتها أو نفيها وبات الخوض والشك في ذلك كفر والحاد وتمحل وعناد.

واعتقد أنهم تحجروا واسعا، وسدوا أبواب البحث بمغاليق التكفير والرمي بالزندقة، إذ اكتسى حفظ الله للقرآن معنى غيبيا عائما، ومعنى علميا مغلوطا، إذ صار من قواعد الايمان، ومن آثار التعليم، وأنزل منزلة الحقائق العرفية والتاريخية دون وجه حق.

لا أضيف جديدا في هذا الباب، ولا أبتدع أمرا لا عهد للناس به لكنه من بين الموؤودات الكثيرة في الثقافة الاسلامية التي خاض فيها الأوائل وقدموا أجوبتهم عنها في حدود الموروث القديم، ومعهود زمنهم الثقافي والاجتماعي والحضاري العام. وهو ما يقع بالنسبة إلينا خارج معهود زماننا الذي يطبعه روح التجريد في البحث، والتحفظ والشك في المواطن التي يجد فيها القدماء ثقة واطمئنانا-وسكت عنها الفقهاء والدعاة المعاصرون الذين يسكنهم الخوف على مقاليد التراث الذي يتعاورونه ميرثا دهريا الى اليوم، بما يهيء لهم من أسباب التكسب، ويفتح لهم من أبواب الزعامة، ويخلع عليهم من القاب القداسة، فاتخذوه حرفة يكدحون بها، وجعلوه مما يتذرع به إلى أسباب العيش، وسلاحا يحاربون به أرباب الفكر الحر والمستنيرين الذين يتجاهلون اجماع القدماء عل ما أجمعوا عليه، ويمضون في طرح طائفة من الاستشكالات العقلية والمسائل المنطقية التي لا تجد حلها عند المتفقهة وديدان الوعاظ، بل عند العقل والعقل وحده.

الحقيقة أن ما ترويه كتب التراث الاسلامي حول مسألة جمع القرآن والزيادة فيه والنقصان منه، يطرح عدة اشكالات، ليس فقط على مستوى حفظ الكتاب وصيانته، وإنما أيضا على مستوى صحة نسبة النص القرآني إلى النبي محمد، وعلى مستوى عقيدة الاعجاز اللفظي والبلاغي، ونحن سوف نعرض لتلك الروايات والنصوص التي أوردها المفسرون والمؤرخون وأهل الحديث وغيرهم ونعقب عليها بما تستحقه من التحليل والنظر والاعتبار.

في كتابة القرآن وجمعه:

تجمع المصادر الاسلامية في هذا الشأن على أن النبي كان إذا نزلت عليه الآية أو أكثر من القرآن يقرؤها من حضر من أصحابه فيحفظونها في صدورهم ويقرؤونها غيرهم ممن غابوا.ثم عمدوا إلى كتابته على المواد والأدوات المتداولة لذلك العصر: كالرقاع، واللخاف، والعسب، وأوراق االحرير، وقطع الأديم، وعظام الأكتاف والضلوع وغيرها...ولما قبض النبي لم يكن القرآن قد جمع في موضع واحد، ولم يكن مرتب السور كما هو اليوم، وإنما بقي مفرقا في الصحف والرقاع وصدور الصحابة. ويذكر الحاكم النيسابوري في مستدركه: عن زيد بن ثابت قال كنا عند رسول الله صلى اله عليه وسلم نؤلف القرآن من الرقاع.

وتتطابق المصادر في المذهب السني على أن أول من جمع القرآن أبوبكر بمشورة عمر مستندين الى ما رواه البخاري في صحيحه باب جمع القرآن من كتاب فضائل القرآن تقول الرواية التي يرويها زيد بن ثابت أبرز كتاب الوحي أن أبا بكر بعث اليه عقب وقعة أهل اليمامة التي هلك فيها كثير من القراء اصطلاح اسلامي يطلق على قراء القرآن المتخصصون في تلاوته واستظهاره وطلب إليه أن يتتبع القرآن ويجمعه مخافة أن يضيع منه شيء كثير لموت عدد عظيم من الحفظة والقراء. يقول زيد: فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الانصاري لم أجدها مع أحد غيره : لقد جاءكم رسول الآية حتى خاتمة براءة ثم قال فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر.

