القرآن يناطح التاريخ

 

عندما جاء محمد بن آمنة (قثم بن عبد اللات) بقرآنه في القرن السابع الميلادي اكتشف عرب مكة زيفه وقاوموه وحاربوه على مدى 23 سنة حتى دخل مكة بجيشه المكون من اثني عشر ألف مقاتلٍ يطمعون في الغنائم وسبي النساء فأسلموا اضطراراً. ولكن الأوس والخزرج انبهروا بسجع القرآن وصدقوا كل ما جاء به محمد دون أن تكون لهم المقدرة الذهنية أو العلمية لتحليل ما أتى به نبيهم. ولقصورهم الذهني والعلمي آمنوا أن كل كلمة في القرآن هي من كلام الله. ولو كان الله بمثل هذا الجهل بالعلوم الطبيعية وعلم التاريخ، فهو لا يستحق أن يعبدوه
والآن مع تقدم العلوم والتراكم المعرفي الذي يتمتع به المثقفون في القرن الحادي والعشرين تبين لنا أن القرآن يناطح التاريخ وينطبق عليه قول أعشى قيس:
كناطحِ صخرةً يوماً ليوهنها **** فلم يصبها واوهى قرنه الوعلُ
(وتفقد الطيرَ فقال لا أرى الهدهدَ أم كان من الغائبين. لأعذبنه عذاباً شديداً أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطانِ مبين. فمكث غير بعيدٍ فقال أُحطتُ بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأٍ يقين. إني وجدت امرأةً تملكهم وأُتيت من كل شيء ولها عرش عظيم. وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله) (النمل 20-24)
عندما تحدث القرآن عن سليمان وجنده، زعم أن الهدهد تأخر عن الاجتماع فساله سليمان مغاضباً أين كان. فقال له الهدهد إنه كان في مملكة سبأ باليمن وإنه أتى سليمان بخبر عظيم عن ملكة سبأ (بلقيس): (وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله)
وردت كلمة SABU في الكتابات السومرية حوالي عام 2500 قبل الميلاد، وقد قال علماء الحفريات أن الكلمة تعني سبأ (جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ج1، ص 315). وإذا صح هذا الرأي تكون مملكة سبأ في جنوب اليمن قد كانت قائمة في ذلك التاريخ. وقد كانت هذه المملكة من أغنى الممالك وقتها واشتهرت بالزراعة وتجارة البخور والأحجار الكريمة. وقد جاء ذكرها في العهد القديم (التوراة) "تجار شبا و رعمة هم تجارك، بأفخر أنواع الطيب، و بكل حجر كريم والذهب أقاموا أسواقك. حران وكنة وعدن تجار شبا وأشور وكلمد تجارك".
وقد تمكن علماء الحفريات من فك طلاسم الخط المسماري ووفروا لنا كمية كبيرة من أسماء ملوك سبأ، وعادات القوم، ومعابدهم وآلهتهم. وقد أقام السبئيون عدة معابد لآلهتهم وكانوا يقدمون لها القرابين والهدايا ويتبركون بها. وكان إله سبأ الرسمي هو الإله "المقه" أي إله القمر لأن القمر كان مهماً بالنسبة لهم في ذلك الوقت لمعرفة موسم الزراعة وموسم الحصاد
و قد عُثر على عدد من الكتابات من أيام المكرب "سمه علي"، منها الكتابة التي وجدت في "حرم يلقيس" "محرم بلقيس"، وميزت عن غيرها بعلامة: Glaser 484 وقد ورد فيها إن هذا المكرب أقام جدار معبد "أوم" "أوام" المخصص بعبادة "المقه" "اوم بيت المقه" إلَه "سبأ". وقد قدم القرابين لهذه المناسبة إلى الإلَه "عثتر"، وذكر الإله "هبس" "هوبس"،وتشبه هذه الكتابة شبهاً كبيراً كتابة أخرى وسمت ب Glaser 901 ل "يدع آل ذرح" أيضاً، وقد أخبر "يدع آل ذرح" فيها إنه سوّر "بيت المقه" وهو معبد الإله بمدينة "صرواح"، وأنه قرّ ب ثلاثة قرابين لهذه المناسبة إلى الآلهة "حرمتم" "حرمة" "حرمت" "حريمت". و يرى "هومل" إن هذه الإلهة هي زوج الإلَه "المقه" إلهَ سبأ (جواد علي، المفصل في تاريخ العرب، ج1، ص 319).
