المدينة و التمدن في يثرب

 

لست هنا بصدد الدفاع عن (المدن) لان (المدينة) قضت على اللامركزية و الزراعة والتقاليد و الفطرية و كثفت نفوس البشر و زادت من التجارة و الاستقرار او عدم الاستقرار في مناطق متمدنة و اثقلتها و لوثتها و توسعت بعض المدن لتنافس البلدان في عدد سكانها و مساحتها. و التمدن تصرف حضري مدني لا يعني اطلاقا بالمعنى اللغوي اخلاقي و مثقف بالعكس قد يتخلل التمدن تصرفات لا اخلاقية تتميز بالغش و الاستغلال و الفساد بالمقارنة مع تصرفات اهل القرى البدائية العفوية. رغم ذلك لعبت (المدينة) دورا مهما في حياة و حضارة الانسان لا يمكن تجاهلها.

تغيرت اسم مدينة يثرب الاسم الاصلي للمدينة في العربية السعودية بعد الاسلام الى (مدينة النبي) و الى (المدينة المنورة) اخيرا و دخلت هذه الكلمة لربما بسبب مكانتها في في التوراة سابقا والاسلام اخيرا الى كثير من لغات العالم بشكل يلفت الانتباه. وفق المستشرقة Karen Armstrongتم تغير الاسم الى المدينة لانها شكلت نموذجا لجميع المدن الاسلامية. 
‏ 
رغم ذلك لاتوجد لكلمة مدينة اشتقاق في العربية لان (دين) لا تمت الى المدينة بصلة و الشيء الذي يلفت الانتباه هو ان العربية تتردد بين صياغة النسبة (مدنيّ) الى جانب (مدينيّ) و الافعال (مدن) و (تمدن) مشتقة من الاسم و ليس العكس و جمع (مدينة) يصاغ على وزن (فُعُل) يختلف عن بقية اسماء المكان.

تعتبر المدينة ارامية الاصل من mədinta القضاء من (دين) و اصبحت متداولة عند القبائل العربية المتنقلة بعد الاستقرار. استعارت العبرية المدينة من الارامية و تحولت معناها فيها الى مقاطعة او منطقة و في التوراة دائما بمعنى مدينة و العربية استعارتها بدورها من الارامية او لربما من القبائل اليهودية التي كانت تسكن في يثرب في عصر محمد (بنو نضير و بنو قريظة و بنو قينقاع) و لربما ليست الكلمة الاغريقية polis الا ترجمة من الارامية. و اخيرا تستعمل (مدينة) كاسم عائلة او اسم نسائي في ثقافات مختلفة بسبب انتشارها الواسع في الدين و الدنيا.

