تاريخ الاسلام المبكر القسم الخامس

 

مؤمنون ومسلمون
قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم
ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين
عندما أعلن المسيح انه ما أتى لينسخ التوراة وإنما ليكمل الشريعة فهم المسيحيون هذا التكميل بأنه تطوير وتعديل وفهم النصارى من بني إسرائيل أنه تصديق وتفصيل. لذلك قال المسيحيون بإقامة الإنجيل من دون التوراة وقال النصارى بإقامة الإنجيل والتوراة معا. ولذا يرى البعض مسألة نشوء الإسلام باعتباره النتاج الطبيعي لطائفة النصارى التي تواجدت على هامش المسيحية الهللينية. لكن آخرين يرون أن الإسلام كان الإبن الشرعي الفعلي لليهودية الحاخامية بتلمودها ومدراشها وتراثها الهاغادي الهالاخي. أما أبو موسى الحريري صاحب كتاب قس ونبي وهو أشهر كتاب تحدث عن مراحل نشوء الإسلام وتطوره فيرى أن الإسلام والنصرانية دين واحد باختلاف الإسم. أو لنقل إن الإسلام هو الإسم العربي للنصرانية وهذا هو المعنى الحقيقي لدين إبراهيم الحنيف الذي يقوم أولا وآخرا على رفض الشرك وعلى القول بوحدانية الله المطلقة.
كما رأينا في فصول سابقة فإن القرآن كان تجميعا ومن ثم ترجمة لنصوص طقسية سريانية ونصرانية وكان الإسلام تعريبا للديانة الإبراهيمية ومحاولة لانتزاع الإرث الإبراهيمي من اليهود. وجمع النص وتعريب الإرث الإبراهيمي لم يكن بحال من الأحوال في غير منطقة تركز النصارى السريان أي في البلاد السورية التي كانت مهد النصرانية. فالإسلام الذي تبلور في الشام وبحسب ما تشير إليه الرواية الرسمية لم يكن ديانة جديدة. بل كان دعوة إلى تطبيق تعاليم التوراة والإنجيل أي تعاليم المذهب النصراني أو الأبيوني في الحسنات والصدقات وتبشير بالجنة والنار والقيامة ووعيد بالعقاب وتذكير بأحوال الساعات الأخيرة. وكانوا لا يؤمنون إلا بإله بني إسرائيل "لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل". حتى المسلمين اليوم لا يرون في الإسلام ديانة جديدة بل هي ذات الرسالة التي أوحاها الله إلى أنبيائه. 
لقد سعى الإسلام إلى توحيد أحزاب النصارى بدعوتهم لإقامة الدين وعدم التفرق فيه. فالمسلمون هم النصارى الذين توحدوا في كل شيء: في الإسم وفي الكتاب وفي العقيدة حتى أصبحوا أمة واحدة وأصبح اسمهم مسلمين وكتابهم القرآن ودعوتهم الإسلام وعقيدتهم أن: لا إله إلا الله. 
يرى هيلاري بيلوش أن الإسلام بدأ كهرطقة حافظت على الوجه اليهودي للإيمان الجديد من وحدانية مطلقة لله رافضة كل الوجوه المسيحية من تجسد وألوهية واعتبرت المسيح مجرد نبي إنسان كما رفضت الكهنوت والرهبنة والأسرار. ولكن بماذا يختلف الإسلام؟ الهرطقات كانت تهزم وتنتهي لكن هذا لم يحدث مع الإسلام، لماذا؟ يرى البعض أن السبب هو البساطة الشديدة ولأنها هرطقة كانت من خارج الكنيسة وليس من داخلها. كما أن الإسلام لم يكن بدعة وثنية في مقابل الكنيسة ولم تكن غريبة. لكن استمرارها وطول إقامتها جعل منها دينا مستقلا. وربما لهذ السبب يستنتج زويمر أن الإسلام ليس اختراعا مستقلا بل خلطة ليس فيها أي جديد ما عدا العبقرية في مزج مواد قديمة ليكون وصفة لكل الآلام الإنسانية.
لقد شكك كثيرون في الرواية الإسلامية الرسمية لبدايات الإسلام. كتب كثيرة وضعت لتكشف بعض الحقائق. ينسب أحد الباحثين إلى باحث ألماني قوله إن في القرآن على سبيل المثال مئتا موضع متطابق بالكامل مع مواضيع في الهاغاداة أي التلمود البابلي وعشرون موضعا من التلمود الأورشليمي وسبعة عشر موضعا من المشنا. أما فيما يتعلق بالتشابه مع الهالاكاة فالتطابق يبدو مذهلا. لذلك تكون الإسلام بحسب نبيل فياض في رحم اليهودية الحاخامية التلمودية. هذا التطابق مع اليهودية يجعل الفكرة القائلة إن الإسلام خرج من عباءة الآريوسية لا تصمد. فالإثباتات على التشابه الصادم بين الإسلام واليهودية والإنكار التام لألوهية المسيح في الإسلام يجعل اقترابه من الآريوسية أمرا بعيد المنال. واغلب الباحثين يرون الإسلام مسيحية يهودية هي النصرانية المشرقية. 
وعندما يشير البعض إلى أن الإسلام المبكر كان ثورة من النصرانية السريانية المتطرفة ضد المسيحية النسطورية فإنه يسهل فهم تحوله ضد المسيحية الهللينية التي تبنتها بيزنطة وسبب محاربته لها فيما بعد. حتى يمكن القول إن الإسلام وقبل أن يحمل هذا الإسم كان سابقا على القرآن نفسه وبقية التراث الإسلامي المعروف. 
تميل معظم البحوث إلى أن الإسلام ما هو إلا النصرانية نفسها بعد اكتمال انفصالها عن المسيحية التقليدية وبعد نزع اللاهوت منها والإبقاء عليها دينا بسيطا على الطريقة اليهودية. والإسلام الأولي أي الإسلام المبكر متأصل جدا في النصرانية وهو ما يؤكده تشابه بعض التعبيرات القرآنية والسريانية. ويرى هؤلاء أن الإسلام هو تتويج انتصار المسيحية اليهودية وهي النصرانية وسيادتها على المشرق ومن ثم الانتشار إلى الجوار وما بعده بقوة الدولة العربية الناشئة.
عند الحديث عن بدعة النصارى تحدثنا عن مؤتمر أورشليم لسنة 49 الميلادية. وقد أشار القرآن لهذا المؤتمر إشارة صريحة بقوله: فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة. ففي تلك السنة انقسم اتباع المسيح إلى شيعة النصارى التي أصرت على التزام الناموس الموسوي وسنة المسيحيين التي تحللت من الناموس. وهذه الطائفة التي آمنت هي الأمة من قوم موسى يهدون بالحق وبه يعدلون. يشير القرآن إلى هؤلاء النصارى بأنهم كانوا على صواب ويفيد بأن كتاب هؤلاء المقبولين من النصارى هو الإنجيل بالمفرد وليس بالجمع. ويرد في المأثورات الإسلامية أن إنجيل النصارى هذا لم يكن مكتوبا باليونانية ولكن بالعبرانية. والقرآن يثني على هؤلاء النصارى وإخلاصهم وتواضعهم ومودتهم تجاه الجماعة الإسلامية. وهذا كان مذهب اتباع أساقفة الختان ولم يكن هذا دين المسيحيين. 
