التقية والنفاق والباطنية على الصعيدين الديني والسياسي

 

هذه محاولة للمقارنة بين (التقية) و(النفاق) من جهة، وبين (التقية) و(الباطنية) من جهة أخرى. كما سنتناولها بمعناها الديني، ثم كظواهر اجتماعية، والأهم من ذلك كسلوك سياسي. دينيا سنتناول ذلك فيما هو عند الشيعة، وما هو عند السنة، وسياسيا نتناولها فيما هو عند الإسلاميين، وما هو عند العلمانيين.
كلٌّ من (التقية)، و(النفاق) وردا في القرآن كسلوك، مقبول تارة فيما هي التقية، ومدان أخرى فيما هو النفاق. التقية أو (التقاة) كما ورد في القرآن تعني إخفاء الإنسان لعقيدته بالدرجة الأولى، أو لانتماءاته وولاءاته وتوجهاته؛ ذلك خشية البطش والقمع الممارس من قبل أعداء تلك العقيدة، إذا ما كانوا متنفذين سياسيا، أو اجتماعيا. والتقية تكون إما جائزة مع رجحان تركها، أو جائزة بالمطلق، أو راجحة، أو واجبة. ومما يجعل التقية واجبة، أن يصل القمع إلى حد تهديد حياة صاحب تلك العقيدة، ولا يكون هناك مرجح آخر للتضحية.
ترد التقية في القرآن بنصين، تارة بذكر المصطلح «التقاة»، وأخرى بما يشتمل على المعنى دون ذكر المصطلح. نقرأ بهذا الشأن فيما يذكر فيه المصطلح في سورة آل عمران الآية 28: «لا يَتَّخِذِ المُؤمِنونَ الكافِرينَ أَولِياءَ مِن دونِ المُؤمِنينَ، وَمَن يَّفعَل ذالِكَ فَلَيسَ مِنَ اللهِ في شَيءٍ، إِلّا أَن تَتَّقوا مِنهُم تُقاةً، وَّيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفسَهُ، وَإِلَى اللهِ المَصيرُ». بينما نقرأ المعنى بالضمون لا بالمصطلح في سورة النحل الآية 106: «مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعدِ إيمانِهِ، إِلّا مَن أُكرِهَ وَقَلبُهُ مُطمَئِنٌّ بِالإيمانِ، وَلاـكِن مَّن شَرَحَ بِالكُفرِ صَدرًا، فَعَلَيهِم غَضَبٌ مِّنَ اللهِ، وَلَهُم عَذابٌ عَظيمٌ».
أما عن النفاق فالقرآن محتشد بالنصوص المكثفة التي تدين النفاق، وتتوعد المنافقين بأشد العذاب، حيث تنبئهم بأنهم سيكونون في أحط وأسفل مواقع العذاب الجهنمي. ففي سورة النساء الآية 145 نقرأ: «إِنَّ المُنافِقينَ في الدَّركِ الأَسفَلِ مِنَ النّار،ِ وَلَن تَجِدَ لَهُم نَصيرًا». والمنافقون هم حسب ما تصفهم سورة البقرة الآية 8: «وَمِنَ النّاسِ مَن يَّقولُ آمَنّا بِاللهِ وَبِاليومِ الآخِرِ وَما هُم بِمُؤمِنينَ». ونستغني اختصارا عن ذكر باقي النصوص وباقي المواصفات للمنافقين، حسب المعيار القرآني.
