تاريخ الاسلام المبكر الجزء السادس

 

الموروث العربي الإسلامي
أم لكم كتاب فيه تدرسون
بدأ الإسلام بحسب الرواية الإسلامية المعروفة في مكة كتنزيل رباني بواسطة الملاك جبريل إلى رجل يدعى محمد ينتمي إلى الفرع الهاشمي من قريش. توفي والده قبل ولادته وتوفيت امه وعمره ست سنوات وتوفي جده وعمره ثماني سنوات ورباه عمه أبو طالب. واشتغل في التجارة وتزوج خديجة بنت خويلد. وبقية التفاصيل معروفة ومبثوثة في الكتب الكثيرة. وفي الأربعين بدأ بتلقي الوحي. وعرض ما وقع له على أسرته وبعد إيمانه بنفسه وتشجيع خديجة وعمها ورقة بن نوفل صرح محمد بدعوته وباشر الإعلان عنها لأصحابه.
ولكن تضطرب الرواية الإسلامية الرسمية فيما يتعلق بولادة النبي فلا يعرف في أي سنة بالضبط ولا أي يوم. كذلك هناك اضطراب في الرواية الإسلامية فيما يخص كثيرا من الأحداث اللاحقة. والقليل جدا معروف عن طفولته وخصوصا أنه رضع في البادية من حليمة السعدية.
غير أن معرفتنا الأوسع والأشمل بمحمد تعود إلى ابن اسحق الذي وضع أول سيرة لرسول الله. كان ذلك في بغداد حوالي العام سبعمئة وخمسين للميلاد أي ما يقرب من مئة وثماني عشرة سنة بعد الوفاة المفترضة لمحمد. وابن اسحق حسب الموروث الإسلامي هو حفيد لمولى يدعى يسار يقال إنه من سبي نصارى عين تمر في العراق.
تقدم السيرة رواية تنصيب محمد نبيا بشكل مثير للشبهات. فرحلته إلى الشام ولقاء الراهب بحيرى وأقوال اليهود المبثوثة في الكتب الإسلامية تظهر الأمر وكأنه يبنى بعناية للوصول إلى الهدف: محمد بن عبد الله نبي هذه الأمة. فقد صنع الإخباريون والرواة بيئة مناسبة لبدء بعثة النبي. جعلوا مكة بيئة وثنية تعبد الأصنام وجعلوه أميا لا يقرأ الكتب حتى لا يطعن به أحد. 
تبدو قصة بدء الوحي مختلقة لأسباب عديدة. محمد يفاجأ بجبريل ويخاف. يحاول الانتحار من شدة الخوف... وعند العودة إلى زوجته خديجة يظل خائفا إلى أن يطمئنه ورقة بن نوفل ويؤكد له أنه نبي بحسب الناموس. والقصة تبدو مختلقة لأن الذي كتبها على ما يبدو لم يكن يعلم كيفية نزول الوحي وكيفية تلقي الأنبياء رسالات ربهم. فالأنبياء عادة عندما يظهر لهم ملاك من الله يمتلأون هدوءً وفرحا ولا يرتعبون ولا يرهبون.
من الغريب أن قصة بدء الوحي تروى عن عائشة وسبب الغرابة أنها بحسب الرواية الإسلامية ولدت بعد البعثة ولو افترضنا أن محمد حكى لها قصة بدء الوحي فالأجدر أن تكون الرواية عن خديجة أو عن أبي بكر الذي كان ملازما للرسول والذي يفترض أنه سمع القصة منه منذ البداية. معروف أن النبي تزوج عائشة وعمره ثلاث وخمسون سنة. ولنفرض أنه أراد أن يروي لها قصة بداية البعثة والوحي فهل يمكن أن يقول لها كل التفاصيل التي تظهره ضعيفا وجاهلا ومتشككا بالوحي وإنه حاول قتل نفسه خوفا وفزعا؟ 
بعد أكثر من مئة سنة من وفاة محمد المفترضة وكانت سنة 632 م حسبما تقول الرواية، وضع ابن اسحق المتوفي سنة 768 م كتابه سيرة رسول الله. وما تناوله ابن اسحق من سيرة للرسول اعتمد فيها على ما تناقله الرواة ولاكته ألسنتهم فكانت كلها موضع خبطهم وخلطهم وملعب أهوائهم ومسرح تحزباتهم المذهبية والسياسية حتى وقع فيها من الزيادة والنقص ما وقع. وفي الواقع لا توجد أي نصوص أصلية يمكن نسبتها إلى ابن اسحق ولكن هناك إشارات كثيرة إليها واقتباسات منها في تاريخ الطبري الذي عاش بعد مئتي سنة من ابن اسحق. إن هذا التأخير في كتابة سيرة الرسول يفتح المجال لكثير من اللغط والتشويش خصوصا أن كتاب ابن اسحق الأصلي مفقود وان وجدت منه شذرات نسبها إليه ابن هشام (المتوفي 833 م) في سيرته التي قال انه اعتمد في كتابتها على سيرة ابن اسحق. وفي غياب الأدلة الأركيولوجية فإن ما ترويه الكتب الموضوعة في وقت متأخر عن وقت الدعوة المفترض يدخل في باب الموروث الشعبي والإشاعات والأساطير أكثر مما يدخل في باب الحقائق التاريخية. 
وحتى لو وصلتنا نصوص كاملة من رواية ابن اسحق للسيرة فإنها لم تكن رواية موثوقة. فقد اتهمه مالك بن أنس بالتشيع وانتحال الكثير من القصص. والمعروف أن ابن اسحق كتب سيرته في بغداد نزولا عند إرادة الخليفة المنصور الذي حكم ما بين 754 م – 775 م ولذا فإنها تعكس دعوى العباسيين السياسية في المطالبة بالخلافة فهم تسموا بالعباسيين انتسابا إلى العباس عم النبي حسب ما هو مأثور والعباس يمثل مقاما رفيعا في السلالة الهاشمية. 
ترى باتريشيا كرونة التي درست الإسلام المبكر بعناية أن سيرة ابن اسحق وهي موضوعة في زمن يعتبر متأخرا جدا في عصر أحفاد الأحفاد مكتوبة من وجهة نظر أحادية وممتلئة بالقصور والتناقضات والتخبط وعدم الانتظام وكذلك بكثير من القصص الغريبة وبما انه لا يمكن إعادة تركيب السيرة وترتيبها بشكل موضوعي فلا يمكن إثبات أي شيء منها. أما مرغليوث فيرى أن النبي بحسب رواية ابن اسحق شخصية غير محببة، مقاتل حربي لا يتورع عن قتل خصومه السياسيين. وهو في المدينة كان يحكم مثل طاغية. لكن فلهاوزن يرى أن سيرة ابن اسحق هي أصح الكتب عن محمد وما بعدها، من مثل كتاب المغازي للواقدي والطبقات لابن سعد وحتى سيرة ابن هشام لا يعتد بها فهي مجرد خيالات واختلاقات. ويرى آخرون أن السيرة اختلقت لبناء ماضي مثالي ولتبرير القرآن وتفسيره. 
وفي السيرة الحلبية نقد لمنهج ابن اسحق واتهام له بانه كان يخترع أحاديث وينسبها لمحمد. كما اتهمه مالك بأنه كذاب ومدلس وانه واحد من أكبر المزورين وأقلهم شرفا. ويضيف انه كان يتبع غزوات النبي من أولاد اليهود الذين أسلموا وحفظوا قصة خيبر وغيرها. ويقول مالك: "لقد طردناه من المدينة". ويقول ابن هشام هناك رواة ثقاة مثل مالك بن أنس وهشام بن عروة بن الزبير شطبوا ابن اسحق من قائمة الرواة الثقاة للحديث واتهموه بالكذب والتدليس والتزوير والاعتماد على الروايات المشبوهة وكان يخترع الشعر ليقحمه في كتابه. ويبدو أن ابن اسحق كان صاحب خيال واسع فلم يكن معنيا بصدق الأخبار التي تصل إليه بل خرج من كل ذلك ببناء درامي روائي متكامل الأركان. كما كان يخترع الأشعار وينسبها لشعراء عاشوا قبل الفي سنة من وقته كما كان يخترع سلسلة انساب لا وجود لها وكل ذلك لتبرير نص القرآن الغامض أو الغريب أو غير المفهوم أو المتناقض.
عندما ترجم المستشرق مونتغمري وات سيرة ابن اسحق في منتصف القرن التاسع عشر وضع لها عنوان: نبي ورجل دولة. وكان نتيجة استقرائه للسيرة أن طرح أول تساؤل جوهري حول تاريخية محمد ومصداقية سيرة ابن اسحق رافضا الرواية الشفهية كمصدر لتاريخ مؤكد. وقد لاحظ وات أن السيرة تضمنت سردا أسطوريا وبناء أدبيا قصصيا.
بعد ابن اسحق وضعت كثير من الكتب أهمها سيرة ابن هشام الذي اعتمد فيها على سيرة ابن اسحق. واهم ما فعله ابن هشام المتوفي سنة 830 م هو حذف بعض المداخل والروايات التي تصف معجزات محمد وحضور الملائكة الدائم معه. وقد جرى تهذيب السيرة لإسباغ طابع عقلاني عليها وجعلها تبدو تاريخا حقيقيا. 
لقد عانت معظم المؤلفات والمدونات الإسلامية من اعتمادها على الروايات الشفهية المتعددة فهي دونت بعد أكثر من قرنين على وقوعها المفترض. وهذا خلق اضطرابا في تسلسل الأحداث وتناقض كثير من الروايات وخصوصا بعد الصراع الأموي مع الهاشميين.

تاريخ الإسلام المبكر 21 الحديث
ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم
ينسب إلى محمد عشرات الألوف من الأحاديث في كل مجالات الحياة وشؤونها. وظهر للحديث علماء فندوه وصنفوه وبحثوا في أصوله وأشكاله وإسناده وأصحابه وكيفية وصوله إلينا. واعتمد العلماء مجموعة مصنفات قالوا إنها صحيحة مأثورة عن الرسول وهي المعتمدة ويعتد بها.