كما أن هناك بعض الروايات تشير إلى أن عليا كان أول من تصدى لهذا الأمر ومما يستدل به على ذلك ما أخرجه ابن أبي داوود في المصاحف من طريق ابن سيرين قال: قال علي: لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم آليت أن لآخذ على ردائي إلا لصلاة جمعة حتى أجمع القرآن فجمعته. وكذلك ما رواه ابن الضريس في فضائله عن عكرمة قال: لما كان بعد بيعة أبي بكر قعد علي بن أبي طالب في بيته، فقيل لأبي بكر: قد كره بيعتك، فأرسل إليه، فقال: أكرهت بيعتي. قال: لا والله، قال: ما أقعدك عني؟ قال: رأيت كتاب الله يزاد فيه فحدثت نفسي أن لا ألبس ردائي إلا لصلاة حتى أجمعه.

وتشير روايات أخرى أن عمر كان أول من بادر الى ذلك في رواية لأبي داوود أن عمر سأل عن آية من كتاب الله، فقيل: كانت مع فلان قتل يوم اليمامة. فقال: إنا لله، وأمر بجمع القرآن، فكان أول من جمعه في المصحف.
وفي رواية يذكرها السيوطي في الاتقان عن ابن بريدة أنه قال : أول من جمع القرآن في مصحف سالم مولى أبي حذيفة، أقسم لا يرتدي برداء حتى جمعه فجمعه، ثم ائتمروا ما يسمونه فقال بعضهم: سموه السفر، قال: ذلك تسمية اليهود فكرهوه، فقال: رأيت مثله بالحبشة يسمى المصحف، فاجتمع رأيهم على أن يسموه المصحف.
وتؤكد بعض الروايات أنهم كانوا يشترطون فيمن يأتي بشيء من القرآن أن يشهد معه شاهدان على أنه من القرآن. والجمع المراد في عهد أبي بكر إنما هو ضم المتفرق منه في العسب واللخاف، وصفائح الحجارة والرقاع والأكتاف بعضها إلى بعض في قراطيس، وربطها بخيط حتى لا يضيع منها شيء.

ثم يسرد البخاري وقائع الجمع الثاني للقرآن زمن عثمان وفيها أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال لعثمان: أدرك الأمة قبل أن يختلفوا(في القرآن) اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل إلى حفصة يطلب منها ارسال الصحف التي جمعت أيام أبي بكر لنسخها في المصاحف، فأرسلت بها إليه، فأمر زيد ابن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنه إنما نزل بلسانهم،وتضيف الرواية أنهم عندما فرغوا من نسخ الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أومصحف أن يحرق وقد سمي بالمصحف الامام.ثم قال زيد ففقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف قد كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها، فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري - من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه. الاحزاب ٢٣ فألحقناها في سورتها في المصحف.

المطلق والنسبي:

من خلال بحث هذه الروايات التي تؤرخ لعملية جمع القرآن وكتابته، فإننا نخرج أولا من المستوى المطلق(كلام الله ،وحي يوحى) ونزول الروح الأمين به على قلب الرسول ، إلى المستوى النسبي( قراءة الصحابي وشهادته) وكيفية تلقي الناس بعد وفاة النبي المطلقَ(الوحي) من النسبي(صدور الرجال) .ومن خطاب التصديق الايماني والاذعاني التوارثي(وإنا له لحافظون) الذي يقف عند النص باعتباره مقدسا لاهوتيا، إلى المناقشة والخوض في تفاصيل وصوله إلينا التي خضعت للسنن الاجتماعية والزمنية، بكل ما يمكن أن يعتريها من تبديل وتحريف أو نسيان، أو أغراض سياسية وعصبية، التي عادة وضرورة ما تميز الانسانية في نسبيتها عن اللاهوتية في اطلاقاتها.

