ولنطين والولنطينيَّة

 

منذ بداية المسيحيَّة، دلَّت »الغنوصة« على معرفة gnoseخاصَّة تتعدَّى معرفة الناس العاديّين. هي معرفة أسرار العالم الإلهيّ والكائنات السماويَّة. هي معرفة تتجاوز الإيمان البسيط، فتمنح الخلاص الغنوصيّ عبر تنشئة قد تمتدّ طويلاً(1). وداخل الغنوصة نجد الولنطينيَّة التي أسَّسها ولنطين، ذاك المعلِّم في رومة في السنوات 138-158. اغتذى بالفلسفة الأفلاطونيَّة والتقاليد الميثيَّة فأراد أن يقدِّم »غنوصيَّة مسيحيَّة«(2). أتراه وصل؟ يبدو أنَّه ابتعد عن المسيحيَّة، وفي النهاية عن الكنيسة، لأنَّه أراد أن يغطّي تعليمه »الميتولوجيّ« غطاء سطحيّ من الإنجيل. بدا في وقت من الأوقات ظاهريٌّا(3)، ففصل المسيح العلائيّ(4) عن المسيح البسيخيّ(5). فالأوَّل هو إيّون éon خرج من البليروماpléroma، والثاني أصدره émettre الفاطر، الباري le Démiurge، ممّا يعني أنَّ المسيح حمل جسدًا لافاسدًا، ومرَّ عبر مريم per Mariam مثل ماء في القسطل: هكذا لا ولادة من مريم، أمّا القيامة فهي عودة المسيح إلى البليروما، إلى ملء اللاهوت.

ففي النهج الولنطينيّ، يتكوَّن البليروما من سلسلة إيّونات صدرت من الأب الأوَّل الذي هو اللجّ(6) ومن »زوجة« parèdreهي الذهن أو الصمت أو النعمة(7). هكذا يكون التزاوج أو التناير(8). ويكون يسوع ابن البليروما الكامل المرسَل لكي يخلِّص الأمّ »الحكمة« sojia...

منذ البداية نفهم كم نحن بعيدون عن المسيحيَّة في عقيدتها، ولاسيَّما حول علاقة الآب والابن. فما معنى هذه النظرة المادِّيَّة المغمَّسة بالميتولوجيا؟ ولكنَّنا نبدأ فنتعرَّف إلى ولنطين وإلى تلاميذه، قبل أن نتوسَّع في التعليم الولنطينيّ حيث يصعب التمييز بين ما قاله المعلِّم وما قاله التلاميذ(9).

 

1. سيرة ولنطين ومؤلَّفاته

نبدأ فنتعرَّف إلى هذا الغنوصيّ العائش في القرن الثاني المسيحيّ، والمؤسِّس لنهج انتشر سريعًا وتنوَّع. ثمّ نعود إلى كتاباته.

 

أ- سيرة ولنطين

أصل ولنطين مصر على ما قال إبّيفان(10)، وفيها تعلَّم. ففي الإسكندريَّة تعلَّم النهج الأفلاطونيّ والفيثاغوريّ. وتحدَّث هيبوليت في كتابه فلسفيّات(11) عن تعليم ولنطين الذي وجد أساسه في تعليم أفلاطون وفيثاغور. أمّا ترتليان فدعا ولنطين: الأفلاطونيّ(12) أو »المتشيِّع (للتعليم) الأفلاطونيّ«. نقرأ أوَّلاً ما في بشريَّة المسيح (ف 20):

ما هو اعوجاجك لكي تطلب أن تزيح حرف الجرّ »من«، وتُحلّ محلَّه حرفًا آخر لا تعرفه الكتب المقدَّسة في هذا السياق. فنقول وُلد »بواسطة« عذراء، لا »من عذراء«، »في« رحم، لا »من« رحم، لأنَّ الملاك قال في الحلم ليوسف: »ما وُلد منها هو من الروح القدس«، وما قال: »ما وُلد فيها«... في هذا الأمر تُرافعُ المزامير أيضًا لأجلنا: لا، بلا شكّ مزامير الجاحد، الهرطوقيّ، الأفلوطينيّ، بل مزامير داود، النبيّ والقدّيس والمكرَّم عندنا.