أما الأستاذ الحداد فيرى أن النصارى من بني إسرائيل لم يذوبوا لا في يهودية ولا في مسيحية ولم ينتهوا في الظل والحقارة إنما كانت لهم هجرة ثانية وهم الذين هيأوا الحجاز لقبول الدعوة وترسيخها. وهي الأمة الواحدة التي يشيد بها القرآن. أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم النبوة. فالكتاب هو التوراة والحكم هو الإنجيل والنبوة كناية عن موسى وعيسى. فيكون النصارى هم الذين آمنوا بالمسيح لكنهم بقوا على التزامهم شريعة موسى وعيسى دينا واحدا (الشورى 13). وقد كان ذلك في التبشير بالكتاب والحكمة معا. والاقتداء بهدي أهل الكتاب ثم الاستشهاد المتواتر بالكتاب وأهله وإعلاء شان التوحيد الكتابي.
وبما أن النصارى من بني إسرائيل يقيمون التوراة والإنجيل معا فهم ما فتئوا يدعون المسيحيين إلى طريقتهم: قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل (المائدة 71). والنصرانية من بني إسرائيل تؤمن بالمسيح نبيا ولا تغلو فيه لأنها الأمة الوسط وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس (البقرة 143).
ليس الحداد وحده الذي يشير إلى التشابه والتوافق بين النصرانية والإسلام. ففي كتابه النصارى الصادر عام 1718 يشير جون تولاند إلى وجود تشابه كبير بين أتباع المسيح الأوائل وبين المسلمين. فهؤلاء الأبيونيون النصارى يقبلون مثل المسلمين أن يكون يسوع ولد من عذراء ومن دون أب ولكنهم يرفضون وجوده المسبق ككلمة الله وحكمته كما انهم يرفضون تعليم بولس الرسول.
وينقل نبيل فياض في كتابه "يوم انحدر الجمل من السقيفة" عن كتاب ألماني صدر في الأربعينات بعنوان عقائد اليهود المتنصرين وتاريخهم في الفصل المعنون: العقائد الأبيونية والإسلام نرى ما يلي: الأبيونيون انشقوا عن النصارى وازدادوا تطرفا في تمسكهم بالعقائد والشرائع الموسوية. 
لقد كان من الواضح أن الإسلام دعوة للعودة إلى دين إبراهيم على المستوى الرمزي وعودة إلى الإله البدائي للجزيرة العربية وتجلياته في المسيحية اليهودية. لكن هذا كله جرى طمسه في التاريخ الذي وضع للدين الجديد. ومن هنا جرى وصم القرشيين بأنهم عبدة أوثان وتم إخفاء حقيقة انهم قد يكونون اتباع المسيحية الهللينية. ومن غير المؤكد أن القرشيين كانوا في الحجاز وإنما كانوا في منطقة ما في الشام. وكانوا على التزامهم بالتحالف مع البيزنطيين أصحاب المسيحية الهللينية. فكلمة قريش تعني في بعض معانيها الحلف والتحالف بلغة السريان. ولكن لماذا نقل الموروث الإسلامي هؤلاء إلى الحجاز وجعل منهم قبائل وثنية تحارب الإسلام ويحاربها فهذا كان لمجرد بناء شخصية جديدة لهذا الدين يجعل منه حالة فريدة. ولكن في تفسير آخر انه ربما كان في الحجاز فريق من حلفاء بيزنطة وكانت تسميتهم "القريش" أو قاريشا.
لقد كان نتيجة اندماج المسيحية اليهودية والنصرانية وبقايا اليهودية تولد التوحيد العربي الخالص ولأن العنصر العربي كان متفوقا حضاريا وفكريا فقد فرض سيطرته على الجميع. لقد كان كل شيء في هذا الفكر الديني الذي ساد منطقة المشرق والهلال الخصيب يركز على فكرة المصطفى المختار المحمد الذي يشكل رأس الزعامة النبوية للعرب وقد كانت هذه الصفة حصرا للمسيح عبد الله ورسوله بحسب ما كان يؤمن به اتباع هذا المذهب. وهكذا يكون الإسلام قد ظهر كدين مستقل وثقافة ضمن عملية نضال طويلة بحثا عن الهوية من قبل شعوب يائسة وحدتها الدولة العربية التي استقلت عن البيزنطيين وعن الفرس في وقت سابق. 
لذلك فإن فكرة نشوء وظهور الإسلام في بلاد الشام، أي البلاد السورية وليس جزيرة العرب تأخذ زخما وبعدا معقولا. لكن الكتابة اللاحقة لتاريخ الدين من خلال المؤلفين العرب في العصر العباسي جعلت الحجاز موطن الدين الجديد وابتدعت قصة الوحي في إسقاطات واضحة من اليهودية والزرادشتية والمسيحية ولكن القصد كان ترسيخ استقلال الدين الجديد عن أصوله المسيحية واليهودية التي وضعت في الشام.
أما معارك الإسلام في الحجاز فقد تكون معارك الأمويين للسيطرة على البلاد وفرض المذهب الجديد. وقد كانت معركة بدر فاصلة وقد تكون هي الحد الفاصل بين المسيحية اليهودية النصرانية واستقلالها عن اليهودية بشكل تام. وعندما تحدثت الكتب عن فتح مكة فعندها تحول الإسم إلى الإسلام بشكل نهائي. فالنصرانية والإسلام دين واحد باختلاف الإسم. فالإسلام هو الإسم العربي للنصرانية وهذا هو المعنى الحقيقي لدين إبراهيم الحنيف الذي يقوم على رفض الشرك والالتزام بوحدانية الله المطلقة.
تتمثل خلاصة ما تبناه الإسلام في شكله النهائي في بضعة مفاهيم بسيطة. فهو ابتعد وأنكر التصور الروحاني الذي في المسيحية الهللينية وأبقى على التصور النصراني من غير لاهوت. فالتزم التوحيد الخالص وفقا لليهودية ونعى على أهل الكتاب أي المسيحيين تثليثهم وهذا واضح في كثير من الآيات التي ضمنت في القرآن. فهذا التوحيد الخالص البسيط كان مناسبا للعقلية الشرقية التي توصف أحيانا بانها براغماتية. وأنكر الصلب تماشيا مع بدعة المشبهة والتزم السبت ثم تحول إلى الجمعة والتزم القبلة للصلاة مع أنه حولها من بيت المقدس إلى الكعبة لكسب قلوب عرب الحجاز. وفرض الوضوء كما يفعل اليهود قبل الصلاة. وقد قبل العرب بسهولة هذه المبادئ التي لا تحمل التزامات كبرى. ويجب ملاحظة أن الإسلام في نسخته النهائية حافظ على مكانة المسيح. فالشهادة بعيسى بن مريم بطريقة "عبده ورسوله" تظهر كما يقول سليمان بشير مدى الاعتماد على المسيحية اليهودية فالإيمان بعيسى ليس مجرد نبي عادي كأي نبي آخر الأمر الذي يعني انتساب الإسلام إلى إيمان يكون فيه عيسى الإنسان النبي عنصرا أساسيا. وبحسب القرآن في نسخته الأخيرة فالذين كفروا من بني إسرائيل هم الذين رفضوا نبوة عيسى بن مريم أما الذين اتبعوا المسيحية الهللينية والذين يشير إليهم باهل الكتاب في معظم الآيات فهم الذين أشركوا وغالوا في دينهم.