وبالتالي فإننا نطرح عدة تساؤلات منطقية على المستوى النسبي والذي تندرج فيه كل هذه الروايات أعلاه، التي تتحدث عن جمع القرآن وكتابته. ونحن نعلم يقينا أن عامة المسلمين يسود لديهم غموض كبير حول تاريخ الجمع والكتابة، ويقنعون بالعقائد العامة المتوارثة، ونصوص العلماء التي صاغوها بما يطوع حركة التاريخ لإديولوجية معينة، دون مسائلة أو تحقيق.

ويكرس علماء الدين هذه الفجوة بالاستدلال بالمقدس على ثبوت المقدس، وهذا باطل في مناهج الاستدلال وطرائق الاحتجاج، وغني عن البيان أن القرآن لم ينزل كتابا مكتوبا وإنما أنزل مفرقا ومنجما (وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا) كما أن النبي لم يأمر بجمعه في مصحف جامع، بمعنى كتاب واحد، كما يدل عليه قول أبي بكر حين طلب إليه عمر جمعه فقال كيف أفعل أمرا لم يفعله الرسول، فلم يزل به عمر حتى أقنعه بضرورة جمعه خوفا من وقوع التحريف.

اشكالية الحفظ الاهي والخوف الانساني وكيف وقعت الثقة بالرقاع وصدورالرجال:

نستخلص من هذه الروايات أن الصحابة خاصة أصحاب الامتيازات منهم، كانوا يشعرون بخوف كبير من تحريف القرآن وتبديله، كما جاء على لسان كثير منهم ومن ذلك قول حذيفة بن اليمان لعثمان: أدرك الأمة قبل أن يختلفوا(في القرآن) اختلاف اليهود والنصارى. وهذا يضعنا أمام حقيقة مهما غض عنها علماء الدين فإنها تكاد تنطق بفساد نظرية حفظ الله للقرآن، إذ أن هذا لوكان مقررا بالشكل الماورائي الغيبي الذي يؤمن بتدخل قوى من وراء المحسوس والمشهود في عملية الحفظ(الله، القدر، الملائكة) لما اضطر أبوبكر أن يخالف عن أمر الرسول تحت إلحاح عمر بأنه خير، ولما شعر بخوف من وقوع التحريف فيه ولاطمأن بمضمون الآية غاية الاطمئنان.

وهذا يقودنا إلى أن نسأل أيضا: إذا كان الصحابة أنفسهم لاينزهون أنفسهم عن الوقوع في التقول والتهمة، بدليل اشتراطهم الشهود على القراء، فإن من جاء بعدهم من فقهاء وأصحاب الحديث قد أسسوا لعقيدة دخيلة في الاسلام لا يقوم لها دليل معقول أو مروي، مفادها أن الصحابي لا يطعن في عدالته وصدقه، ولا يتهم في دينه وأمانته، وبالتالي يسد الباب أمام الشاك في صدق رواية الصحابي، سواء في القرآن أو الحديث فمن أين لهم بهذا الاعتقاد البارد؟!!.

أضف إلى فساد هذه العقيدة من جهة العقل والنقل، فإنها فاسدة أيضا من جهة الوقائع التاريخية التي أثبتت أن الصحابة بل المجتمع الصحابي بأسره (إن صح التعبير) وقعوا في حب الدنيا والجاه والزعامة، بكل ما يستتبعه ذلك من آفات اجتماعية وأخلاقية،، بعيدة كل البعد عن العدالة والأمانة، في حياة النبي وبعده، أيام الفتن والصراعات المحمومة على السلطة والزعامة الدينية والسياسية بين المهاجرين والأنصار، وبين بني هاشم وبني أمية وغير ذلك من الوقائع التي تدحض فكرة عدالة الصحابة وخلوهم من الهوى والمؤثرات النفسية التي تعتري البشر مهما بلغت درجتهم أو علت مرتبتهم.
(راجع مقالي حول الحديث النبوي وتخرصات الحفاظ على الحوار المتمدن اذ أن المنهج المتبع في علوم الحديث هو نفسه المتبع في علوم القرآن في كثير من المباحث)