يبدو من الواقع أنَّ جميع المثقَّفين تأثَّروا بأفلاطون كما تأثَّر ولنطين، وقد يكون قرأ بعضًا من حواراته. وكيف يجهل تنظيرات فيثاغور حول الأعداد في مدينة مثل الإسكندريَّة، على ما قال هيبوليت؟ ولكنَّنا لا نتبع أولئك الذين اعتبروا ولنطين أفلاطونيٌّا أو فيثاغوريٌّا، فجعلوا من نهجه تكيُّفًا مسيحيٌّا للفلسفة الدنيويَّة. فقد اعتاد هيبوليت أن يربط، اعتباطًا، عقائد الهراطقة بنظريّات الفلاسفة الوثنيّين. وهكذا »كرَّم« ولنطينَ وزاد حين جعله تلميذ أفلاطون.

بدأ ولنطين يعلِّم في الإسكندريَّة، ثمَّ جاء إلى رومة في أيّام حبريَّة القدّيس هيجيون (136-140). ذاك ما نقرأ عند إيرينه في الردّ على الهراطقة. ومثله جاء قردون، معلِّم مرقيون، وقويَ تأثيرُه في زمن حبريَّة بيّوس (140-155). هنا نقرأ ما قال إيرينه (3/4: 3):

قبل ولنطين لم يكن تلاميذ لولنطين، وقبل مرقيون لم يكن تلاميذ لمرقيون، وما من أحد من أصحاب الآراء الكاذبة الذين قدَّمنا عنهم لائحة سابقة وُجد قبل أن يظهر المنشئون ومستنبطو فساداتهم. فوَلَنطين أتى إلى رومة في أيّام هيجين، ووصل إلى القمَّة في أيّام بيّوس، ولبث حتّى أنيسات. وقردون، سلف مرقيون، عاش هو أيضًا في أيّام هيجين، الذي كان الأسقف الثامن. جاء إلى الكنيسة وتاب توبة جهوريَّة، ولكنَّه لبث مع ذلك في الهرطقة، تارة يعلِّم في الخفية وطورًا يتوب من جديد.

وأضاف إيرينه وأوسيب أنَّه عاش في رومة حتّى زمن البابا أنيسات (155-166). أوردنا مقال إيرينه. وأوسيب في 4/11: 1 يقول:

قدم فالنتينوس بالفعل إلى روما في عهد هيجينوس، وبلغ أوجه في عهد بيّوس ولبث حتّى أنيسيتوس. أمّا سيردون (قردون) سلف مرقيون، فقد عاش هو أيضًا في عهد هيجينوس، الذي كان تاسع أسقف (لروما)(13).

وراح ترتليان في التقادم(14) يقول إنَّ مرقيون وولنطين قاما بنشاط في عهد الإمبراطور أنطونين (138-163)، فظنَّ أنَّ الهرطوقَيْن »آمنا أوَّلاً بالتعليم الكاثوليكيّ في الكنيسة الرومانيَّة في رئاسة الطوباويّ إلوتير Eleuthère إلى يوم طردهما ومنها مرّتين فضولُهما القلق الذي به أفسدوا إخوتهما«. يبدو أنَّ الكرونولوجيا الترتليانيَّة تحتاج إلى توضيح، لأنَّ إلوتير كان على كرسيّ رومة سنة 174-189. وحاول الباحثون أن يقدِّموا الحلَّ، فافترضوا أنَّ إلوتير سبق له وقام ببعض النشاط في جماعة رومة، وهو بعدُ شمّاس. مثل هذا الموقف غير كافٍ، لأنَّ ترتليان كان يتكلَّم عن إلوتير الأسقف. مثلُ هذه الفرضيَّة لا تقوم. ومثلها فرضيَّة إبيفان (باناريون 31/7: 2؛ الآباء اليونان 41: 485) الذي قال: ترك ولنطين رومة واعتزل في قبرص، وهناك تُوفِّي تاركًا وراءه عددًا من التلاميذ. من المعقول جدٌّا أن يكون وُجِد ولنطينيّون في قبرص، كما تشهد على ذلك حياة إبّيفان (95، 64؛ الآباء اليونان 41: 100، 103). ولكنَّنا لا نستطيع أن نعارض شهادة إيرينه بأنَّ ولنطين ترك رومة قبل موته.

وهكذا نرى أنَّ معطياتنا حول نشاط ولنطين ليست كثيرة. ونضيف أنَّ ولنطين، حسب كليمان الإسكندرانيّ في الموشَّيات (الموشِّية الثانية 3: 1-2؛ 7: 17) كان تلميذ تويدا أو تودا، الذي قال إنَّه كان تلميذ بولس، فأورد بعض التقاليد الرسوليَّة:

(1) في هذا المجال، نظر متشيِّعو باسيليد إلى الإيمان (الذي يحصرونه في النخبة) على أنَّه استعداد طبيعيّ يكشف الحقائق العلميَّة دون أن يبرهن عنها، في امتلاك عقليّ. (2) أمّا الولنطينيّون فيهبون الإيمان لنا، نحن البسطاء، ولكنَّهم يريدون أن تكون الغنوصة في ذواتهم هم المخلَّصون بطبعهم. حسب نوعيَّة الزرع الساميّ. يقولون: إنَّ هذه الغنوصة تختلف جدٌّا عن الإيمان، كما البنفماتي عن البسيخيّ. (3) وأضاف تلاميذ باسيليد أنَّ الإيمان والاختيار هما خاصَّان معًا بحسب كلِّ درجة. وبالتالي، يرتبط الإيمان الكونيّ في كلّ طبيعة، باختيار سُوبركونيّ. وموهبة الإيمان تتناسب مع الرجاء عند كلِّ واحد.

وحسب ترتليان في الردّ على ولنطين الذي تحدَّث عن قطيعة نهائيَّة مع الكنيسة، سبقتْها إجراءاتٌ موقَّتة وتهديدات (التقادم 30: 2)، غضبَ مرقيون لأنَّهم لم يختاروه أسقفًا على رومة. ولكن يبدو أنَّ كلَّ هذا مجرَّد روايات. قال ترتليان في الردّ على ولنطين، الفصل الرابع وعنوانه: تاريخ التعليم الولنطينيّ وطابعه:

1- أجل، نعرف حسنًا أصلهم لماذا نعطيهم اسم »ولنطينيّين«، مع أنَّهم لا يستحقُّون هذا الاسم. فهم بعيدون عن مؤسِّسهم، غير أنَّ أصولهم لم تُلغَ في التحوّلات اللاحقة: فالتحوُّل هو، في حدِّ ذاته، إقرار وشهادة. أملَ ولنطينُ بالأسقفيَّة: فقريحته وبلاغته جعلتاه مشهورًا. ولكنَّ آخر حصل على الكرسيّ الأسقفيّ بفضل ما ناله من تفوُّق بسبب استشهاده: اغتاظ ولنطين، وقطع كلَّ علاقة مع كنيسة التعليم الحقيقيّ، وهو موقف متواتر لدى العقول المهمَّة بأن تكون في المقام الأوَّل، والتي تُشعلها نظرةٌ للانتقام.

2- أدار سلاحه على الحقيقة، ووجد براعم نظريَّة قديمة، ورسم الطريق لكارلوباسوس، فأخذها بطليمس: ميَّز الإيّونات اسمًا وعددًا، واعتبرها جواهر شخصيَّة، ولكن مموضعة خارج الله، ساعة ولنطين ضمَّها في كلِّيَّة الألوهة، كأفكار وعواطف وإحساسات. وانطلق هرقليون من هنا فرسَم طرقًا جديدة، ومثله ساكوندوس ومرقس الساحر(15).

3- واهتمَّ تيوتيم كثيرًا بصُوَر الشريعة. وهكذا، منذ الآن، لا ولنطين بعد، بل ولنطينيّون في انمساخات ولنطين. وبقي اليوم في أنطاكية أكسيونيكس(16)، الذي يعزّي ذكرَ ولنطين فيحافظ بدقَّة على معتقداته. ثمَّ إنَّ هرطقتنا لا تمتلك من وسائل سوى اغواءات مومس، اعتادتْ كلَّ يوم أن تعيد صنع جمالها.

4- ولمَ لا، وهم يعتبرون أنَّ في كلِّ واحد منهم يُوجَد بذار روحيّ خاصّ بهم؟ فإن تخيَّلوا لقية، بسرعة، يسمّونها وحيًا في هذيانهم، ويسمُّون استنباطاتهم الكاذبة موهبة، لا عربون وحدة بل عربون اختلاف. ونراهم حسنًا حين يتركون جانبًا طريقة بها يُخفون مناهجهم، فينقسمون على بعض النقاط بحيث يقولون ببلادة: »ليس الأمرُ هكذا«، »أفهمُ الأمر بطريقة مختلفة«، »هذا ما لا أعرفه«. فالتنوُّع يجدِّد وجه معتقداتهم، بل إن وجههم يأخذ ألوان الجهل...

 

ب- مؤلَّفات ولنطين

ونعرف خصوصًا من كليمان الإسكندرانيّ عناوين بعض مؤلَّفات ولنطين ومقاطع مختلفة. في هذه المؤلَّفات، رسائل:

- رسالة إلى أغاتُبوس. في الموشَّيات 3/7: 59.

- رسالة إلى بعض الناس .proV tinaV الموشّيات 2/12: 114

- رسالة حول الأصدقاء .proV jilwn الموشَّيات 6/52: 3.