لم يقم واضعو القرآن بترجمة العناصر المركزية والأساسية في التيارات الدينية الرسمية التي كانت منتشرة لأن هدفهم كان معارضتها ومواجهتها والانقلاب عليها. بل إنهم ترجموا كل ما أهملته تلك التيارات. ترجموا المهمش والأبوكريفا المنحولة وجعلوها في مقدمة ثقافتهم وعقيدتهم الجديدة.
لم تكن كلمة مسلم وإسلام حتى نهاية القرن السابع معروفة أو على الأقل بالمعنى الذي نعرفه اليوم. فمقولة أن الإسلام من السلام لم تكن معروفة في ذلك الوقت الذي نشأت فيه. إنما الإسلام كانت كلمة تعني التسليم بشريعة موسى وعيسى والتوافق بينهما على ملة النصارى. ونرى في القرآن آية تشير إلى أن المسلمين كانوا قبل القرآن. هو الذي سماكم مسلمين من قبل وفي هذا، كما يقول: وأمرت أن أكون من المسلمين. وترى باتريشيا كرونة أن لفظ إسلام / مسلم بمعنى الخضوع مأخوذ من اللغة السامرائية وليس في العبرانية أو الآرامية أو السريانية ما يفيد هذ المعنى بهذا اللفظ. لكن آخرين يرون أن الكلمة تعني في الواقع التطابق أو التوافق أو الاتباع لما يقوله الكتاب. ومصدر أسلم أو يسلم كإعلام مصدر أعلم ويعلم والمراد به التسليم والإقرار بصحة النبأ وتصديق الخبر أو تسليم المغلوب سلاحه ونفسه. والكلمة لا تدل على دين لأنها ليست أكثر من مصدر فعل من مصادر الأفعال.
وليس في كلمة إسلام شيء من البيان عن ماهية الدين ونوعه. فالدين شيء والإسلام شيء آخر. فالدين إيمان والإسلام تسليم بشيء موجود. من هنا فالإسلام قد يكون ترجمة لكلمة توافق، موافقة، اتفاق، مع شريعة موسى. بمعنى العودة إلى دين إبراهيم وشريعة موسى وناموس التوراة. ولذلك فإن الدين أي دين إبراهيم هو الإسلام أي الاتفاق مع الشريعة: ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين.
لقد جاء لفظ الإسلام بمعنى الوئام والاتفاق بين مختلف الطوائف والمذاهب من اجل التهيؤ لاقتراب الساعة. ويرى نادر قريط في مقالة حول البدايات المظلمة للإسلام إن عبد الملك آل مرو أو عبد الملك بن مروان كما نعرفه ربما جاء من الشرق من بلاد فارس الذين هم في الأساس من المهجرين النصارى العرب واتباع الكنائس التوحيدية قبل نيقية وجاء معه فريق بهدف تأسيس سلالة داؤدية حاكمة انتظارا لمجيء المسيح المنتظر في الهيكل الجديد الذي بناه وهو مسجد قبة الصخرة. 
أما الإيمان المطلوب فهو الإيمان الذي جاء به أنبياء الكتاب كلهم خصوصا بما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم. وهذا هو إيمان النصارى من بني إسرائيل ومن تنصر معهم من العرب. فلا هو ملة إبراهيم فقط ولا شريعة موسى فقط ولا هو دين عيسى فقط انه دين موسى وعيسى معا بإقامة التوراة والإنجيل كتابا واحدا. ولذلك فعندما انتشر الإيمان في الحجاز والجزيرة لم تكن هناك ثقة بالأعراب الذين وصفوا بأنهم اشد كفرا ونفاقا وأجدر أن لا يعلموا حدود الله. وعندما قالت الأعراب آمنا قال لهم: لم تؤمنوا وقولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم. بمعنى أن هؤلاء يمكن أن يكونوا قبلوا الدين شكلا وطقوسا متوافقة مع الشريعة الموسوية لكنهم لم يؤمنوا كل الإيمان. لكن الأمر مختلف مع المسيحيين من أهل الكتاب. إذ يصر عليهم بالإسلام قبل الإيمان: وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا. وقد كان القصد من ضرورة إسلام أهل الكتاب أن يتركوا التثليث ويلتزموا الشريعة مثلما يفعل النصارى.

تاريخ الإسلام المبكر 17 عودة إلى الجذور والأصول
قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من قبلي
في كتابه القرآن المنحول يرى جاي سميث أن شكوكا عديدة تحيط بنشأة الإسلام وهذا ما يقوله كثيرون من الباحثين المعاصرين لكنه يجمل شكوكه وآرائه بما يلي:
إن ما يعرف بالهجرة في تاريخ الإسلام كانت باتجاه القدس وليس إلى أي مكان آخر. فقبلة الصلاة كانت بيت المقدس قبل أن تتحول إلى مكة. ولذا فإن القدس هي المقام الأصلي للإسلام وقبة الصخرة كانت الكعبة الأولى. أما العلاقة مع اليهود فقد ظلت إيجابية لغاية سنة 640 للميلاد إلى أن وقعت القطيعة النهائية. أما محمد كاسم شخصي فلم يعرف نبيا للدين الجديد قبل نهاية القرن السابع وكذلك وصف إسلام ومسلمين لم يصبحا تعريفيين لدين مستقل واتباعه إلا في نهاية القرن السابع الميلادي أيضا. كما أن الصلوات الخمس لم تشرع إلا بعد العام 671 للميلاد، أما القرآن بهذا المعنى ككتاب للدين الجديد كما نعرفه اليوم فلم يسمع به أحد قبل منتصف القرن الثامن الميلادي. لكن الغريب كما يقول سميث في كتابه هو أن الكتابات القرآنية المبكرة لا تتوافق مع النص المتداول حاليا. ومصحف صنعاء كان الدليل الأقوى على ذلك.
إن أبكر ظهور للفظة الإسلام موجودة منذ العام 691 فقط على جدران قبة الصخرة أي بعد ستين عاما من محمد المفترض. فاتباع الدين الجديد كانوا يعرفون من قبل غيرهم بأنهم مهاجرين أو هاجريين وكذلك تشير إليهم كل الكتابات غير الإسلامية. 
لقد بنى عبد الملك مسجد قبة الصخرة ليضاهي به كنيسة القيامة التي للمسيحيين الهللينيين وكذلك ليضاهي كعبة ابن الزبير في مكة. وفي عهد عبد الملك بدأ الانفصال التدريجي عن اليهودية وبدأت تظهر عبارات التوحيد الخالص مع عبارات رفض التثليث المسيحي. فنقشت على جدران قبة الصخرة عبارة لا إله إلا الله وحده محمد رسول الله وبعض الروايات تجعل العبارة: محمد عبده ورسوله لا شريك له. إن عبارة عبد الله كانت أحيانا كثيرة تستعمل لوصف المسيح. فالنصارى الذين يرفضون ألوهية يسوع كانوا يستخدمون العبارة التي وردت في أشعيا: عبد الله وخادمه. أما كلمة محمد فكانت لوضع الوصف التكريمي بمعنى الممجد والممدوح. من هنا تبرز فكرة أن الإسلام بما انه النصرانية المستقلة عن اليهودية وعن المسيحية الهللينية هو ثورة على المذهبين والطائفتين وترك الإسلام الجديد يتطور متأثرا بالزرادشتية والمانوية بعد أن أشبع بالعقيدة النصرانية المشرقية.