شبهة الاعجاز اللفظي والبلاغي:

وهذا يدعونا على مستوى آخر الى إعادة النظر في نظرية يدندن حولها القرآن وتعد من دعائم الاحتجاج على صحة نسبة القرآن إلى الله، ويجعلها المفسرون والبلاغيون الاسلاميون من أعظم دلائل النبوة، وهو كون القرآن معجز بلفظه، وأن الله قد تحدى العرب المكذبين بالدعوة المحمدية بالاتيان بسورة أو آية من مثله وأنهم لم يستطيعوا. فإن خوف الصحابة من أن يدخل على القرآن ما ليس فيه، إضافة الى اشتراطهم الشهود على القراء، يطعن في صحة هذه النظرية خاصة إذا علمنا أن الكثير من الآيات التي أتى بها بعض الصحابة، لم تقبل منهم لأنهم لم يأتو بشاهدين على صحتها، وليس لمحل الاعجاز من عدمه فيها، كآية الرجم وسورتي القنوت التي أتى بها بعض كبار الصحابة وردت عليهم والمفروض حسب نظرية الاعجاز اللفظي ان النص القرآني الذي هو كلام الله تأليف معجز، ونظم معروف، وخرق للعادة، وينبغي أن يتميز بوضوح لا يرقى له شك عن غيره من النصوص البشرية، وإلا فلا معنى للاعجاز ولا للتحدي، وسوف نعرض لمسألة الاعجاز بتفصيل أكثر لاحقا.

شبهة التواتر:

ومن جهة أخرى فإن العلماء المسلمين يحتجون على صحة ثبوت نسبة القرآن إلى النبي بأنه وصلنا عن طريق التواتر ويعرفون التواتر بأنه ما رواه الجمع الكثير عن الجمع الكثير من مبتداه إلى منتهاه تحيل العادة تواطئهم على الكذب ونحن إن سلمنا جدلا بسلامة هذا التعريف من الجهة الاستدلالية والثبوتية، فإن القرآن لا تنطبق عليه التواترية من جهة مبتداه، فالذين جمعوا القرآن كانوا أقلية من الصحابة لا تنطبق عليهم صفة الجم الغفير الذي يثبت به التواتر، ولذلك كان الصحابة أنفسهم على توافر الناس وقرب العهد يشترطون شاهدين لقبول ما يأتيهم به الناس من القرآن علما بأن الأكثرية من الصحابة كانوا يحفظون أجزاءا من القرآن، والأقلون هم من كان يحفظه كاملا، بل يذهب أنس بن مالك حين سأله قتادة عمن جمع القرآن في عهد النبي(والجمع هنا بمعنى الحفظ) قال أربعة كلهم من الأنصار: أبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبوزيد. قلت: من أبوزيد؟ قال: أحد عمومتي.هذه صيغة البخاري وفي رواية لثابت عن أنس جاءت بصيغة الحصر قال: مات النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجمع القرآن غير أربعة أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبوزيد.

أضف الى هذا مقتل سبعين من الصحابة القراء الذين كان مع كل منهم مقدار من القرآن في غزوة بئر معونة، ومثل هذا العدد قضوا يوم اليمامة مما أدى إلى ذهاب كثير من القرآن كما سنبينه عند ايرادنا لأمثلة في التحريف، وهذا يسقط نظرية التواتر من أساسها.

ومن هنا نتطرق إلى مجموعة من النصوص والروايات قد تكون صادمة للبعض تتناول بتنوعها أنواعا من التحريف سواء من جهة الزيادة أو النقصان لظروف مختلفة كموت الصحابي الذي يحفظ الآية دون غيره، أو لتلف لحق ببعض الصحف التي كتب عليها بعض القرآن، أو لأن القارئ لم يأت بشاهد على قراءته، أوغير ذلك من الأسباب والعوارض التي تؤيد ما ذهبنا إليه في بحثنا هذا من أن القول بحفظ القرآن حفظا تاما هو قول بعيد عن التحقيق بمراحل.

