الاسلام صنع في الأرض

 

لم يأتِ الإسلام من خارج الكرة الأرضية ولم تنقله ملائكة الوحي الخيالية من سابع سماء لا بل انه لم يأتِ من خارج جغرافية مكة المكرمة تلك القرية الصحراوية التي كانت مزاراً للعرب وملتقى القوافل التجارية التي حملت معها أضافة إلى الذهب والفضة والتوابل مختلف ثقافات الشعوب المجاورة ومعتقداتها وفلسفاتها فكانت مكة اشبه بالرحم الذي حمل نطفة هذه الشحنة الثقافية الهائلة وولادتها ديناً عربياً جديداً استطاع أن يغير وجه التاريخ العربي وان يوحد قبائل البدو الرحل تحت راية واحدة ويفتتح بها صفحة تاريخية جديدة في كتاب الحضارة الإنسانية ويشيد امبراطورية من اعظم الأمبراطوريات التي عرفها تاريخ البشرية.
مايهمنا في موضوعنا هذا هو تسليط الضوء على الواقع الأجتماعي والجذور المادية التي اوجدت تلك الظاهرات الفكرية التي سبقت ظهور الإسلام ومهدت له واثرت فيه تأثيراً مباشراً وكذلك الكشف عن الجذور الطبقية التي كان الإسلام انعكاساً لتناقضاتها وتلبية لحاجاتها فالدين بمختلف اشكاله وعقائده وتعاليمه في مختلف الأزمنه لا يأتي الناس مفاجأة وبصورة منعزله ومنقطعة عن حياتهم الأرضية ولا عن حركة تطورهم التاريخي اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا وفكريا وأن الدين لا يأتي الناس كذلك وفقا لرغبات ذاتية او عن رغبة من الكهان انفسهم في خداع الشعب لخدمة اهدافهم الأنانية
إذ لا يمكن القول بأن الدين ينشأ عن رغبة ذاتية لهذا الفريق من الناس او ذاك بل الواقع أن للدين جذوره الأجتماعية الخاصة كما أن له جذوره المعرفية لما هو واقع فعلا في تاريخ الفكر الإنساني " فالعلم الأجتماعي المستند إلى مراقبة القوانين الموضوعية الدياليكتيكية لحركة التاريخ البشري يثبت أن كل دين من اديان البشرية أنما ظهر ليحمل شكلا غير مكتمل من انعكاس العالاقات الأجتماعية في تصورات الناس وافكارهم في مراحل معينة من التاريخ"⓵..
لقد كان الصراع السياسي الديني بين اليهودية والمسيحية على اشده في هذا الجزء من شبه الجزيرة العربية كما أن وجود الديانتين كان عاملاً مساعداً في تغيير الوعي العربي الديني هناك بأتجاه النظر التجريدي نحو مشكلة الوجود متجاوزا النظرة الوثنية الحسية الساذجة فقد كان طبيعياً خلال التعايش زمنا طويلا بين التصورات الوثنية والأفكار المسيحية واليهودية بشأن وجود العالم أن يحدث التفاعل بين هذه وتلك وأن يشيع الجدل في مسائل الخلق والألوهة وطبيعة الآلهة ومسائل البعث والقيامة والنبوة ايضاً ثم أن ينتج التفاعل طويل الأمد وأن تنتج اختماراته في ذاكرة الوعي ظهور فريق من الناس في مجتمع الجاهلية بموقف متميز حيال كل تلك المسائل الكونية أي موقف ليس بوثني ولا مسيحي ولا يهودي بل متفرد بأتجاه الرؤية التأملية كعلامة على ولادة امر جديد من الأمر القديم نفسه لقد ظهر هذا الفريق بالفعل في الفترة الأخيرة من عصر الجاهلية ذلك هو الفريق الذين اطلقت عليهم تسمية الحنفاء أو الأحناف.
من هم الأحناف؟ وماعقيدتهم تحديداً؟ المعروف عن الأحناف في مؤلفات الأخباريين العرب أن معظمهم عاش في الأيام الأخيرة من الجاهلية وأن بعضهم عاش أيضاً في أيام الأسلام الأولى وتحدثوا عن عقيدة كل واحد منهم بمل يدل أنهم لم يكونوا جميعاً متماثلين رأيا وأعتقاداً كما لم يكونوا على صلة ترابط وتلاقٍ بينهم ـ أي لم يكونوا جماعة متواصلة تنتظمها حركة نشاط مشتركة ـ ذلك يعني أن الجامع الوحيد بين هؤلأ الحنفاء ينحصر في مبدأ عام يلتقون عفويا ودون معرفة كل منهم بالآخر على الأخذ به هو مبدأ رفض عبادة الأصنام وتعدد الآلهة والإيمان بوجود إله واحد لقد كانت حركة الأحناف بداية الأرهاص الفعلي بولادة الواقع الأجتماعي العربي الجديد والوعي الأجتماعي العربي الجديد أي ولادة دعوة الأسلام إذ كانت حركة الحنفاء تمهيداً لما لحقها من ثورة سياسية وفكرية
