الجنة في الإسلام ومهزلة العدل المطلق

 

دائما مانصطدم بعوائق فكرية ومعنوية عديدة حينما نتحدث عن مسألة العدل من الناحية االإنسانية( النسبية ) والناحية ( المطلقة ) أي الإلهية التي لايعلي عليها , 
فالعدل في اللغة بمعنى السوية، والتسوية وفي العرف العام استعمل بمعنى رعاية حقوق الآخرين، في مقابل الظلم (الإعتداء على حقوق الآخرين)، وعلى ضوء ذلك عرف العدل بأنه "إعطاء كل ذي حق حقه" إذن فلا بد أن نتصور أولاً موجودا له حق، لتكون رعاية حقه "عدلا" والإعتداء عليه "ظلما"، ولكن أحيانا يوسع مفهوم العدل، ويستعمل بمعنى "وضع الشي‏ء في موضعه أو القيام بكل فعل على وجه حسن" وعلى وفق هذا التعريف، يكون العدل مرادفا للحكمة، والفعل العادل مساويا للفعل الحكيم.

وما يجب علينا التأكيد عليه هنا: هو أن كل عاقل يدرك بأن أي أحد لو اختطف قطعة خبز من طفل يتيم، وبدون مبرر، أو أنه أراق دم إنسان بري‏ء فقد إرتكب ظلما واقترف عملا قبيحا، وعلى العكس من ذلك، لو أخذ أحد قطعة الخبز المختطفة من يد الغاصب وأعادها إلى الطفل اليتيم، أو أنه عاقب القاتل الجاني، العقوبة التي يستحقها، فإنه قد عمل عملا حسنا وصائبا، ولا يعتمد هذا الحكم بالحسن والقبح بالعدل والظلم، على الأمر والنهي الإلهي، فإن هذا الحكم يحكم به حتى من لايؤمن بوجود الله > 

هذه كانت مقدمة بسيطة عن مفهوم العدل بالوجه العام , أما موضوعي في هذه المقالة فهو يتحدث عن المفهوم الخاص للعدل الإلهي في الديانة الإسلامية . 
كنت قبل فترة وجيزة أخوض حوارا مع أحد الإخوة المهتمين بهذا الشأن حيث أنه كان يبدل جهدا كبيرا في محاولة إقناعي بأن الإله في الإسلام يحاسب جميع الناس بحسب أعمالهم وإستند في هذا الموضوع علي الأية ( فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) . 

ولكن هل يصح هذا القول علي غير المسلمين ؟ 
قمت بالرد علي محاوري بسؤال عن مطلقية العدل في الإسلام أي أن الأمر في هذه الحالة سيتعلق بالجنة والنار , وقلت له ( لو إفترضنا مطلقية العدل في هذا الأمر فهل سيدخل غير المسلم الجنة ؟ مع العلم بأن أغلب الناس الغير مسلمين يعيشون علي هذه الحياة بطيب وكرم وعدل وبأخلاق حميدة , علما بأنهم يعلمون بالإسلام وبعضهم درسون ولم يقتنعوا به كدين من عند الله !! . 

فما كان لصديقي إلا أن يجينبي تلك الإجابة الصادقة الصريحة وقال : نعم لن يدخلوا الجنة أبدا ولن يشموا ريحها فليست العبرة أن تكون أخلاقهم حميدة ، بل العبرة انقيادهم لله تعالى ولأوامره ، ألا ترى إلى المجوسي أو البوذي الذي يعبد النار مثلا أو الأصنام من دون الله ، ولم يعبد الله ، ويقر له بالعبودية دونما سواه ، وكذلك النصارى الذين قالوا إن الله إتخذ ولدا ، وغيرهم من المشركين هؤلاء أساءوا الأدب مع الله تعالى ، وسبوه وشتموه ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( قال الله تعالى : كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك ، وشتمني ولم يكن له ذلك ، فأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني ، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته ، وأما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولداً وأنا الأحد الصمد الذي لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفئاً أحد ) رواه البخاري ( 4974 ) ، فهؤلاء كيف تكون أخلاقهم حميدة وهم يسيئون الأدب مع الله عز وجل ، مع أن الله عز وجل جعل لهم الأسماع والأبصار ، ويسر لهم كل شي ، وأرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه ، وأسبغ عليهم نعمه ، فكان حقه عليهم أن يشكروه فلا يكفروه ، فلما لم يمتثلوا ذلك استحقوا غضب الله ونقمته ، قال تعالى : ( وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ) الكهف . إنتهت الإجابة وبينت إجابة هذا المحاور البعض من معاني الديكتاتورية الإلهية في الإسلام ومهزلة العدل المطلق . 