ولا بد أن أشير إلى أن التحريف الذي سنورد أمثلة عنه لا علاقة له بما يعرف بالناسخ والمنسوخ، كما لا علاقة له بالتحريف بمعنى التأويل الذي هو نقل معنى الشيء من أصله، أو النقص والزيادة في الحروف أو الحركات أو حتى الكلمات، وذلك كاختلاف القراءات أو ما يعرف بالأحرف السبع.. 

وإنما أورد روايات تدل صراحة على أن القرآن الذي بين أيدينا محرف، ولا يخفى أن ما يحتمل النقصان يحتمل الزيادة أيضا لانعدام المانع العقلي كما بيناه اعلاه.وسنذكر امثلة لهذا وذاك. أود التنبيه أيضا إلى أن بعض طوائف المسلمين أو لنقل أقليات داخل هذه الطوائف أقرت التحريف في القرآن، أو بدرجة أقل أنكرت قِطَعا من القرآن، ومن أمثلة ذلك فرقة العجاردة من الخوارج الذين ينكرون كون سورة يوسف من القرآن ويزعمون انها قصة من القصص قالوا: ولا يجوز ان تكون قصة العشق من القرآن.انظر الملل والحل للشهرستاني.

كذلك ما ذهب إليه الفقيه الشيعي الامامي الحاج ميرزا الطبرسي المتوفى سنة ١٣٢٠ وهو من أئمة الشيعة المعتبرين، في كتابه الذي سماه فصل الخطاب في اثبات تحريف كتاب رب الارباب من أن المصحف الذي بين أيدينا قد زيد فيه ونقص منه.وأثبت فيه نصوصا على أنها من جملة ما حذف من القرآن . لكننا نقتصر في هذا العرض على ما أوردته المصادر السنية فهو يوفي بالغرض منه إضافة إلى أن ما ينسب الى المصادر الشيعية في هذا المضمار يغلب عليه التكلف، ومخالفة الاسلوب القرآني في النظم، وينحصر معظمه في اثبات نصوص أو كلمات تدور في مضمونها حول فكرة الولاية والامامة والتأكيد على أن عليا هو الوصي والخليفة بعد النبي، مما يجعلنا ننأى عنها ونعتبرها موقفا سياسيا أكثر من أي شيء آخر.على أنني أعود وأقول بأن القائلين بالتحريف في مذهب الشيعة هم أقلية لا يعتد بها في المذهب الشيعي الامامي.

وعادة كثير من العلماء حشر كثير من هذه النصوص في باب الناسخ والمنسوخ معتمدين على محض آرائهم، وخالص أهوائهم، غير أن علماء آخرين أنكروا أن يكون ما سقط من القرآن من النسخ، إذ غير جائز نسخ شيء من القرآن بعد وفاة النبي كما قرره القاضي أبوبكر في الانتصار، وقالوا إن ما ذكر من الزيادة والنقصان في القرآن يرجع الى خبر الآحاد والقرآن لا يثبت بها وإنما يثبت بالتواتر، ولقد علمت فساد نظرية التواتر هذه أيضا كما قدمنا فلا داعي لتكراره. 

فمما ذكرته المصادر من أنواع التحريف:

-سورة الأحزاب كانت تعدل سورة البقرة

-ما رواه السيوطي في الاتقان وغيره عن عائشة قالت: كانت سورة الأحزاب تقرأ في زمن النبي صلى الله عليه وسلم مائتي آية، فلما كتب عثمان المصاحف لم نقدر منها إلا ما هو الآن (٧٣آية)

-و عن زر بن حبيش: قال لي أبيّ بن كعب: كأين تعد سورة الأحزاب؟ قلت: اثنتين وسبعين آية أوثلاثة وسبعين آية، قال: إن كانت لتعدل سورة البقرة، وإن كنا لنقرأ فيها آية الرجم. قلت: وما آية الرجم قال: إذا زنا الشيخ والشيخة فارجموهما ألبتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم.وقد صححه ابن حزم في المحلى
-وعن حميدة بنت أبي يونس قالت: قرأ على أبي وهو ابن ثمانين سنة في مصحف عائشة: إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما، وعلى الذين يصلون الصفوف الأول. قالت: قبل أن يغير عثمان المصاحف.