يمكننا أن نلمس بوضوح الرغبة الملحة لرواد هذه الحركة في توحيد القبائل المتناحرة في جزيرة العرب والنزوع نحو بناء مجتمع المدينة وبالتالي ايجاد القيادة الموحدة
بعد أن تفككت البنية القبلية البدائية بفعل التملك والأنقسام الطبقي وتجاوز المجتمع العربي مرحلة المشاعية القبلية البدائية وقد كان الشعر ـ قرآن ـ هذه الحركة الثورية فقد حمل دعوة بعض ممثلي هذا التيار التوحيدي امثال ـ قس بن ساعدة الايادي، وأمية بن ابي الصلت، وزيد بن عمرو بن نفيل، وسويد بن عامر المصطلقي وغيرهم ـ ففي أحدى المقطوعات الشعرية المنسوبة إلى امية يقول عن دعوة الحنيفية :
(كل دين يوم القيامة عند الله ... إلا دين الحنيفية زور )
ويقول زيد بن نفيل :
(أرباً واحداً أم الف ربٍ ... ادين إذا تقسمت الأمور
عزلت اللات والعزى جميعاً ... كذلك يفعل الجلد الصبور )
فهنا موقف تتجلى فيه فكرة التوحيد بطريقة الرفض للتعددية بمظهرها الديني وهو الموقف الأكثر تحديداً لمفهوم الحنيفية لأنه الأكثر انطباقا على الحقيقة التاريخية
نعني حقيقة كون ظاهرة الحنفاء جاءت حين ذاك تعبيرا عن التطور في الواقع الأجتماعي بالأندفاع نحو علاقات جديدة ليس اساسها الأنقسام القبلي بل التمايز الأجتماعي أن هذا المنحى الذي كان يتخذ مسار التطور في القاعدة المادية للمجتمع الجاهلي كان عاملا مؤثرا في نشوء أساس لتطور الوعي الأجتماعي نحو فكرة التوحيد التي كان ظهور الأسلام فيما بعد تحقيقا لمضمونها التاريخي اجتماعيا وفكريا وايديولوجيا ومن الثابت تاريخياً أن محمد نبي الأسلام كان احد الحنفاء وقد تأثر تأثرا مباشرا بتصوراتهم واشعارهم حتى أننا نجد شبها كبيرا بين تلك الأشعار ومعظم ايات القران الكريم يتبين مما تقدم أن الظاهرات الدينية لمجتمع الجاهلية العربية قبيل الأسلام هي بقدر ما تعكس الشكل التاريخي الخاص للعلاقة بين الواقع الأجتماعي الجاهلي والوعي الأجتماعي الجاهلي تعكس كذلك في ظاهرة الحنفاء علامة تحول تاريخي على صعيد الوعي الديني وهذا التحول على صعيد الوعي الديني كان من حيث بعده الواقعي تعبيرا يكاد يكون مباشرا عن مخاض النظام القبلي الجاهلي بتحولات في أسسه المادية "إذ كان هذا النظام قد بلغ مرحلة ولادة التناقض الأجتماعي في داخله بعد أن أخذت تتسع دائرة الفوارق الأجتماعية ضمن كل قبيلة بذاتها وعلى مدى المجتمع الجاهلي كله②" بناءً على هذه الرؤية نستطيع أن ندرك جليا أن الإسلام عند ظهوره في شبه الجزيرة العربية لم يكن ظهوره أمراً مفاجئا هبط عليه دون سابق علاقة بينه وبين تلك الظروف التاريخية والحركات الفكرية المتحركة في تلك البقعة الجغرافية بل العكس هو الواقع فأن ظهور الدعوة الإسلامية في مجتمع مكة بخصوصها حيث كانت التناقضات الأجتماعية أشد منها في اي مكان آخر من مناطق الجزيرة يكشف بصورة صحيحة عن كون الإسلام لم يقم على فراغ وأنما قام على أساس من أن تلك الظروف الموضوعية نفسها اقتضت أن يكون ـ أي أن حركة تطور المجتمع العربي الجاهلي بأبعادها الأقتصادية والأجتماعية والفكرية أقتضت أن يجيء الإسلام بهذا الشكل الجديد عن ذلك الواقع الموضوعي-

الأقتباسات

حسين مروة ـ النزاعات المادية في الفلسفة العربية الإسلاميةـ المجلد الأول