الدعارة الحلال

 

"ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون" الروم/21.
وفي زمن المد البدوي الأصفر، وتشعباته الفكرية التي غذتها الطفرة البترودولارية الصحوية، اصطبغت الأشياء كلها باللون الإسلامي، وتتحدث باسمه لشرعنة الفساد والرذائل، والموبقات، ولاتخاذ الإسلام كجواز سفر نحو أدراك سفلى من عوالم التردي والانحطاط. والعملية بمجملها- الصحوة البترودولارية- تنصب في إعادة تصدير البدونة والوهبنة والجاهلية إلى المجتمعات المجاورة وسواها، تحت مسمى الإسلام. فمن البنوك الإسلامية الربوية التي تسرق الزبائن والعملاء، وتأخذ الربا بطرق ملتوية، وغير مباشرة، وإلا لكانت أفلست وأغلقت أبوابها وعجزت عن التمويل والاستمرار، وكفـّت عن ممارسة النصب والدجل والاحتيال، فهي في النهاية لا تشتغل هكذا لوجه الله بل لكي تنتفخ جيوب دعاة الله المساهمين الأكبر فيها، إلى شركات التوظيف الإسلامية التي "شلّحت" الناس ما فوقهم وتحتهم، وخربت بيوتهم، وكان أبطالها من أصحاب اللحى والجلاليب والسبـّحات، إلى الذبح الحلال واللحم الحلال الذي يربيه اليهود والنصارى في مراعي مارلبورو جنباً إلى جنب مع الخنازير وبقية الحيوانات، إلى عروض الأزياء الإسلامية والزي الإسلامي، إلى المطاعم الإسلامية، والمسلسلات الإسلامية، والمكتبات الإسلامية، والجامعات الإسلامية، والمدارس الإسلامية، والأحزاب الإسلامية، إلى مختلف النشاطات الاجتماعية والاقتصادية التي تنتشر كلها تحت غطاء الإسلام الذي لم يفلح في عزّه وأوجه، وعلى أيدي "صحابيين كبار" في تقديم أنموذج متسامح غير دموي يعتد ويهتدى به، فكيف سيفلح في هذه الأيام الشحيحة الجدباء وعلى أيدي بعض من الجهلة المسترزقين والمتنطعين الأدعياء، ولم يجلب، سابقاً، سوى الحروب والانقسامات والثارات وزهق الأرواح والتصفيات. وامتد هذا النشاط الإسلامي أخيراً إلى الزيجات تحت شتى المسميات و"الأبواب"، وكلها ألاعيب وفنون وأحابيل للنخاسة والاتجار بالنساء ولممارسة الجنس تحت مسمى وغطاء الإسلام، والتي لا تخرج في بعض جوانبها عن نطاق ممارسة الدعارة الشرعية "الحلال" التي يتفنن في وصفها والتغزل بها دعاة الفضائيات.
تسيطر فوبيا الجنس وهوسه على حيز كبير من تفكير الدعاة والوعاظ ونرى معظم أحاديثهم وحواراتهم تدور حول فروج النساء وأبواب الإتيان وطرق الإيلاج وفنون الجماع. فمن زواج المسيار، إلى زواج المتعة، والوشم، إلى زواج الفرند، والغيرل فريند، والزواج المؤقت، والزواج الأبيض، إلى زواج المنقطع، وزواج المسفار، والزواج بنية الطلاق، إلى زواج الصغيرات والاتجار بلحومهن وتفخيذ الرضيعات، ولن نتكلم أيضاً، عن تعدد الزوجات (كنوع من الزواج الذي كان سائداً في الجاهلية وقننه الإسلام كما تقنن اليوم المواد الاستهلاكية كالسكر والرز والبنزين والغاز)، وما فيه من انتقاص وعبودية وامتهان للمرأة والطلاق التعسفي برمي اليمين لأتفه الأسباب، والتي يدّعي الفقهاء بأن الإسلام قد كرمها وهي لا تخرج هنا عن نطاق السلعة التي تباع وتشرى في سوق نخاسة مفتوح، وملك الإيمان المباح شرعاً والذي لا حصر له بحيث تتحول فيه البيوت إلى مواخير و"كرخانات" مصغرة وهو موجود حتى اليوم في المحميات الصحراوية الأمريكانية التي يديرها ويتحكم بمصيرها "اليهود" من الباب للمحراب، وزواج الشغار وهو زواج غريب بلا صداق ولا حب ولا رغبة في الزواج، وعماده وقائم على عملية التبادل بين الزوجات. حيث يقوم ولي أمر الزوجة بتزويج ابنته من فلان في مقابل أن يزوج فلان هذا ابنته له بنفس الشروط عدا شرط الصداق فهو غير ملزم، وغالبا ما نجد هذا النوع من الزيجات في المجتمعات القبلية البدوية والريفية الرعوية كنوع من الترابط بين القبائل والعائلات أو التصالح فيما بينها، أو لكسب الحماية وخلافه والحفاظ على الأملاك .