كان مجتمع يثرب قبل الإسلام مجتمعاً أمياً ساذجاً ونعني الوصف اللغوي لا الاصطلاحي (1) ولم تكن فيه مجالات ثقافية أو فنية تثري الوجدان أو تصقله – باستثناء دائرة الشعر وهي ضيقة ومحدودة – كمجتمع مصر القديمة إذ كان الناس فيه مشغولين بأمور متنوعة منها : النشاط الديني البالغ التعقيد في المعابد وساحاتها ، وفنون العمارة والنحت والتصوير وإقامة التماثيل والمسلات واللوحات الجدارية ، وفي العلوم وأبرزها : الطب والرياضة والعلوم التطبيقية ، وذلك بخلاف حِرَف المعيشة : الزراعة والتجارة والصناعة ؛ أو كمجتمع يونان القديمة حيث كانت الصفوة مشغولة بالمحاورات الفلسفية والرياضيات ، والعامة تنصرف إلى مشاهدة المسرحيات والاحتفاليات والمهرجانات والمسابقات الرياضية المتنوعة . وفي المجتمع الأمي الساذج كمجتمع يثرب قبل إعلان محمد لرسالته ، تشغل العلاقة بين الرجل والمرأة مساحة وسيعة لدى أفراده ، خاصة مع حرارة الطقس وطلاقته وإمتيازه بقدر من الجفاف مما يساعد على فزوزة (2) هذا الضرب من النزوع (3) لدى الجنسين .
وليس من قبيل المصادفة أن نجد لهذا النشاط في لغتهم كثيراً من المترادفات يلوكونها ويتداولونها بكثرة تشعرك بأنهم يجدون لذة ومتعة وهم يرددونها بينهم منها على سبيل المثال :
المباضعة ، الملامسة ، المضاجعة ، المقارنة ، المفاخذة ، المباطنة ، المعافسة ، المجامعة ، المراودة ، المباشرة ، المخادنة ، المناكحة ، والمواقعة وهذه الكلمات أساسها الفعل الرباعي فَاعَل مفاعلة وهو يعني اشتراك طرفين في الإتيان بعمل مثل : المحاربة والمقاتلة والمصارعة ...الخ 
بخلاف مصادر أخرى مثل : الرفث واللمس والإتيان والركوب والاعتلاء والامتطاء والوطء وهذه جذرها ثلاثي : ركب ، لمس ، وطأ ، أتى ...إلخ. وهذه الأخيرة تركز على دور الرجل وإبرازه فهو الذي يرفث ويلمس ويأتي ويركب ويعتلي ويمتطي ويطأ وهي أنسب لذلك المجتمع الذكوري . ومن المعلوم أن اللغة هي التعبير الأمثل عن حالة المجتمع التي تنبثق منه رقياً وإنحطاطاً وهي أبلغ دلالة وأفصح إبانة من الملابس والمباني والمساكن ووسائل الانتقال . 
فعندما تَحْمل لغة عشرات الكلمات الدالّة على الفعل الذي يُمارَسُ بين الرجل والمرأة فهذا يقطع بأنه (= الفعل) يحتل بؤرة اهتمام ذكور وإناث ذلك المجتمع الذي أفرز تلك اللغة . 
كان ذلك إذن هو المستوى الحضاري لـ( المجتمع اليثربي ) وكان ذلك أيضاً هو مركز إنشغال بال اليثاربة رجالاً ونسوة في الربع الأول من القرن السابع الميلادي . 
وعندما هاجر محمد إلى ( يثرب) عاش في حنايا ذلك المجتمع واندمج فيه وحثّ الذين هاجروا قبله أو معه أو بعده على الاختلاط بأهله ، كما رأينا في ( المؤاخاة) بين الوافدين الذين سمّاهم ( المهاجرين) واليثاربة الذين سمّاهم (الأنصار) تطبيقاً لخطته الذي اخذ ينفذها بدأب وإحكام شديدين في قطع صلة أتباعه بالفترة السابقة ورميها في مربع النسيان ؛ وصبغ معتنقي دعوته بـ (الصبغة الإسلامية) بما في ذلك أسماء بعضهم أو كثير منهم والأماكن التي كانوا يعيشون فيها أو يمرون بها ، ولم يكتف بتغيير اسم اليثاربة (الأوس والخزرج) إلى (الأنصار) بل غيّر اسم قريتهم من (يثرب) إلى (المدينة) وحذّر من استعمال الإسم القديم وفرض جزاءً على من يخطيء فينطق به ، حتى توارى وأصبح ذكرى عابرة . ولم يكن محمد ملكاً أو سلطاناً، ولذلك لم يُؤثَرْ عنه أنه تعالى على مجتمع يثرب أو نفر منه أو تهكم عليه بل اختلط بالفاعلين فيه من الدرجات كافة وعاشرهم معاشرة كريمة ، ومن ثم وبعبقريته الفذّة أحاط به وبخباياه وعرف على الفور لا على التراخي محط تفكير اليثاربة من الرجال والنسوان ونعني به العلاقة بينهما وأدرك أن الوافدين عليه سيغمرهم طوفانه خاصة وأن المجتمع الذي نشأ فيه غالبيتهم يتشابه إن لم يكن يتماثل حذوك القذة بالقذة- بالمجتمع اليثربي وكان الرباط فيه بين الجنسين أيضاً على الدرجة عينها من التوقد والتوهج . 
من هنا حاول محمد معالجة هذا النسق الاجتماعي الراسخ بطرق شتى بينها : التشجيع على الزواج أو النكاح – وهي تسمية لها مدلولها العميق خاصة في ذلك المجتمع الذي ابتدعها – تشجيعاً يدعو إلى الدهشة الوفيرة ، فهو مرّة يقول لطالب الزواج (ابتغ ولو خاتماً من حديد) ومرة أخرى يقول(زوجتك إياها بما معك من قرآن) (4) وعندما يأتي أحد صحابته يستعينه على إتمام نكاحه : 
(فيساله: وكم أصدقت؟ فقال: مائتي درهم يا رسول الله ، قال: سبحان الله ، لو كنتم تأخذون من بطن واد ما زدتم ، والله ما عندي ما أعينك به ) (5) . وثورة محمد أو غضبه مردّها أن ارتفاع المهور يحدّ من فرص الزواج (النكاح) وبالقدر عينه يشجع على العلاقات المنحرفة التي قاومها محمد بكل طريقة . ولهذا نراه يتلو قرآناً يغلّظ عقوبة الزنا وتجيء مطابقة لمثيلتها في كتاب اليهود المقدس (التوراة) رجم المحصن وجلد غير المحصن مائة جلدة. وكان للقرآن في نفوس من دخلوا دين محمد رهبة شديدة ولآياته قداسة ما بعدها قداسة ، ولذلك سنجد أنه في المشكلات العضال كان فصل الخطاب فيها يأتي عن طريق آيات يقرؤها محمد على الصحابة
فما أن يسمعوها حتى يذعنوا لها وللحل الذي حملته على الفور ودون معارضة أو أقل قدر من التمرد ، منها : كيفية التصرف في أسارى معركة بدر الكبرى (أول معركة حاسمة مع صناديد مكة) ، وطريقة توزيع الغنائم فيها بعد ان اختلفوا عليها اختلافاً كبيراً . 
ولقد حسم القرآن نزاعات متعددة بين أتباع محمد ولولاه لحدَثت انشقاقات خطيرة بين صفوفهم مثل : 
مسألة المواريث وعلى الأخص ميراث المرأة (أماً وبنتاً وزوجة ..) ومثل الاصطدام الذي وقع بين الاوس والخزرج حول مَنْ تولى كبر حديث الإفك حتى أن اثنين من كبارهم تبادلا عبارات الرمي بالنفاق( تهمة أشد لعنة من الكفر وأقسى عقوبة فالمنافقون في الدرك الأسفل من النار كما في القرآن وهناك بعض المشكلات أقل اهمية 0- وأيضاً – حُسِمَتْ بالآيات القرآنية مثل سرقة الأبيرق والظهار ....إلخ . 
نعود لسياق الموضوع فنقول أن محمداً في سبيل علاج جريمة الزنا قرأ قرآناً حمل العقاب الصارم لكل من يقارب تلك العلاقة المحرمة لكل من طرفيها، ولكنه عاد بعد حين وقال إن الآية التي نصت على رجم الزاني المحصن قد نُسخت تلاوتها فحسب ولكن حكمها ظل ساري المفعول أي أنها رُفعت من المصحف فلم يعد المسلمون يجدونها مكتوبة فيه ولكنه / فرض واجب عليهم أن يطبقوه على المخالفين المرتكبين لها بدون هوادة . 
يقول عمر بن الخطاب ، كنا نقرأ في القرآن ( الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البته) ثم نسخت قراءتها وبقي حكمها . 
ولم يكتف محمد بقراءة آيات من القرآن في شأن تحريم العلاقات الفالتة من قيد الزواج أو عقدة النكاح وعقاب من يقدم عليها ؛ بل هو نفسه اصدر أحاديث تُبَشّعُ تلك العلاقات وتنفّر منها بل ومن مقدماتها بدايةً بالنظرة وكانت لأحاديث محمد قدسية عند من اتبعه على ديانته وإن كانت لاتصل إلى مرتبة قداسة القرآن ، إلا أن المسلمين احترموها وبجّلوها وأطاعوا ما تأمر به ، وانتهوا عما تنهى عنه ، لأن القرآن قَرَنَ طاعة الله بطاعة محمد . 
وكان استعمال محمد لأحاديثه هو كسلاحٌ يفلّ به شوكة العلاقات الجوانح أوضح ما يكون في معضلة اجتماعية من أعقد المشاكل الاجتماعية التي صادفته في مجتمع يثرب وهي مشكلة (المغيّبات) وهنّ الزوجات اللاتي يشترك أزواجهن في الغزوات والسرايا والبعوث والتجسس وعمليات التصفية الجسدية لبعض الأعداء ولهدم الكعبات وبيوت العبادة والأصنام ...إلخ .
فهؤلاء الزوجات وغالبيتهن العظمى شابات كنّ يتشوقن إلى الوطء والمفاخذة إبّان غياب أزواجهن – ولم يكن الإسلام بأحكامه المثالية قد تمكّن بعد من النفوس لا في الرجال ولا في النسوان – وفي الوقت نفسه لم يكن كل رجال يثرب أو شبابها يخرجون للغزو بل يبقى منهم المئات وليس عندهم ما يشغل أوقات فراغهم . وكما قلنا كان هذا الأمر يستغرق جلّ اهتمامهم ، ومن ناحية ثالثة كان على محمد أن يضمن للخارج (في الغزو أو غيره) تغطية مسكنه وسلامة إنائه حتى يرجع وإلا أحجم الرجال على الانخراط في الغزوات والسرايا والبعوث...خوفاً على بيوتهم ؛ وإحجام الرجال عن ذلك أمر بالغ الخطورة لأنّ الجانب الحربي أو العسكري من الجوانب التي لاغنى لمحمد عنها بأي حال من الأحوال سواء لضمان الأمان للدولة القرشية التي أقامها في يثرب أو لتنفيذ الخطة المرسومة المدروسة وهي السيطرة على شبه الجزيرة العربية كلها وإذعانها لزعامة محمد وقيادته ولعل ذلك تحقق في العام التاسع الهجري وهو ما عُرف به (عام الوفود) .
وسوف نرى عندما نتولى (مشكلة المغيبات) بالدراسة والتوثيق أن أحاديث محمد بشأنها مالت إلى التشديد ومضاعفة العقاب مما يقطع بعمق تلك المشكلة وأنها لم تكن أمراً عارضا

