دفاع عن النبي في زواجه من عائشة

 

تقول المصادر التاريخية أن النبي محمد وبعد وفاة زوجته خديجة (وكان ذلك قبيل الهجرة الى المدينة بقليل), خطب عائشة بنت صاحبه ابي بكر وكان لها من العمر ست او سبع سنين (البخاري ومسلم), وعقد عليها بعد موافقة ابيها وبقيت في بيت ابيها الى ان بلغت من العمر تسع سنين فبنى عليها النبي وانتقلت الى بيت زوجها.

أقول: هذا مجمل ما ورد في كتب التاريخ والصحاح عن قصة زواج النبي من عائشة, وقد اتخذ اعداء الاسلام والنبي من هذه الواقعة مادة قوية لهجومهم على نبي الاسلام والتشهير به وخاصة في الآونة الاخيرة بدعوى ان مثل هذا الزواج اغتصاب للطفولة البريئة ويعكس الشذوذ الجنسي لدى النبي في زواجه من القاصرات و... والعجيب من علماء الاسلام عدم الرد على هذه الحملة من التشويه ولم اجد ردا معقولا ومقبولا منهم- حسب تتبعي- سوى قولهم ان ذلك كان بأمر من الله ولرؤيا رآها النبي في المنام حسب رواية عن عائشة نفسها,اي يوكلون الامر كعادتهم الى عالم الغيب, وبما انني في مثل هذه البحوث التاريخية, وبمقتضى كل دراسة تاريخية علمية وكشرط اساس في علمية الدراسات التاريخية, اقوم بحذف عنصر الغيب من التدخل في البحث واقصر النظر بالبحث عن المعطيات والمؤثرات المحيطة بالواقعة التاريخية, فقد اكتشفت السر في هذا الزواج الغريب, لأن من البعيد جدا تفسير هذا الزواج بالشذوذ الجنسي لان النبي كان قد بلغ من العمر 53 سنة ولم يظهر في سيرته قبل ذلك مايؤيد هذه الفرضية ولا بعدها ايضا, واما زواجاته الكثيرة بعد ذلك فقد قلنا في مناسبة سابقة انه كان يريد الولد ليخلفه في النبوة كما هو الحال في انبياء بني اسرائيل, ولما أيس من ذلك وظهرت بوادر لدعوات اخرى في الجزيرة العربية للنبوة كدعوة مسيلمة, اطلق النبي مسألة ختم النبوة وذلك بعد معركة الاحزاب ونزلت الاية في سورة الاحزاب لتخبر الناس بأن هذا النبي هو خاتم الانبياء,اي بعد 18 عاما على البعثة, وفي نفس هذه السورة نقرأ آية اخرى تأمر النبي بالكف عن الزواج من اخريات (لا يحل لك النساء من بعد ولا ان تبدل من ازواج)- الاحزاب 52, ولكننا الآن اما حادثة اخرى لا يستقيم معها هذا التبرير, فالطفلة بعمر عائشة وهي في سن السادسة لا يتوقع منها الانجاب, فلماذا اقدم النبي على هذه الخطوة ووافقه على ذلك والدها ابو بكر؟