لكن المشكلة التي تواجهنا في القرآن فيما يتعلق الأمر بكل من مصطلحي (التقية) و(النفاق)، إننا نكتشف ازدواجية في المعايير. فإن المسلم - حسب القرآن أو حسب معناه الظاهر - إذا واجه اضطهادا في عقيدته، وخشي على حياته من بطش أعداء الإسلام، فمرخص له مزاولة التقية، بإخفاء إيمانه بالإسلام، إما إخفاءً سلبيا، أي بعدم البوح به، وإما إخفاءً إيجابيا بالتظاهر معتنقا عقيدة أولئك الذين يخشى بطشهم، إذا ما اضطُرَّ لذلك اضطرارا. وإلا فالتظاهر بـ(الكفر) طوعا وبدون اضطرار، يمكن أن يكون من قبيل النفاق، وهو بحكم العقل حقا لمن النفاق بلا أدنى ريب. في كل الأحوال يمنح القرآن المسلم رخصة مزاولة التقية بإخفاء إسلامه إذا ما اضطر لذلك. أما غير المقتنع بالإسلام، إذا ما خشي هو الآخر البطش، ولكن هذه المرة بطش المسلمين، فأخفى عدم اقتناعه بالإسلام، يُعَدّ منافقا، ويُنعَت بشتى صنوف النعوت المهينة، ويُتوعَّد بأشد العذاب. فإننا أمام ازدواجية، إما بسبب ازدواجية النص، وإما بسبب ازدواجية فهم المتلقي للنص. بكل تأكيد إذا سلمنا بكون القرآن هو كتاب الله، فيمتنع على الله استخدام المعايير المزدوجة، لأن ازدواجية المعايير خلاف العدل، وهذا ممتنع على العدل الإلهي الواجب عقلا على الله، بحكم الكمال المطلق الذي يجب اتصافه سبحانه وتعالى به. ومن هنا لا بد من فهم النص مؤوَّلاً إلى ما لا يشتمل على ازدواجية المعايير. أما إذا افترضنا أنه ثبت لنا بما لا يقبل التأويل، ولا يحتمل الشك، بأن النص هو نفسه يؤسس لتلك الازدواجية، فلا بد من تنزيه الله من نسبة ذلك النص له.
بعيدا عن النص، وعن فهم النص، وعن تأويل النص، فإن الفرق بين التقية والنفاق حسب مرجعية العقل، هو إن التقية، أي إخفاء بعض الحقائق اتقاءَ بطش الطغاة، أو قمع المجتمع المتعصب لمسلمات دينه، عندما يكون إظهار تلك الحقائق من عقائد، أو ولاءات أو معارضة، مما يعرض صاحبها إلى خطر محدق بحياته، أو بأمنه، أو بمصالحه، أو سمعته ووجاهته الاجتماعية، بما لا يُتحمَّل عادة، إلا إذا كان الظرف يتطلب التضحية. والتضحية ليست منتظرة من كل الناس، بل من أولئك الذين تجاوزوا الرخص، وعملوا بالعزائم، فضحوا لما رأوا أهمية التضحية من أجله، حتى لو لم يكونوا ملومين بترك التضحية، والعمل برخصة التقية.
التقية إذن بسبب الخوف من خطر مُعتَدّ به مقبولة، بل راجحة لدى العقلاء، سواء مورست من مسلم في وسط معادٍ للإسلام، أو من غير مقتنع ابتداءً بالإسلام، أو مرتد عنه، لطروء شك أو قطع بلاإلهية الإسلام، ثم خاف على نفسه من التكفير، والتسقيط الاجتماعي، أو تطبيق حكم الردة عليه بالقتل.
بينما النفاق يكون نفاقا، عندما يظهر الإنسان خلاف ما يضمر، لمصلحة شخصية محضة، وليست ذات أولوية، مما لا تتوقف حياة الإنسان، ولا كرامته، ولا حريته، على تحققها، كأن تكون المصلحة منصبا، أو مالا، أو امتيازا، أو وجاهة اجتماعية. فلو صدر ذلك من كافر بالإسلام مظهر الإيمان به تحقيقا لمثل هذه المآرب، أو صدر من مسلم أو إسلامي في وسط متحسس من المسلمين أو من المسلمين المتدينين على وجه الخصوص، أو من الإسلاميين بالذات، فيتظاهر إما بعدم إيمانه بالإسلام، أو بعدم تدينه، أي التزامه بأحكام الإسلام من حلال وحرام وواجب، وإما بكونه علمانيا لا يتبنى تسييس الدين، ولا يعتمد الإسلام السياسي، ليس لخطر محدق به، ليكون ذلك تقية مقبولة، بل لتحقيق مصالح دنيوية شخصية أو فئوية ليس جوهرية، فذاك هو النفاق.