ولعل أشهر عمليات النصب هذه والدعارة المبطنة هي الزواج العرفي الذي يتم على ورقة غير موثقة ولا مدونة أو مسجلة في أية دائرة رسمية أو محكمة شرعية، وتكون عادة في حوزة الزوج، وغالباً ما تتعرض للتلف والضياع، والإنكار حين تتغير الأمزجة وتنتهي الشهوات، وينقضي الوطر وتتباين المصالح والأهواء، بما في ذلك كله من هدر وإنكار لحق النساء. وإذا كان شرط الزواج الأساسي هو الإشهار فإن الزواج العرفي يخالف هذا الشرط الجوهري والشرعي للزواج، بكل ما يستلزمه من سرية وإخفاء لمعالم الجريمة وأكل حقوق الزوجة واضطهادها وتهديدها وكل هذه الزيجات تسعى للمتعة و"اللذة الحلال" التي ليست هي العامل الأساس في الزواج الشرعي الذي يهدف لبناء وتكوين أسرة تكون كخلية اجتماعية وليس لمجرد ممارسة النكاح. وبالمناسبة في سورية ذات القوانين العصملية لا يزال يسمى عقد الزواج بعقد النكاح.
ومن المعلوم أن الإيمان، وحب الله، يبعث في نفس المؤمن الطمأنينة والسلام والتزهد والتنسك والترفع عن الصغائر والغرائز والشهوات ويصبح الطعام والشراب والجنس والملذات الأخرى في الحياة في أدنى اهتمامات المؤمن الذي يتجه نحو الروحانيات والتأمل والتفرغ للعبادات وذكر الله لا للإمعان في الالتفاف على الشرائع والقوانين والتحول إلى ذئب بشري لا هم ولا غاية له سوى ممارسة الجنس وإشباع غرائزه كما يفعل هؤلاء الجهلة من البدو الأعراب ودعاة الفضائيات الذي تحولت أدلجة وفلسفة الجنس في حياتهم إلى وسواس ضاغط خناس، ومحور للتفكير وكل النشاطات، ولا يفارق مخيلتهم لحظة واحدة ويسيطر على سلوكهم من الصباح وحتى المنام وتقوم جلى الدعوة على ترغيب المؤمنين ووعدوهم بالحور العين والغلمان المخلدين في الجنان.
لا أدري إن كان هناك ثمة فاصل، أو حتى خيط رفيع، بين تلكم الزيجات والدعارة بما فيها من أوجه شبه متعددة. ويبقى الزواج بمفهومه العام وهدفه الإنساني الرفيع تلك الكلمة والرباط المقدس عبر التاريخ، والحالة الإنسانية المثلى هو الأساس والمعيار، والتي يحاول أولئك البدو الجهلة والمتخلفون تشويهه وتحطيمه وتقويض مرتكزاته ورسالته الخالدة في تربية وبناء الأجيال، وكما فعلوا مع كل القيم السامية والمبادئ الإنسانية العظيمة كالحرية والحب والتسامح والعدل والمساواة، ويحاربونها اليوم محاربة شديدة ضروساً شعواء، وكما هو حالهم مع مختلف النشاطات الإبداعية الخلاقة الأخرى كالفن والشعر والموسيقى والرقص والرسم وسواها من الإبداعات؟ فلما لا تشرع الدعارة في هذه البلاد وتقو نن كما تفعل معظم دول العالم المتحضر، بدل عمليات الدعارة المبطنة وترويج النصب والاحتيال والغش والخداع التي تتلطى خلف شتى المسميات؟ أم أن قدر هذه الشعوب والمجتمعات أن تعيش على الازدواجيات والكذب والدجل والزيف والعهر والرياء؟