ولكن بما أن القرآن نفسه في الأصل موضوع ومترجم مما سبقه من كتب ومأثورات شعبية وقصص تناقلتها الألسن فلا بد أن تقع عين الشك على الأحاديث كما وقعت على السيرة التي نسجت للرسول من قبل مؤلفين ظهروا بعده بأكثر من مئة سنة على أقل تقدير.
وكما رأينا في تأخر تدوين القرآن بلسان عربي واكتماله بعد عشرات السنين من وفاة النبي المفترضة كذلك صار مع الحديث المنسوب للنبي. فقد تم تدوينه بعد عشرات السنين ما بين مئة وخمسين وثلاثمئة سنة من وفاته. والحديث لم يدون إلا بدءً من القرن الثاني وكتبه المشهورة الصحيحة هي صحيح البخاري وصحيح مسلم وسنن أبي داود وسنن الترمذي وسنن النسائي وسند أحمد وموطأ ابن مالك. وهذه دونت في القرنين الثالث والرابع وما فيها من أحاديث روي عن طريق الآحاد الذي لا يعطي إلا الظن. جاء البخاري الذي بدأ يجمع تقاليد تصرفات محمد وأحاديثه التي اعتبرها موثوقة فجمع ثلاثمئة ألف حديث واختار منها الفان وستمئة وحديثين في كتابه الذي سماه الصحيح. 
يرى إسماعيل أدهم أن الحديث قام بلا إسناد أولا ثم جعل له فيما بعد ما يعرف بالإسناد أي انهما لم يكونا متزامنين. ولذا فقد كان من السهل جدا انتحال الكثير من الحديث على الرسول في تفاصيل الشريعة الإسلامية وأصولها. ولم يعنَ علماء الحديث بنقد المتون لان هذا يغاير مبادئهم ويعد شكا في نزاهة الرواة ومنهم العدد الكبير من صحابة الرسول. وهذا الشك إن وصل إلى حد الارتياب في نزاهة الصحابة فإنه يعصف بأصول الإسلام لأن الصحابة هم الذين رووا القرآن ودونوه وهم الذين تحدثوا بالحديث فأخذت عنهم العصور المتأخرة. وقد كان معنى تحكيم العقل الصرف في انتقاد المتن تحكيم العقل في مسائل الدين الاعتقادية وليس لهذا من نتيجة إلا أن تزلزل المعتقد تحت ضربات المنطق والقياس.
حتى أن تبرير عدم التدوين المبكر للحديث والسنة وجدوا له حديثا للرسول ينهى عن التدوين معللين ذلك برغبته في عدم إشغال الناس بالحديث والسنة عن كتاب الله. تدوين الحديث بدأ بأمر من الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز أواخر القرن الهجري الأول. وهذا كاف للشك من الأساس. منذ ذلك الوقت والعلماء يتحدثون عما يسمونه فتنة العصبية القرشية والصراع على السلطة بين الهاشميين والأمويين. وإذ شرع المؤلفون تدوين الحديث وما ينسب إلى الرسول من أقوال وأفعال انهالت القصص والأحاديث بزخم لا مثيل له بحيث أن الأحاديث الأصلية لو وجدت حقا فإنها تختفي أمام هذا الحشد الكبير من الصور والمشاهد التي جرى إقحامها في فترات زمنية لاحقة بحيث لم يترك متعهدو النص الديني فكرة أو مشهد في النص الأصلي إلا ونسجوا حوله العديد من الصور والمشاهد الإضافية. ويقول الشيخ صبحي الصالح ولو ذهبنا نستقصي ما افتراه الوضاعون ونسبوه إلى رسول الله لما أمكننا إحصاؤه. فالزنادقة وحدهم وضعوا أربعة عشر ألف حديث ووضع عبد الكريم بن أبي العوجا أربعة آلاف حديث. وكلما ابتعدنا زمنيا عن لحظة الحدث التاريخية أو كلما ابتعدنا عن مصادر التدوين الرئيسية لتلك اللحظة تزايدت عمليات الإضافة والحذف في موروث الحديث. أبرز أوجه تلك الإضافات والحذف ذلك التوافق المشيخي على حذف عبارة "ما أقرأ أو ماذا أقرأ" إذ جرى استبدالها بعبارة: ما أنا بقارىء مع الإبقاء على ذات السند. لكي توافق فكرة أمية النبي وعدم تمكنه من القراءة والكتابة. وهكذا ظلت الألفاظ تختلف والمعاني تتغير بتغير الرواة وفيهم كما قال السيوطي الأعاجم والمولدون وغيرهم مما ليسوا بعرب ولهجتهم العربية ليست خالصة. وكان البخاري وهو شيخ رجال الحديث وكتابه كما هو مشهور قد وضع أصح كتاب بعد كتاب الله وقد كان يروي على المعنى كما قالوا.
لم يكن وضع الحديث مقصورا على أعداء الدين وأصحاب الهوى وإنما كان الكثير من رجال الدين الإسلامي يضعون الحديث وإذا سأل سائل كيف تكذبون على النبي قالوا إنما نحن نكذب له وليس عليه. وقد قال خالد بن زيد مرة، سمعت محمد بن سعيد الدمشقي يقول: إذا كان كلام حسن لم أر باسا أن اجعل له إسناد. وقد استباح الرواة لأنفسهم اختراع أحاديث نسبوها إلى النبي وقولوه ما لم يقله لمجرد أن ذلك كان يعلم أمرا مستحسنا في عصرهم. 
في القرن التاسع الميلادي ظهرت كمية أحاديث تثير الشك والريبة. أكثر من ستمئة ألف حديث أو روايات عن النبي. وعندما طلب من البخاري أن يجمع صحيح الحديث فهذا يعني انه كان هناك شك يدور حول أصالة أغلب تلك الأحاديث. فأبقى البخاري على ألفين وسبعمئة واثنين وستين حديثا قال إنها صحيحة أتم الصحة. لكن الكثرة المطلقة من الحديث ليست من كلام الرسول في شيء وإنما هي منتحلة بعد وفاته بنصف جيل على أقل تقدير. فالحديث يمثل حياة المدينة الإسلامية وميول المسلمين وأهوائهم في القرن الأول أكثر مما تمثل الحياة في الوقت المفترض لحياة الرسول. أما ما بقي من حديث فلا يمكن الاعتماد عليه وكل ما نقرأه في كتب الحديث على أنه كلام النبي أو روايات صحابته إنما هي من اختلاق الرواة وانتحالهم. وعند دراسة الحديث بموضوعية ودراسة أسماء الذين ينسب لهم روايته نجد أن أقل الناس معرفة ورفقة بالنبي وأصغر الصحابة سنا والذين عرفوه في أواخر أيامه وفق كتب التراث هم أكثر الناس رواية للحديث. بينما نجد الذين عرفوا الرسول من بدء دعوته ولازموه فترة حياتهم أقلهم رواية. وهذه حقيقة لا يستسيغها العقل فمعظمهم كانوا صغيري السن في سنة وفاة الرسول المفترضة. وعند النظر في قائمة بسيطة بالمحدثين نجد عجبا. لننظر في عدد الأحاديث المنسوبة إلى كبار الصحابة ونفكر فيها مقابل عدد الأحاديث المنسوبة إلى غيرهم وفق الجدول التالي:
§-;- أبو بكر الصديق 142 (وهو رفيقه من البداية وأول خليفة له)
§-;- عمر بن الخطاب 537 لم يصح منها إلا 50
§-;- عثمان بن عفان 14 لم يصح منها إلا تسعة
§-;- علي بن أبي طالب 586 لم يصح منها إلا 58 ولم يرو له البخاري إلا 20 (وهو أبن عم النبي وملازمه من الطفولة)
§-;- الزبير 4 (وهو ابن عمته)
§-;- عبد الرحمن بن عوف 9
§-;- أبي بن كعب 60 ليس له في البخاري منها إلا 3 وفي مسلم 7 
§-;- زيد بن ثابت له في الكتب الستة 92 حديثا انفرد البخاري بثمانية فقط منها (وهو ابنه بالتبني لسنوات طويلة)
§-;- سلمان الفارسي له في البخاري 4 وفي مسلم 5 فقط
مقابل ذلك نجد العجب. فأبو هريرة الذي لم يصحب النبي سوى أقل من سنتين يروي 5374 حديثا، وعائشة التي عاشت مع النبي تسع سنوات ومعظمها قبل سن النضج تروي 2100 حديث وكذلك عبد الله بن عمر يروي 2100 وانس بن مالك يروي 2100 أما جابر ؟؟ فيروي 1500 حديث بينما يروي عبد الله بن عباس الذي كان في سن الثالثة عشرة عند وفاة النبي المفترضة يروي 1660 حديثا. وينسب إليه الكثير من الأحاديث التي تتيح التشريع على هوى رجال الدين. أفلا تثير هذه الأرقام الانتباه وتطلق صفارة إنذار في العقل الواعي المفكر؟ 
ولتبرير عدم ورود أحاديث كثيرة على لسان كبار الصحابة فقد نسب إليهم خاصة عمر وأبو بكر أحاديث تفيد انهما نصحا المسلمين بالإقلال من الرواية عن الرسول. وينسبون لأبي بكر قوله إنكم تحدثون عن رسول الله أحاديث تختلفون فيها والناس بعدكم اشد خلافا فلا تحدثوا عن رسول الله شيئا فمن سألكم قولوا بيننا وبينكم كتاب الله.
معلوم بحسب كتب التراث إن أكثر رواة الحديث هم: أبو هريرة وعائشة وعبد الله بن عمر وانس بن مالك وجابر وابن عباس. ويعد أبو هريرة أحيانا انه مؤسس علم الحديث لكثرة رواياته التي تشكل نصف كتب الحديث تقريبا. وقد ارتاب كثيرون في صحة ما ينسب إليه من رواية وأبرز المرتابين فيه أبو حنيفة وانس بن مالك كما أن عبد الله بن عمر ندد به مرات عديدة وطعن فيه لكذبه على رسول الله. 
