المعتقدات والطقوس المسيحية المُدْمَجَة في القرآن

 

سبق وأشرنا إلى أنّ محمداً كان مديناً للمسيحية بأفكاره لكن بصورة أقل من اليهودية والوثنية العربية ما قبل الإسلامية. ومع ذلك يكشف القرآن عن عدد غير قليل من العلامات حول تأثير الديانة المسيحية وأفكارها وطقوسها وممارساتها. لذلك ورد ذكر يسوع المسيح في القرآن بوصفه نبياً مرسلاً من عند الله، وقد أوحي إليه الإنجيل، والذي بشّر بقدوم محمد. ونستدلّ من الإشارات الكثيرة إلى المسيحيين في القرآن بأنهم كانوا متواجدين بأعداد كبيرة بشبه الجزيرة العربية زمن محمد، ويبدو أنّ محمداً قد خالطهم واتخذ إصدقاء له من بينهم، كما نستدل من النصيحة التالية الوارة في الآية: {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى?} [سورة المائدة: 82]

طبعاً محمد كانت لديه جميع الأسباب التي تدفعه لتكريم المسيحيين والإشادة بهم، ففي النهاية لم يجد أتباعه المضطهدين ملجأً آمناً لهم أكثر من مملكة الحبشة المسيحية عندما اشتدّت عليهم يد المعارضة المكية.
كانت هناك الكثير من الفرص السانحة لمحمد لكي يتعرف إلى المسيحية، خلال رحلاته إلى سوريا وضمن الجزيرة العربية ذاتها. وقد أشرنا سابقاً إلى أنّ ورقة [بن نوفل]، ابن عم خديجة زوجة محمد الأولى، كان مسيحياً وكان مطلعاً بشكلٍ جيد على الكتاب المقدس المسيحي، ولاحقاً، ليسوا قليلين أولئك المسيحيين الذين اتبعوا محمداً وأصبحوا من أتباعه، ومن بينهم ماريا القبطية التي كان من الممكن أن يتعلم منها كل ما يتعلق بالإنجيل وخصوصا الكتابات والقصص الأبوكريفية/المنحولة التي كانت منتشرة وشائعة بين المسيحيين الشرقيين. لذا سيكون من السهل بالنسبة لمحمد أن يأخذ خذه القصص ويحوّرها حسب عربيته الخاصة زاعماً أنها وحي منزّل عليه من السماء. لم يكن لدى معاصري محمد إي شكّ بأنه فعل ذلك، وكثيراً ما كانوا يتهمونه بأنه كان يستعين بأشخاص معروفين جيداً. لذا، وعلى سبيل المثال، نقرأ في سورة النحل، الآيات من 101-103 {قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ... وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ? لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـ?ذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ}

يقول البيضاوي في معرض تفسيره لهذه الآية ما يلي: ((جبرا الرومي غلام عامر ابن الخضرمي وقيل جبرا ويسارا، كانا يصنعان السيوف بمكة، ويقرآن التوراة والإنجيل، وكان الرسول صلعم يمرّ عليهما ويسمع ما يقرآنه))
من المهم التنويه هنا إنه رداً على التهمة بأنه كان يستعين بهؤلاء الأشخاص لتأليف القرآن، لم ينكر محمد هذه التهمة. كل ما أمكنه قوله هو أنّ الشخص أو الأشخاص المشار إليهم هنا كانوا غرباء وأجانب، ولذا لم يكن بمقدورهم صياغته بهذه الأناقة والإبداع باللغة العربية. لكننا هنا لسنا معنيين بإثبات أنهم فعلوا ذلك. ما نودّ التأكيد عليه هو أنّ محمداّ تعرف على المفاهيم 