-وأخرج الحاكم في المستدرك عن أبيّ بن كعب قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن، فقرأ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين ومن بقيتها: لوأن ابن آدم سأل واديا من مال فأعطيه سأل ثانياً، وإن سأل ثانياً فأعطيه سأل ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب، وإن ذات الدين عند الله الحنيفية غير اليهودية ولا النصرنية، ومن يعمل خيراً فلن يكفره.

-وعن أبي موسى الأشعري قال: نزلت سورة نحو براءة ثم رفعت وحفظ منها: إن الله سيؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم، ولو أن لابن آدم واديين من مال لتمنى واديا ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب.

- وأخرج ابن أبى حاتم عن أبي موسى الأشعري قال: كنا نقرأ سورة نشبهها بإحدى المسبحات ما نسناها، غير أني حفظت منها: يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا ما لا تفعلون: فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة.

-عن عديّ ابن عديّ قال: قال عمر: كنا نقرأ: لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم. ثم قال لزيد بن ثابت: أكذلك؟ قال: نعم.
-وروي أن أن مسلمة بن مخلد الأنصاري قال لهم ذات يوم: أخبروني بآيتين في القرآن لم يكتبا في المصحف، فلم يخبروه وعندهم أبو الكنود سعد بن مالك، فقال ابن مسلمة: إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ألا أبشروا أنتم المفلحون.
والثانية: والذين آووهم ونصروهم وجادلوا عنهم القوم الذين غضب الله عليهم أولئك لا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون.

-آية الرجم

وروي من طرق كثيرة جود إسناد بعضها ابن حزم في المحلى: أن عمر بن الخطاب قال اياكم أن تهلكوا عن آية الرجم.والذي نفسي بيده لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب الله لكتبتها وهي: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم. فانا قد قراناها.
-وأخرج ابن الضريس في فضل القرآن عن يعلي بن حكيم عن زيد أن عمر خطب الناس فقال: لا تشكوا في الرجم فإنه حق، ولقد هممت أن أكتبه في المصحف، فسألت أبيّ بن كعب فقال: أليس أتيتني وأنا استقرئها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فدفعت في صدري وقلت: تستقرئه آية الرجم وهم يتسافدون تسافد الحمر. 
وقال صاحب البرهان في قول عمر: لولا أن تقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتها: يعني آية الرجم . ظاهرة أن كتابتها جائزة، وإنما منعه قول الناس. والجائز في نفسه قد يقوم من خارج ما يمنعه، فإذا كانت جائزة لزم أن تكون ثابتة لأن هذا شأن المكتوب. 

ويظهر لنا كيف أن عمر ترك كتابة هذه الآية في المصحف مخافة اتهامه بالزيادة، والمفروض وقد ثبت لديه أنها من المصحف أن يبادر لكتابتها، ولا يعرج على مقالة الناس لأن مقالة الناس لا يصلح مانعا وهو الذي تروى عنه الأساطير في الصدع بالحق فكيف بآية من كتاب الله. كما أن قوله : تستقرئه آية الرجم وهم يتسافدون تسافد الحمر فيه ما يدل على استعمالهم الرأي فيما أثبتوه او أسقطوه من القرآن ولقد فطن عمر أن الآية تأمر برجم الشيخ والشيخة البتة سواء احصنوا أو م يحصنوا خلافا لحكم الشاب والشابة الذي يفرق بين المحصن وغير المحصن ولذلك قال عمر ألا ترى أن الشيخ إذا زنى ولم يحصن جلد، وأن الشاب إذا زنا وقد أحصن رجم.فدل أنهم كانوا يتصرفون في القرآن بآرائهم.