كان أبو هريرة كما هو معروف أكثر المحدثين عن الرسول وبلغت الأحاديث المنسوبة إليه 5374 حديثا وله في الصحيحين 325 حديثا توصف بأنها صحيحة. وكان عمر بن الخطاب وفق بعض الروايات يتشدد في نهي أبي هريرة عن الأحاديث التي وصفت بأنها متدنية في مضمونها ويشكك بصحتها. ولتبرير كثرة أحاديثه وضع حديثا بأن النبي تشفع لدى الله فمنح أبا هريرة ذاكرة قوية يحسده عليها غيره واستعمل هذا الحديث بكثرة لتبرير كثرة رواياته.
لقد اتبع أبو هريرة الإسلام قبل وفاة الرسول بثلاث سنوات. ويرى علماء مختصون أن أبا هريرة ربما كان نصرانيا من اليمن اعتمد على مصادر نصرانية ويهودية في وضع الأحاديث. فالنصرانية واليهودية جلية في مجموعة أحاديثه. وراي البعض انه وضع على لسان الرسول بعض آيات الإنجيل ولم يتورع أن يسند إليه بعض الأساطير النصرانية. أما مصادره اليهودية فهي واضحة أيضا في كثير من أحاديثه. فقد كان بحسب ما يروي ابن سعد في طبقاته يأخذ عن كعب الأحبار اليهودي الذي كان يلقنه من إسرائيلياته ويدس له من خرافاته وكان المسلمون يرجعون إليه فيما يجهلون من أمور دينهم. وقد كان إسراف أبو هريرة وإكثاره من رواية الحديث في عهد الأمويين وهذا ما يثير الشبهة بخصوص مروياته. لم يصحب أبو هريرة الرسول وفق ما يرويه التراث الإسلامي غير أقل من ثلاث سنوات فمن أين جاءت كل تلك الأحاديث؟ ومتى سمعها ومتى حفظها؟ من الغريب أن معظم أحاديث أبي هريرة ما بين 225 في الحد الأدنى و440 في الحد الأقصى وفق محمود أبو رية مثبتة في الصحيحين وأصبحت مصدرا لأصول الدين وسندا لكثير من أحكام الفقه والتشريع.
من الغريب أيضا أن ينسب إلى أبي هريرة رواية أحاديث تحط من قدره واتهامات له بسرقة مال بيت المسلمين.
يشكك محمود أبو رية صاحب كتاب "شيخ المضيرة أبو هريرة" في صحة نسب أبي هريرة وأصله ويقول إن الناس اختلفوا في اسمه واسم أبيه وفي نسبه وفي موطنه. يقول النووي بحسب ما يروي كتاب "شيخ المضيرة" اختلف في اسمه واسم أبيه نحو ثلاثين قولا.
لم يكن أحد ممن كتب التراث الإسلامي من صحابة النبي المفترضين وأقربهم إليه ولدوا بعد الهجرة بأكثر من خمسة وسبعين عاما وهو أبو حنيفة المولود سنة 79 ه أو 699 م الذي وضع كتاب الفقه الأكبر ويقال إن هذا الكتاب لا يشار فيه إلى القرآن إلا بشكل بسيط يثير الشك. ومن بعده يأتي بقية المدونين من ابن اسحق إلى مالك إلى الشافعي وابن هشام وابن حنبل والبخاري ومسلم وابن ماجة وأبو داود والترمذي والنسائي والطبري وبقية المؤلفين فكيف الاعتماد على كتابات وضعت بعد مئات السنين من الفترة المفترض إن الإسلام نشأ فيها؟ 

تاريخ الإسلام المبكر 22 غريب الحديث
أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون
يكثر في الحديث المنسوب إلى الرسول ما يسمى بالغريب. ويكثر فيه أيضا ما يمكن تسميته باللامعقول. وهذا الغريب واللامعقول يمكن أن يدل بشكل واضح على أن الحديث موضوع ومختلق من اجل خدمة أهداف خاصة بالحكام أو القبائل.
يمثل الحديث وفق التقليد الإسلامي كل ما نطقه الرسول وأثر عنه عبر التواتر الشفهي إلى حين التدوين. وعندما كثر الحديث بصورة لا يمكن ضبطها شرع البعض في تدوين ما اعتبروه صحيحا اعتمادا على ما يسمى الإسناد عن فلان وفلان حتى الوصول إلى آخر متحدث سمع عن الرسول مباشرة. وفي الفصل السابق رأينا كيف أن الذين يفترض فيهم مصاحبة النبي أطول مدة ممكنة كانوا أقل الناس رواية عنه بينما الذين صحبوه فترات قصيرة وفق الرواية الإسلامية كان لهم روايات عديدة تصل المئات وربما الألاف من الأحاديث. وقد انشغل المؤلفون والمفسرون بإثبات صحة الإسناد دون لالتفات إلى صحة المتن فدخل الحديث غريب كثير كان لأغراض خاصة كما يقول غولدتسيهر الذي أمضي سنوات وهو يدرس ويدقق ليصل إلى نتيجة جعلته يشكك في كل الحديث المروي عن الرسول.
أكثر ما يستغرب في قصة الحديث هو أن الذين دونوا الحديث ظهروا بعد أكثر من مئة سنة من وفاة الرسول المفترضة. وصاحب ما يسمى أصح الكتب بعد كتاب الله وهو البخاري مولود سنة 810 م أي بعد مئة وثمانية وسبعين سنة. والأكيد انه كتب صحيحه في عمر يتراوح بين الثلاثين والأربعين أي بعد مئتي سنة من سنة الوفاة المفترضة وهي 632 م. فكيف يمكن الاطمئنان إلى صحة ما جمعه هذا المؤلف وهو أصلا غير عربي. 
يعتقد البعض انه وبسبب جهل المؤمنين بكثير من طقوس الدين الجديد شرع بعض الأتقياء بوضع تقاليد وسنن لمصلحة المجتمع ونسبوها إلى الرسول. وبسبب الصراع الأموي الهاشمي تجرأ البعض واختلق أحاديث تمجد الهاشميين وقام غيرهم باختلاق قصص تمجد الأمويين. وفي حمى المنازعات السياسية اختلقت مجموعة كبيرة جدا من الأحاديث التي تشجع العصبية القبلية. ويرى غولدتسيهر أن الأمويين أحسوا بضرورة تحريض فقهاء بلاطهم على ابتكار مصلحة دينية لمواجهة ادعاء العلويين "في العراق". ولما كان من الصعب شتم علـي وأبناءه بأسلوب ديني لجأوا إلى شتم الجد الجاهلي باعتباره نموذجا لذريته فوضعوا على لسان النبي حديثا يشتم فيه عمه أبا طالب الذي رباه ويقول انه في الدرك الأسفل من النار ولعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه. وهذا حديث يعتبره المسلمون صحيحا وهو في البخاري تحت رقم 3885. وهناك أحاديث أخرى تمجد أبا طالب وهو والد علي للرد على الأحاديث التي تنال منه. وبعد سقوط الأمويين نشط الفقهاء وكتاب السيرة والحديث في اختلاق الأحاديث التي تمجد آل البيت وآل النبي. لكن بعيدا عن المهاترات فقد حدث في زمن العباسيين وضع كم هائل من الأحاديث التي نصرت المبادئ التي استند عليها العباسيون للاستيلاء على الحكم من الأمويين.
لقد كان المستشرق اغناتسيو غولدتسيهر المتخصص في المسائل الإسلامية أول من شك في الحديث. فقام ببحوث مضنية بين ثنايا النصوص والمتون ليكتشف التناقضات الهائلة . وهو يرى انه بغياب دليل أصيل فإنه من الصعب وربما من المستحيل محاولة تشكيل رأى صحيح بشأن ما هو أصلي أو ما هو أقرب إلى عصر النبي المفترض. فكمية الحديث تثير الشكوك أكثر ما تجلب من اليقين. فأغلبيه الحديث كان نتيجة للتطور التاريخي والديني والاجتماعي للإسلام خلال المئتي سنة التي تلت سنة وفاة الرسول المفترضة وهي 632 م. وقد وضع غولدتسيهر في العام 1880 كتابه دراسات محمدية وفيه يقول إن الحديث يفتقد المصداقية وهو نشأ من الجدل والحوارات بعد حوالي مئتي سنة وربما أكثر من ظهر الإسلام المفترض. 
من بداية حكمها لعبت الأسرة الأموية دورا في اختراع الحديث لتخدم أغراضها وتدعم ملكها في مواجهة أعدائها. فبعد أن استولى عبد الملك على مكة واخضع الحجاز ظهر حديث يرويه الزهري عن المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال. وقد اقترنت نشأة المدنية الإسلامية بخلافات داخلية فتحت الباب واسعا أمام انتحال الحديث فامتلأ الموروث بعشرات الألوف من الروايات الكاذبة والمؤلفة من الأحاديث المختلقة على الرسول. وكان لهذا الانتحال أسباب عديدة وكثيرا ما كان الدين يدفع رجاله لانتحال الروايات التاريخية والأحاديث النبوية لإثبات بعض وجهات نظرهم. وقد تم بحسب غولدتسيهر استغلال الفقهاء من قبل السلطات. وقد تم وضع الحديث من اجل تنظيم ممارسة الدين ومن اجل توفير تبريرات لطبقة الفقهاء والشريعة. ويؤيد جوزيف شاخت استنتاجات غولدتسيهر بأن الحديث لا يناسب العصر المفترض للرسول بل يناسب الفترة التي تلت ذلك بمئتي سنة وربما مئتين وخمسين. من مثل ذلك الحديث المنسوب إلى الرسول بشأن خلق القرآن وهي قضية لم تظهر قبل العصر العباسي. فينسب إلى الرسول قوله: القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود. وهذا معناه أن المصادر الإسلامية لا تكفي ولا تنفع لدراسة الأحداث التي يفترض أنها رافقت ظهور الإسلام ولذا يمكن بكل ثقة إنكار وجود أي مصادر ترقى إلى عصر النبي. وقد انتقد شاخت بعد غولدتسيهر واضعي الحديث وشك في الإسناد وقال انه كلما كان الإسناد واضحا كان ذلك مؤشرا على زيف الحديث. ويرى أن معظم الحديث وضع بعد القرن التاسع للميلاد. 