الرئيسية والأفكار الرئيسية للروايات الإنجيلية والقصص الأبوكريفية المنحولة من اليهود والمسيحيين الذين احتكّ بهم وتفاعل معهم، ثم ومن خلال عبقريته الشعرية الخاصة، صاغها بالصيغة التي وردت ضمن القرآن. وقد بيّنا سابقاً أنه كانت لديه الكثير من الفرص السانحة لفعل ذلك.
لقد سبق وأشرنا في الفصل السابق أنّ الكتابات والتفسيرات التلمودية للكتاب المقدس _وليست الكتابات المقدسة ذاتها_ هي التي كانت شائعة بين يهود شبه الجزيرة العربية في زمن محمد. ولن يوفّق القارئ بفهم واستيعاب الطبيعة الحقيقية للتأثير الذي تركته المسيحية على محمد، ما لم تُفهَمَ الطبيعة الحقيقية لتلك المسيحية بشكل مناسب. كانت شبه الجزيرة العربية تسمى سابقاً "بأرض الهرطقات" أو "أم الهرطقات". من المؤكّد أنّه منذ أقدم الأزمنة وكانت تلك الأرض بمثابة ملجأ للعديد من الفرق والمذاهب الهرطوقية التي تمّ طردها من الإمبراطورية الرومانية بسبب أفكارها الهرطقية الخطيرة. إنّ المسيحية في شبه الجزيرة العربية في زمن محمد كانت مدفونة تحت كمّ هائل من الخرافات والانحدار. كانت الخرافات وعبادة القديسين والمذاهب المريمية تحتل موقع الدين الحقيقي، بالإضافة إلى كم هائل من الأدب الخرافي الأبوكريفي المنحول كان يحلّ محل الكتاب المقدس. وقد قيل أنّه لو احتكّ محمد مع شكل أكثر نقاء من المسيحية، على الأرجح لما كان هناك دين مزيّف آخر على شبه الجزيرة العربية، ولكان هناك مصلح مسيحي بدلاً من نبي مزيّف. أمّا الذي حدث هو أنّ التعاليم المغالية للمريميين و والفرق الهرطوقية الأخرى قد نبذت ذلك المصلح العربي، وأدّت به إلى رفض تعاليمهم على أنها ليست أكثر من مجرّد وثنيات. كان من سوء حظ محمد أنه خلط بين هذا الكم الهائل من الخرافات وبين المسيحية الحقيقية، وبذلك أسّس دينا أعاد البشرية إلى أغلال اليهودية وزنزانة الفكر التلمودي. وأي مقارنة بين هذه القصص المنحرفة عن التعاليم الحقيقية للإنجيل وبين القصص الواردة في القرآن ستبيّن في نفس الوقت أنّ محمداً كان قد قبل العديد من تلك القصص وتبناها على أساس أنها جزء من الكتاب المقدس، معتقداً بأنها حقيقية، فدمجها في القرآن. وسنورد هنا مثالاً أو مثالين يمكن أن نوضّح المسألة من خلالهما.
في سورة الكهف، الآيات 9-12، 25، نقرأ قصة مثيرة للاهتمام عن سبع شبّان دخلوا كهفاً ليناموا فيه ثم يستيقظوا من جديد ليدركوا أنهم قضوا فترة 309 سنوات وهم نيام. نقرأ في الآية {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا @ إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا @ فَضَرَبْنَا عَلَى? آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا @ ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى? لِمَا لَبِثُوا أَمَدًار@... وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا}

هذه القصة الأسطورية، والتي لا أساس لها بتاتاً، كانت منتشرة في شبه الجزيرة العربية قبل محمد بزمنٍ طويل. وهي موجودة في كتابات رجل دين سوري كان اسمه يعقوب السروجي [وردت هذه القصة في عظة دينية لهذا الكاهن السرياني بعنوان "أعمال القديسين" Acta Sanctcorum] الذي مات عام 521 للميلاد والذي يخبرنا قصة عن سبعة شبّان من مدينة أفسس هربوا من قبضة الحاكم الروماني ديسيوس. وقد قيل أنهم التجأوا إلى كهف حيث غطّوا في نومٍ عميق، ولم يستيقظوا إلا بعد مرور 196 سنة ليجدوا الديانة المسيحية منتشرة في كل مكان. لابد أنّ محمداً قد سمع القصة من أفواه مسيحيو شبه الجزيرة العربية وسوريا، واعتقد أنها حقيقية، فزعم أنها موحاة له من الله.