والذي ساعدني في كشف السر وازاحة الغموض عن هذه القضية هو ما عشته كتجربة شخصية في بغداد في الاعوام الماضية وبعد انطلاق حملة التنوير ونقد وغربلة الموروث الديني في المحاضرات واللقاءات التلفزيونية والصحفية الكثيرة مما يعرضني كل يوم للقتل على ايدي المتشددين والمليشيات الاسلامية على اختلاف مذاهبها وتوجهاتها وبخاصة انني كنت اتجول في بغداد بعمامتي ومن دون اية حماية وكانت داري التي القي فيها المحاضرات المثيرة معروفة للجميع, فكنت حينها اعيش هاجس استمرارية هذه النهضة بعد تصفيتي الجسدية ومن من اصدقائي سيتولى هذه المسؤولية الثقيلة بعدي.. وكل متتبع لسيرة النبي وبخاصة بعد وفاة خديجة وابي طالب قبيل الهجرة يجد ان النبي كان يعيش مثل هذه الظروف الصعبة وكان التهديد والخطر على حياته قد بلغ ذروته حينذاك, فمن الطبيعي ان يفكر بمن يخلفه من بعده لقيادة الدعوة, ولم يكن في ذلك الوقت افضل من صاحبه ابي بكر الذي رافقه في هذه النهضة منذ بداياتها.. اما الامام علي فانه وان كان ابن عمه واقرب للنبي من حيث النسب الا انه كان صغير السن حينذاك.. ولم يكن الظرف مناسبا لأن يوصي لابي بكر بالخلافة من بعده لانه لا يعلم مدى تحقق هذا الخطر ونجاح المشركين في تصفيته, مضافا الى ان اية اشارة لمثل هذا الامر سيبعث على تشويش اذهان المسلمين بأن الله لا يتدخل في نصرة نبيه وهو ماكان النبي ينفيه بشدة ويؤكد للمسلمين من خلال آيات القرآن ان الله ينصر رسله في الحياة الدنيا على اعدائهم الكفار, وحتى قضية صلب المسيح قام بانكارها لهذا السبب بالذات.. وايضا بما ان ثقافة العرب في مسألة خلافة رئاسة القبيلة كانت تعتمد على القرابة ويتم اختيار الاقرب الى الرئيس الراحل كالابن او الاخ, فان النبي اختار مثل هذه الرابطة مع ابي بكر لتدعيم موقفه اكثر في مسالة الخلافة عند المسلمين على اساس انه صهر النبي ووالد زوجته مضافا الى صحبته القديمة وعقله الراجح وايمانه القوي..

طبعا مثل هذا الرأي سوف لا يجد قبولا لدى الشيعة ولا من قبل المبغضين للاسلام والنبي, ولكن الجميع يعلم انني لا احابي احدا في ابحاثي وآرائي ولا انطلق في الدفاع عن النبي من منطلقات عاطفية وايديولوجية ولكني ارى ان هذا الرأي اقرب للمنطق والعقل, والا فما الداعي لان يعقد النبي على هذه الطفلة ويتركها في بيت ابيها لسنتين او اكثر ثم يدخل بها ويأتي بها الى بيته حسب ماورد في الروايات؟؟

ولكن للانصاف ايضا, فان احاديث كثيرة وردت عن النبي كحديث الغدير وحديث الدواة والكتف تشير الى ان النبي ربما غير رأيه في ايامه الاخيرة ورجح تولي الامام علي لمنصب الخلافة لاسباب خاصة, ولكن وقفة عمر الشجاعة حالت دون ذلك, وفي تقديري ان عمر كان مصيبا في رأيه وكان الوحيد الذي يمتلك الجرأة على الاعتراض على النبي ومنعه من كتابة الوصية في آخر ساعات حياته, لانه كان يعلم ان العرب سوف يرفضون بشدة ان يتولى عليهم قاتل احبتهم في حروب النبي وسوف تتعرض الدعوة الفتية الى خطر عظيم, وهذا الامر وهو الخلافة, ليس من الدين والنبوة حتى يجب على المسلمين الطاعة والتسليم به خلافا لمقولة الشيعة, بل هو من امور الدنيا, وقد قال النبي للمسلمين: انتم اعلم بامور دنياكم..

اما زواجة من عائشة ودخوله بها بعد سن التاسعة فليس بسبب ما يدعي رجال الدين كذبا وزورا ان الفتيات في المناطق الحارة يبلغن سن الزواج مبكرا, ولم ينقل لنا المؤرخون والمختصون بعلم الاقوام البشرية ان قوما آخرين ممن يعيشون في المناطق الحارة والاستوائية كالهند وافريقيا كانوا يزوجون بناتهم في سن التاسعة, والسبب في تقديري يعود الى ثقافة العرب في الجاهلية حيث كانوا يسارعون في تزويج بناتهم خوفا من الغزو والسبي الذي كان سائدا في اوساطهم طمعا في الجواري والاماء, وهذا الزواج المبكر من شأنه ان يكسب لعائلة البنت رجلا آخر لحماية عرضهم وربما كسبوا ود قبيلة اخرى بهذا الزواج ليأمنوا شر الاعداء, ومن هنا كان زواج النبي من عائشة بهذا العمر يتفق مع ثقافة العرب في ذلك الوقت