لقد ادت هجرة محمد من مكة الى المدينة في العام 622م الى احداث تغيير شامل في وضعه السياسي والاجتماعي ,حيث اصبح في المدينة واحدا من ستة او ثمانية رجال يقودون المجتمع بعد ان كان مستضعفا في مكة .يقول المستشرق وليام مونتغومري وات في كتابه (الاسلام واندماج المجتمع)ان محمد حاز من البداية شرف الاولوية على الاخرين ليصبح بمرور الوقت الحاكم الفعلي لدولة المدينة .

وقد تطورت فكرة النذير الى فكرة رسول الله عند محمد .والرسول شخص يرسله طرف معين,وفي هذه الحالة هو الله لايصال رسالة الى الطرف الاخر .وسيكون محمد حكما في النزاعات القائمة بين قبائل المدينة . وسيحتل بالنسبة للمهاجرين موقعا مماثلا لموقع رئيس القبيلة بالنسبة لقبيلته . وعلى هذا الاساس فمن المحتمل ان يكون قد تم الاعتراف به كقائد لحروب المسلمين في المدينة ,وان يكون اهل المدينة قد فكروا منذ البداية ان ذلك جزء من موقعه ودوره بصفته رسول الله ,طالما ان هذه الحروب تشن اساسا ضد المكيين الذين عارضوا دعوته واضطهدوه بسببها .

ولكن وضع محمد كوسيط وكقائد عسكري كان بعيدا عن وضع الحاكم المستبد المطلق .واستطاع محمد تقوية موقعه تدريجيا بعدانتصاره على المكيين والقبائل البدوية الاخرى المعادية ,ليصبح عند وفاته في العام 623 م الحاكم غير المنازع لدولة يثرب(المدينة) وقبائل الجزيرة العربية العديدة التابعة لها .لقد كانت الفكرة التي استند اليها محمد في مرحلة دولة المدينة هي فكرة (الامة)وهي تعني الجماعة الدينية ,او المجتمع الديني , او الامة الدينية .

ظهرت هذه الفكرة في اواخر المرحلة المكية لدى محمد .من المحتمل انها كانت استكمالا لمحاولاته لايجاد طرق لتطوير فكرة الاصلاح .فقد كانت لديه اصلا فكرة عن كون النبي رسولا مبعوثا الى شعبه او قبيلته , وهي تنسجم مع المفهوم القديم عن التماسك القبلي ,الا ان معارضة المكيين لدعوته جعلته يقوم بتنقيح فكرته , ومن ثم غدت الامة لديه هو ذلك الجزء الذي امن بالرسول ورسالته من الجماعة التي تم ارسال الرسول اليها لتكون الامة بذلك مجتمعا موحدا متماسكا ومميزا ليس على اساس القرابة , بل على اساس وحدة المعتقدالديني .

ان المفهوم الديني للامة يستلزم استبعاد نظام القرابة المصاحب للاقتصاد البدوي ,وبذلك تبدو الهجرة عند العرب هي انفصال الفرد عن عشيرته ومن ثم تراجع فكرة القرابة في الاسلام,الا انها استعادت بعض حيويتها في ظل حكم الامويين , ليعودالعباسيون الى التاكيد على الاساس الديني للمجتمع .

لقد كان يتم تصور الامة الاسلامية في بعض الاحيان كقبيلة ,حيث تتصرف الامة في تحالفاتها مع القبائل الصديقة وحروبها مع القبائل المعادية بطريقة مشابهة لتصرف القبيلة .وكانت الامة الاسلامية تمنح حمايتها للجماعات غير المسلمة بشرط الا تكون مشركة ,مثلما كانت القبائل القوية تمنح حمايتها للجماعات الضعيفة مقابل جزاء مادي , او لاعتبارات اخرى .

ان مبدا حماية الامة الاسلامية للجماعات غير المسلمة وغير المشركة هو اساس سياسة التسامح الديني مع الاقليات من غير المسلمين , حيث تمنح هذه الاقليات حق الحكم الذاتي ( نظام الملل ).وقد كان محمد وخلفائه يتسلمون الخمس من غنائم الحملات الرسمية للجيوش الاسلامية , مثلما كان زعيم القبيلة يتسلم الربع من غنائم الغزوات التي تشنها قبيلته .

وبذلك فان الامة التي تم تصورها من خلال تناظرها الوظيفي مع القبيلة , لم تكن تشير الى استمرار مبدا القرابة , الا لانها تعني ان العرب لم يعرفوا نموذجا اخر للعلاقات الاجتماعية يكون اساسا للوحدة السياسية ,طالما انهم يتصورون ان العدد القليل الذي يحيط بهم من الامبراطوريات يدار والى حد كبير بنفس اسلوب ادارة القبائل الكبيرة .

لقد كانت المهمة الاساسية التي واجهت محمد في المدينة هي تحقيق الاندماج في مجتمع المدينة بما يعني تحديدا راب الصدع بين القبيلتين العربيتين وهما الاوس والخزرج .وكان يامل ايضا اندماج الجماعات اليهودية ايضا .كان العامل المؤثر في الاندماج هو وجود محمدفي المدينة( يثرب )والقبول به كنبي او رسول , حيث يكون وضعه الديني فوق صراعات جماعات القرابة المتنافسة , وجعله حكما بين هذه الجماعات .لقد كانت ام جدة النبي تنتمي الى عشيرة ( بني النجار)الدينية , فقد بنى بيته على ارض تعود الى هذه العشيرة ( بني النجار ), دون ان يحملها اية امتيازات خاصة ,وتجنب ايضا الزواج من اية امراة مدينية.