فما هو حجم التأثير الذي كان للزرادشتية والمانوية على الإسلام الناشئ؟ يرى البعض أن ما يعرف بالإسلام المدني الذي يتميز عن الإسلام المكي كان بفعل التأثير الزرادشتي وربما بتعيير أفضل التأثير الفارسي الذي وقع في عصر الخلفاء العباسيين. فقد جاء العباسيون إلى الحكم في الإقليم الشرقي من الدولة الأموية أي في إقليم العراق المتاخم لبلاد الفرس حيث كانت الزرادشتية والمانوية وغيرها من العقائد والثقافات الفارسية منتشرة ومسيطرة. وكما نسب الأمويون أنفسهم إلى أمية ابن عم عبد المطلب الذي جُعل جد النبي كذلك نسب العباسيون أنفسهم إلى العباس الذي هو عم النبي بحسب الأنساب التي وضعت. لقد أطاح العباسيون الأمويين بدعم فارسي مباشر، وشرح غولدتسيهر التأثر الفارسي الذي وقع على الإسلام في العهد الفارسي في مقالة موسعة. ويرى غولدتسيهر أن الفرس عن طريق العباسيين هم الذين ادخلوا كثيرا من المفاهيم التي أضيفت للإسلام المكي. أبرز تلك التأثيرات كانت الجمع بين الدين والدولة من حيث الشكل الاجتماعي السياسي. أما في العقائد فهم الذين وضعوا فكرة ميزان الحسنات والسيئات وهم الذين أضافوا صلاتين لتصبح الصلوات خمسا في اليوم وهم الذين أوقفوا فكرة الحداد على الميت واستبداله بقراءة القرآن.
وقام الفرس في العصر العباسي بوضع معظم الرواية الإسلامية التي ترسم صورة الإسلام كما نعرفه اليوم. لكن الغريب والمثير للشك دوما أن هذه الرواية المحبوكة جيدا على ما يبدو لم تترك لنا أي دليل مادي يدعم ويعزز ما تقوله سواء ما يتعلق بالنبي أو الخلفاء أو الصحابة ولا حتى فيما يتعلق بالقرآن نفسه. ولم يعثر الأركيولوجيون حتى الآن على دليل مادي واحد يبرهن على تلك الادعاءات.
إن غياب البرهان المادي على دين الإسلام خلال السبعين سنة الأولى من الهجرة امر مثير للغاية. وكما رأينا فإن الإسلام لم يظهر بشكله الأولي إلا مع عبد الملك بن مروان ولم يكتمل إلا مع العباسيين. فالقرنان الهجريان الأولان يقعان في ظلمة التاريخ. فلماذا لم تترك لنا الدولة الإسلامية أي وثائق؟ ولماذا لم يترك لنا خصوم العرب ورغم وجود كتاب بيزنطيين ويهود ومسيحيين كثر عاشوا تحت السلطة الإسلامية؟ لماذا لم يتركوا أي وثائق أو أي دليل؟ لقد كان كتاب "البدايات المظلمة للإسلام" محاولة لرسم خطوط مسار هذين القرنين. لقد تمت البرهنة على أن المسكوكات المبكرة وقبة الصخرة في القدس كانت رموزا كريستولوجية تخص اللاهوت المسيحي السوري قبل الانفصال التام في دين جديد مستقل تمام الاستقلال.
لقد ضاع كل ما حدث في القرنين الهجريين الأولين إلى غير رجعة. وهما قرنان مظلمان حدثت فيهما أشياء لن نتمكن من معرفتها على حقيقتها. وكل ما روي عنها كتب في القرنين التاليين ومعظمه موضع شك ومساءلة لأنه كتب نقلا عن تراث شفهي مشكوك فيه أيضا. وبحسب محمد سفن كاليش فقد كان الإسلام في بدايته مشافهة وهكذا بدا الإسلام شفاها وتم تناقله كذلك.
في عام 2010 صدر كتاب من تأليف كارل هاينز اوليغ وغيرد بوين بعنوان الأصول الخفية للإسلام ويقول المؤلفان في هذا الكتاب انه لحوالي مئتي سنة منذ بدء الإسلام تقليديا لم يكن هناك مسلمون ولكن نصارى يحملون أيمانا بيسوع شبيها بإيمان المسلمين اليوم تجاه عيسى بن مريم. وحتى القرن الثامن كان المسلمون يسمون أنفسهم المهاجرين. والمصادر المتوفرة عن الإسلام المبكر في الأصل قليلة وذات طبيعة مشتتة وخاضعة للصنعة وتحتمل التحيز الواضح. فالمصادر التي أشارت إلى الإسلام ونبي الإسلام معظمها كتب بعد انتشار الإسلام وسيطرته. قليل جدا من المصادر كانت معاصرة للإسلام في وقته المفترض وكلها كانت تعتمد على الرواية التي تصل عن طريق المشافهة أي انه لا يوجد شهود عاينوه أو اتصلوا به أو بصحابته المفترضين.
كثير من المؤرخين اثبتوا أن محمد شخصية لا يمكن إثبات وجودها تاريخيا وفي المصادر القديمة لا توجد أي إشارة إلى محمد أو إلى الإسلام. واسم محمد كشخص لم يظهر إلا بعد عقود من الوقت المفترض كما ترويه الكتب الإسلامية.
يرى كثيرون أن العلم ينفي وجود إسلام في القرن السابع خلافا لما يرويه الموروث الإسلامي. وأصبح بإمكان العلم أن يتحدى الرواية الإسلامية ويثبت أن لا صلة لها بأحداث القرن السابع فهي كلها كتبت في القرنين الثامن والتاسع وهناك أدلة بعدم وجود إسلام أو دولة إسلامية في ذلك القرن. كما أن أبطال الرواية الإسلامية هم أشخاص وهميون لا وجود لهم تاريخيا أو هم مسيحيون منحتهم الرواية الإسلامية أدوارا بعد موتهم بقرون.
كما أن الغموض لا يزال يلف تاريخ ظهور الإسلام وتاريخ ظهور وحياة محمد نبي الإسلام بل حتى شخصيته نفسها يحيط بها الغموض. وسبب ذلك عدم وجود شواهد تاريخية يمكن أن نعتمد عليها في تأريخ الإسلام. واللغة العربية لغة القرآن الحالي قد نمت من اللغة الآرامية السريانية التي سادت في منطقة الهلال الخصيب. واللغة العربية لم تكن قد اكتملت عند ظهور الإسلام وكانت في بداياتها لغة صوتية لا حروف أبجدية لها تمكن الناس من كتابتها ويبدو أن ثمة فجوة تاريخية تفصل الأحداث المبكرة للإسلام عن مرحلة التدوين. فسيرة ابن هشام أو الواقدي أو كتب الصحاح الستة كلها دونت بعد مرور مرحلة طويلة سادها النقل الشفهي مما جعل تلك الأحداث عرضة للتساؤل التاريخي خصوصا بوجود صمت للمصادر اليهودية والنسطورية واليعقوبية والقبطية والبيزنطية التي أغمضت عيونها عن لحظات تشكل الإسلام. وهذا امر محير فعلا.