قصة أخرى في القرآن ذات أصول مسيحية ومتعلّقة بطفولة مريم والدة يسوع. لا شيء يدعو للدهشة والاستغراب أكثر من سكوت الأناجيل الأصلية فيما يتعلق بشخصية مريم والدة يسوع المسيح، لكن في مجتمع حيث تعاليم المسيحية مدفونة تحت ركام هائل من الخرافات والأساطير، وحيث أخذت العقيدة المريمية مكان الديانة الحقيقية، فلا عجب أن نجد عدداً من القصص والروايات الأسطورية التي تروي تفاصيل خرافية عن حياة مريم وبصيغة مغالبة جداً وأسطورية. هذه القصص الأبوكريفية المنحولة كانت موجودة ومنتشرة بكثرة بين مسيحيي شبه الجزيرة العربية، وكانت بالتأكيد معروفة جيداً بالنسبة لمحمد. إذ أنّ الأخير كان يجهل مضامين وتفاصيل الكتاب المقدس الأصلي، وكان أجهل من أن يستطيع التفريق بين القصص الحقيقية والقصص المزيفة والمنحولة، وفي النهاية تبناها وأدخلها في قرآنه زاعماً أنها وحيٌ من عند الله، وأنّ رسالته أنزلت لإكمال وتأكيد الكتب المقدسة السابقة.
نقرأ في سورة آل عمران، الآية رقم 44 أنّ مريم في صباها قد تم جلبها إلى معبد أورشليم الذي أصبح منذ ذلك الوقت موطنها وبيئتها حتى ميلاد المسيح. ويخبرنا القرآن أنها خلال إقامتها هناك ذهبت بها أمها إلى من لهم الأمر على بيت المقدس، فتشاحنوا وتخاصموا أيهم يكفل مريم، واقترعوا عليها بأن ألقوا أقلامهم في النهر، فأيهم لم يجر قلمه مع الماء فله كفالتها، فوقع ذلك لزكريا { وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ }. هذه القصة، كما يعرف كل قارئ للإنجيل، غير موجودة في الكتاب المقدس [لا في العهد القديم ولا في الجديد]. بل هي موجودة بكلّيتها في الكتب الأبوكريفية المنحولة للمسيحيين الهرطقة الذين عاشوا ونشطوا في شبه الجزيرة العربية زمن محمد.لذلك فمصدرها واضح جداً ومعروف. فقد ورد في كلٍ من "إنجيل جيمس المنحول [أو الإنجيل الطفولي] Protevangelium of James the Less" [Tisdall, "The Sources of the Qur an", pp. 156-8]، والكتاب القبطي "تاريخ مريم العذراء" حادثة رمي الأقلام من أجل الكفالة، أو كما تمّ وصف العادة فيها، الحق بالزواج من مريم. في الإنجيل الأول نقرأ أنه عندما وصلت مريم إلى عمر الثانية عشرة عُقِدَ مجمع للكهنة تمّ فيه تقرير مستقبل الفتاة حيث ((وقف ملاك الرب بالقرب منه [زكريا] قائلاً: يا زكريا، يا زكريا، اخرج وأدعو جميع الرجال الأرامل من بين الناس، وليّ حضر كل واحدٍ منهم معه قضيباً، وأي رجلٍ منهم يريه الإله الرب إشارة، ستكون زوجته مريم)).
هناك رواية قرآنية أخرى مرتبطة بمريم العذراء استعارها محمد [أو لطشها] من الأناجيل والكتب المنحولة، أو بالأحرى من ألسنة معاصريه وصحابته من المسيحيين، وهي عن شجرة النخيل، إذ قد ورد في سورة مريم الآيات من 22-25 {فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا @ فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى? جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـ?ذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا @ فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا @ وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا}