من المحتمل ان المسلمين وجدوا انفسهم بعد اشهر قليلة من انتقالهم الى المدينة يختنقون بسبب سيطرة المكيين على تجارة الحجاز . ومن المؤكد ان محمد بدا بارسال سرايا صغيرة لمهاجمة القوافل المكية قبل ان يمر وقت طويل على وجوده في المدينة , وانسجم هذا الامر مع الاساس العقائدي لدولة المدينة الذي يعترف بمحمد كرسول , بينما انكر المكيون دعوته , وربما اخذ محمد بنظر الاعتبار ايضا امكانية تعاظم فرصته لاعادة الانسجام الى المدينة اذا ماوجه اهتمام اهلها الى عدو خارجي . 

وكان تحقيق محمد لاهدافه العملية مثل اقامة المجتمع على المباديء , اكثر اهمية لديه من محاربة معارضيه , فاحد العناصر الاكثر تاثيرا في سنوات محمد الاخيرة هو مدى نجاحه في استرضاء الاعداء السابقين , وحتى تحويلهم الى مسلمين مخلصين احيانا , حيث كان محمد , وعلى الاقل منذ حصار المكيين وحلفائهم للمدينة في العام 627 م يفكر اساسا في كسب المكيين الى جانبه ,ربما بسبب ادراكه لمدى حاجته لبراعتهم ومهارتهم الادارية عندما ينمو الكيان السياسي الاسلامي الجديد .