إن ما يدفع إلى هذا الاعتقاد هو عدم وجود أي مادة مكتوبة تشهد للعقيدة التي نعرفها اليوم باسم الإسلام. كما أن الدراسة المعمقة للمادة النصية المستخلصة من تلك الفترة وكذلك من التدقيق في النصوص التي وضعت في العصر العباسي لا تقدم أي دليل على حقيقة بدايات الإسلام. والإسلام السني اليوم هو النسخة الأموية للشكل العمري للإسلام المحمدي وقد اشتغل فيها العباسيون ونقحوها ودمغوها بالختم الأشعري اللاعقلاني. كما أن الإسلام السني أيضا ممهور بالروح التلمودية واهم مراجعه الآن تغص حتى الاختناق بالتراثيات الحاخامية. وثمة باحثون يرون أن الإسلام نفسه تطور في عصر عبد الملك بن مروان. وانه كان اختراعا لتدعيم الدولة العربية بعد انفصالها عن الروم. ويرى هؤلاء وأبرزهم باتريشيا كرونة أن العرب أرادوا الوصول إلى الأرض الموعودة أو ارض الميعاد بعد أن تأثروا باليهود واختلقوا الدين وتوابعه. فهذا الاختراع أو لنقل بكلمة أوضح: الاستقرار على هذا الدين كان تتويجا لصراع على الهوية عاشه العرب في بلاد الشام بعد تخلصهم من الروم ومن اليهود ومن المسيحيين الهللينيين. ولقطع العلاقة نهائيا مع المسيحية الهللينية ومع اليهود كان تحويل القبلة. فإلى جانب أن هذا كان محاولة لكسب عرب الحجاز الذين انضموا للدولة الأموية والدين الجديد أراد الأمويون قطع كل صلة باليهود وبالمسيحيين الغربيين الذين كانت كنيسة القيامة اهم معلم لهم في القدس.
في كتابها الهاجريون من ترجمة نبيل فياض ترى باتريشيا كرونة أن حقبة عبد الملك بن مروان تميزت بسمة جديدة: تدمير حَرَمات بالصراعات السياسية الدائرة حول المقولات المهدوية والإمامية وبمحاولة فرض نص قراني قياسي. وترجع البحوث المعاصرة إلى حقبة عبد الملك أصول اللاهوت الإسلامي ولدينا ما يدعو إلى الافتراض بأن خطوط الإسلام الأولى كما نعرفه الآن ظهرت في بدايات القرن الثامن الميلادي. وكما يرى سليمان بشير فلا يوجد أي دليل تاريخي أو أثرى ملموس على وجود الإسلام قبل فترة عبد الملك وأقدم المساجد والنقوش والآثار النقدية والمسكوكات والإشارات المتفرقة في أوراق البردي تعود إلى فترة عبد الملك. لقد كان هناك تطور تدريجي للفكر الديني عند العرب وهو ما يسمى التوحيد العربي من مرحلة عدم اليقين إلى مرحلة ظهور أو إظهار محمد ومنها إلى البلورة الأخيرة للتوحيد العربي وهو الإسلام المستمر إلى اليوم. ومع عبد الملك يكون الإسلام قد مر في مرحلة إعادة الإنتاج تتضمن التعريب وإدخال التأثيرات المسيحية ومعاداة اليهود إلى الإسلام الرسولي وتحويله إلى الدين القومي للهلال الخصيب الموحد مع الجزيرة العربية بما يضمن الاستقلال التام عن بيزنطة واستيعاب الهجرات القبلية من منطقة الحجاز. فالنقوش على جدران مسجد قبة الصخرة التي وضعها عبد الملك تدل على محاولات نصرانية لوضع حد مع كنيسة بيزنطة المؤمنة بالتثليث وتوثق محاولات العرب في المحافظة على هوية خاصة بهم. ولذلك استخدم العرب عام الهجرة 622 لبدء تقويمهم الذي ربما كان يعني الاستقلال عن الروم كما رأينا في فصول سابقة. ومن هنا لا يمكن أن نجد الإسلام قبل فترة عبد الملك وكذلك لا يمكن التحقق من الروايات الشفهية التي تنسب القرآن إلى إطاره التاريخي المعروف في التراث إلا مع نهاية الدولة الأموية وبداية الدولة العباسية في منتصف القرن الثامن الميلادي.
في عهد عبد الملك تحول الإسلام إلى دين الدولة بعد تنظيمه وضبطه على الأقل فيما يخص البنية اللاهوتية الأساسية له وللنص المقدس. 

تاريخ الإسلام المبكر 18 هل العربية لغة العرب؟
قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون
يعتقد العرب أن أصلهم من الجزيرة العربية وليس الهلال الخصيب. ليس هذا سوء فهم تاريخي فقط، انه سوء فهم تاريخي وجغرافي أيضا. فاسم "العربية" الذي نعرفه الآن هو من تدبيج اليونان وبعدهم الرومان. أما سكان الشرق الأوسط الأصليين فلم يكونوا يعرفون هذا الوصف. فهذا الوصف كان خاصا بالمناطق داخل سوريا وحواليها في فلسطين وكان السكان يوصفون بأنهم عرب هاجريين أو إسماعيليين. وقد أعطي وصف العربية منذ البابليين حتى اليونان لثلاث مناطق:
- جنوب فلسطين وشرق مصر
- مناطق في شرق فلسطين
- ومناطق غرب وادي الرافدين
أما بشأن اللغة فقد كانت لغة هؤلاء هي الآرامية أما العرب فيما يعرف الآن بجزيرة العرب فلم تكن لهم لغة خاصة بهم ولم يعرفوا القراءة والكتابة إلا بعد استقرار القرآن وانتشار الإسلام. ولذا فإن اللغة العربية الحالية منبثقة عن العبرية والكنعانية والسريانية والآرامية وهذه كلها مصادر للغة العربية. وفي هذه المنطقة كانت اللغة العربية في بداياتها لغة منطوقة غير مكتوبة وخصوصا في بوادي الحجاز وما جاورها. ولهذا السبب فإن الذين تعلموا العربية من هؤلاء كتبوها أولا بالحروف السريانية غير المنقطة وهذا ما أدى إلى عدم فهم كثير من آيات القرآن من قبل المفسرين.
معروف تاريخيا أن اللغة العربية لم يكن لها وجود كلغة مكتملة قبل اكتمال القرآن وانتشار الإسلام. بل كانت اللغة المشتركة والمكتوبة المنتشرة ما بين القرن الرابع الميلادي حتى الثامن هي اللغة الآرامية. وليس هناك أي أثر للآداب العربية لان أول نموذج عربي ظهر بعد الإسلام هو سيرة ابن هشام الذي هو تلخيص لكتاب ابن اسحق المغازي الذي وضع في العصر العباسي.