تعالوا الأن لنفصل الموضوع أكثر ونستعين ببعض النصوص من القرأن والأحاديث لنتبين فيها ( هل سيدخل غير المسلمين الجنة أم لا ؟؟ ) 

قبل عدة سنوات ذهبت لزيارة صديق لي كان يعاني من بعض المضاعفات المرضية في المستشفي فجلست وتبادلنا الحديث وإذ بممرضة إيطالية قد بلغت من السن عتيا وكانت ترتدي صليبا علي رقبتها تدخل الغرفة لتعاين صديقي وتستبدل له كيس التغذية المعلق وخرجت بعد ذلك , 
وحينما إستشرت أحد الأطباء عن تلك الممرضة أخبرني بأنها طبيبة إيطالية متقاعدة جائت هي وصديقاتها لهذه البلاد ليتبرعن بما تبقي من عمرهن في مهمة المريض دون مقابل , فأعجبني مقال الطبيب وتحرك في عقلي سؤال حينها , تلكن الممرضات بالرغم مما يقمن به إلا أنهم غير مسلمات 
فهل سيدخل الجنة لقاء خدمتهن في هذا المجال .
مرت الأيام وقدمت إلي أحد المشائخ لأحكي له الموضوع وأسأله بصفته رجل دين يملك من العلم في أمور الدين مالا يملكه عوام الناس . 
فسألته نفس السؤال ولم تختلف إجابته كثيرا عن إجابة محاوري القديم إلا أن إجابة هذا الشيخ كانت تحمل الكثير من الأدلة والتفاصيل بما لاتترك مجالا للشك بأن كل من هم علي غير دين الإسلام مع علمهم بالرسالة لن يدخلوا الجنة بتاتا . 

كانت إجابة الشيخ هي كالاتي : أما فيما يخص موضوع الغير مسلمين بصفة عامة فقد أنزل الله ايات عدة تبين مصيرهم أولها في قوله تعالي ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ) فالمعني من الأية واضح وضوح الشمس وبإمكان القارئ الرجوع للتفاسير المعتمدة , وأتبع الشيخ إجابته وساندها بحديث النبي محمد الذي قال فيه ( والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار ) رواه مسلم . 
الصراحة صدمتني إجابة الشيخ حينها ولكني شددت علي سؤاله مرة أخري ( ولكن ياشيخ كلنا نعلم بأن الجزاء علي جنس العمل فالله في سورة القارعة يقول ( ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) ) وهؤلاء الكفار منهم من تبرع بحياته في بيل عمل الخير في الدنيا فهل يعقل أن يحاسبهم الخلق لأنهم لم يؤمنو بدينه فقط !؟؟ 
رد الشيخ مسرعا وبنبرة صارمة وقال : هذه الأيات تنطبق علي المسلم فقط يا بني فالكافر، الذي يحسب أنه قد عمل عملاً وأنه قد حصل شيئاً، حينما يوافي اللّه يوم القيامة وحاسبه عليها ونوقش على أفعاله لم يجد له شيئاً بالكلية، كما قال تعالى: { وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا} وساند الشيخ إجابته بالأية في سورة النور ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ-;---;-- إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ-;---;-- وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ) أي بأن الكفار أعمالهم الخيرة والحسنة في الدنيا ليست إلا سراب يختفي يوم القيامة فلا يجدون منه شيئا !! . 
ولنا في قصة الغلام اليهودي الذي كان يخدم النبي محمد خير مثال وأسمي عبرة في هذا المعني أنس بن مالك رضي الله عنه .( أَنَّ غُلَامًا مِنَ اليَهُودِ كَانَ يَخدُمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَمَرِضَ ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَعُودُهُ ، فَقَعَدَ عِندَ رَأسِهِ ، فَقَالَ : أََسلِم . فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِندَ رَأسِهِ ، فَقَالَ لَه : أَطِع أَبَا القَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ . فَأَسلَمَ ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ : الحَمدُ لِلَّهِ الذِي أَنقَذَهُ مِنَ النَّارِ ) رواه البخاري , فالناتج من هذه القصة أنه بالرغم من أن هذا الغلام من أهل الكتاب وأنه كان يخدم النبي محمد إلا أنه حينما إستلقي علي فراش الموت وإقتربت ساعته لم ينفعه كونه كتابي ولا أنه كان يخدم النبي محمد لأنه لم يكن ليدخل الجنة لولا أنه نطلق الشهادتين لهذا قال محمد في أخر الرواية ( الحمد لله الذي أفلته من النار ) . 


وهكذا إنهارت مفاهيم العدل الإلهي المطلق في الإسلام أمام مفاهيم العدل الإنساني الذي يكون فيه الناس سواسية حيث لا فرق بين مسلم ومسيحي ويهودي وملحد وبوذي كلهم سواسية في الجزاء والعقاب تحت ظل محاكم إنسانية لاتفرق بين أهل العقائد في الحكم !! .

رسالتي في هذه المقالة أوجهها لأخوتي المسلمين بصفتي مسلم سابق : اإستفيقوا يا إخوتي فلإله الذي يجازي الناس إستنادا علي أديانهم ليس إلها عادلا ولا يملك أدني متطلبات العدل النسبية الموجودة في الفطرة الإنسانية السليمة ولا يستحق العبادة أبدا فالإله الحقيقي ( إن وجد ) بعدله المطلق هو الذي يحاسب الناس إستنادا علي أعمالهم من خير وشر في الدنيا , ليس علي معتقدات الناس ! فلتغيروا نمط تفكيركم ولنعش بأمان وسعادة متقاربين ولنتحاور في إختلافاتنا إستنادا علي المنطق الإنساني الحر لا المنطق الديني الدوغمائي فمسألة العدالة المطلقة أسمي بكثير مما وصفت في الكتب التي أسميها ( مكدسة ) .