بعد الانتقال إلى يثرب ، آخى النبي محمد بين مناصريه هناك (الأنصار) وبين المسلمين المهاجرين من مكّة الذين يفدون المدينة دفعة إثر دفعة ( المهاجرون )، وعلى هذا الأساس أنزل الأولون الثانين في بيوتهم كما لو كانوا أخوة لهم بالتبني. ومع أن المهاجرين كانوا قد تدبّروا لأنفسهم أعمالاً بل وفتحوا لأنفسهم متاجر في السوق وعملوا في الزراعة، إلا أنّ حالهم لم يكن باليسير ولا الآمن. ولأنهم التزموا مجاهدة القرشيين، فقد كانوا بحاجة إلى أسباب عيش يمكن الاتّكال عليها وتتيح لهم الوقوف على أرجلهم . ولقد مرّت على النبي أوقاتٌ عصيبة ، وهو الذي لم يتخذ لنفسه عملاً بل عاش على كرم المهاجرين والأنصار ، وكثيراً ماكان يأوي إلى فراشه جائعاً أو يسكّن جوعه بما لايزيد عن بضع حبّات من التمر.
هكذا واجهت الجماعة المسلمة الصغيرة مشكلة أساسية : كيف تقيم أساساً اقتصادياً أقلّ عرضة للمجازفات والمخاطر وأشدّ اكتفاءً بذاته. وسوف نتناول فيما يلي تلك الخطوات التي اتُخِذَت لحلّ هذه المشكلة .
كانت الطريقة التقليدية التي تتبعها القبائل العربية في تلك الفترة لزيادة ثروتها هي غزو القبائل الأخرى والاستيلاء على بهائمها وسوى ذلك من ممتلكاتها. وماكان من الممكن للمسلمين الذين في المدينة آنذاك أن يتبيّنوا أي سبيل آخر . ولذلك راحوا يتخذون الغزو سبيلاً . وكلمة ( الغزوة) تعني هجوماً مباغتاً على قافلةٍ أو على قبيلة أخرى بقصد الاستيلاء على الممتلكات وسبي النساء مما يخفّف من ضنك العيش في الجزيرة العربية .
وحين بلغت النبي أنباء عن قافلة لقريش يقودها عمرو بن الخضرمي قادمة من الشام إلى مكة تحمل تجارة وافرةً ، بعث برهطٍ من المهاجرين على رأسهم عبد الله بن جحش لمهاجمة القافلة. وقد كمن هؤلاء في مكان يدْعى نخلة وأخذوا القافلة القادمة بغتةً ، فقتلوا قائدها وأسروا اثنين آخرين قبل أن يرجعوا إلى المدينة آمنين بالعير وما عليها جميعاً . ولقد عُرِفَت هذه الحادثة في التاريخ الإسلامي باسم غزوة نخلة . 
بيد أن هذا الفعل أثار قدْراً عظيماً من الهياج ، لأنه كان أول غزوة للمسلمين ولأنه جرى في اليوم الأول من رجب، وهو واحد من الأشهر الأربعة الحرم( محرّم، ورجب ، وذي القعدة ، وذي الحجة) التي يُحَّرَم فيها القتال بحسب عادة قديمة لدى العرب. وانطلقت صرخات قريش تدويّ أنّ محمّداً وأصحابه قد استحلّوا الشهر الحرام وسفكوا فيه الدم ، واخذوا فيه الأموال، واسروا فيه الرجال، وكان من الطبيعي أن تتردد أصداء هذه الصيحات لدى القبائل الأخرى . ويبدو أنّ هذا الوجه غير المستحب من أوجه الأمر قد أقلق النبي الذي أبدى شيئاً من الفتور حيال عبدالله بن جحش ورجاله، وخلق لديه شيئاً من عدم اليقين حيال الأيام القادمة . وزعم عبد الله بن جحش أنه ورجاله قد أصابوا ما أصابوا في آخر يومً من جمادى الثانية ، الأمر الذي يمكن أن يوفّر حلاً لهذه المشكلة ؛ غير أنه كانت هناك أيضاً مشكلة الغنائم، التي توفّر للنبي وأتباعه مدداً مالياً هم بأمسّ الحاجة إليه ، ولذلك ماكان يجب التخلّي استجابة لاحتجاجات قريش الفارغة. ولعلّ بعد صحابته قد أشاروا عليه أنّ الواقعة قد وقعت ولم يعد من الممكن نقضها , وأن أي تنصل أو إنكار سوف يرقى إلى مرتبة الإقرار بذنب المسلمين وبراءة العدو. ولا بدّ أنّ أهمية الغنائم في تحسين حال المهاجرين قد كانت حاضرةً في الأذهان . 
ولقد جاء الحل الحاسم الذي يشكل سابقة حين نزلت الآية216 من سورة البقرة: يسألونك عن الشهر الحرام قتالٍ فيه قُلْ قتالٌ فيه كبير وصَدٌ عن سبيل الله وكُفْرٌ به والمسجدِ الحرامِ وإخراجُ أهلهِ منهُ أكبَرُ عند الله والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتّى يردّونكم عن دينكم إن استطاعوا . 
وبعد غزوة نخلة ، تكلّلت بالنجاح حملاتٌ أخرى على قوافل قريش وغيرها من القبائل المناوئة ممّا جعل وضع المسلمين المالي أكثر أمناً. ولقد مهّد هذا الغزو الطريق أمام محمد وصحبه كيما يكتسبوا القوّة ثمّ يبسطوا سلطانهم في النهاية على الجزيرة العربية برمتها ؛ غير أن الخطوة الأولى التي أمّدت لهم الأساس الاقتصادي وعزّزت من هيبة المسلمين استيلاءهم على أملاك يهود يثرب . 
كانت تقيم في يثرب ثلاثُ من قبائل اليهود، قَيْنُقاع ، وبنو النضير، وبنو قثريظة. وكان هؤلاء في حالٍ من اليسر والازدهار في كل من زراعتهم وتجارتهم وحِرَفهم ،