كثيرون يرون مع غولدتسيهر وشاخت تناقضات واضحة في الأحاديث والأحداث والمعارك والغزوات المتعلقة بتاريخ الإسلام وبالتالي يصعب كثيرا وضعها في ترتيب منسق ينسجم مع نفسه بشكل تراتبي ومنطقي. وكل طرف سياسي كان يجتهد في اختراع واختلاق الأحاديث والأحداث التي تخدم أهدافه. فالأنساب القبلية مثلا وضعت لتخدم التحالفات التي سادت خلال العصر الأموي ولإعطاء شرعية للحكم نفسه عبر ربط الأسرة الأموية بقريش وبالرسول. وربما كان الأمر كذلك بالنسبة إلى الروايات المتعلقة بمصاهرات الرسول لأبي بكر وعمر وبدرجة أقل لأبي سفيان. أي أنها كانت ذات قيمة سياسية تتعلق بالنقاشات المتأخرة لإثبات شرعية السلطة.
هناك في الحديث ما هو أكثر غرابة. ما هو دور اليهود في الحديث ولماذا يوجد يهود في معظم قصص الحديث؟ عديدة هي الروايات التي يرويها البخاري وغيره تتحدث عن أصدقاء محمد من اليهود وكذلك جيرانه وضيوفه وضيوف زوجاته. كثيرة هي الأحاديث التي تروى عن عائشة على سبيل المثال تقول فيها: زارتني اليوم جارة يهودية ... فقصة عذاب القبر مثلا سمعتها عائشة من جارتها اليهودية العجوز وحدثت بها محمد فرفضها ثم ثبتها على أنها حقيقة. وهناك قصة الجنازة وغيرهما فهل هذا مما يسمى الإسرائيليات؟ يرى إسماعيل أدهم أن ابن عباس أكثر الرواة نقلا عن المصادر اليهودية. فقد جمع ابن عباس كل ما يتفق والقرآن من الأساطير اليهودية ووضعها على لسان الرسول وهو في الواقع لم يفعل أكثر من ترديد ما في التوراة مستمدا مادته من الأساطير اليهودية في العهد القديم . وهذا الراي نفسه أو يقترب منه ما قاله المستشرق إميل دورمنغهام في كتابه حياة محمد بأن كتب الحديث لا تخلو من ميل وشبهة وقد اقتطفت من أقوال التوراة والإنجيل وأسندت إلى محمد وقد عزي إليه ما يدحض به بعض المذاهب المسيحية كما نسب إليه ما يشك فيه من معجزات. تروي كتب الحديث أن رجلا دخل المسجد فاذا عامر بن عبد القيس جالس إلى كتب وبينها سفر من أسفار التوراة وكعب الأحبار يقرأ. وقد تسلط كعب الأحبار على سذاجة أبي هريرة ولقنه كل ما يريد أن يبثه في الإسلام من خرافات وأساطير وأوهام. قال كعب في أبي هريرة: ما رأيت أحدا لم يقرأ التوراة اعلم بما فيها من أبي هريرة .
يبدو أن هذه الروايات المشبوهة وضعها يهود كانوا اجبروا على دخول الإسلام فقاموا بنسج قصص من الخيال تسيء إلى الرسول والى الإسلام وقد ابتلع المسلمون الطعم اليهودي ولم يعد بمقدورهم التخلص منه بعد مرور مئات السنين عليه. من مثل ذلك مذبحة بني قريظة وقصص الغزوات لليهود وإخراجهم من الحجاز وغير ذلك من قصص الإسرائيليات المعروفة في التراث الإسلامي.
من الغريب الاعتماد على مؤلف مثل البخاري يروي أشياء غير معقولة وينسبها إلى نبي. فقد روى البخاري حديث القردة الزانية التي رجمتها القرود وروى حديث الداجن التي أكلت شيئا من القرآن. ومن غرائب الحديث التي لا يمكن تصديق نسبتها إلى نبي: إن الجمال والماعز ستقوم يوم القيامة وتدوس على رؤوس من كان لا يدفع الزكاة. وحديث غروب الشمس في الطين، وحديث إن الأسئلة من الشيطان، وحديث أن التثاؤب من الشيطان والعطس من الرحمن، وحديث أن الشيطان يبول في أذن الإنسان، وحديث غمس الذبابة، وحديث أن الشيطان يدخل الإنسان من انفه ليلا فوجب تنشيق الأنف عن الاستيقاظ لإخراجه، وحديث أن آدم كان طوله تسعون قدما وكان يتكلم العربية.
كل هذه الأحاديث الغريبة وسيرة من روى تلك الأحاديث تجعل الشك في الحديث أمرا واجبا يستدعي القول إن كل ما يسمى حديث إنما وضع في أوقات لاحقة لخدمة الدولة والسياسة ولتبرير تصرفات وسلوكيات الحكام الذين كان يخضع لهم رجال الدين.

تاريخ الإسلام المبكر 23 إسقاطات الماضي وانتحالاته في الحديث والسيرة
ومضى مثل الأولين
في القرن الميلادي الثامن نشأت مؤلفات السير وكتب حديث السنة وتواريخ الملوك وذلك بإسقاطها رجعيا على تاريخ إسلامي متسلسل. وهذه الصيرورة المدهشة تشبه تماما ما فعله محررو التوراة عندما أسقطوا الأحداث رجعيا على أزمنة غابرة ثم جرى تعليلها وتأويلها ومنحها الشرعية. ويبدو أن الرواة العرب اطلعوا على روايات أجنبية أو سرديات أجنبية فصاغوا ما يحاكيها وأسقطوها على التاريخ العربي ورحنا نأخذها مأخذ الجد وكأنها التاريخ الحقيقي. من أمثلة ذلك ناقة قدموس تصبح ناقة صالح مثلا. وراحت كتب السيرة تنهل من موروث الحضارات والبلدان التي دخلها العرب وأسقطوها كلها على شخصية أو قائد سموه نبيا وأعطوه اسم محمد . واغلب الرواة الذين نقلوا التاريخ ووضعوا السير فعلوا ذلك في سياق عملية تخييل أفضت إلى قبول المرويات الإخبارية للطبري والمسعودي وابن الأثير وابن هشام على أنها التاريخ الحقيقي برمته.
في كتابه الأساطير والأحلام المؤسسة للعقل الإسلامي يتحدث المؤلف نبال خماش عن كيفية قيام المسلمين الأوائل بإسقاط قصص التوراة والإنجيل على قصص النبوة المحمدية. ويبدو أن كتبة الحديث كانوا يأخذون قصة إنجيلية أو توراتية وينسجون حولها قصة لمحمد أو حديثا ينسبونه إليه. فحديث الهم نصف الهرم الذي يورده كتاب الجامع الصغير وينسبه لمحمد مأخوذ حرفيا أو شبه حرفيا من سفر يشوع بن سيراخ فصل 26 آية 3: الغمة تأتي بالشيخوخة قبل الأوان. ومن مثل ذلك أيضا قصة إبراهيم وذبح ابنه وإسقاطها على عبد المطلب وقصة ذبح عبد الله وافتدائه من ثم بمئة من الإبل. وقصة بشارة مريم بولادة يسوع أسقطوها على قصة بشارة آمنة بولادة محمد. لقد كان كتبة السيرة والحديث على ما يبدو مطلعين على الإنجيل وغيره من الكتب مثل إنجيل متى الآرامي فقد كانوا يقرأون السريانية إذ أن اللغة السريانية كانت لغة الثقافة السائدة في فترة التدوين. كل تفاصيل حياة المسيح على الأرض وصفاته أعطيت لمحمد في السير اللاحقة: أسبقية وجوده، صلته بإبراهيم، تبشير الملاك به، ضياعه وإيجاده، احتفاؤه بعمر الثانية عشرة ثم عودته، التعرض لتجربة الشيطان، اختيار اثني عشر صحابيا، وقصة التجلي التي صارت المعراج. 
لقد رصد غولدتسيهر في كتابه الحديث ما ينسب إلى محمد من أقوال هي في الأصل مأخوذة حرفيا من الإنجيل. ويرى كوللة في مقالة له يقارن فيها بين محمد والمسيح ومن خلال الترجمة الحرفية من الأعمال الإسلامية كيف أن كل تفاصيل حياة يسوع تم نقلها ونسخها من خلال الخيال الجامح لتنسب إلى محمد. ولعل هذا ما حدا البعض للقول إن محمد هو مسيح المسلمين. فقد استخدم المؤرخون العرب الأوائل أحداثا معاصرة لهم وأقحموها في أحداث سابقة بألف وألفي سنة وحتى بثلاثة آلاف سنة. فابن اسحق مثلا كان جاهلا بكل الحقائق التاريخية فكتب تاريخا من الخيال من اجل بناء قصة "رسول الله" الذي وضع له سيرة ليس فيها أي حقائق واقعية. ولا ننسى أن ابن اسحق اتهم من قبل معاصريه بالكذب والتدليس واختراع القصص وتخيل الأحداث. حتى قصة نزول جبريل في غار حراء تكاد تكون إسقاط حرفي لقصة نزول جبريل على أشعيا فصل 40 آية 6: صوت قائل ناد فقال بماذا أنادي، وفي ترجمة ثانية: صوت قائل اقرأ فقال ما اقرأ؟ أما قصة الهجرة واللجوء إلى الغار وقصة الحمامة والعنكبوت فهي كلها مأخوذ بالكامل من التراث العبراني وفق ما يقوله نبيل فياض. ولكنها على ما يبدو غير مأخوذة بحرفية مقنعة. فعندما شاهد رجال قريش خيوط العنكبوت والحمامة الراقدة على البيض اقتنعوا بعدم وجود أحد في الداخل. مع انه يفترض وجود ثلاثة رجال في الداخل هم أبو بكر ومحمد والدليل. ثم أين ذهبت الجمال؟ فهل هي قصة مختلقة ومأخوذة من التراث العبراني لتفسير الآية التي تقول: إذ هما ثاني اثنين في الغار؟ ... تبدو قصة هجرة محمد وأصحابه من مكة إلى المدينة محاكاة لقصة خروج بني إسرائيل من مصر نحو ارض الميعاد. مع أن حقيقة الخروج من مكة نحو مدينة يثرب لا تبدو مثبتة من أي مصدر تاريخي. وهي أن لم تكن محاكاة لقصة خروج بني إسرائيل من مصر فهي تحاكي قصة خروج الإسماعيليين من الحجاز إلى الشام. وهناك في التراث الإسلامي أيضا وفي خلال قصة غزوة الخندق أن علي بن أبي طالب المقاتل الشاب يصرع الفارس العملاق عمرو بن ود العامري. وتبدو هذه القصة أيضا إسقاطا لقصة داود وجولياث.