تشير أبحاث كثيرة إلى أن اللغة العربية المكتملة لم تكن نتاج مجتمع مكة وحده ولا عموم المجتمع الحجازي بل هي نتاج التقاء وامتزاج ثقافتين عريقتين جاءتا من الشمال والجنوب واجتمعتا في مكة: الثقافة اليمنية ذات الميراث الذي يتجاوز الألف عام والثقافة الآرامية الحاملة لميراث بضعة آلاف عام من حضارات العراق والشام. ويرى آخرون أن اللغة العربية انحدرت من اللغة الآرامية التي هي المصدر الرئيسي للغة العربية. فقد نبعت اللغة العربية المستخدمة في القرآن من منطقة غربي الفرات ما بين القرنين الرابع والخامس الميلاديين. وتركزت في بداية نشأتها في قبائل المناذرة النصرانية في منطقة الحيرة جنوبي العراق. وقد وصل حكم المناذرة إلى الأنبار غربي الفرات حيث امتد تأثير لغتهم. لذلك فإن المصادر الأصلية للغة العربية هي القبائل المسيحية النصرانية في الحيرة والأنبار. وتدريجيا أصبحت اللغة العربية لغة رئيسية في كل مناطق غربي الفرات ولعل هذا هو السبب في تسميتها عربي من أصل غربي الفرات وانتشرت بالتدريج نحو الشام ثم جنوبا نحو مكة والحجاز بواسطة التجارة والتبشير. وفي الحيرة ظهرت أولى معالم الخط العربي الذي قام على نسق الخط الآرامي وعرف بالخط الحيري ومن الحيرة اتجه إلى الحجاز. ومعروف أنه في الحجاز والجزيرة العربية عموما لم يعثر حتى الآن على أي مخطوطة باللغة العربية للفترة التي سبقت الإسلام. وكل ما عثر عليه محض مقاطع قصيرة تدل على أن اللغة العربية كانت لغة منطوقة غير مكتوبة تفتقر إلى التنقيط وعلامات التنوين وحروف العلة.
يكشف تاريخ اللغة العربية أنها في كل مراحلها ظلت تنمو في أحضان اللغة الآرامية ـــ السريانية الأم فهي ولدت بين ظهرانيها. وهي كذلك قد ترعرعت وأصبحت لغة علوم وآداب وفلسفة في أحضان السريانية. واللغتان العربية والسريانية الآرامية شقيقتان ومتشابهتان لدرجة أن الاستعارة من إحداها إلى الأخرى لا يمكن رصدها بسهولة. وعندما بدأ المفسرون يدرسون ويشرحون النص القرآني بعد مئتي سنة من زمن الدعوة المفترض كانت المعاني الآرامية قد ضاعت فافترضوا أن الكلمات عربية فبرعوا ونشطوا في تفسيرها على هواهم وبما يقتضيه خيالهم وثقافتهم المحلية.
وإذا اتفق كثيرون على مصدر اللغة العربية واصلها فإن كثيرين اختلفوا بشأن مصدر شكل الحروف العربية أو مصدر الأبجدية العربية فلا يوجد دليل على أنها انحدرت إلينا من خط المسند أو خط الحجاز فلا توجد أي آثار تدل على ذلك. وبعد كشوفات مهمة ثبت أن الأبجدية العربية مشتقة من الآرامية النبطية وتم هذا الاشتقاق على مراحل قاربت مئتي سنة حتى القرن السابع حيث كتبت العربية بحروف سريانية غير منقوطة. يقول البلاذري في كتابه فتوح البلدان: اجتمع ثلاثة نفر من طيء ببقة فوضعوا الخط وقاسوا هجاء العربية على هجاء السريانية.
حتى سنة 660 ميلادية لم تكن هناك أي إشارة للغة العربية في الحجاز. وظهور العربية في الحجاز مكتملة وجاهزة يدل على قدومها من الشمال نتيجة احتلال عربي شمالي بقيادة الأمويين. ولقد وجدت في بلاد الشام نقوش عليها خط عربي مكتمل. مع انه تم اكتشاف نقش وحيد في مدينة الطائف بالخط الكوفي وبغير تنقيط يتحدث عن أمير المؤمنين عبد الله معاوية. وما عدا هذا النقش لا يوجد أي دليل على أن اللغة العربية الكلاسيكية كانت موجودة في الحجاز وما يقال عما يسمى لغة قريش ما هي إلا أسطورة لا أصل لها. فلا يوجد لغة كاملة لقريش حملها العرب إلى البلدان التي غزوها وأصبحت في القرن التاسع لغة عالمية للتدوين بعد أن نمذجها علماء فرس مثل الفراهيدي والزجاج وسيبويه والجرجاني وأبو علـي الفارسي. كما تخبرنا كتب التراث أن الكتابة في قريش كانت معدومة أو شبه معدومة. يقول الغزالي: الكتب والتصانيف محدثة لم يكن منها شيء في زمن الصحابة والتابعين. وكان الأولون يكرهون الكتابة لئلا يشتغل بها الناس عن حفظ القرآن. 
يؤكد علم اللسانيات أن اللغات الكبيرة يلزمها تمركز حضاري وأجيال تحصنت بالمعرفة. من السذاجة الاعتقاد أن اللغة العربية نشأت في أرض لا زرع فيها ولا ضرع. ومن السذاجة الاعتقاد أن الصحراء موئل الفصاحة يتتلمذ على يديها فقهاء اللغة. لقيات الأركيولوجيا ونقوش الخط العربي القديم وأصوله تدلنا على ذلك. فمعظمها وجد خارج الجزيرة العربية الحالية واهمها في حوران حتى حلب شمالا وسيستان الإيرانية شرقا إلى بردية الفيوم غربا. كما أن كثيرا من النقوش المكتشفة التي يعتقد بعض الدارسين أنها أصل اللغة العربية لم تكتشف في الحجاز بل في الشمال: حوران، بُصرى، وبلاد الرافدين وأقدمها يعود إلى العام 512 للميلاد. 
عندما تذكر بعض المراجع أن العرب كتبوا في الجاهلية بالعبرانية فانهم يقصدون السريانية. فعبرانية ذلك العهد هي الآرامية. أما الذين يؤكدون وجود اللغة العربية المكتملة من خلال تأكيد وجود الشعر الجاهلي فإن ادعاءهم لم يثبت لا أركيولوجيا ولا علميا لكن هؤلاء قصدوا إعطاء مصداقية قديمة ولو بأثر رجعي للنص المقدس. وهذا الأمر سهل تعريب الدين الجديد وإعطائه نكهة عربية من اجل التميز عن اليهودية والمسيحية وكذلك في وقت لاحق عن النصرانية التي رفض جزء منها اللحاق بالتعريب.
أما الخط العربي فهو مشكلة أخرى. فلا يوجد أي اتفاق على أصل الخط العربي وكيفية نشأته. فمن أين جاء هذا الرسم الذي نعرفه الآن؟ جميع النقوش القديمة التي تعرف بخط المسند وخط الحجاز والخط الحميري وكذلك النبطية والسريانية كلها حروف مختلفة كل الاختلاف عما نستعمله الآن. يبدو أن العرب استعاروا أحد الخطوط الآرامية وعلى الأرجح الكوفي ثم غيروه فيما بعد لكنهم استعاروا هذه الحروف بعيدا عن أي منطق علمي بل تدل طريقة استعارتهم على جهل تام بوظيفة الحرف والكتابة.
في العصر الأموي وبتكليف من ملوكه وخصوصا عبد الملك بن مروان تم تطوير الحرف العربي واختراع التنقيط والتشكيل بواسطة الحجاج والخليل بن أحمد وأبو الأسود الدؤلي واستعمل الخط الجديد لكتابة وإعادة كتابة أو ترجمة نص قريانة عبد الملك. ومن هنا جرت ترجمة القرآن من الحرف السرياني غير المنقوط إلى الحرف العربي المنقوط ومن هنا أيضا كان سوء الترجمة والتخبط في المعاني والتفسيرات المتضاربة. لكن التطوير النهائي كان في العصر العباسي. ففي الربع الأول من القرن التاسع 322 للهجرة أعلن ابن مجاهد وهو اهم مرجع في القرآن في بغداد انه ثبت شكل الحروف العربية ومنع استخدام أي شكل آخر. لقد عمل ابن مجاهد ومن بعده ابن مقلة وهو من أشهر الخطاطين العرب على إعادة تشكيل الحرف العربي وهذا ما يسمى بالضبط الإملائي النهائي الذي أشرف عليه مختصون في اللغة أفاد في توحيد تلك الكتابة المتناثرة وحفظها ضمن شكل النحو العربي القياسي للغة العربية الفصحى القياسية. 