كما كانوا في مستوى ثقافي أرفع من القبيلتين الأخريين في يثرب الأوس والخزرج 
نظرا لما لديهم من تعلّم ديني ومعرفة نسبية بالقراءة والكتابة. ولقد عمل كثير من الأوس والخزرج لدى اليهود في زراعتهم أو متاجرهم أو مخازنهم .وهذا ما ولد لدى هاتين القبيلتين شعوراً بالدونية والحسد تجاه القبائل اليهودية . ولقد سبَق القول إن السبب الأساسي الذي دفع الأوس والخزرج صوب محمد ومبايعته بيعة العقبة كان رغبتهم في الإطاحة بسيطرة اليهود والتخلّص من عقدة الدونية تجاههم . بيد أنّ النبي أبدى حصافة وتبصّراً بعواقب الأمور بعد وصوله المدينة . فهو لم يكتف بتجنب النزاع مع اليهود، الأقوياء والأغنياء، بل اقام معهم ضرباً من معاهدة عدم الاعتداء
( عهد الموادعة) الذي ينص على التعاون في ظروف معينة . ذلك أن هذه الموادعة أقرّت بقاء المسلمين واليهود كل على دينه على أن بينهم النَصر على من دَهَمَ يثرب، سواء كانت قريش أو أيّة قبيلة أخرى ، وعلى أن يكون على كل الناس حصّتهم من جانبهم الذي قِبلَهم فيتحمّل كل طرف كلفة عملياته الحربية في مواجهة القبائل المعادية . علاوة على هذا ، فقد كانت هناك جملة من المشاعر المشتركة بين المسلمين واليهود ، إذ كان كلّ من الفريقين كارهاً للشرك والوثنية مشمئزاً منهما . كما كان كل منهما يستقبل القبلة ذاتها في الصلاة . 
ولم تكن هناك حوادث بين الفريقين ما بقي المسلمون في حالٍ من الضعف. ولقد دام ذلك ما يقارب السنة ونصف السنة بعد الهجرة حين صَرَفَ النبي قبلة صلاة المسلمين من المسجد الأقصى ( في القدس) إلى الكعبة في مكّة . فقد أثارت هذه الخطوة حفيظة اليهود، فأنزلت فيهم الآية 177 من سورة البقرة ( ليس البرَّ أنْ تولوا وجوهكم قِبَلَ المشرق والمغرب ولكنّ البرَّ من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حُبِّهِ ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب ) . .. كان هذا القرار شارة إنذار بالنسبة لليهود. ولقد زاد قلقهم أنّ سلسلة من الغزوات الصغيرة على قوافل مكّة التجارية قد بلغت ذروتها بانتصار محمّد وأتباعه في معركة بدر( في أذار- مارس 624) . وهاهم الآن إزاء الأوس والخزرج الذين لم يَعدْ وفاضهم خالياً ولم يعُدْ العمل لدى اليهود مدعاةً لسرورهم، بل اجتمعوا الآن تحت راية محمد ليشكلوا جبهة الإسلام الموحَّدة القوية . وهذا هو السبب في أنّ بعض زعماء اليهود مثل كعب بن الأشرف قدموا مكة بعد معركة بدر، حيث راحوا يعبّرون عن تعاطفهم مع قريش المهزومة وجعلوا يحرضون على محمد وأتباعه وثمّة إشارة إلى هذا الأمر في الآية 51 من سورة النساء : ( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجِبْتِ والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا ) وهي آية واضحة في تقريع قوم يزعمون أنّهم من أهل الكتاب الذي يدين الشرك والوثنية ، ولكنهم لا يتورعون عن مصادقة المشركين ورفعهم فوق مصاف أتباع محمّد الموَّحدين . 
عندئذٍ وقع حادث تافه في سوق المدينة كان له أن يفضي إلى قتال بني قينقاع وحصار حيّهم . فقد كان من هذا الأمر أنّ امرأة من الأنصار قَدِمَت بِجَلْبٍ لها إلى سوق بني قينقاع تريد بَبعَه لصائغٍ هناك ، فجعل هذا يريدها على كشف وجهها ، فأبت، فعمدَ إلى طرفِ ثوبها فعقده إلى ظهرها ، فلما قامت انكشفَت سَوْءتها، فضحكوا بها ، فصاحت فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، وشدّت اليهود على المسلم فقتلوه. هكذا وقع الشر ّ، وراح المسلمون يشتكون للنبي، الذي شرّع لهم حصار حي بني قينقاع وقطع المؤن عنهم . وبعد خمسة عشر يوماً كان أن استسلم بنو قينقاع بحسب الشروط التي عرضها المسلمون بأن تسلم رقابهم شريطة الجلاء عن يثرب، وان يتركوا في مكان محدد كل مالهم سوى ما أمكن للبهائم حمله كيما يوزّع بين المهاجرين المعوزين بلا مأوى. 
عزّز هذا الحادث وضع المسلمين الاقتصادي وأفزع بقية القبائل اليهودية . ولقد جاء دور بني النضير بعد ذلك . فقد غضب هؤلاء لاغتيال أحد أشرفهم ، هو كعب بن الأشرف الذي سبق ذكرهن بأمرٍ من محمّد . وحين خرج النبي إلى حيّهم، مع بعض اتباعه ، في أمر ديّة، تآمروا أن يتمردوا عليه ويقتلوه. وإذ نجا النبي، فقد أمر بقتالهم . وهكذا حاصر المسلمون حيّهم ن ومنعوا عليهم الطعام. غير أنّ بني النضير كانوا أحسن عدّةً وعتاداً من بني قينقاع، ولعلّ مصير هؤلاء كان قد جعلهم أشدّ حذراً وتحسّباً فقاتلوا بعناد وبسالة، الأمر الذي أدام الحصار طويلاً إلى أن خشي النبي أن يذعن المسلمون لتقلّب العرب المعهود فيرجعوا إلى ديارهم وقد أعياهم الأمر . ولذلك فقد أمر بقطع نخيل بني النضير والتحريق فيها . 
