البغاء في الإسلام

 

 موضوع البغاء في الاسلام . كيف نظر إليه ؟ و كيف تعامل معه ؟ . ذلك أنه للوهلة الاولى يتبادر لنا شعور بأنه ( البغاء) محرم لأنه ببساطة ممارسة جنسية خارج الزواج و بالتالي فهو زنى و الزنى حرام في الاسلام ، إلا انه و من خلال قراءتي المتكررة و المتمعنة في عدد من الآيات التي لها علاقة بموضوعه جعلتني اعيد النظر في فكرتي المسبقة عنه و أدرك ان له وضعه الخاص في الاسلام و لا يمكن تصنيفه بسهولة في خانة الزنى ، و ان هناك فروقات واضحة بين الاثنين بمعنى ان البغاء بغاء و الزنى زنى . مما يدفعنا إلى إعادة النظر في مظاهر و أشكال الممارسات الجنسية خارج إطار الزواج في المجتمع الاسلامي في عهد الرسول من أجل وضعها في إطارها الصحيح درءا لأي لبس.
و كتعريف لكلمة البغاء يمكن أن نقول أنه هو كل ممارسة للدعارة مقابل المال
و البغي هي المرأة التي تعرض جسدها للممارسة الجنسية مقابل قدر من المال . و هي ممارسة قديمة جدا لدرجة أنها اعتبرت أقدم مهنة في التاريخ بالاضافة الى أنه ما من مجتمع من المجتمعات البشرية إلا و عرف هذه الظاهرة و من بينه المجتمع الجاهلي و الاسلامي أيضا كما سيتضح لنا من الايات التي سنوردها كالتالي :
1- " و لا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا و من يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم " سورة النور الاية 33 . 
هذه الاية تخبرنا أنه لايجب إكراه الفتيات أي الجواري على البغاء إذا اردن الزواج (تحصنا) و منه نفهم ان من شروط الزواج في الاسلام عدم ممارسة البغاء و لهذا كان الجواري اللواتي يرغبن في الزواج و تكوين الاسرة يمتنعن عن ممارسة البغاء فكان اسيادهن يجبرنهن على ممارسته فنزلت الاية تمنعهم من ذلك بل و تبيح الزواج لمن اكرهت على ذلك . لكن المعنى المتضمن في الاية و الذي لا ننتبه له هو أن البغاء كان ممارسة غير محرمة في الاسلام فالاية لم تنه عن ممارسة البغاء بل عن الاكراه عليه أي ان الفتيات اللواتي لا يطمعن في الزواج ( التحصن) يصبح جائزا لاسيادهن دفعهن لممارسة البغاء ، أي أن البغاء في الاسلام هو ممارسة حلال ما دامت ينتفي منها عامل الاكراه ! 
و هذا المعنى يتضح أكثر في الاية التالية : 
2- " و القواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة و أن يستعففن خير لهن و الله سميع عليم " سورة النور الاية 60 . هذه الاية يلازمها خطأ شائع و هو اعتبار القواعد من النساء هن النساء العجائز لذلك يفسرها المفسرون على انه من حق النساء العجائز أن يتخففن من ثيابهن لأن اجسادهن لم تعد مصدرا للفتنة بحكم الشيخوخة لكن المفسرين يغفلون عن تتمة الاية و هي : غير متبرجات بزينة ..و زينة المرأة في القرآن هي مفاتنها كما ورد في الاية 31 من سورة النور "....و لا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ....و لا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن ..." و لو كن عجائز ذابلات الجسد و المفاتن لما خشي القرآن على المجتمع من فتنتهن و لما دعاهن لعدم التبرج بزينتهن أي إظهار مفاتنهن ، ثم ان كلمة يضعن ثيابهن لا تعني التخفف من الثياب لان التخفف من الثياب ليس مطلبا ملحا للنساء في المجتمع الاسلامي آنذاك يقتضي أن يبيحه القرآن بل يعني ( يضعن ثيابهن) التعري بغرض ممارسة الجنس و هو ما يتضح في الاية التالية :
3- " يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت ايمانكم و الذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر و حين تضعون ثيابكم من الظهيرة و من بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم ليس عليكم و لا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض كذلك يبين الله لكم الايات و الله عليم حكيم " سورة النور الاية 58 .