فالإسلاميون الذين يقولون أنهم يؤمنون بالديمقراطية، وحقوق الإنسان، والحريات، ومساواة المرأة بالرجل، وغير المسلم بالمسلم، وما هم بمؤمنين بأي من ذلك، إنما هم يخادعون الشعب والدستور والعالم الحر، بغية الوصول إلى السلطة، فهؤلاء إنما هم المنافقون حق النفاق. 
عودا إلى (التقية) بمعناها الديني، فإن أكثر من اشتهر باعتماد (التقية) من المسلمين تاريخيا هم الشيعة، حيث نقل عن إمامهم السادس جعفر بن محمد بن علي بن الحسين قوله «التقية ديني ودين آبائي». وكان لاعتماد الشيعة للتقية مبرر معقول، ألا هو بطش السلطة الأموية، ومن بعدها العباسية، ثم العثمانية بالشيعة. فحبّ عليّ كان عند الخلفاء الأمويين جريمة كافية يستحق المتلبس بها القتل. وكان من بين الأمويين الخليفة الوحيد الذي أوقف البطش والملاحقة ضد الشيعة، هو عمر بن عبد العزيز، الذي يُعَدّ عند السنة خامس الخلفاء الراشدين.
لكن الشيعة لم يكتفوا باستخدام التقية بسبب الخوف من القمع، الذي يصل حد القتل، وأقله قطع الأرزاق، بل تعدَّوه إلى كل ما تتطلبه المصلحة العليا للدين، أو للمذهب، أي للإسلام، أو للتشيع، كأن يكون السبب عدم شق صف المسلمين. ولكن أُشيعَ ظلماً وبهتاناً بحقهم أنهم يبررون بالتقية لإخفاء حقيقة عقائدهم، التي تخل بكثير من عقائد المسلمين، ويعنون عقائد السنة، بعدما جعل المتطرفون منهم صفة الإسلام حكرا على السنة، وما تسمية (أهل السنة والجماعة) إلا دعوى احتكار الإسلام، هذا الاحتكار الذي لا يبرأ الشيعة منه، إذ يسمون مذهبهم بـ(المذهب الحق)، مما قد يفهم منه ضمنا، أن بقية مذاهب المسلمين باطلة. مع هذا يجب القول إنصافا والتزاما بالموضوعية، أن الشيعة يؤمنون بكل ضرورات الإسلام وأصوله، ويختلفون مع بقية المسلمين في الفروع. هذا إلا إذا اعتبر الإقرار بعدالة الصحابة وأمهات المؤمنين من الأصول، أو إذا اعتبر القول بأفضلية الشيخين على علي بن أبي طالب من الأصول. ونفس الشيء يقال عن السنة بمعايير الشيعة ملتزمين بكل ضرورات وأصول الإسلام، إلا إذا اعتبر التسليم بالإمامة، وبعصمة الأئمة من الأصول، وهو كذلك، لكنهم يقولون إنه من ضرورات وأصول المذهب، لا ضرورات وأصول الإسلام.
نعم هناك فرق الغلاة، الذين خرجوا عن الإسلام، وبضمنه عن التشيع، فغالوا بعليّ، أو بعموم أئمة أهل البيت، فذهب بعضهم إلى القول بألوهية علي، وهو أقصى درجات الغلو، وهناك درجات دون ذلك من الغلو، نجدها عند بعض أوساط الشيعة، كما نجدها عند بعض أوساط السنة. غلاة الشيعة دون القول بالألوهية لغير الله هم القائلون بولاية الأئمة على الكون، وغلاة السنة هم القائلون ضمنا وبالنتيجة، وليس بالمصطلح، بعصمة الخلفاء والصحابة وزوجات النبي.