ولأن تمر النخيل كان مصدراً من مصادر الطعام والثروة في الجزيرة العربية ، شأنه شأن الإبل والشياه ، فإن احتجاج بني النضير لايمكن أن يفوت السمع. فقد نادوا النبي : قد كنت تنهي عن الفساد، وتعيبه على من صَنَعه ، فما بال قطع النخل وتحريقها؟ 
..بيد أنّ محمداً لم يتراجع أو ينكص . وأورد في الردّ على مطالبتهم وفي تبرير فعله الآيات 3و4و5 من سورة الحشر التي تنزّلت في تلك المناسبة: ( ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذّبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار* ذلك بأنهم شاقـُّوا الله ورسوله ومن يشاقِّ الله فإن الله شديد العقاب* ما قطعتم من ليِّنَةٍ ( نخلة) أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليُخْزِيَ الفاسقين) .
وفي أساس هذه الأبيات ثمّة المبدأ الذي مفاده أنّ الغاية تبرر الوسيلة . وعلى الرغم من لا إنسانية هذا المبدأ ، إلاّ أنّ القبائل العربية في ذلك الحين كانت تعتبره من البداهات المُسَلّم بها. ولقد عاود النبي الأخذ به في قتال بني ثقيف وحصار الطائف في السنة8/630، حين أمر بتحريق أعنابهم وقطعها. وهكذا لم يكن جيش بني أميّة مفتقراً لسابقة حين قطعوا الماء في 61/680، حتى عن النساء والأطفال ، كيما يجبروا حفيد النبي الحسين بن علي على الاستسلام.
وفي النهاية أذعن بنو النضير بعد عشرين يوماً . وبتدخل من بعض أشراف الخزرج ، كما اتـُّفِقَ على جلائهم عن المدينة والكف عن دمائهم ، على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم أمّا الباقي فيترك في موضع محدّد ليوزّع بين أتباع النبي .
... لم يبَق في يثرب من اليهود أيّة قبيلة ذات شأن سوى بني قريظة . وقد كانت نهاية هؤلاء البائسة بعد معركة الخندق في السنة5/627، فقد قيل إنّ هؤلاء قد اتفقوا على مدّ يد العون من داخل يثرب للقرشيين الذين حاصروها؛ غير أنّ النبي قد بذر الشقاق بينهم ببراعة ن فلم يعينوا جيش أبي سفيان. وما إن فقد أبو سفيان أمله في أخذ المدينة وتخلّى عن حصارها ، حتى تحوّل المسلمون إلى بني قريظة وضربوا الحصار على حيّهم خمسة وعشرين يوماً ، إلى أن أظهروا استعدادهم للاستسلام الذي جرى على القبيلتين اليهوديتين السابقتين، أي تخليهم عمّا لهم والجلاء عن المدينة آمنين. بيد أنّ النبي, الذي اشتدّ عليه حنقه لصلتهم بأبي سفيان ماكان ليرضى. ولعلّه قد فكّر أيضاً بأنّ هلاكهم يمكن أن يزيد من رهبة الإسلام ويكون بمثابة الإنذار الشديد لسواهم . 
وإذ خَشِيَ بنو قريظة مثل هذا القرار ن وتذكروا كيف حقن تدخل أشراف الخزرج دماء بني قينقاع وبني النضير ، فقد التمسوا عون أشراف الأوس واستجابة لمناشدة هؤلاء ، عمد النبي محمّد إلى تعيين حكم من الأوس ووعدَ بأن يُنْفَذَ الحُكم الذي يطلع به. وقد كان هذا الحَكَمْ سعد بن مُعاذ الذي عُرِفَ عنه سوء صلاته ببني قريظة. ولم تخب توقـّعات النبي من سعد، إذ حكم هذا الأخير بقتل الرجال وتقسيم الأموال ، وسبي الذراري والنساء.
لم يكن حُكم سعد بالعادل, لكنه لم يُبَـدَّل لأن الفريقين كانا قد أقسما على قبول حكم سعد. بيد أن الاعتبار الأساسي كان الحاجة إلى عملٍ صارمٍ عنيفٍ ، مهما تكن قسوته. بغية إقامة دولة قابلة للحياة. وهكذا حُفِرَت خنادق في سوق المدينة كي توارى جثث سبعمائة( أو مايقارب الألف بحسب بعض المصادر) من أسرى اليهود ، الذين استسلموا أملاً بأن يُكفّ عن دمائهم وهم يجلون عن المدينة. 
وخلافاً لحكم سعد بن معاذ فقد قُتلت امرأة يهودية هي زوجة حسن القرظيّ . وقد كانت هذه المرأة عند عائشة التي تصادقت معها، وكانت تُجالسها وتحادثها إلى أن جاء موعد قتلها . وقد رُوي عن عائشة أنّها قالت : لم تـُقْتَل من نسائهم – تعني بني قريظة- إلاّ امرأة ، إنها لعندي تـُحَدِّث وتضحك ظَهْراً وبطناً ورسول الله (ص) يقتل رجالهم بالسوق إذ هتَفَ هاتف باسمها : أين فلانة؟ قالت: أنا ، قلتُ : وما شأنك؟ قالت: حَدَثٌ أحدثته، فانطلق بها فَضُرِبَت عنقها ، فما أنسى عجباً منها ، أنها تضحك ظهراً وبطناً وقد عَملت أنّها تـُقْتَل .