لقد أجاد كتاب السيرة في كتابة دور بطل الرواية محمد بن عبد الله لكنهم أساؤا إليه كثيرا من حيث يدرون أو لا يدرون وخصوصا فيما يتعلق بحياته الشخصية وعلاقاته النسائية. وعندما يقال إن نبوة محمد مجرد اختراع وان شخصيته وهمية مختلقة فلماذا لم يضعها صانعوها مثالية ككل الأنبياء؟ لماذا يضعون في سيرته قصصا لا تليق بإنسان عادي فكيف بمن يسمونه نبيا؟ لو كان محمد نبيا حقيقيا أو كان شخصا حقيقيا فهل ستكون صفاته كما هي في كتب السيرة والحديث؟ 
النبي الحقيقي يكون مليئا بالمحبة والقيم الروحية والعطف والحنان والانضباط النفسي والأخلاقي. لكن ما الصق بنبي الإسلام كان صفات شهوانية غير أخلاقية منزوعة الإنسانية، قاتل ومهووس جنسيا بيدوفيليا وعنصري ونرجسي وشيزوفريني. كيف يلقي الشيطان في قلبه آيات ويتلوها على أنها تنزيل؟ كيف يزوجونه بطفلة؟ كيف يأمر بالقتل والتعذيب؟ 
والمفروض انه نبي مرسل من الله رحمة للعالمين لكن سيرته المكتوبة تصوره وتظهره رجلا مليئا بالشهوة وحب النساء وامتلاك الإماء والعبيد والجواري ومحبا للغزو والغنيمة. وينسب إلى محمد ما لا يمكن أن يصدر عن نبي: أحاديث خرافية لا يمكن لإنسان عاقل أن يصدقها أو يأخذ بها إلا إذا كان مؤمنا بها بشكل اعمى كما يفعل بعض المسلمين. لقد وضع في سيرته ما لا يمكن تصديقه أو استيعابه بشكل عقلاني. عشرات من الأمثلة جاؤوا بها من الخيال والفولكلور والأساطير. ولكن لماذا؟
هل أراد الذين وضعوا القصة أن يظهروا بمظهر واقعي أكثر من اللزوم؟ أم كان هناك من دس ودلس وكذب واختلق؟ 
لقد اختلقت العديد من القصص والأحداث وألصقت بمحمد من أجل تبرير تكرار الحدث مع أشخاص ربما كانوا متنفذين أو بلغة اليوم مسؤولين كبار. من أمثلة ذلك قصة زواج محمد بالطفلة عائشة. الغريب أن كبار المثقفين المسلمين يحاولون تبرير ذلك بشتى الطرق. الكاتبة الإسلامية عائشة عبد الرحمن في كتابها نساء النبي تقول عن زواج محمد من عائشة: لم تدهش مكة حين أعلن نبأ المصاهرة... بل استقبلته مكة كما تستقبل أمرا طبيعيا مألوفا ومتوقعا. ولم يجد فيها أي رجل من أعداء الرسول أنفسهم موضعا لمقال. ولم يتخذ أحد منهم من هذا الزواج مطعنا أو منفذا للتجريح والاتهام. لكن الأكيد أن هذه الكاتبة أخذت هذه الفكرة مما ورد في كتب التراث. فهذه الكتب التي أوردت الرواية في الأصل لم تشر إلى أي اعتراض من قريش. وكيف تشير وهي تريد أن تجعل الأمر طبيعيا ومقبولا ليكون سابقة للرسول يحتذى بها؟ ولمزيد من التدليس جعل الرواة عمر بن الخطاب يتزوج هو الآخر من فتاة صغيرة هي ابنة علي بن أبي طالب وكذلك عثمان بن عفان يتزوج من ابنة عمر.
حتى تعدد الزوجات وضع من أجل تبرير التعدد. ويبدو أن التحديد بأربع زوجات تشريع وضع في وقت لاحق بعد أن شاع التعدد بشكل غير مقبول اجتماعيا. كما أن قصة زواج محمد من زوجة ابنه بالتبني اختلقت لوضع تشريع بمنع زواج الآباء بمطلقات أبنائهم وإلغاء فكرة التبني. يضاف إلى هذا مسألة الشهود الأربعة لإثبات واقعة الزنى. لم يتحرج الفقهاء وكتاب السيرة من اختلاق قصة الإفك واتهام زوجة النبي المفترضة بالزنا من اجل تبرير التشدد في الشهود. ويبدو أن الزنا كما يقول خليل عبد الكريم كان متفشيا في المجتمع الإسلامي المبكر وكان لا بد من التشدد في مسألة الشهود من أجل منع ترديد الاتهامات.
إن ابن جرير الطبري وهو الذي كتب أول كتاب تاريخ في حياة أمة العرب والمسلمين ولد بعد وفاة محمد المفترضة بمئتي سنة. فقد ولد عام 224ه 839 م في طبرستان من بلاد الفرس وتوفي عام 929 م. وقد وضع كتابين هامين يعتبرهما المسلمون وغير المسلمين المرجعين الرئيسين لتاريخ الإسلام وهما تاريخ الملوك والأمم المعروف باسم تاريخ الطبري وكتاب جامع البيان في تفسير آي القرآن المعروف بكتاب تفسير الطبري. ويعد ظهور كتب التاريخ بعد مئة وخمسين سنة على الأقل من وفاة محمد سبب كاف للشك فيها. وهي كتب لم تكتب من اجل تفسير التاريخ وتوضيحه بل كتبت لتمجيد الإسلام خصوصا انه في العصر العباسي طلب الخلفاء من المؤلفين إعادة كتابة التاريخ. وقد كلف ابن هشام بإعادة تحرير الكتابات السابقة وأول ما بدأ به سيرة رسول الله فأخذ يصحح الأخطاء المريرة التي اقترفها محمد بحسب ما كتبه ابن اسحق من قبله جاعلا السيرة مقبولة سياسيا في ذلك الوقت. وتم إعادة كتابة وتنقيح وترتيب سور القرآن وتشكيله النهائي بما فيه من إضافات في العصر العباسي. وفي العصر العباسي أيضا تم اختلاق الفترة الراشدية وإضافتها إلى التاريخ الإسلامي من اجل الانتقاص من شرعية الحكم الأموي ومنجزاته في الفتوحات وجمع القرآن عبر إيجاد حيز تاريخي يمكن أن توضع فيه بعض تلك المنجزات.
يرى جوزيف شاخت أن الروايات الإسلامية لا صحة لها على الإطلاق وحتى الروايات التاريخية لا يمكن الاعتماد عليها إذ إنها وضعت لأغراض تشريعية لان الشريعة الإسلامية كانت خارج نطاق الدين الإسلام والقرآن لم يكن مصدرا لها خلال القرنين الأول والثاني من الهجرة. وفي مطلع القرن التاسع عشر أعرب الباحث في تاريخ الإسلام غوستاف فرايتاغ عن عدم ثقته بأخبار الموروث الإسلامي ووصفها بالمكذوبة والملفقة خصوصا تلك التي تناولت الطقوس الوثنية حول الكعبة في مرحلة ما قبل الإسلام.
لم تكن نصوص التاريخ الديني التي وضعت مستندة إلى حقائق تاريخية بقدر ما كانت خيالات خصبة للرواة العرب. ويقول الراوندي إن سيرة النبي في مكة والمدينة هي خيال قصصي ليس لها أي أساس. وهذا كان أيضا استنتاج كثير من المؤرخين الذين يشتغلون في التاريخ الإسلامي. فقد بني التاريخ الإسلامي على نصوص غير دقيقة كانت تتواتر مشافهة ثم كتبها أشخاص مبتدئين وصارت أساسا لكل التأريخات اللاحقة. فالطبري يعترف مثلا انه اعتمد في كتاباته على المرويات وما يتناقله الرواة ولم يكن لديه القدرة على التمحيص والتدقيق والاستشهاد بمن هم أعلم منه أو أقدر على التمييز. وما ينطبق على الطبري باعترافه ينطبق على باقي المؤرخين والمدونين الذين كتبوا رواية الإسلام المبكر الذين لم يعاصروا أحدا ولا أحداثا وإنما نقلوا رواية تتناقلها الألسن مشافهة من جيل إلى جيل وقد بعد العهد بها عن السنة التأسيسية المفترضة زمانا ومكانا. والأكيد أن الطبري لو انه شخص حقيقي وليس مجرد اسم وهمي لشخص غير موجود، لم يطلع على أي وثائق أو مستندات ولم ير أي دليل مادي مثل المسكوكات أو الأختام أو النقوش تعود إلى القرن الميلادي السابع. ويتهمه نادر قريط في مقال له إن الطبري الذي يعود أصله إلى منطقة طبرستان الفارسية المعروفة بالتقاليد الكتابية الراسخة والعريقة في بلاد الفرس ربما اطلع على الموسوعة البيزنطية التي وضعها الإمبراطور المثقف قسطنطين الرابع فنصوص الطبري تكاد تكون متطابقة أحيانا مع نصوص هذه الموسوعة . 
