التاريخ الإسلامي وصناعة الكذب

 

الحديث عن تحريف القرآن في الأوساط ذات الوعي القطعاني، أو حتى لدى أولئك الوراقين المتثاقفين، من التابوهات الشعبية الخطيرة التي يصعب التعرض لها رغم كون التراث الإسلامي بشقيه يعج بالمرويات التي لا يمكن التغافل عنها حول هذه القضية المفصلية، فما جمعه العلامة النوري الطبرسي في فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب لم يكن في مضمونه مخالفا للكثير مما أورده الحافظ جلال الدين السيوطي في الإتقان في علوم القرآن، أو ما ورد في بعض تسريبات صحاح السنة وعلى رأسها البخاري. إلا إنه وفي خضم حملات التنكيل الإعلامي بالشيعة نجد السنة يتنصلون –أو على الأقل يحاولون التنصل- من مروياتهم ليلصقوا هذه القضية برمتها في ظهر الشيعة بغرض الابتزاز والتهييج الشعبي والتكفير المفضي في النهاية لتبرير حملات الإبادة الجماعية. وعلى المقلب الآخر يستميت الشيعة يائسين في محاولة نفي تهمة الاعتقاد بتحريف القرآن عنهم خوفاً من الإبادة، إلا إنها تهمة –مع الأسف- قد يتمكن السنة من نفيها عنهم بمجرد تبرئهم من مروياتهم تحت أي ذريعة، حتى لو اضطروا للاستنجاد ببعض قواعد أصول الفقه المعطلة، كأن يقوموا بتفعيل جدلية الآحاد/المتواتر بصورة استثنائية على هذا النوع من النصوص خصيصاً. على عكس الشيعة الذين لايمكنهم التنصل منها بحال، وذلك لسبب بسيط: هو أن نظرية المؤامرة تعد إحدى أهم ركائز العقيدة الشيعية وإحدى المكونات البنيوية للتراكبية السوسيوسيكلوجية الشيعة بوجه عام. فمنذ أن قام مؤسس هذه الملة بالإعلان رسمياً عن تدشين المسار الشيعي يوم الغدير باعتباره الامتداد الطبيعي لرسالته التي بدأها في مكة قبل ذلك بربع قرن؛ وأعداء هذا المسار مافتئوا يحيكون ضده المؤامرات بغرض إما القضاء عليه تماماً متى استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، أو –على الأقل- تشويهه والانحراف به نحو اتجاه أكثر ملاءمة لمصالحهم، وبالأخص الاقتصادية منها. فرغم التشويش ومحاولات الانكار الدؤوبة؛ ظلت مرويات السيرة النبوية ترسخ الانطباع بأن الإسلام بدأ كثورة عمالية ضد الأقلية الرأسمالية والإقطاعية التي كانت تحتكر بشكل كامل تجارة طريق الحرير الحجازي، والذي كانت مكة تمثل محطته المحورية. ولكن –وبطريقة يلفها الغموض- تحول الإسلام فجأة إلى حركة امبريالية إقطاعية يقودها نفس تلك الأقلية الرأسمالية التي ثار ضدها الإسلام في بداياته الأولى. وبنفس الدرجة من الغموض؛ تم الانقلاب على إعلان الغدير ليتحول شخوصه إلى مطاردين أو معتقلين، وتم اغتيال بعضهم وتعذيب بعضهم والتضييق على بعضهم ووضع البعض الآخر رهن الإقامة الجبرية، أما البعض الذي تمكن من تزعم ثورة محدودة فتم التنكيل به والتمثيل بجثته وسبي نسائه وذراريه ومصادرة أموالهم وإذلالهم أيما إذلال لجعلهم عبرة لكل من تسول له نفسه، ولم يشفع لهم في ذلك كونهم أبناء مؤسس هذه الملة. والأقسى من ذلك تشويه صورتهم التاريخية وتزوير سيرتهم ورسالتهم ليظهروا مجرد متمردين يبحثون عن حصة أكبر من كعكة السلطة والمال.