 

المرجع : فصل من كتاب 23 عاما للكاتب علي الدشتي ، تعريف به في مطلع مقال منشور بتاريخ 10/12/2006تحت عنوان الهجرة

( من كتاب مجتمع يثرب بين الرجل والمرأة في العهدين المحمدي والخليفي – الكاتب خليل عبد الكريم – سينا للنشر القاهره .) 

1- الساذج : الخالص غير المشوب وغير المنقوش – في المعجم الوسيط – في القاموس المحيط هو ثوب سادة . أما فيما اصطلح عليه العامة فهو البسيط- مخموم القلب- أو- طيب القلب . ونحن لا نقصد هذا المدلول .
2- في المعجم الوسيط / فز الرجل فزوزة : نشط وتوقد 
3- في القاموس المحيط للفيروز آبادي نزع الرجل إلى أهله نزوعاً (بالضم) أي اشتاق. وفي المعجم الوسيط النزوع : حالة شعورية ترمي إلى سلوك معين لتحقيق رغبة ما . 
4 - الجامع الصحيح مسند الربيعبن حبيب البصري الجزء الثاني ص31 على ترتيب أبي يعقوب يوسف الورجلاني .د .ت . ن – مكتبة الثقافة الدينية بمصر . 
5 - السيرة النبوية للإمام أبي محمد بن عبد الملك بن هشام المتوفىسنة 213هـ – تقديم وتعليق طه عبد الرؤوف سعد الجزء الرابع ص 241 طبعة 1391 هـ / 1971 نشر : مكتبة الحاج عبد السلام محمد بن شقرون – بمصر .