يتهم البعض الطبري أن تاريخه الذي كتبه بناء على رغبة الخلفاء هو إعادة لكتابة سيرة الرسول ولكن بتوسع وبكثير من الخيال. أما تفسيره للقرآن فيبدو وكأنه إعادة كتابة لمتون الحديث بكثير من الخيال أيضا.
إن الطبري الذي عادة ما يأتي في مقدمة المؤرخين العرب في سرد عدد كبير من المرويات والقصص التي تساهم على نحو نشط وفاعل في تنشئة العقل الإسلامي وتهيئته بديمومة متصلة يركن وعلى نحو واثق إلى التفاسير الخيالية والخارقة حتى غدا هذا العقل مع توالي الزمن لا يقبل في مجال معالجته لفهم الأحداث الكبرى والمهمة إلا أن يكون التفسير الميثولوجي حاضرا وفي مدى سردي تفاوتت مساحته من نص إلى آخر . 
هناك في الحديث والسيرة الكثير مما يسمى إسرائيليات. والإسرائيليات هي المرويات المنقولة عن مصادر يهودية وهي باب كبير جدا في الثقافة الإسلامية. من أشهر من ينسب إليه إسرائيليات عبد الله بن سلام وكعب الأحبار ووهب بن منبه. معظم تلك الإسرائيليات يمكن رصدها في التلمود والمدراش وليس فقط في التوراة. وهذا يشير إلى أن الذين أرادوا وضع الرواية الإسلامية غرفوا من كل ما هو متوفر لديهم سواء كتب أو روايات شفوية وقد وثقوا بالروايات اليهودية لأنهم كانوا يقصدون وضع عقيدة مشابهة لليهودية كل همها نقض وتفنيد العقيدة المسيحية الهللينية. 
في كتابه أبطال بلا تاريخ يتحدث الدكتور فاضل الربيعي عن كثير من المرويات الخيالية النابعة من الأساطير والخرافات لأحداث لم تحدث وإنما كانت محض خيال وتأليف. بعضها محاكاة لأساطير أجنبية مثل الحروب التي وقعت أيام العرب وحرب البسوس وداحس والغبراء. قد تكون شخصيات الرواية الإسلامية حقيقية ولكن أعيد صياغتها زمانيا ومكانيا لتناسب المرويات الإسلامية التي تجعل الإسلام دينا موحى به إلى محمد النبي في مكة. ولذا يشكك الربيعي في روايات الطبري والمسعودي وابن الأثير وابن هشام والأزرق على أن تكون التاريخ برمته. فهو يرى أن هؤلاء دمجوا بين التاريخ والأسطورة. فحرب البسوس على سبيل المثال في رأى الربيعي لم تحدث وإنما هي إعادة إنتاج لبعض مرويات حرب طروادة.
في محاولة البحث والتمحيص والمقارنة التاريخية والمضاهاة بين الأصول لا نجد في المصادر الفارسية أو البيزنطية ولا حتى الأرمنية أو السريانية أي إشارة لا من بعيد ولا من قريب تشير إلى ما تقدمه الرواية السردية الإسلامية كما صنعها الطبري وغيره من المدونين المسلمين في بداية الدولة. كما لا يوجد أي دليل مادي واحد يثبت أن العرب المسلمين كانوا موجودين في الحجاز خلال القرن السابع الميلادي.

تاريخ الإسلام المبكر 24 من الشام وليس الحجاز
والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين
لو كان الإسلام قد تكامل في الحجاز ووصل إلى الشام مكتملا لما احتاج أحد أن ينتقده ولما اعتقد كثيرون مثل يوحنا الدمشقي بأنه هرطقة مسيحية. أي أن الإسلام فعليا ظهر في الشام من خلال هرطقة المسيحية اليهودية التي عرفت باسم النصرانية.
ولما كان الدمشقي من أتباع الأرثودوكسية الملكانية الخلقيدونية جاء اعتراضه على هؤلاء وهو يسميهم الإسماعيليين لأنه في عصره بدأت وفود من العرب الحجازيين تأتي إلى الشام وتتبنى العقيدة النصرانية.
عندما ظهر الإسلام للمرة الأولى على المسرح العالمي نظر إليه المسيحيون في الغرب على انه هرطقة مسيحية وليس دينا جديدا. وبقيت تلك النظرة في الغرب حتى فترة ما بعد الحروب الصليبية. أما في بيزنطة فقد أدرك الروم أن الإسلام دين جديد بعد القرن التاسع وقبل ذلك كان الكتاب المسيحيون في بيزنطة يعتبرونه مجرد هرطقة . 
ومع أن الإسلام بدا يتشكل كدين منذ أواخر القرن السابع الميلادي إلا أن يوحنا الدمشقي ظل ينظر إلى اتباعه على انهم إسماعيليون أتباع هرطقة ولم يعتبرهم طائفة منفصلة إذ لم ينظر إلى الإسلام كدين مستقل.
لقد عاش يوحنا الدمشقي في كنف عبد الملك بن مروان ومع انه في البداية رأى في الإسلام شكلا من أشكال الهرطقات المتأثرة بالآريوسية والنسطورية، لكنه رأى أيضا انه يشترك في بعض الأشياء مع المسيحية. ومع أن النسطورية والآريوسية تمت إدانتهما في مجمع نيقية ومجمع القسطنطينية. إلا أن النساطرة تمكنوا بشكل أو باخر من الهرب باتجاه بلاد الفرس وأعادوا تنظيم أنفسهم وجمعوا إليهم انصارا من معظم أنحاء المنطقة.
لقد كان يوحنا الدمشقي وهو أحد اهم فقهاء المسيحية في العصر البيزنطي كان مقتنعا بأن الإسلام ليس دينا جديدا أو مستقلا بل بدعة مسيحية أو شكلا من أشكالها. كان تركيز الدمشقي في نقده للإسلام على الاختلاف بشأن ألوهية المسيح والثالوث الأقدس وصدقية نبوة محمد. وكان ينظر إلى الإسلام على انه انشقاق من المسيحية وهرطقة للإسماعيليين العرب. يقول الدمشقي في كتابه الموسوعي: ينبوع المعرفة: إن نبيا كاذبا ظهر بين الإسماعيليين اسمه محمد التقى براهب آريوسي وعلمه هرطقته وادعى أن كتابا نزل عليه من السماء. 
خلاصة قول يوحنا الدمشقي في الإسلام هو انه فرقة نصرانية مارقة ظهرت في زمن هرقل. وقول الدمشقي كان له أثره على مجمل الموقف البيزنطي من الإسلام في القرن السابع. فقد نظر البيزنطيون إلى الإسلام من خلال المنار الذي نظروا فيه إلى الهرطقات القديمة ورفضوا أن ينظروا إليه كدين رسمي. ولذلك لم يتصدوا له بقوة واعتقدوا انه حالة هرطقة سرعان ما تنتهي وتذوب في التيار المسيحي العام.
لقد تأخر البيزنطيون في رؤية الإسلام كتحدي لاهوتي جدي ولم يكن لديهم ما يكفي من المعلومات الأكيدة عن الإسلام كدين مستقل فظلوا يشيرون إليه على انه هرطقة مسيحية ويتحدثون عن المسلمين بأوصافهم العربية: عرب، سراسين، إسماعيليين أو هاجريين وليس باي صفة دينية. كما أن يوحنا الثالث وهو أسقف يعقوبي عندما جادل عمير بن سعد الأنصاري كان يعتبر الإسلام مجرد هرطقة مسيحية رافضا قبوله وحيا حقيقيا تنزل من الله على إنسان في غار صحراوي. 
لكن الإسلام نما وتطور وترسخ وصار عقيدة النخبة الحاكمة. وقد لفت الإسلام نظر المسيحيين بشدة وكان الشيء الأصعب على التفنيد من وجهة نظر مسيحية هو شدة البساطة التي أتى بها الإسلام . فالبساطة المتناهية هي الوصف الأنسب للإسلام. لقد صار الإسلام أشبه بالمسيحية من غير لاهوت ولا روحانيات، فلا أسرار ولا كهنوت ولا رهبنة وأشاع تعدد الزوجات وسهل إجراءات الزواج والطلاق. 
أن الدراسة المتأنية والمتمهلة لمسيرة نشأة الإسلام تظهر تشكله بصورة مغايرة لما تسرده الرواية الإسلامية الرسمية. فهو لم يخرج من الصحراء إلى الهلال الخصيب بل يجب النظر إليه على انه نشأ كحاجة لحماية وتثبيت الاستقلال الذي قام به الأمويون في الشام وتوسيع سلطانهم باتجاه الجزيرة العربية وتوحيدها مع الهلال الخصيب. لقد كان الدين القومي للدولة الناشئة أما الحجاز فلم يدخل إلا متأخرا مع التحولات التي أصابت الخط التجاري وتمكن عبد الملك بن مروان من بسط نفوذ الأمويين هناك.
ترى باتريشيا كرونة وهي من أشهر من درس بدايات الإسلام إن الدين الجديد ظهر في منطقة ما بين سوريا وفلسطين. وبعد أن تمكن العرب من الاستقلال عن البيزنطيين وإقامة الدولة العربية بقيادة الأمويين أرادوا أن يستقلوا بنصرانيتهم وتمييزها عن المسيحية الهللينية. وقد رأينا في فصول سابقة كيف جمع اكليروس الأمويين الكتابات النصرانية وغيرها في قريانة تساعد المؤمنين في أداء صلواتهم وواجباتهم الدينية.