ولدينا قائمة بكل ملوك سبأ الذين حكموا من قبل الميلاد إلى ما قبل الإسلام وليس بينهم اسم أي امرآة، ناهيك عن بلقيس.

"وقد ذهب المؤرخ اليهودي "يوسفوس" إلى إن هذه الملكة كانت ملكة "أثيوبية" الحبشة ومصر، زاعماً إن Saba اسم عاصمة الأحباش، وأن اسم هذه المملكة Naukalis.
ونجد زعم "يوسفوس" هذا شائعاً فاشياً بين أهل الحبشة، فهم يذهبون حتى اليوم إلى إن أسرتهم المالكة هي من سلالة سليمان وزوجه ملكة "شبا"، ويدعونها "ماقدة" Makeda. ولا أظن إن "يوسفوس" قد اخترع نفسه تلك القصة، بل لا بد إن يكون قد أخذها من أفواه قومه العبرانيين (نفس المصدر)
وقد وصف هذا المؤرخ زيارة بلقيس لقصر سليمان في "أورشليم"، وذكر إنها عادت إلى مملكتها بعد إن استمعت إلى حِكم هذا الملك النبي. وهو يردد بذلك صدى ما جاء في التوراة من إن زيارة تلك الملكة إنما كانت لالتماس الحكمة منه.
"ومهما قيل في أصل هذه القصة، وفي خبر المؤرخ "يوسفوس" عن الملكة، فإننا نستطيع إن نقول إنها ترجمة وتعبير عن الصلات التأريخية القديمة الاقتصادية والسياسية التي كانت بين سبأ والحبشة، وعن أثر السبئيين في الأحباش من جهة وبين هذا الفريق والعبرانيين من جهة أخرى، رمز إليها بهذه القصة التي قد تكون زيارة حقاً، أدهشت العبرانيين، أدهشتهم من ناحية ما شاهدوه من ثراء الملكة وثروتها، حتى أدخلوها في التوراة للإشادة بعظمة سليمان وما بلغه من مكانة وثراء وسلطان." (جواد على، ص 316).
الملك سليمان تسنم الملك حوالي العام 967 قبل الميلاد، وبما أن مملكة سبأ كانت موجودة منذ حوالي عام 2500 قبل الميلاد، وكانت قد وصلت مكانة عظيمة من الثراء وبنوا سد مأرب الذي ربما كان أول سد في التاريخ، وكان العبرانيون يعرفون تجارة سبأ من العطور والأحجار الكريمة والذهب والزراعة، وقد ذكروا ذلك في التوراة، وبما أن السبأيين كانوا يبنون معابدهم من الحجارة، فمن غير المعقول أن تندهش بلقيس من معبد سليمان الذي كان مبنياً من الأخشاب التي أحضروها من لبنان. فقول القرآن أن بلقيس اندهشت لعظمة المعبد وشمرت عن ساقيها لأنها حسبت الأرضية ماءً، قول ساذج وبسيط منقول من أساطير اليهود في كتب الحاخامات العديدة كالتلمود والمشنا والمدراش. فأهل سبأ لم يكونوا يسجدون للشمس كما قال عنهم الهدهد الذي غاب عن اجتماع سليمان وأتى بعذرٍ أقبح من الذنب. وكل قصة سليمان وتسخير الريح له وتسخير الشياطين ما هي إلا أساطير سومرية مع رتوش عبرانية. فمحمد لم يفعل أكثر من أنه نقل أساطير العبرانيين دون أي تمحيص. قلو أن القرآن هو كلام الله، فإن هذا ال الله يجهل التاريخ ولا يعلم أن ملوك سبأ لم يكن بينهم امرأة، ولم يكونوا يسجدون للشمس في زمن سليمان.

