الأجزاء من القرآن التي أُدخِلت حسب ظروف ومتطلّبات كل مرحلة

 

لم يعد هناك أي شك في أنّ أي دراسة دقيقة وموضوعية وغير منحازة للقرآن ستثبت وبشكل قاطع أنّ جزءاً كبيراً من القرآن قد تمّ تلفيقه وفبركته من قبل محمد ليتناسب مع أغراضه ومصالحه الخاصة. وهذا منعطف كبير بالتأكيد، وسنتابع الآن في إثباتنا لذلك. وينبغي علينا أن نتذكّر دائماً بأنّ ((من الضروري جداً عمل مقارنة للحقائق التاريخية في حياة محمد مع الأجزاء المختلفة من القرآن والمرتبطة به إذا أردنا فهم تلك الحياة بشكل واضح وذكي. وهناك نتيجة أخرىمهمة جداً لهذه المقارنة هي أنها تظهر الطريقة التدريجية التي ظهر فيها القرآن إلى الوجود، وكيف تناسب الوحي مع الظروف الظروف المحلية، ثم قدّم ما كان يزعم على أنه سلطة إلهية وتأييداً لأعمال النبي المختلفة. بهذه الطريقة وحدها، يمكن تبرير تغييره لسياسته وحمايته هو نفسه من تهمة الزمنية و التناقض)) [راجع كتاب سِل،رالتطور التاريخي للقرآن، ص1 Sell, "Historical Development of the Qur an]. ومثل هذه الدراسة لوحدها كفيلة بأن تجعل القارئ قادراً على فهم هذه المسائل كمسألة تغيير القبلة من بيت المقدس إلى مكة، ونسخ الأمر الإلهي من {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة 257] إلى {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} [البقرة 188]
بالإضافة إلى الكثير من الإقحامات المتناقضة والمتعلقة بالشؤون المنزلية والخاصة للنبي. فحقيقة أنّ النبي وفي العديد من المناسبات قد وقع تحت إغراء تلفيق العديد من آيات الوحي على قريش مشهود عليها من قبل عدد كبير من كُتّاب محمديين، ومن بينهم مرجعيات إسلامية كبرى كابن هشام، الطبري، يحيى وجلال الدين. أما ظروف سقوط النبي فهي على الشكل الآتي. في أحد الأيام، دخل محمد البيت الحرام في مكّة، وبدأ بترديد سورة النجم. وكانت الممانعة الشديدة القرشيين تؤلم النبي وتثقل قلبه، وكان يتوق لرؤية بعض التأييد له وبعض القبول لرسالته منهم. فإغراء التسوية كان شديداً للغاية، والإغواء بالتصالح مع أولئك الذين طالما اضطهدوه وحاربوه أقوى من أن يتمكّن من مقاومته. ثم سقط النبي سهواً، إذ أنه عندما وصل إلى الكلمات {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ-;- @ وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ-;-} [النجم 19-20] أضاف من عنده، لإسعاد سامعيه وترغيباً لهم برسالته، {تلك الغرانيق العُلا @ إنّ شفاعَتَهُنّ لِتُرتَجى}. أسعد القرشيون وطربوا من سماع ذلك وانضمّوا مع النبي في صلاته، وقالوا ((ما ذكر آلهتنا بخيرٍ قبل اليوم، فسجد وسجدوا)). لكنّ محمداً تراجع من فوره عن تسويته المتسرّعة، وسحب كلماته عن الأوثان العربية، مستبدلاً إياها بالكلمات التي نجدها حالياً في القرآن {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَىٰ-;- @ تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ-;- @ إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ} [النجم 21-23]. ثم ولإخفاء خطئه وتغطيته، عمد لصياغة آية أخرى حيث جعل الله يطمئنه فيها بأنه كان في أيدٍ أمينة، حيث أنّ ما حدث معه قد حدث مع غيره من الأنبياء من قبله، فقد ألقى الشيطان على ألسنتهم. لذا نقرأ في سورة الحج، آية رقم 52 {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ-;- أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ}.