-آية الرجم، ورضاع الكبير، وما أكلت الشاة

وفي السنن الأربعة عن عائشة قالت: لقد نزلت آية الرجم والرضاعة، فكانتا في صحيفة تحت سريري، فلما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم تشاغلنا بموته فدخل داجن فأكلها؟ قال ابن حزم في المحلى: وهذا حديث صحيح.
الداجن هي الشاة ونحن لا نعلم كم من الدواجن أكلت صحفا غيرها إذ ما جاز على واحدة جاز على غيرها.

-آية في الرضاع حذفت

وروى البخاري قالت عائشة: كان فيما أنزل عشر مرضعات معلومات فنسخن بخمس معلومات. فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن مما يقرأ في القرآن. فقولها وهن مما يقرأ من القرآن، يدل على بقاء التلاوة وأن النبي توفي وبعض الناس يقرؤها. -وآية في الجهاد أسقطت وروى أبوعبيد بسنده إلى عمر أنه قال لعبد الرحمن بن عوف: ألم تجد فيما أنزل علينا أن جاهدوا كما جاهدتم أول مرة فإنا لا نجدها. قال: أسقطت فيما أسقط من القرآن.

-سورتا الخلع والحفد

هاتان سورتان تعرفان اليوم بدعاء القنوت وقد ذكر السيوطي أنهما من جملة القرآن وأن كل سورة منهما ببسملة وفواصل، إحداهما تسمى سورة الخلع والأخرى سورة الحفد، وروي أنهما كانتا في مصاحف ابن عباس وابن مسعود وأبي بن كعب، وأن أبا موسى الأشعري كان يقرأهما، وعمر كان يقنت بهما. وترتيبهما في مصحف أُبي بعد سورة العصر.
وهما على التوالي -اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك.
-اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد، نرجورحمتك ونخشى عذابك إن عذابك بالكفار ملحق.

-وأخرج الطبراني في الدعاء عن عبد الله بن زرير الغافقي قال: قال لي عبد الملك بن مروان: لقد علمت ما حملك على حب أبي تراب(أي علي) إلا أنك أعرابي جاف، فقلت: والله لقد جمعت القرآن من قبل أن يجتمع أبواك، ولقد علمني منه علي بن أبي طالب سورتين علمهما إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما علمتهما أنت ولا أبوك وذكر الايتين.

-وأخرج البيهقي من طريق سفيان الثوري أن عمر بن الخطاب قنت بعد الركوع فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم إنا نستدعيك ونستغفرك ونثني عليك ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد، نرجورحمتك ونخشى نقمتك، إن عذابك بالكافرين ملحق. ثم قال ابن جريج معلقا: حكمة البسملة أنهما سورتان في مصحف بعض الصحابة.

-وأخرج محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة عن أبي بن كعب أنه كان يقنت بالسورتين فذكرهما، وأنه كان يكتبهما في مصحفه.
-وأخرج الطبراني بسند صحيح عن أبي إسحاق، قال: أمنا أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد بخراسان، فقرأ بهاتين السورتين: إنا نستعينك ونستغفرك(يقصد سورة الخلع والحفد)

-ترك ابن مسعود المعوذتين

وتذكر الروايات أن في مصحف ابن مسعود مائة واثنتا عشرة(١١٢) سورة بدل مائة وأربع عشرة(١١٤) سورة، إذ لم يعتد بالمعوذتين بينما في مصحف أبيّ بن كعب اثبت فاتحة الكتاب والمعوذتين وسورة الخلع والحفد، وتركهن ابن مسعود وكتب عثمان منهم في المصحف الامام فاتحة الكتاب والمعوذتين وترك سورتي القنوت.