ونأتي الآن إلى أسطورة موسى وبني إسرائيل. القرآن معجب جداً بموسى وذكره 136 مرة وزعم أنه كان مرسلاً إلى فرعون مصر. (إذهب إلى فرعون إنه طغى. فقل هل لك أن تزكى. وأهديك إلى ربك فتخشى. فأريه الآية الكبرى. فكذب وعصى. ثم أدبر يسعى. فحشر فنادى. فقال أنا ربكم الأعلى) (النازعات 17-24)
محمد طبعاً لم يكن يعرف أن كلمة فرعون تعني ملك أو حاكم مصر، وأن هناك ثلاثين أسرة حاكمة وكل أسرة بها عشرات الفراعنة. ولأن التوراة وبقية كتب العبرانيين لم تحدد اسم الفرعون الذي كان في أيام موسى, حذا القرآن حذو التوراة واكتفى بالقول إن موسى أُرسل إلى فرعون. ثم بالغ محمد في وصف كوارث ألمّت بمصر في زمن موسى ولم يكن يعلم أن الفراعنة كانوا يسجلون تاريخهم بالنقش على الحجارة باللغة الهيروغلوفية. زعم العبرانيون في كتبهم أن الخروج من مصر كان قبل 480 سنة من السنة الرابعة في حكم سليمان، وبما أن جكم سليمان بدأ في سنة 960 قبل الميلاد، يصبح الخروج من مصر حوالي عام 1440 قبل الميلاد، وهذا يجعل الخروج من مصر في أواخر العصر البرونزي، وبالتحديد في عصر الأسرة الثامنة عشر. ونحن نمتلك قائمة بأسماء فراعنة هذه الأسرة التي أنشأها الفرعون أحمس الأول (1570 – 1546) قبل الميلاد. وبما أن كتب العبرانيين تقدر أن الخروج من مصر كان حوالي عام 1440 قبل الميلاد، فلا بد أن الفرعون وقتها كان تحتمس الرابع (1401-1391)، أو أمنحوتب الثالث (1391- 1353)، أو أخناتون (1353-1336).
قدماء المصريين في التواريخ المذكورة كانوا يعبدون رع (را) إله الشمس، وكان الفرعون يُعتبر سليل الآلهة والوسيط بينهم وبين الشعب. وكانت طبقة الكهنة أقوى من الفرعون نفسه. ولذلك عندما جاء أخناتون وألغى الآلهة المتعددة وجعل آتين Aten الإله الأوحد، حاربته طبقة الكهنة وتخلصوا منه (ربما مسموماً). ومع ذلك يأتى إله القرآن ليقول لنا إن فرعون قد طغى وقال أنا ربكم الأعلى.
تاريخ مصر مسجل منذ أكثر من خمسة آلاف سنة، وقد دونوا حوادث ربما كانت عادية بالنسبة لهم مثل إجراء عملية جراحية لأحد أفراد الأسرة الحاكمة، ومع ذلك ليس هناك أي ذكر لموسى أو بني إسرائيل أو الخروج من مصر. وليس من المعقول أن يسجل المصريون الحوادث العادية ويتجاهلوا خروج ستمائة ألف رجل محارب من بني إسرائيل مع عوائلهم ومواشيهم وخيامهم. وهل يُعقل أن ينطبق البحر الأحمر على فرعون وجنوده ويتآمر المؤرخون المصريون على تجاهل مثل هذا الحدث الجلل؟ كل ما سجله التاريخ لنا هو أن الفرعون أحمس الأول هزم الهكسوس في مصر بعد أن حكموها حوالي ثلاثمائة عام، وطاردهم حتى أرض كنعان واحتل تلك الأرض. فلو خرج موسى بقومه من مصر إلى كنعان لأصبح كالمستجير من الرمضاء بالنار لأن كنعان كانت تحت الحكم المصري وقتها.
"من الأفضل أن نعتبر قصة الخروج من مصر ليس كقصة حقيقية وإنما كتجمع قصص عن احتلال مصر لأرض كنعان واستعباد شعبها" (Ann Killebrew, 2005)
أما قصة داؤد الذي ألان الله له الحديد وأعطاه صوتاً جميلاً يجعل الوحوش والجبال تؤوب معه، وكتب مزامير داؤد وتغنى بها وغنت معه الوحوش، ما هي إلا أسطورة اليونانيين عن الشاعر والموسيقار Orpheus الذي كان يقرض الشعر ويتغنى به بصوت يجعل الوحوش والأشجار والصخور ترقص معه. ومن اسم أورفيوس اشتقت كلمة Orphics التي تعني الصوفيين الذين يدقون الطبول ويرقصون للأناشيد التي تمجد الإله
كل قصص القرآن هي أساطير من هذا النوع نقلها محمد من أساطير اليهود ومن قصص الفُرق المسيحية المختلفة التي كانت تعيش في جزيرة العرب في ذلك الوقت. وليس هناك ما يدل على أن القرآن هو كلام الله، ذلك الجسم الهلامي الذي يتحدث ويضحك ويغضب وينتقم من أعدائه وله يدان يمنتان ولا يسرى له.