معروف أن الوسط الديني الذي عاش فيه عرب الشام مقارنة بعرب الحجاز كان يتميز بتنظيم وترتيب سمح بتطوير العقيدة النصرانية إلى دين مستقل. بعكس منطقة الحجاز التي لا يوجد ولم يوجد فيها أي إثبات أو دليل أركيولوجي يدعم رأى الرواية الرسمية بأن الحجاز كان المهد الأول للإسلام. ولم يوجد أي دليل على أي نوع من الاستيطان العربي في الحجاز في أواخر القرن السادس أو أوائل السابع. لكن الأماكن التي وصفها القرآن لممارسات وثنية عرفت باسم الجاهلية موجودة بإثباتات أركيولوجية في فلسطين والشام. كما أن حفريات أركيولوجية أجريت في منطقة النقب الفلسطينية أظهرت آثارا تدل على وجود الوثنية والحياة الجاهلية تماثل تلك التي تحدثت عنها المصادر الإسلامية ونسبتها إلى الحجاز لفترة القرنين السادس والسابع. مع أن الحفريات في الحجاز لم تكشف شيئا عن مثل ذلك كما أنها لم تكشف عن أي آثار تدل على وجود يهود في تلك المنطقة. وهذا يعني أن المصادر الإسلامية أخذت معلومات عن الجاهلية والوثنية السائدة في النقب ثم نسبتها إلى تاريخ الحجاز ومكة. وقد وجدت في النقب أيضا من خلال النصوص المكتشفة هناك بقايا عقيدة توحيدية ساهمت في تطور الإسلام.
يرى سليمان بشير أن الافتراض بأن الحجاز كان يمكن أن ينتج كل ما من شانه تغيير العالم كما حدث هو افتراض بحاجة إلى إثبات. ولكن لماذا جعل الحجاز مهد الإسلام؟ الجواب بسيط وهو أن من شكل الإسلام أراد أن يعطيه نكهة عروبية قوية لأنهم اعتقدوا أن الجزيرة العربية هي موطن العرب الأصلي. يتساءل كثيرون لماذا يتأخر المسلمون في الإشارة إلى القرآن ومحمد لو انه ظهر فعلا في الحجاز؟ 
لقد كان الإسلام اختراعا عربيا لتوفير تبرير ديني للإمبريالية العربية التي أقامت الدولة وتوسعت في المنطقة كلها. وبمجرد أن أقام العرب دولتهم برزت الحاجة إلى دين متكامل من اجل إبقاء الدولة متماسكة وشرعنتها. وعلى نسق ما هو موجود عند المسيحيين واليهود. أي أن هناك ضرورة لوجود رسالة ووحي ونبي. 
يلخص جاي سميث في كتابه القرآن المنحول ما تثبته الجغرافيا ويرويه التاريخ من مقارنات المواد المتراكمة من القرنين السابع والثامن:
1. الهجرة كانت إلى فلسطين والقدس وليس المدينة
2. القبلة لم تكن مكة حتى القرن الثامن
3. اليهود ظلوا على علاقة طيبة بالعرب حتى العام 640 م 
4. القدس وليس مكة هي المقام الأصلي للإسلام ومكة لم تكن معروفة
5. قبة الصخرة كانت هي المقام الأول والقبلة الأولى.
6. محمد لم يكن يعتبر نبيا عالميا حتى نهاية القرن السابع
7. لفظتا مسلم وإسلام لم تعرفا قبل القرن السابع
8. الصلوات الخمس لم تشرع قبل العام 171 ه 
9. أبكر مرحلة سمعنا فيها عن القرآن كانت منتصف القرن الثامن الميلادي
10. الكتابات القرآنية المبكرة لا تتطابق مع النص القرآني الحالي 
وبينما انشغل السياسيون بالحروب نشأت طبقة العلماء الشيوخ. قليلون كانوا يعرفون تعاليم الدين فقام هؤلاء العلماء بجمعها وختام عملهم أنتج الإسلام الذي نعرفه. قاموا بجمع كل ما هو متداول ومنسوب إلى "محمد" وكذلك وضعوا التفسيرات للنصوص كما وضعوا القوانين والشرائع. ولقد ظلت تلك النصوص تتطور وتراجع وتنقح من قبل أولئك العلماء. قليلون كانوا يتقنون القراءة إذ كانت الأمية طاغية ومنتشرة ولا أحد ينتبه لما يحدث في مجال الكتابة والتأليف. ولم يبالي أحد بما يقوم به هؤلاء العلماء.
وبما القرآن تطور ونما طوال قرنين من الزمن، وحيث أن الحجاز دخلت في وقت لاحق تحت مظلة إسلام عبد الملك، ربما كانت هناك رسائل دعوية ترسل إلى من يمكن أن نسميه وكيل الحجاز لإقناعه بالخضوع لإسلام عبد الملك. قد تبدو هذه الفكرة غريبة وشاذة ولكن هل من تفسير آخر لما نراه من صيغ في النص القرآني تبدو على شكل دعوة لشخص ما باتباع الإسلام من خلال قدوة تتحدث عن هذا الإسلام؟ بماذا نفسر الآية التي تقول وأمرت أن أكون أول المسلمين؟ وأنا أول المسلمين؟ وثمة ما يشبه تعليمات بشأن الدين الجديد على شكل تحذير بعد شرح: وأقم وجهك للدين حنيفا ولا تكونن من المشركين؟ فالذي يوجه إليه الخطاب كان على ما يبدو من المشركين. ثمة آية أخرى أكثر صراحة: فاصدع بما تؤمر واعرض عن المشركين. وكأنه كتاب تكليف لهذا الشخص أو الزعيم الذي في الحجاز لينذر عشيرته وينشر الدعوة: ولتنذر أم القرى وما حولها. وثمة محاولات من المرسل أيضا للإقناع بأن هذا النص سماوي: ما كان هذا القرآن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب. وبعد أن صدع وكيل الحجاز بدأ ما يشبه ترديد قسم الولاء أو التكريس، قل: إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين. انه على ما يبدو قسم القبول بالرتبة الجديدة برئاسة النصارى الجدد بعد أن تسموا بالمسلمين: هو الذي سماكم مسلمين من قبل وفي هذا. ولننظر في هذه الآية: وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لاعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم. 

تاريخ الإسلام المبكر 25 خلاصة البحث
ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وان الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم
ليس ثمة تاريخ بلا أبطال ولكن ما ثبت عبر التاريخ أن هناك أبطالا من دون تاريخ وقد احتلوا مكانة متميزة من الذاكرات الشعبية والروايات الشفهية. ولذا ليس التاريخ مليء بالأساطير بل إن الأساطير صارت تاريخا. تلك خلاصة بحث الدكتور فاضل الربيعي الذي وضع العشرات من الكتب والأبحاث فيما يخص التراث والأساطير والتاريخ القديم. 
فما الذي يمكن أن يجعل من الإسلام حقيقة فعلية؟ ألا يمكن أن يكون مختلقا من النصرانية والأبيونية وغيرها من الهرطقات المسيحية؟ يرى بعض الباحثين أن ابن تيمية المولود في حران بتركيا الحالية في القرن الثالث عشر هو الذي شكل الإسلام على الشكل الذي نعرفه اليوم وجعل من الإسلام دين الحرب والجهاد والعنف. فلم يكن في الإسلام المبكر أي جديد يختلف عن اليهودية والمسيحية النصرانية. والآيات التي تتحدث عن الجهاد والقتال ومحاربة اليهود وغيرهم وضعت في وقت لاحق بعد أن انفصل الإسلام كلية عن النصرانية واليهودية وصار دينا مستقلا يحكم منطقة شاسعة من البلدان.
من المعروف أن كتب الفقه والتفسير والتاريخ والحديث والسيرة كتبت في وقت متأخر بعد الوقت المفترض لظهور الإسلام. وعندما اكتشف المؤلفون كل تلك التناقضات بين الآيات المختلفة اخترعوا قصة الناسخ والمنسوخ وأسباب التنزيل لتبرير كل ما وجدوه في الآيات من اختلافات وتناقض وأحكام غير منطقية. وبما أن الفترة التي تم فيها ذلك كانت فترة حروب وجد الفقهاء أن من الأفضل أن تكون آيات الجهاد ناسخة لآيات السلام والوئام. وكذلك صار هناك تشدد في الأحكام ضد غير المسلمين. وبعض الآيات أشبه ما تكون ببيانات حربية وتعليمات قتالية. بعض تلك قد تكون تعليمات عبد الملك خلال قتاله مع ابن الزبير. فما معنى واقتلوهم حيث ثقفتموهم ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه الخ... وآية: يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير الخ... تبدو هذه بيانات رسمية أو رسائل من سلطة عليا إلى قادة ميدانيين استفسروا عن أحقية القتال في الأشهر الحرم عند المسجد الحرام حيث كان يتحصن ابن الزبير. كما أن آيات التشريع والإرث والمعاملات والزواج والطلاق والبيع والشراء يبدو أن تشريعات وآراء فقهية أضيفت في وقت لاحق.
أما الآيات المناهضة لليهود واليهودية فيبدو أنها أضيفت في أوقات لاحقة بعد أن تم الانفصال الكلي مع اليهودية. فاليهود رفضوا الانضمام إلى الدين الجديد المأخوذ أصلا من المسيحية اليهودية وآثروا البقاء على ما هم عليه لأنهم ظلوا مصرين على رفض نبوة يسوع المسيح. فقد رفضوه إلها كما رفضوه نبيا وعندما أصرت النصرانية العربية على نبوة المسيح واعتمدته ختام النبوات وآخر الرسالات ابتعد اليهود عنها ووقع الشرخ النهائي بين الجانبين. 
لقد كانت أسباب النزول كما وضعت في عدة كتب أهمها وآخرها كتاب السيوطي لإعطاء الآيات مضمون تاريخي ووجاهة تربطها بأحداث معينة وان بدت تلك الأحداث للعين الفاحصة بأنها أيضا أحداث غير واقعية ومبالغ فيها وربما مصطنعة ومختلقة.
كذلك فإن النسخ كان الحيلة التي وضعها فقهاء السلطة لتصحيح الأخطاء أو تعديل الأوامر والنواهي السابقة. فكانت فكرة الناسخ والمنسوخ تسهل على الأتباع قبول التغيير وجعل كل الاحتمالات موجودة لإرضاء كافة التيارات ولاستخدامها عند الحاجة إليها. ومن أجل تبرير عدم التتابع وقلة التنسيق في آيات القرآن اخترعت قصص وأحاديث عن النسيان وعن مقتل الحفاظ وعن الداجن الذي كل نسخة من القرآن.