الحادثة المذكورة هنا هي على درجة عظيمة من الأهمية استفضنا في الحديث عنها لتبيين أنّ مصداقيتها مكفولة ومشهودٌ لها من قبل أعلى وأشهر المرجعيات، فإذا كان النبي في باكورة سيرته النبوية قد وضع تحت إغراء تلفيق آيات قرآنية من أجل أن ينال رضى وقبول أعداءه، فإنه في المراحل اللاحقة عندما اتسع طموحه العالمي وتعلّق في الأفق، لابد أنّ هذا الإغراء قد كبر وعظم معه. ونورد في الأسفل حادثة الغرانيق المشهورة:
((قال ابن عباس ومحمد ابن كعب القرظي وغيرهما من المفسرين لمّا رأى رسول الله تولّي قومه عنه وشقّ عليه ما رأى من مباعدتهم، عمّا جاءهم به من الله تمنّى في نفسه أن يأتيه عن الله ما يقارب بينه وبين قومه يحرّضه على إيمانهم فكان يوم في مجلس قريش فأنزل الله تعالى سورة النجم فقرأها رسول الله وحتى بلغ قوله "أفرأيتم اللات والغزّى ومناة الثالثة الأخرى" ألقى الشيطان على لسانه بما كان يحدّث به نفسه ويتمنّاه "تلك الغرانيق العُلا @ إنّ شفاعَتَهُنّ لِتُرتَجى" فلمّا سمعت قريش ذلك فرحت به))
هناك صيغة أخرى للقصة وردت في كتاب المواهب اللدنية، وهي على الشكل الآتي: ((قرأ رسول الله صلعم بمكّة والنجم فلمّا بلغ "أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى" ألقى الشيطان على لسانه "تلك الغرانيق العلى، وإنّ شفاعتهنّ لترتجى"!فقال المشركون ما ذكر آلهتنا بخيرٍ قبل اليوم، فسجد وسجدوا فأنزلت هذه الآية "وما أرسلنا من قبلك من رسولٍ ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته" [الحج 52]))
وينسب إلى النبي أنه قد تاب عن هذه السقطة التي وقع فيها، وقام لاحقاً بعد ذلك باستنكار ورفض جميع أشكال الوثنية، لكنّ هذه التجربة التي مرّ بها لم تكن لصالحه أبداً، ولم يتعلّم الدرس منها، إذ أنه سرعان ما وجد نفسه يغيّر كلامه وأقواله ليتناسب مع غاياته وأغراضه الخاصة. لذا وعندما هرب النبي إلى المدينة، وكان ضعيفاً ومضطهداً آنذاك، سرعان ما أدرك ضرورة التوفيق والمصالحة _وكسبهم إلى صفه إذا أمكن ذلك_ مع المجتمعات اليهودية المتعددة والقوية التي كانت تعيش هناك. ولهذا السبب بالضبط كان قد جعل بيت المقدس قبلته، وكان لفترة ليست قصيرة من الوقت يصلي باتجاه تلك المدينة اليهودية، ولكن في النهاية، وعندما باءت جميع جهوده ومحاولاته لكسب اليهود إلى جانبه بالفشل، وعندما قويَ موقفه بعد دخول العديد من العرب في دينه، شعر بضرورة كسب قريش إلى جانبه مرةً أخرى، ولذلك الغرض بالضبط أنزل "وحياً" مرة أخرى جاعلاً من الكعبة القبلة الجديدة للمسلمين. لذا نقرأ في سورة البقرة: { وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ-;- عَقِبَيْهِ ۚ-;- وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۗ-;- وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ۚ-;- إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ@ قَدْ نَرَىٰ-;- تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ-;- فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ-;- فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ-;- وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة 142-143]
ويعترف المفسّرون المحمديون بهذه الحقائق، لذا نقرأ في تفسير الجلالين ما يلي ((فلمّا هاجر أمر باستقبال بيت المقدس تأليفاً لليهود ستة أو سبعة أشهرٍ ثم حول)) [مقتبس في عمل غايغر اليهودية والإسلام، ص14، وموجود في تفسير الجلالين]
هناك أمر اعتباطي آخر أصدره محمد خلال سنواته الأولى من إقامته في المدينة له علاقة بالصيام اليهودي، وقد تمّ تغييره وتبديله على غرار ما حدث في مسألة القبلة. والرواية التالية ستثبت هذا الأمر وترينا كيف أنّ الظروف المحلية المحيطة دفعت محمد لإصدار تعاليم وأوامر اعتباطية مختلفة، فيما بعد قام بتغييرها بنفس الطريقة ما أن استجدّت أمور جديدة وظهرت ضرورات مغايرة على الساحة. لذا يخبرنا كاظم أنه ((رُوِيَ أنّ رسول الله لمّا قدم المدينة وجد يهوداً يصومون عاشوراء فسألهم عن ذلك فقالوا إنه الذي غرق فيه فرعون وقومه ونجى موسى ومن معه فقال أنا أحق بموسى منهم فأمر بصوم عاشوراء)) [ Geiger "Judaism and Islam," p. 26 ونفس الخبر ينقله لنا ابن عبّاس ورد في كتاب "مشكاة المصابيح" باب الصوم]
هذا الصوم، الذي ما زال يمارس في اليوم العاشر من شهر رمضان كطقس تطوعي ومبجّل، يقدّم دليلا واضحا عن الطريقة التي استعار بها محمد من المنظومات العقائدية الأخرى عندما أراد ذلك، ويكذّب الادّعاء القائل بأنه تلقّى معلومات الدينية عن طريق وحي إلهي.