فوضع الثياب كما يتضح من الاية يؤدي إلى اظهار العورة ( ثلاث عورات لكم) و العورة لا تظهر الا بالتعري الكامل و المرئ بداهة لا يتعرى بالكامل في بيته إلا بغرض ممارسة الجنس مع زوجته و إلا عد مجنونا و لهذا طلبت الاية من الاطفال ان يستأذنوا قبل الدخول حتى لا يصدموا بمشاهدة الرجل و زوجته في وضع جنسي .
إذن إذا عدنا للاية الثانية : و القواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة ...يصبح المعنى هو القواعد من النساء اللواتي لا يرغبن في الزواج لا مانع من ان يمارسن الجنس ( يضعن ثيابهن) غير متبرجات بزينة . هنا يتبقى لنا إيضاح معنيين : متبرجات بزينة و القواعد من النساء .
أولا : متبرجات بزينة : 
متبرجات : أي الظهور العلني بشكل مثير للانتباه مثل النجوم التي سماها القرآن بالبروج " و لقد جعلنا في السماء بروجا و زيناها للناظرين " سورة الحجر الاية 16 فالنجوم بارزة في السماء أثناء الليل بضوءها المثير للانتباه و المرأة المتبرجة بزينة هي المرأة التي تظهر مفاتنها للعلن فتثير انتباه الجميع و هي بالتأكيد ليست عجوزا ذابلة الجسد بل شابة فاتنة .
القواعد من النساء : ما دمنا قد برهنا ان القواعد من النساء هن نساء شابات فإن المعنى القديم و هو العجائز يصبح غير صحيح و يصير المعنى الصحيح هو النساء اللواتي يقبعن في قاعدة هرم المجتمع و هم الاماء إذن القواعد من النساء و القواعد من الرجال هم العبيد رجالا و نساءا و قد سموا بالقواعد لانهم يشكلون قاعدة المجتمع و إذا عدنا للاية الاولى : و لا تكرهوا فتياتكم ..يتضح المعنى أكثر فيصبح القواعد من النساء اللواتي لا يرجون نكاحا هن الفتيات اللواتي لا يردن التحصن ثم لو دققنا في معنى فتاة نجد انها تعني الجارية الشابة و هو ما ينطبق على مفهوم القواعد من النساء اللواتي يمكنهن التبرج بزينتهن.
إذن من خلال القراءة المتمعنة في هذه الايات يتضح ان البغاء / الدعارة كممارسة كانت مباحة و غير محرمة و أن موقف الاسلام منها اقتصر على التقنين لا على التحريم . فهو لم يحرمها بل وضع لها ضوابط و قوانين و حاول الى حد ما التخفيف منها دون ان يلغيها تماما . و هذه الضوابط هي كالتالي : 
1- ممارسة البغاء يجب ان تكون اختيارية و ليست اجبارية لهذا يمنع منعا باتا على الاسياد اجبار جواريهن على ممارسة البغاء لجلب المال.
2- الجارية عليها ان تختار بين امرين و لا يمكن ان تخلط بينهما و هو : إما ممارسة الدعارة و إما الزواج . فمن ترغب في الزواج عليها ان تحافظ على عفتها و تمتنع عن ممارسة الدعارة و من تريد ممارسة الدعارة و كسب المال من وراء ذلك فعليها أن تتخلى عن حقها في الزواج .
3- الجارية التي اكرهت على ممارسة الدعارة لا تفقد حقها في الزواج .
4- الجارية التي قررت التخلي عن حقها في الزواج ( لا يرجون نكاحا) و اختارت بملء ارادتها ان تمارس الدعارة عليها أن تمارس بغاءها داخل الاسوار و الا تخرج للعلن و تعرض مفاتنها ( غير متبرجات بزينة) .
5- موقف الاسلام من الدعارة / البغاء يقف بين التحريم و التشجيع فهو لا يحرم البغاء الاختياري و لا يشجع عليه و يقتصر دوره على النصح و الموعظة للباغيات ليقلعن عن هذه الممارسة ...و أن يستعففن خير لهن ...و هو ما يجعلنا في نهاية هذا البحث المتواضع نطرح السؤال التالي : 
إذا كان الاسلام قد اباح البغاء في حدود و ضوابط معينة فماذا قصد بالضبط بكلمة الزنا ؟