أمّا الأناجيل فهي على العكس تخبرنا أنّ يسوع قد ولد في بيت لحم داخل حظيرة أو بالقرب منها. في هذه الحالة فمصدر القصة التي ردّدها محمد يمكن تعقّبه تماماً، حيث أنّ الكتب المسيحية الأبوكريفية تحتوي أساطير مماثلة وتتضمّن العديد من القصص الخيالية المرتبطة بميلاد يسوع. كانت هذه الأساطير المنحولة والقصص الخيالية موجودة ومنتشرة على نطاق واسع بين مسيحيي شبه الجزيرة العربية، ولابد أنها وصلت أذني محمد الذي تصوّر بدوره أنها جزء من الكتاب المقدس الأصلي. في العمل المنحول المعنون "طفولة مريم العذراء وميلاد المخلّص" نقرأ قصة شجرة النخيل كاملةً بخصائصها وسماتها الكاملة. ويمكن إيجاد بعض التغييرات والاختلافات في القصة وذلك مردّه إلى أنّ هذه القصص كانت متناقلة شفهياً، لكنّ أي مقارنة حذرة ودقيقة بين القصة كما وردت في هذه الأناجيل المشبوهة مع القصة التي استعارها محمد ودمجها في قرآنه ستوضّح أنّ الأخير [محمد] قد لطشها أو أخذها من الإول [الكتب المنحولة]، ثم قدّمها على أنها وحي مباشر من عند الله. ولكي يرى القارئ مدى التقاربات والتماثلات فقد أوردت اقتباسات من العمل المنحول المذكور سابقاً. فبعد تسجيل رحلة يوسف ومريم بصحبة الطفل يسوع يتابع الراوي قائلاً : (( وأسرع يوسف فأحضرها [مريم] إلى شجرة النخيل، فأنزلها عن ظهر دابتها. وعندما جلست مريم عند جذع الشجرة نظرت إلى أعلى الشجرة، فرأتها مليئة بالثمار الطيبة والطازجة، وقالت ليوسف:"أرغب ببعض ثمار هذه الشجرة إذا أمكن ذلك"... ثم قال الطفل يسوع بهيّ الطلعة والمجالس في حضن أمه مريم العذراء، لشجرة النخيل: "أيتهما الشجرة، أخفضي أغصانك وانعشي أمي بثمارك". وبعد أن سمعت شجرة النخيل كلمات يسوع هذه أحنت رأسها إلى قدمي مريم، وأكلوا جميعهم من ثمارها التي كانت تحملها، وأنتعشوا ثم انتصبت شجرة النخيل على الفور، وخرج نبع من الماء النقي والصافي والبارد والعذب من بين جذورها)).

كل قارئ للقرآن يعرف أنه يحتوي عدّة إشارات إلى يسوع المسيح، كما أنه يتضمّن قصص محددة مرتبطة بمولده، بعضها غير موجود في الأناجيل الأصلية. هذه القصص، مثلها كمثل قصة شجرة النخيل، يمكن القول عنها أنها من مصادر منحولة، وتبين المصادر التي استقاها منها محمد وأدخلها في قرآنه. إحدى تلك الأساطير تشير إلى معجزات معينة يقال أنّ يسوع قد أدّاها خلال طفولته. وترد إحدى الإشارات إليها في سورة المائدة، الآية 110، حيث أننا نقرأ فيها {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى? وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا ? وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ ? وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي}. والآن نلاحظ أنّ الأناجيل الإصلية لا تتضمّن أي شيء كهذا، إنّما على العكس، تشير دوماً على أنّ أول معجزة قام بها يسوع كانت أنه ملأ الأجران الحجرية الستة بالخمر، وذلك قبل أن يبلغ عامه الثلاثين. وقد جاء في كتاب يوحنا، الإصحاح الثاني، المقطع رقم 11 ((هذه المعجزة هي الآية الأولى التي أجراها يسوع في قانا بالجليل، وأظهر مجده، فآمن تلاميذه)). وعندما نقرأ في إنجيل طفولة المخلّص المشبوه، أو "إنجيل توما الإسرائيلي"، وغيره من الأعمال الأبوكريفية المنحولة، نجد بوضوح أنّ هذه القصة كانت شائعة جداً وعلى نطاق واسع في شبه الجزيرة العربية زمن محمد. وقد سمعها الأخير من معاصريه وأتباعه من المسيحيين السابقين، متصوراً بأنها جزء من الأناجيل الأصلية، فأدخلها في قرآنه. ليس هناك تفسير آخر أكثر منطقية ومعقولية من هذا التفسير حول التشابه بين الروايتين: الإنجيلية المنحولة والقرآنية. ليتذكّر القارئ، على سبيل المثال، أنّ النسخة القرآنية التي اقتبسنا منها فيها الأعلى، تأخذ من "إنجيل توما الإسرائيلي"، وهو كتاب خيالي أسطوري مشبوه المصدر كتب في زمن متأخر، ولم يعتبر قط على أنه موحى من يسوع المسيح أو أي فرقة مسيحية أصلية. وقد ورد في هذا الكتاب أنّ ((يسوع الطفل عندما كان في الخامسة من عمره بلعب في الطريق بنبع جارٍ من الماء الملوث فجمعه في خنادق وجعلها على الفور نقية وعذبة، وكل ذلة بكلمة واحدة منه. ثمّ رطّب بها بعضاً من التراب وصنع منها اثنا عشر طيراً،... صفّق يسوع بيديه للطيور وصرخ بها: "ارحلي"، فرفرفت مبتعدةً عنه)) [من أجل الاطلاع على رواية أخرى راجع كتاب Tisdall, "The Sources of the Qur an," p. 175]