رواية أخرى تبيّن المصدر والأصل البشري للقرآن وقد نقلها لنا عدّة مفسّرون وعلماء محمديون تتعلق بمسإلة زواج محمد من زينب زوجة ابنه بالتبني زيد.كان زيد معروفاً "بابن محمد"، وكان قد اتّخذ له زوجةً امرأة جميلة كانت تسمى زينب. يخبرنا التراث أنه وفي أحد الأيام حدث وأن جاء النبي لزيارة منزل زيد ووجد زينب في رداء يكشف جميع مفاتنها. فأعجب النبي بما رآه منها، وعبّر عن إعجابه بقوله ((سبحان الله مقلّب القلوب)). سمعت زينب كلمات النبي، ومن فورها أخبرت زوجها بما حدث. في النهاية طلّق هذا الأخير زوجته، وعرضها على محمد، لكنّ النبي تردّد في قبوله إياها كونها طليقة ابنه بالتبني، ولكي يتجنّب الفضيحة والمهزلة التي عرف أنها ستتبع زواجه منها، قام بتلفيق وحي من الله يبرّر فيه عملية زواجه من زينب، حيث يأمره الله أن يتّخذها له زوجة. ويمكننا قراءة هذه التحفة من الوحي في سورة الأحزاب، الآية رقم 37 {فَلَمَّا قَضَىٰ-;- زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ}. ونحن نسأل هنا، أيمكن لأي مسلم نزيه وذكي أن يؤمن بأنّ هذه الكلمات المقتبسة هنا هي كلام الله؟ أليس من الواضح أنّ كلّ هذه الآية بدلاً من كونها وحي مباشر من عند الله، قد تمّت صياغتها بتعمّد وعن سابق قصد وإصرار من قبل محمد لتبرير أفعاله وغاياته الخاصة.
وحي آخر مزعوم لفّقه محمد لتبرير مسألة من مساءله العائلية موجود في سورة التحريم الآيتان رقم 1 و2 حيث منحه الله إذنه _منح نفسه إذناً_ بكسر وعوده التي كان قد قطعها. هذه الرواية التي رواها العديد من المفسّرين ورجال الدين جرت على النحو التالي: كان النبي قد أظهر الكثير من الإعجاب والمحاباة تجاه مارية، ممّا أثار الغيرة في قلب العديد من زوجاته، واللواتي ذكّرنه بشدة ومراراً وتكراراً بعهده الذي قطعه عن نفسه وعليهنّ بألا يلمس أي فتاة أو خادمة مهما كانت. لكنّ النبي قد رأى أنّ قطع الوعود والعهود أسهل بكثير من المحافظة عليها، ووجد أنّ تفوقه الشديد وشهيّته الكبيرة لهذه الفتاة القبطية العبدة أقوى من أن يستطيع مقاومتهما، لكنه وجد حلاً للمشكلة، وبرّر ارتباطه بهذه الفتاة عن طريق تلفيق الآية التالية مانحاً نفسه الإذن بكسر عهده {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ۖ-;- تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ۚ-;- وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ @ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ۚ-;- وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ ۖ-;- وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ}
لن نعلّق أكثر حول هذه الآية، وسن طرح سؤالاً على المسلم ليتفكّر فيما إذا كان من الممكن أنّ هذه الكلمات هي من عند الله... ما إذا كانت كلمات القرآن، مكتوبة في اللوح المحفوظ وقبل بدء الخليقة. وحول هذه العلاقة هناك حديث ينقله لنا المسلمون [صحيح البخاري 4788] يقدم تفسيراً موحياًحول تشريعات محمد العائلية والمتعلقة بأمور وشؤون عائلته ونسائه: ((قالت عائشة كنت أغار على اللواتي وهبن أنفسهنّ لرسول الله صلعم فقلت أتهب المرأة نفسها؟ فلمّا أنزل الله تعالى {ترجئ من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممّن عزلت فلا جناح عليك} [سورة الأحزاب 51] قلت: ما أرى ربك إلا يسارع في هواك)).