أي أن أهداف التفسير وأسباب النزول ليست للشرح فقط ولكن لتبرير التناقضات والأخطاء وتغطية العيوب فكانت تلك التفاسير تقوم بعمليات تجميل لهذا الكتاب الذي صار هوية للامة.
وفيما يتعلق بكتب الفقه فإن كثيرا منها خصوصا الأولى ربما كتبت قبل اكتمال القرآن. وقد توصل جوزيف شاخت بدراساته عن التطور القانوني أن القوننة الإسلامية أي الفقه لم تكن مستمدة من القرآن فلا توجد إشارات مهمة إلى القرآن في فقه أبي حنيفة مثلا من خلال كتاب الفقه الأكبر وهو من أوائل كتب الفقه الإسلامي. كما أن كثيرا من كتب الفقه وضعت قبل كتب السيرة والحديث. فالمفروض أن يكون هناك القرآن والسيرة والحديث ليبدأ الفقهاء باستنباط الأحكام الفقهية. ولكن يبدو انه قد حصل العكس. أي وضعت كتب الأحكام ومن ثم صيغت آيات لإثباتها في القرآن واختلقت أحاديث لدعمها. ويؤكد شاخت كما نقل عنه ونزبرو أن استنباط الأحكام من النص القرآني لم يعرف إلا في القرن التاسع. وفي نصوص معينة مثل الحجة في أصول الكافي يعرف ذلك من النظرة الأولى وكل باحث في النقد التاريخي للموروث الإسلامي يعرف بسرعة انه أمام آراء ثيولوجية وقانونية فقهية مسقطة على سلطة مبكرة هي فترة النبي والخلفاء المفترضين.
ليس الإسلام دينا مكتملا مستقلا وإنما كان امتدادا لليهودية ويمكن وصفه بأنه اليهودية العربية أو المسيحية اليهودية. فالمسيح وليس محمد هو محور القرآن والتعاليم والوصايا والطقوس والعبادات تتطابق مع اليهودية إلى حد التماثل في بعض الأحيان. وهذا الإسلام الذي صار دينا مستقلا لم يصبح كذلك إلا بعد أن قررت الدولة الأموية جعله دينا مستقلا موازيا للمسيحية الهللينية ولليهودية العبرانية بعد الانفصال الكلي عنها. وهذا الأمر لم يحدث إلا بعد أن تمكن الأمويون من ضم الحجاز وصار الأعراب جزء من الدولة ملتزمين دينها ومضيفين إليه الكثير مما كانوا يمارسونه من طقوس وعبادات أهمها الحج والعمرة وبعض الممارسات الأخرى في الزواج والإرث وغيرها. 
كثيرون لم يعرفوا حقيقة العلاقة بين النصرانية العربية والإسلام. وما يسمى الفتح الإسلامي لم يكن هجرة سياسية سببها الجفاف والجوع. فالجيوش التي اشتركت في الفتوح لم تكن حجازية ونجدية فقط بل كان فيها قبائل عراقية وشامية نصرانية.
ولكن لماذا يشارك هؤلاء في فتوح يفترض التقليد أنهم غير معنيين بها؟ الحقيقة انهم كانوا بها معنيين أشد العناية. فالجيوش الحجازية النجدية ربما كانت تحترف العسكرية لكن أهل الشام من النصارى كانت المسألة قضية عقيدية ووطنية بالنسبة لهم.
خلاصة القول في هذا الشأن هو أن محمد شخصية غير تاريخية وإنما تم اختطاف الإسم الذي كان يستعمل وصفا لرسول الله عيسى المسيح بن مريم كما كان يؤمن به النصارى. وجعلوا الصفة اسم علم واختلقوا له تاريخا وسيرة وحديثا ودولة ومعارك وغزوات وتشريعا وسيرة ذاتية لا يمكن أن تنطبق على شخص عادي فكيف بها تناسب نبيا يوحى إليه؟ 
أما القرآن فهو تجميع وتأليف ومن ثم ترجمة إلى العربية الجديدة المتولدة من الآرامية السريانية المختلطة بكلام أهل الحجاز واليمن. قرآن ملآن بقصص الأولين سواء في كتبهم الأصلية أم المنحولة بالإضافة إلى تراث السابقين وقصصهم التي كانت متداولة شفاهة بين الناس. صحيح فيه بلاغة وطلاوة وحلاوة وسبك لغوي رائع ولكن هذا ليس كل شيء. ففيه أيضا تفكك في المعاني واضطراب في السياق البنيوي لنصه. وعدم تصحيح هذه السقطات في القرآن يعود إلى قيام الأعراب الذين اختطفوا الدين بتقديس النص وتثبيته على شكله المشتت المضطرب وعدم السماح بإعادة الترتيب ليصبح نصا معقولا مفهوما. وهذا الأمر مستمر إلى اليوم بسبب هالة التقديس التي تم إضفاؤها على النص وعلى شخوصه وعلى كل ما يحيط به.
إن الإسلام لم ينشأ ولم يظهر في مكة والحجاز وإنما نشأ وظهر واكتمل في بلاد الشام من دون محمد ومن دون تنزيل ومن دون وحي. وبعد اكتماله وانتشاره وتعميمه وختمه بخاتم الدولة واعتماده كنص نهائي صار دينا ينسب إلى مكة مكانا لظهوره ونشاته وينسب إلى العرب ولغتهم القرشية التي لا وجود أصيلا لها. وانطلى الأمر على الجميع بما فيهم أصحاب الدين الأصليين الذين اخترعوه وأسسوه ووضعوا قواعده وأصوله.
معروف بحسب الموروث الإسلامي وجود إسلام مكي وإسلام مدني. والإسلام المكي معروف عنه تواضعه وميزاته الدعوية التبشيرية وتوافقه مع اليهودية. أما الإسلام المدني فهو على ما يبدو شكلا إسلام جهادي شرس توسعي يضع تشريعات حياتية قاسية. ونسبة الجزء المكي إلى مكة يعنى به نسبه إلى مكة التي تقع في شمال الحجاز أي بلاد الشام وهو الإسلام الأصلي أي النصوص القرآنية الأصلية التي كانت موضوعة بالسريانية وجرت ترجمتها بغض النظر عما يقال بوجود أخطاء في الترجمة وما شبه ذلك. أما الإسلام المدني فربما كان أصل التسمية ليس المدينة المنورة لان الإسلام لم ينشأ في الحجاز وإنما جاءت صفة المدنية من الدولة. فهذه النصوص المسماة مدنية تنسب إلى المدينة والمدينة مقصود بها الدولة أي أن تلك النصوص نشأت بعد تأسيس الدولة واستقوائها. فالدولة في العبرانية
ה-;-מ-;-ד-;-י-;-נ-;-ה-;- يقال لها: ها مادينا وفي السريانية قريبة من هذا اللفظ. ومن هنا جاء وصف مدني للقسم الثاني من القرآن.
في تاريخ ما يسمى الحروب الصليبية يمكن استخلاص فكرة تدعم هذا البحث. فالمسيحيون الأوربيون لم يسعوا لاستعادة البلاد المقدسة إلا في القرن الحادي عشر، أول حملة كانت عام ألف وتسعة تسعين ميلادية. فخطبة البابا أوربان الثاني التي حرض فيها المسيحيين على استرجاع المقدسات المسيحية في المشرق تتحدث عن دين ظهر حديثا. مع أن الرواية الرسمية تقول إن البعثة المحمدية بدأت عام 610 م أي قبل ذلك بأربعمئة وخمسين سنة لكن البابا يتحدث عن دين جديد. جاء في خطبة أوربان الثاني : لقد بلغ مسامعنا أن شعبا من بلاد الفرس ... مغضوب عليه وبعيد عن الله وغير مخلص له قد غزا أراضي المسيحيين وأخرجهم بقوة السيف والنار... ما معنى أن يقول بلغ إلى مسامعنا سوى أن يكون الأمر فعلا معاصرا له. وهذا معناه أن الغرب المسيحي لم يأبه بالإسلام ولم يعرفه دينا جديدا إلا في وقت متأخر عندما صارت الدولة العربية المسلمة من القوة بحيث أعلنت عن نفسها بمهاجمة رموز المسيحية الباقية في الأراضي المقدسة ومحاولة تدميرها وطمسها وإنهاء وجودها. دولة أعلنت لنفسها دينا يناهض المسيحية الغربية بصورة سافرة. هنا تنبه الغرب المسيحي إلى أن ما كان يعتبره مجرد بدع وهرطقات إسماعيلية يعلن عن نفسه دينا كاملا ينافس المسيحية الغربية ويحاول أخذ مكانها. وهذا يشير بوضوح إلى أن اكتمال الإسلام لم يكن ليظهر إلا بعد مئات السنوات من استقلال المشرق في دولة عربية اتبعت المسيحية اليهودية أو النصرانية لكنها لم تجعل منها دينا إلا في وقت متأخر.
كان الدين حاجة سياسية للدولة العربية التي امتدت وتوسعت وسيطرت وأقامت إمبريالية عربية تواصلت لمئات السنين. ونجحت الدولة العربية في هذا الشأن وما زالت تمسك بزمام الدين وتحرك سدنته وشيوخه لتحقيق مصالحها وأغراضها الدنيوية بعيدا على الأهداف السامية التي هي من صميم أي دين.

أخـــــــــــــــــــــــــــــــــيــرا:
ومهما يكن من أمر، ومهما كانت بداية الإسلام وظروف نشأته المبكرة، وسواء كانت بدايته في الحجاز أو الشام، وبغض النظر عما إذا كان النبي حقيقيا أم وهميا، فهذا الإسلام الآن الدين المكتمل، إيمانه التوحيد، وكتابه القرآن، والمهم شهادة أن لا إله إلا الله، وهي شهادة الإيمان الحقيقي الذي يدوم، ونحن له مسلمون.