أين قبر فاطمة؟ لماذا دفنت سراً؟ هل السبب فقط هو أنها أوصت زوجها بعدم السماح لأحد من جهة السلطة الحاكمة بحضور جنازتها؟ لماذا إذا أبقى زوجها مكان دفنها سراً حتى مماته؟ وكذلك فعل أبناؤها؟ هل كانوا يخشون من قيام السلطة الحاكمة بنبش قبرها وإهانة جثتها والتمثيل بها؟ ولماذا عساهم يفعلون ذلك؟ كيف يمكننا أن نصدق بأن ابنة رسول الله تموت في عهد خليفة رسول الله دون أن يصلى عليها بل ودون أن يعرف أحد لها قبراً؟ كيف يمكن أن نصدق بأن خليفة رسول الله يحمل في قلبه كل هذا الحقد تجاه ابنة رسول الله ما لم يكن الأمر يتعلق بمصحف فاطمة؟ هل فعلاً كانت فاطمة كما يقول الخواجات (know too much) لذلك سارعوا بتكليف زيد بن ثابت أن يجمع لهم القرآن من هنا وهناك دون أن يكلفوا خاطرهم ويسألوا بنت رسول الله فيما لو كانت تحتفظ في بيتها بنسخة من الكتاب الذي نزل على والدها؟ لماذا لم يسألوها فيما لو كانت –على الأقل- تحفظ شيئاً ولو ضئيلاً مما كان أبوها يتلوه على مسامعها ليل نهار؟ أم إن مسرحية جمع القرآن كان الغرض منها في الأساس قطع الطريق على فاطمة كي لا تخرج ما لديها؟
هذه الأسئلة ومثلها الكثير كان يرد عليها دائما بالتشكيك في قدرة أي إنسان أو فئة مهما تعاظمت ثرواتهم ونفوذهم السياسي على تحريف القرآن بهذه السهولة والسلاسة دون قيام ثورة شعبية عارمة تجتثهم من الوجود، خصوصاً وجسد النبي كان لا يزال طرياً في قبره. إلا إنني في هذه الأثناء وجدت من المناسب استغلال حدث واقعي معاش من شأنه حسم الجدال في هذه القضية إلى الأبد إذا ما تم استغلاله طازجاً قبل أن يجف عرقه ويفقد قدرته على التدليل بعد أن يسقط بالتقادم ويصبح في عداد الأمم التي قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون.
نحن الآن نعيش لحظة بلحظة عملية إبادة جماعية لشعب كامل من خمس وعشرين مليون إنسان فقط لخروجهم في ثورة جياع ينشدون الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية، فقررت قوى الرأسمالية العالمية إبادتهم صبراً تحت الفصل السابع وذلك بتجويعهم حتى الموت، ومن ثم صياغة هذا التاريخ بحيث تسجل هذه الجريمة ضد مجهول. لقد حسبوها جيداً، فلديهم خبرة تاريخية في هذا المجال. الأمر سهل وبسيط للغاية، لم يكلفهم سوى شراء بعض الذمم السياسية والإدارية والدينية النافذة حول العالم، وتجنيد أعداد هائلة من الميليشيات الإعلامية التي تتناوب النباح بتردد واحد في كل ركن وزاوية من الشبكات العنكبوتية والفضائيات والصحف ووسائل التواصل، نغمة واحدة مفادها الضمني أن الله قد أرسل إلى أهل اليمن رسولاً اسمه عبد ربه منصور هادي، فكفروا به فسلط الله عليهم طيراً أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل، ولكن حتى طير الأبابيل هذه بريئة هي الأخرى من دم يوسف، فلا يوجد قنابل نيترونية إنما هو الحوثي يفجر مساكن المواطنين فوق رؤوسهم ليلصق التهمة بتلك الطائرات الحمائمية البريئة، وأن كل تلك السفن المحملة بالأغذية والأدوية لا تستطيع الاقتراب من الموانيء اليمنية ليس بسبب هذا الكم الهائل من بوارج الحقد التي تحتجزها في عرض البحر، ولكن لأن الشعب اليمني قد اتخذ قراراً جماعياً بالصوم المتواصل ربما شكراً لله على عاصفة الحزم، أو ربما لأن الثوار الجياع قرروا تجويع بقية الشعب اليمني لإجبارهم على الانضمام إلى الثورة.