لكن التقية ليست خاصة بالشيعة، بل السنة لاسيما الإسلاميون منهم مارسوها في عهود الاستبداد والديكتاتورية، عندما كان النظام المستبد ليس بنظام ديني. أما بعد سقوط بعض تلك الديكتاتوريات (العراق، مصر، تونس ... مثالا)، فأخذوا يمارسون النفاق، كما مرّ بدعوى الالتزام بالديمقراطية، والإيمان بالدولة المدنية، والمواطنة، والمساواة، والحرية. ومتى ما سيُحكمون سلطتهم - لا قدر الله - فربما سيكشفون حقيقتهم وينزعون أقنعتهم.
والمستوى الأعلى للنفاق هو الباطنية. ولكن هناك باطنيتان؛ باطنية بسيطة، وأخرى مركبة. أعني بالباطنية البسيطة هي تلك الباطنية الساذجة، وغير المتمرسة بلعب الباطنية، والمتقنة لفنونها، وهي عادة سهلة الاكتشاف، سريعة الافتضاح. وهذا ما نشهده عند إسلاميي مصر، من إخوانيين، وسلفيين. أما الباطنية المركبة، فأعني بها باطنية المتمرسين بها، العارفين بلعبها، فهؤلاء يمارسون الباطنية، ثم يتقنون فن عدم افتضاح كونهم باطنيين، فهي إذن الباطنية في مزاولة الباطنية، ولذا سميتها بـ(الباطنية المركبة). والمثال على الباطنية المركبة هم إسلاميو العراق اليوم، ولكن أمرهم مفتضح مع ذلك عند ذوي الوعي والبصيرة، بل غدا واضحا حتى عند الكثير من شرائح الشعب، بما في ذلك في أوساط من ينبغي أن يمثلو جمهورهم، من حيث الانتماء الطائفي. أما أقصى درجات الباطنية المركبة والمتمرسة، فهي باطنية إسلاميي تركيا، إذ إنهم استطاعوا أن يضللوا الرأي العام العالمي، كونهم ملتزمين بالديمقراطية الغربية، وبالعلمانية الأتاتُركية.
وحيث الكلام عن الباطنية السياسية بالذات، أتذكر تجربتي معهم في الجمعية الوطنية، وفي لجنة كتابة الدستور عام 2005. هناك اكتشفت باطنيتهم، وبدأت أنفر منهم نفسيا، وأعيش الأشهر الأخيرة معهم حالة من الاكتئاب، لما عانيت من باطنيتهم وتعصبهم إسلاميا وشيعيا. وكشاهد أذكر هنا مقطعا من رسالة خاصة مغلقة، كنت كتبتها إلى همام حمودي رئيس لجنة كتابة الدستور العراقي، يوم كنت عضوا فيها. كنت يومها إسلاميا، لكني كنت إسلاميا ديمقراطيا، وناقدا لأداء الإسلاميين. جاء في رسالتي: «إني للأسف أجد العلمانيـيـن أكثر صدقا وشفافية، وأكثر تواضعا، وأكثر وضوحا، وأكثر مرونة واستعدادا للتـنازل، من كثير من جماعتـنا [أعني الإسلاميين].» من هناك كانت بداية افتراقي مع الإسلاميين، خطوة خطوة، سياسيا، من إسلامي معتدل، إلى إسلامي/ديمقراطي، إلى إسلامي/ديمقراطي ناقد للإسلاميين، إلى إسلامي/علماني، إلى علماني/ديمقراطي معارض ورافض للإسلام السياسي. هذا علاوة على التحولات التدريجية، فكريا وفلسفيا، ومراجعتي لكل المنظومة الفكرية، فيما هي السياسة، وما هو فهم الحياة، وما هي مناهج التفكير، في اعتماد مرجعية العقل ورقابة الضمير.