إنّ خيال مؤلف هذا الإنجيل وشطحاته الخرافية والرومانسية، تخبرنا أيضاً بأنّ يسوع قد تكلّم مع أمه عندما كان ما يزال في المهد، وأطلعهم على مهمته الإلهية المقدسة.
وهناك الكثير والكثير يمكن ذكره والكتابة عنه لنبيّن أنّ محمداً كان مديناً ليس فقط لمجموعة صغيرة ومحدودة من الهراطقة المسيحيين المؤمنين بالأساطير والخرافات الذي كثروا في عهده للروايات والمفاهيم الدينية التي نجدها الآن في القرآن، إلا أنّ حجم هذا الكتيّب ومحدوديته لا يسمحان لنا بإيراد سوى مثال واحد إضافي. فالقارئ الذي يرغب بدراسة الموضوع أكثر والتعمق فيه عليه أن يطّلع على أعمال كلٍ من تسدال وسِل وغايغر الشهيرة، حيث استقينا أغلب مواد فصول هذا الكتيب منها.
لا يمكننا اختتام هذا الفصل دون الإشارة إلى "الميزان"، الذي أشير إليه في القرآن عدّ مرات. إذ يخبرنا الإسلام أنه في يوم الحساب سيكون هناك ميزان حيث سيتمّ وزن أعمال الإنسان. فهؤلاء الذين تغلب أعمالهم الحسنة والصالحة سيفوزون بالنعيم الأبدي جنة الخلد، أمّا أولئك الذين تكثر أعمالهم السيئة والشريرة فسيخلّدون في جهنم وبئس المصير. لذا نقرأ في سورة الأعراف الآيتان 8-9 {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ ? فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَـ?ئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ @ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَـ?ئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُم بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ}

هذا المفهوم القرآني مأخوذٌ عن عمل أبوكريفي منحول عنوانه "عهد إبراهيم" [منشور في "Texts and Studies," vol. ii, No. 2 وقد اقتبس عنه تسدال "The Sources of the Qur an," p. 200] وقد كتب هذا العمل في القرن الثاني أو الثالث للميلاد. وهي عبارة عن قصة أسطورية مرتبطة بالبطريرك إبراهيم ومعراجه إلى السماء، حيث قد رأى، من بين الكثير من الأمور الأخرى، عرش الدينونة العظيم. وتستمر القصة: ((وعلى العرش جلس رجل مهيب... وأمامه طاولة كالزجاج، وكل شيء من الذهب والكتان. وعلى الطاولة هناك كتاب، كان سمكه ستة أذرع وارتفاعه عشرة أذرع. وعلى يمينه ويساره يقف ملاكان يحملان ورقة وقلماً ومداداً. وأمام الطاولة كان يجلس ملاكاً يشعّ نوراً يحمل ميزاناً في يده... والرجل المهيب الجالس على العرش كان يحاكم الأرواح بنفسه، أمّا الملاكين اللذين كانا يقفان على يساره ويمينه كانا يسجّلان. الملاك الذي على اليمين يسجّل الأعمال الصالحة، أمّا الملاك الذي على اليسار فيسجّل الذنوب والأعمال السيئة. أمّا الملاك الذي يقف أمام الطاولة، الذي يحمل بيده الميزان، كان يزن أعمال كل روح)).
ويمكننا الاستمرار أكثر من ذلك ونقدّم مفاهيم وأفكار أخرى وردت في القرآن كمذهب إنكار موت المسيح، وتفكيك الثالوث وحلّه إلى ثلاثة أقانيم هي الأب والابن ومريم للعذراء، التي اكتسبها محمد من الفرق الغنوصية وغيرها من المذاهب الهرطقية الأخرى التي انتشرت وازدهرت في شبه الجزيرة العربية زمن محمد. بأية حال يكفي كل ما قلناه هنا لإثبات أنّ كل ما ورد في القرآن من مفاهيم وعقائد تعود في الحقيقة إلى مصادر مسيحية منحولة ومشبوهة؛ في حين أنّ القارئ المسيحي سيدرك أيضاً مدى خطأ وضلال الزعم القائل بأنّ الكتاب الأخير "يؤكّد ويثبت" الكتابات السابقة: التوراة والإنجيل.