إن ضبط التهجئة التي تميز القرآن ليس سوى تمثيل ناقص للرسم الذي وان كان يعود إلى النبطيين أو الأنباط فإنه موضوع بالشكل السرياني أو الرسم السرياني. ومعروف أن القرآن العربي كان أول محاولة للكتابة العربية بشكل منظم وهو الكتاب الوحيد الذي عمم اللغة العربية والحرف العربي نقلا عن السريانية. وبما أن القرآن هو الكتاب العربي الأول فمن الضروري أن يكون مؤلفوه قد اضطروا إلى مواجهة صعوبات جمة. أبرزها انهم اضطروا إلى تبني كلمات وتعبيرات جديدة لأفكار جديدة. وقد كان ذلك في لغة لم تضبط بعد بأي قواعد أو نحو معجمي. وكانت أفضل طريقة لمنع احتمال عدم فهم ما يعنيه النص باستخدام كلمات مفهومة من قبل السامعين وموجودة في لغة قريبة للغته والتي كانت لغة كنسية ودينية لقرون عديدة. وحتى في كتب التراث ينسب إلى عثمان بن عفان الذي أشرف بحسب الرواية الرسمية على جمع القرآن وترتيبه انه قال: أن فيه أخطاء في اللغة، دعوا عرب الصحراء أن يعدلوه بحسب لسانهم. ليس المهم هنا عبارة عثمان ولكن المهم هو الفكرة التي تسربت إلى هذا النص وهي أن عرب الصحراء عدلوا النص. فإن كانت هذه الرواية صحيحة فإن لها معاني عديدة أهمها أن عرب الصحراء أعادوا الكتابة أو صححوا الكتابة لما يناسب لهجتهم ومعانيها وكلماتهم وما ترمز إليه. ومن هنا وقعت الالتباسات والتغييرات ومن ثم الاختلاف البين عن الأصل السرياني.
في عشرينيات القرن العشرين تساءل مرغليوث في كتابه "محاضرات في المحمدية" عما إذا كانت لغة القرآن الأصلية هي العربية إلا أنه لم يحسم في الأمر. لكن الذي حسمه هو كريستوف لوكسنبرغ. يشير لوكسنبرغ إلى أن القرآن هو أول كتاب دون باللغة العربية لعدم وجود أي أثر تاريخي لمخطوط سابق ما خلا بعض النقوش النبطية القريبة من العربية. لذلك يرى لوكسنبرغ أن عربية القرآن المتداول حاليا ليست عربية على الإطلاق. أو على الأقل ليست كما نظر إليها المفسرون الأقدمون. ويرى لوكسنبرغ كما ظهر خلال كتابه أن النص العربي للقرآن متأثر جدا باللغة الآرامية التي تم استعارة الكثير منها لإكمال صياغة النص القرآني. 
اللغة العربية لا تزال إلى اليوم مجهولة التاريخ وسيرة تطورها لا تزال غير معروفة على وجه الدقة. لكنها وقد اكتملت بصورة أو بأخرى وصارت سائدة في المنطقة العربية وسادت في تاريخ العرب والمسلمين فقد أصبحت أمرا واقعا لا يمكن تجاهله بالتأكيد. فقد اكتسبت أهميتها من القرآن والفصحى ارتبطت به وهذه حقائق لا يمكن إنكارها. غير أن الحقيقة الأخرى التي لا يجب تجاهلها هي أن هناك حقبة ظلامية في مسيرة اللغة العربية ولا بد أن يأتي يوم تنكشف فيه الحقائق ويشع النور على ما هو غامض ومخفي من تاريخها.

تاريخ الإسلام المبكر 19 الأصل السرياني للقرآن 
ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي
لأكثر من ألف سنة كانت الآرامية هي لغة المشرق وقد سمى الآراميون المسيحيون أنفسهم سريان للتميز عن الآراميين الذين لم يقبلوا الإيمان الجديد. وهناك الكثير من المشتركات بين الآرامية والعربية وكذلك في نظاميهما اللفظي والجذر الثلاثي مشترك بينهما. أي أن كل كلمة سريانة وكل كلمة عربية ترجع إلى جذرها الثلاثي. ولم تزل الآرامية محكية في المشرق إلى أن بدأت اللغة العربية بمزاحمتها في أواخر المئة السابعة وصدر المئة الثامنة فطفق ظلها ينحسر ويتقلص من بعض المدن واعتصمت بالأرياف والجبال. ثم ضعفت بعد ذلك وأضاع أهلها الكثير من ألفاظها التي حفظت في ثنايا العربية. 
كانت الآرامية لغة الطقوس الدينية النصرانية والمسيحية في المنطقة. وكانت منتشرة وسائدة ومتفرعة إلى شرقية وغربية مع اختلافات بسيطة بينها بسبب اختلاف البيئة الذي عادة ما يسبب اختلافات في اللهجات والألفاظ. وعندما وضع القرآن كان للآرامية تأثير كبير عليه من حيث الألفاظ والصياغة وأحيانا كثيرة المفردات وخصوصا عندما ترجم النص أو نقل من الآرامية إلى العربية بعد تعريب الدين.
هل يمكن أن يكون القرآن في الأصل نسختان واحدة أصلية مترجمة من السريانية الآرامية في القرن السابع وأخرى موضوعة في وقت لاحق؟ لقد فجر كريستوف لوكسنبرغ وهو ألماني من أصل سوري يتخذ هذا الإسم لإخفاء اسمه الحقيقي خوفا من الإرهاب، قنبلته عندما بحث في الجذور الآرامية للنص القرآني فوجد أن القرآن ما هو إلا ترجمة لنصوص آرامية كانت تستخدم في الطقوس النصرانية ثم أضيف إليه نصوص أخرى من التوراة والإنجيل والكتب المنحولة والأساطير الشائعة ثم ترجم إلى لغة عربية متأثرة اشد التأثر باللغة الآرامية فجاء على ما هو عليه الآن. وفي النص القرآني نفسه أكثر من إشارة إلى فكرة الترجمة " فإنما يسرناه بلسانك لقوم يتذكرون" وقد تم تناول هذا الأمر في فصل سابق. وقد كان للغة الآرامية تأثير كبير على صياغة النص القرآني. ولا باس من التذكير بأن الذين ترجموا القرآن وكان يعرف باسم القريانة باللفظ السرياني كانوا يستخدمون اللفظ السرياني لأي كلمة لا يعرفون معناها الحقيقي وهذا ما آثار بلبلة في التفاسير يعاني منها المسلمون إلى اليوم.
ولأنه الكتاب الأول في اللغة العربية فإن واضعيه أو مترجميه لا فرق، احتاروا كثيرا أمام المصاعب التي واجهتهم واحتاروا أكثر في تبني الكلمات الجديدة والتعابير الغريبة والأفكار غير المألوفة التي وردت في النص الأصلي. فاللغة العربية لم تكن اكتملت ولم تكن قد خضعت بعد لقوانين النحو والصرف التي وضعت فيما بعد فكانت الخشية من أن تكون بعض النصوص غير مفهومة قد أثرت على واضعي النص المترجم في استنباط ونحت كلمات جديدة. فكان الحل الاستعارة من اللغة المترجم منها فهي لغة يفهمها المؤمنون وقريبة من لغتهم.