الإشارات القرآنية الكثيرة والمتناقضة فيما يتعلق بقضية الجهاد، أو الحرب المقدسة، هي بمثابة مثال آخر حول سياسة النبي الزئبقية والمؤقتة. أي دراسة تاريخية لذلك الكتاب ستبيّن لنا أنه خلال ألمراحل المبكرة الأولى من الإسلام عندما كان محمد ما يزال ضعيفاً ولاجئاً مضطهداً، محروماً من القوة اللازمة لفرض أفكاره بحدّ السيف، كان مائلاً لاتباع سياسة الاعتدال والتسامح في تعامله مع غير المسلمين. حيث أننا نقرأ في سورة البقرة، الآية 257 {لا إكراه في الدين}، لكن عندما ابتسم له الحظ ووجد نفسه محاطاً بمجموعته من ملوك الحرب المتعطّشون للسلب والغنائم، اتخذ وحيه منعطفاً خطيراً، حيث عمل على تلفيق آيات تحث أتباعه على مقاتلة الكفار وغير المؤمنين {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ-;- لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِله} [سورة الأنفال 39]
وكتأكيدٍ على هذه الأوامر أخذت الآيات تهطل عليه وهي تتضمن هذه الكلمات المتوعّدة:
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ۚ-;- وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ-;- وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [التوبة 73]
{فاقتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} [التوبة 5]
كثيراً ما نرى محمد وهو يشير إلى جمال القرآن العربي وأناقته، وأسلوبه الرائع وتراكيبه التي لا تضاهي في إعجازها، كدليل على مصدره السماوي والإلهي. ولطالما قام محمد بسرقة وانتحال الكثير من التعابير والجمل العربية ليحسّن من مستوى كتابه. والأدب العربي مليء بهذه الأمثلة عن السرقات الأدبية، كالتي سترد بعد قليل، ويمكن تقديمها كدليل هنا. يخبرنا البيضاوي في تفسيره ((عبد الله بن أبي سرح كان قد كتب لرسول الله فلمّا نزلت الآية {ولقد خلقنا الإنسان من سلالةٍ من طين} فلمّا بلغ قوله {ثم أنشأناه خلقاً آخر} قال عبد الله {فتبارك الله أحسن الخالقين} تعجّباً من تفضيل خلق الإنسان، فقال عليه السلام: اكتبها فكذلك نزلت. فشكّ عبد الله وقال: لئِن كان محمدٌ صادقاً لقد أوحي إليّ كما أوحي إليه ولئن كان كاذباً لقد قلت كما قال)) [تفسير البيضاوي، ص 184]
يتّضح من هذه القصة كما يقول البيضاوي أنّ محمد كان فخوراً جداً وسعيداً بالتعبير الذي استخدمه كاتبه لدرجة أنه سرعان ما قرّر إدخاله في القرآن، وما زال حتى الآن، ولكي يتمكّن من ذلك، قال له أنّ هذه الجملة كذلك "نزلت" بحذافيرها. من الطبيعي أنّ عبد الله ابن سرح قد سُرّ لهذا المدح ولأنّ كلماته لقيت أذناً صاغية من النبي، لذا قرّر أنّ الوحي نزل عليه هو الآخر أيضاً. وهذا ما أثار سخط النبي وغضبه الذي أنزله على ابن سرح، وعبّر عن ذلك في الآية التالية التي لا يمكن لأي مسلم عاقل أن يؤمن بأنها قد نزلت من إله {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ-;- عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ} [الأنعام 93]. من هذه الرواية، والتي رواها الإمام حسين، يتضح لنا أنّ أسلوب القرآن لا يمكننا اعتباره كمعجزة، إذ أننا هنا أمام آية قام عبد الله ابن سرح بتغييرها، ويمكن أن يندرج ذلك على باقي القرآن، ولا يمكن التفريق بينها بأي حال من الأحوال. علاوة على ذلك، من الواضح أنه إذا كان محمد يستطيع الادعاء بأنها وحي، وأن يدخل في القرآن كلمات وعبارات سمعها من أحد أتباعه أو كتبته، فسيكون من السهل أيضاً بالنسبة له أن يزعم نفس المرجعية للقصص والروايات التي كان قد سمعها خلال فترات زمنية مختلفة من اليهود والمسيحيين.
وقد ترك لنا العلامة الإسلامي الشهير جلال الدين السيوطي دليلاً دامغاً بأنّ محمداً كانت لديه عادة لطش العبارات والكلمات التي يسمعها من أتباعه ودمجها في قرآنه كلّما أعجبته عبارة أو كلمة. لذا نقرأ في كتابه الشهير "الإتقان في علوم القرآن": ((النوع العاشر فيما نزل من القرآن على لسان بعض الصحابة)).