في ذات الوقت؛ تنتشر الرسائل التحذيرية على شكل نصائح أخوية إلى كل من قد يجد في نفسه رغبة للاعتراض على الخطاب الإعلامي الرسمي؛ بأنه من الأفضل له إبقاء لسانه حبيس أسنانه كي لا يحطمنه سليمان وجنوده وهم لا يشعرون، خصوصاً وأن وسائل التحطيم قد تعددت وتطورت جداً منذ عصر سليمان الأول حتى الآن.
نحن هنا لسنا بصدد مناقشة المبررات التي يسوقونها بين يدي الإبادة؛ فالمفروض أنها أتفه من الارتقاء بها لمستوى المناقشة، ولكنني بصدد طرح سؤال واحد فقط، واضح ومحدد: أيهما أسهل؛ إبادة شعب كامل من خمس وعشرين مليون إنسان، إبادة بطيئة تحت الفصل السابع، تحت مرءى ومسمع من العالم، وفي منطقة جغرافية استراتيجية ومركزية تقع تحديداً في قلب خارطة الكوكب، وفي القرن الحادي والعشرين حيث وسائل التواصل والاتصال وتقنيات الإعلام تعيش أقصى مراتب تطورها عبر التاريخ، وحيث القوانين والدساتير والمنظمات والمواثيق الحقوقية تعيش قمة رقيها التاريخي؛ أم تحريف كتاب واحد فقط في القرن السابع حين لم يكن يوجد منه في الأسواق سوى نسخة واحدة؟
دعونا نتخيل أن نفس هذه الفئة، قررت اليوم، الآن، إزالة أو نسخ بعض الآيات من النسخة الحالية للقرآن، تلك الآيات التي تمكنت من الإفلات منهم في السابق، والتي لا يزال أعداؤهم اليوم يتذرعون بها لتحريم الربا. ماذا لو قاموا الآن باستخدام نفس أدوات الإبادة اليمنية في الترويج لنسخة قرآنية جديدة، خالية تماماً من نصوص تحريم الربا، فأصدرت جميع دور الفتوى في دول التحالف العربي/السني قراراً باعتماد نسخة الملك سليمان الثاني كنسخة شرعية ووحيدة، وسحب جميع النسخ غير الشرعية من الأسواق وإحراقها وإحراق كل من يعترض على ذلك بتهمة الردة. بالتزامن مع إطلاق حملات ترويجية ضخمة؛ ميليشيات دينية للتنظير، ميليشيات إعلامية للمباركة والمبايعة والتأييد، وميليشيات سياسية للمصادقة على القرار تحت الفصل السابع. فتنتعش التجارة العالمية وتتدفق الاستثمارات الخارجية ليحيا الناس في أمن وسلام ورغد من العيش ينسيهم كل شيء عن النسخة القديمة، خصوصاً في بلاد التوحيد حيث يزداد عدد البنوك وتتضخم رؤوس أموالها، تلك البنوك التي احترفت المتاجرة في الأعضاء البشرية بإجبار عملائها على بيع كلاويهم لتسديد ما تبقى عليهم من الفوائد كي لا يقضوا بقية أيامهم داخل السجون الإسلامية، إلا أن ذات البنوك الآن تحولت إلى بنوك إسلامية تحت الفصل السابع، لتمارس تجارة الأعضاء باسم العقيدة السليمة.
في ضوء ما يحدث الآن أمام أعيننا على أرض اليمن؛ هل ما ذكرته للتو يعتبر ضرباً من المبالغة والهرطقة وقصص الخيال التي لا يمكن حدوثها على أرض الواقع؟ أم إن مصانع الكذب الرأسمالي هي في الحقيقة من يكتب التاريخ؟