يرى لوكسنبرغ أن التأثير السرياني على النص القرآني في مراحله المبكرة أكبر مما كان مفترضا. فالكثير من التعبيرات المبهمة والغامضة في القرآن يمكن فهمها فعليا إذا كان القارىء على إلمام باللغة السريانية ومن ثم قام بإعادة قراءة النص العربي التقليدي في ضوء التعابير الآرامية السريانية. وهناك عدد غير قليل من الآيات المبهمة في القرآن يمكن فهمها إذا أخذنا في الاعتبار أصلها السرياني التي تمت إساءة قراءتها أو إساءة ترجمتها. وفي رأي لوكسنبرغ فإن ما قد يبدو نصا ركيكا مفككا يصبح متماسكا وواضحا إذا ما تمت قراءته بخلفيته السريانية. وبتحليله اللغوي لنص القرآن يستنتج لوكسنبرغ أن اللسان العربي الذي وضع فيه القرآن لا يمكن فهمه إلا بالرجوع إلى لغة القرآن الأساسية ضمن مفهومها التاريخي والتي يكمن فهمها في انسجام عناصر من اللغتين العربية والسريانية. ولذلك فإنه باستخدام السريانية وفهمها أمكن فك العديد من شفرات القرآن. فقواعد القرآن قريبة جدا من قواعد اللغة السريانية أكثر بكثير من القواعد التي وضعها سيبويه، فالعربية المنطوقة كان لها قواعدها المستمدة من السريانية والنبطية. وهي العربية هي التي ترجم إليها القرآن عندما ترجم لعرب الحجاز والجزيرة الذين نشروه وفرضوه بلغتهم.
من المفروض أن النص القرآني عربي بامتياز لكن العقيدة التوحيدية التي يبشر بها تعتمد على نصوص توراتية وإنجيلية. كانت التوراة والإنجيل متداولة باللغة السريانية وكانت تلك هي لغة الطقوس الكنسية ولذا يصعب تخيل القرآن خاليا من تأثيرات تلك اللغة. فنجد العديد من الكلمات السريانية في القرآن وهذه حقائق أشار إليها علماء مسلمون سابقون. 
لكن الأمر ليس مجرد كلمات. بل نصوص كاملة من الترجمة السريانية للتوراة والإنجيل وغيرهما من الكتب المنحولة التي انتشرت في القرون الأولى. ولان الجمع الأصلي للقرآن كان باللغة السريانية وكان يخص النصارى الذين اجتمعوا في أمة واحدة بزعامة عبد الملك بن مروان فقد ألحقت به ترانيم مأخوذة من مار أفرام السرياني خصوصا منها ما يتعلق بوصف الجنة والنعيم مع تحريف بسيط عند الترجمة حيث اختلط الأمر على المترجمين. فالقرآن لم يكتب أصلا باللغة العربية بل باللغة السريانية وكان معتمدا على النصوص الطقسية النصرانية. وعندما تم تنقيح النسخة الأخيرة من القرآن فإن الذين عملوا على ذلك لم يفهموا كثيرا من الكلمات لبعد العهد بها فحولوها قسرا إلى العربية وهذا فتح الباب واسعا لتفسيرات غامضة وعشوائية.
يؤكد لوكسنبرغ وكثيرون غيره ممن درسوا الأصل الآرامي للقرآن أن الذين ترجموا النص القرآني إلى لغة العرب وقعوا في كثير من الأخطاء. ولأن اللغة العربية لم تكن مكتملة في ذلك الوقت فقد استسهل الذين ترجموا نحت كلمات من واقع النص الأصلي وهي كلمات إن كانت مفهومة في حينه إلا أنها لم تكن كذلك بعد بضعة عقود عندما ظهر المفسرون والمؤلفون الذين اخترعوا لتلك الكلمات معان ليست دقيقة وبالتالي وقع اللاحقون في مزيد من الأخطاء. ثمة نماذج كثيرة لتلك الأخطاء. وعند رصد الأخطاء وإرجاعها إلى أصولها الآرامية يمكن بسهولة ضبط مصادر كل فقرة وكل آية في القرآن. 
لكن لا بد من ملاحظة أن ما ينطبق أو قد ينطبق من معايير لوكسنبرغ على جزء من النص القرآني قد لا ينطبق على أجزاء أخرى. وهذا صحيح لأن تلك الأجزاء الأخرى ربما وضعت أصلا بالعربية بعد اكتمالها. فقد رأينا أن القرآن بنصه النهائي لم يكتمل إلا بعد القرن الثامن وبعد استقرار الدولة العباسية. 
وبشكل عام فإن النص النهائي للقرآن لا يزال بحاجة ماسة لمزيد من الدرس والبحث. أما فيما يتعلق بما فيه من لغة سريانية آرامية ومفردات استعصت على الفهم وأدت إلى تأويل مختلف وتفسير غير واضح فإن لوكسنبرغ وغيره أشاروا إلى كثير من النماذج التي تبرهن على ذلك. يشتمل القرآن على حوالي أربعين كلمة سريانية معربة كما أن هناك عشرات الكلمات الأخرى التي تم تعريبها وخصوصا أسماء العلم لأنبياء بني إسرائيل وكذلك المصطلحات الدينية. 
أما الكلمات والعبارات التي لم تفهم وكانت تفسيراتها مناقضة لما قصده النص الأصلي فهي كثيرة. ويشير إليها كتاب لوكسنبرغ باستفاضة. فالآية التي تتحدث عن ولدان الجنة لا علاقة لها بالغلمان على الإطلاق وإنما تعني عصير الكرمة. (وأقول لكم: إني من الآن لا أشرب من نتاج الكرمة هذا إلى ذلك اليوم حينما أشربه معكم جديدا في ملكوت أبي) متى 26:29. كذلك فكرة النساء الجميلات أو الحوريات فهي غير موجودة أصلا وإنما المقصود بحور العين العنب الأبيض بحباته الصغيرة وقطوفه الدانية. وهذا تصور لفاكهة الجنة مثلما جاءت في أشعار القديس أفرام السرياني من القرن الرابع وكانت ضمن ما يقرأه المؤمنون: 
الذين يهجرون الخمرة في الأرض
تنتظرهم هناك في الفردوس حقول العنب
كلها تأتيهم في قطوف دانية!
وهناك رسومات سريانية قديمة تصور مريم العذراء وهي تمسك بيدها الحور العين وقد ظن العرب أن الحور هن النساء الجميلات تصحيفا من حوراء. 
أما غونتر لوليغ وهو باحث ومستشرق بلغاري فيرى أيضا أن كثيرا من الآيات هي ترجمة لترانيم مسيحية نصرانية ويعطي مثالا على ذلك من سورة القدر التي يقول إنها تحاكي عشية الميلاد وهي أنشودة كانت شائعة.
ثمة أمثلة أخرى كثيرة يوردها أصحاب نظرية الأصل السرياني للنص القرآني مثل تفسيرهم لسورة الكوثر والمدثر والكهف والعاديات وسورة مريم وكثير غيرها. والآية 24 من سورة مريم: فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا يجب أن تكون: فناداها من نحتها "بمجرد أن وضعته" لا تحزني قد جعل الرب ولادتك شرعية.