وفي حديث آخر ينقله لنا للترمذي عن ابن عمر أنّ ((رسول الله صلعم قال أنّ الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه)). إذن كان من الواضح جداً ترديد محمد لكلمات عمر لدرجة جعلت جلال الدين السيوطي يخبرنا بأنّ أصحاب النبي كانوا يقولون: ((ألا نزل القرآن على نحو ما قاله عمر)).
وينقل لنا مجاهد حديثاً آخر على نفس النمط. إذ يقول فيه: ((كان عمر يرى الرأي فنزل به القرآن)).
يتضح تماماً من هذه الأحاديث أنّ عمر كان الكاتب الحقيقي والفعلي لأجزاء محددة من القرآن. في الواقع، إنّ الأدب الإسلامي مليء بالكثير من هذه الآيات المنتحلة [للاطلاع أكثر على الموضوع، راجع كتاب "هداية المسلمين"، ص224-226]. على سبيل المثال، جاء في القرآن: {مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ} [سورة البقرة 98]
هذه الكلمات قالها عمر في الأصل لبعض اليهود، وقد أعجبت محمد لدرجة أنه أخذ يردّدها كجزء من القرآن. وكامل القصة يرويها لنا البيضاوي في تفسيره: ((قيل دخل عمر بن الخطّاب رضي الله عنه مدراس اليهود يوماً فسألهم عن جبريل فقالوا ذلك عدوّنا يطلع محمد على أسرارنا وأنه صاحب كل خسفٍ وعذاب وميكاييل صاحب الخصب والسلام قال وما منزلتهما عند الله تعالى قالوا جبريل على يمينه وميكاييل على يساره وبينهما عداوة قال لئن كان كما تقولون فليسا بعدوّين ولأنتم أكفر من الحمير ومن كان عدوّ أحدهما وهو عدوّ الله تعالى ثم رجع عمر فوجد بريا قد سبقه بالوحي فقال عليه السلام قد وافقك ربك يا عمر)) [تفسير البيضاوي، القاهرة، ص20]
حديث صحيح آخر ينقله لنا البخاري يكشف لنا عن أصل ومصدر ثلاث آيات أخرى من القرآن، ويثبت بشكلٍ قاطعٍ أنّ محمداً قد أضاف إلى قرآنه من أقوال من حوله من صحابته. هذه الأحاديث إذا فسّرناها وحلّلناها بطريقة منطقية وعقلانية ستكذّب تماماً الزعم القائل بأنّ القرآن موحى من عند الله، بل على العكس، إنها تدعم القول بأنّ هذا الكتاب هو نتاج اليد البشرية، ومن تأليف من هم حول محمد. أما الأحاديث فهي على الشكل الآتي:
((أخرج البخاري وغيره عن النحس قال عمر ابن الخطّاب وافقت ربي في ثلاث قلت يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى}، وقلت يا رسول الله إنّ نساءك يدخل عليهن البر والفاجر فإن مُرْتَهُن يحتجبن فنزلت آية الحجاب واجتمع على رسول الله نساؤه في الغيرة فقلت لهنّ عسى ربه إن طلّقكُنّ أن يبدله أزواجاً خيراً منكن فنزلت كذلك))
ويمكننا إيراد العديد من الآيات والمقاطع القرآنية التي استعارها محمد من ألسنة أتباعه وصحابته، لكنّ حدود هذا الكتاب وصغر حجمه يحاولان دون التوسّع أكثر من ذلك حول هذه النقطة[يمكن للقارئ الفضولي أن يجدها جميعها في كتاب جلال الدين السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، الجزء الأول، ص43]. أمّا القارئ الراغب في متابعة الموضوع والتعمّق أكثر فيه، فعليه الرجوع إلى كتاب عماد الدين الشهير "هداية المسلمين" حيث أنه يعالج هذه المسألة بشكلٍ مطوّل. ونكتفي بهذا لإثبات مدى كذب ولاصوابية الإيمان بأنّ القرآن منزّل من الله عن طريق الملاك جبريل. حتى أنّ القرآن نفسه يشهد على تلفيق وصياغة العديد من الآيات القرآنية لتلبية أغراض محمد الشخصية وغاياته الخاصة.
الكم الأكبر من الآيات القرآنية، كما سبق ورأينا، تتضمّن عناصر عديدة مختلفة مأخوذة من مصادر موجودة أصلاً، والتي تبنّاها محمد وأخذها وصاغها بطريقته ثم أدخلها في قرآنه الذي نقرأه اليوم.