تساؤل: 

إذا كان القرآن يزعم ومن ورائه علماء المسلمين أن معجزته التي أفحمت العرب وألجمتهم، وجعلتهم يذعنون لما جاء به ويؤمنون بنبيه هي خرقه العادة في أسلوبه وبلاغته، وقد كانوا أفصح الفصحاء ومصاقع الخطباء، وأنه تحداهم على أن يأتوا بمثله وأمهلهم طول السنين، فلم يقدروا كما قال (فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين) ثم تحداهم بعشر سور منه في قوله (أم يقولون افتراه قل فائتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا إنما أنزل بعلم الله) ثم تحداهم بسورة في قوله (أم يقولون افتراه قل فائتوا بسورة مثله) الآية، ثم كرر في قوله (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فائتوا بسورة من مثله) الآية،وأنه لم يقدر أحد على معارضته بعد تحديهم بذلك وأنه نادى عليهم بإظهار العجز وإعجاز القرآن (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولوكان بعضهم لبعض ظهيراً ) وأنهم لوكان في مقدرتهم معارضته لعدلوا إليها قطعاً للحجة فإن اختلاف الصحابة في اثبات ورفض بعض الايات التي اوردنا بعضها أعلاه يطرح اشكالا على مستوى الاعجاز الذي هو مناط الايمان والتصديق، إذ أنهم اشترطوا لقبول القطعة من القرآن الشهود وكان الأولى اشتراط الاعجاز الذي عليه مدار الايمان به، والذي لولاه لما آمنت العرب.

هذا من جهة ومن جهة أخرى فإنك إذا اعتبرت سورتي الخلع والحفد مثلا اللتان كان يعدهما بعض الصحابة من القرآن، وبالتالي يحملان معنى الاعجاز الخارق للعادة، وهما عند عامة المسلمين اليوم دعاء كباقي الأدعية المأثورة -فإننا نجزم لو أن عثمان أثبتهما في المصحف الامام لما توانى المفسرون والمؤلفون في أوجه إعجاز القرآن، كالخطابي والرماني، والزملكاني، و الرازي، وابن سراقة والقاضي أبو بكر الباقلاني، وبديع الزمان النورسي وغيرهم كثير- أقول إنني أجزم بأنهم سوف يركبون جناح النعام مستغلين كل ما اتقنوه من صناعة الكلام وفنون الاستباط ووجوه البلاغة ليسقطوها على هاتين الآيتين، حتى يثبتوا للناس أنهما معجزتان خارقتان للعادة وأن المنكر لهما إنما هو منكر بلسانه لا بقلبه، وأنه معاند ملحد في آيات الله.

على أن للعرب كلاما يبذ في حلاوته وبلاغته القرآن وفي خطبهم ودواوينهم ما له في ميدان البلاغة والفصاحة أضعاف ما للقرآن..أما محاولة مقارنة القرآن بما ينسبه الاخباريون لمسيلمة في معارضته الركيكة للقرآن فيظهر عليه عمل الوضاعين والقصاص الذين درجوا على وضع قصص وأحاديث لتعزيز موقف القرآن من باب وبضدها تتبين الأشياء .

من كل ما ذكرناه يتبين أن العقل يقف موقفا غير ودي من مسألة حفظ القرآن وسلامته من الزيادة والنقصان، وأنه لم يكن بدعا من الكتب التي سبقته لا في المضمون ولا في سلامة الوصول، ولم يستثنيه الزمن وتراكم الوقائع والأحداث وطبيعة الاجتماع من قوانين التبديل والتحريف، والانتحال والاهمال، التي طالت المواد والنصوص القديمة قبل ظهور التقنية الرقمية الحديثة التي تحفظ المرئيات والصوتيات كما هي وتضمن سلامة المحتوى سلامة تامة.

ونأمل أن تمضي حركة التجديد والنقد الديني القائمة على ساق في البلاد العربية والاسلامية بوتيرة متسارعة وصريحة وأن ننتقل من طور النقد الديني الذي فرغت منه أوربا والغرب العلماني عموما قرونا خلت، ووضعت الدين في موضعه المناسب، وننطلق في مسيرة بناء الدولة المدنية دون عوائق الدين وأغلاله التي تقيد حركة العقل وتبقينا في دائرة مغلقة وجدار أصم يقف سدا بيننا وبين التقدم والرقي.