- رسالة لا عنوان لها، الموشَّيات 4/13: 89.

وأورد هيبوليت في الفلسفيّات 6: 37 مقطعًا من مزمور أو نشيد، ممّا يعني أنَّه لجأ إلى النشيد لينشر تعليمه على مثال هونوريوس أو أفرام السريانيّ. ولكن طرحَ البعض سؤالاً: هل هذا النشيد هو حقٌّا من ولنطين؟ والسبب، لأنَّ الفلسفيّات أوردت بعض المرّات مقاطع لاوَثوقة.

وقدَّم إبيفان (باناريون 31: 5-6) مقطعًا طويلاً اعتبره مأخوذًا من مؤلَّفات الولنطينيّين. ما أشار إلى العنوان ولا إلى المرجع، ولا قال شيئًا عن قيمة هذا المقطع. اعتبر ديباليوس(17) أنَّ لا قيمة له. فعارضه هول(18) ورأى فيه من أقدم المقاطع في الأدب الولنيطينيّ، إن لم يكن من تأليف المعلِّم. ونقول الشيء عينه عن مقتطفات أو تلميحات لاحقة (باناريون 31/7: 3). لا شكَّ في أنَّ إبّيفان يقول هنا صراحة: قال هذا: .legei de autoV ولكنَّه يستدرك في الحال: kai oi autou : أخصّاؤه. وهذا ما يجعلنا نفكِّر. وبعد ذلك، يقدِّم إبّيفان مقتطفات تأتي في أسلوب لامباشر وفي عبارات غامضة: jhsi، قال: أعلنواjaskounteV. وبالرغم من الشعور بالانزعاج ما تردَّد ده فاي(19) في الاستنتاج حول هذا النصّ ما يلي: »سواء كان هذا استنزال ملاحظات مغرضة، أو هي تنطبق بشكل جليّ على الولنطينيّين، لا نجد فيه ما لا يتوافق مع الأجزاء. بل إنَّ السمات الرئيسيَّة تمتلك طابع الوثَوقيَّة...«. لا نستطيع أن نتوافق مع هذا المقال كلَّ التوافق. فمع أنَّ أسقف سلامين استقى معلوماته من مصادر موثوقة، وهذا ما يشكُّ به بعضهم، فهو لا يذكر مؤلَّفًا موثوقًا لولنطين. من أجل هذا، لا نستطيع أن نُدخل هذا »المؤلَّف« في لائحتنا.

وفي النهاية، يمكن أن يكون ولنطين صاحب مؤلَّف عنوانه »حول الطبائع الثلاث«(20) الذي ذكره مركاتي(21). ولكن يبقى السؤال مطروحًا: هل ولنطين هو حقٌّا صاحب هذا الكتاب(22)؟

فَوَلنطين الذي عاش في مصر، وقد يكون عرف هناك باسيليد ومعه بدأ الكتابة، ترك مقالات وعظات ورسائل(23). وبقي لنا مقتطفات من مؤلَّفاته وها نحن نوردها كما جمعها فولكر(24). أمّا لايتون(25) فاقترح بأن ترتَّب بالنظر إلى موقعها في ميثةmythe الخلاص الولنطينيّ.

1- القطعة الأولى fragment. نقرأها عند كليمان الإسكندرانيّ في الموشَّيات 2/36: 2-4. مقتطف من رسالة حول جَبْل الإنسان بيد الملائكة وزَرْع الكلمة والجوهر البنفماتيّ.

2- القطعة الثانية. نقرأها أيضًا في الموشَّيات 2/114: 3-6. مقتطف من رسالة حول الرباطات، بالنسبة إلى رؤية الله في طرد الأرواح الشرّيرة من قلب الإنسان، بوساطة النور الإلهيّ.

3- القطعة الثالثة. الموشَّيات 3/59: 3. مقتطف من رسالة إلى أغاتُبوس، حول درجة العفَّة عند يسوع، بحيث لا تَفسد الأطعمةُ التي هضمها.

4- القطعة الرابعة. الموشَّيات 4/89: 1-3. مقتطف من عظة حول وضع الغنوصيّ اللامائت، الخالد، وإمكانيَّته بإزالة الفساد.

5- القطعة الخامسة. الموشَّيات 4/89: 6-90: 1. مقتطف ربَّما من العظة ذاتها حول قدرة الاسم كوسيلة لمعالجة النقص لدى الإنسان.

6- القطعة السادسة. الموشَّيات 6/52: 3-4. مقتطف من عظة حول الأصدقاء، حول شريعة الحبِّ المكتوبة في قلب الغنوصيّين.

7- القطعة السابعة. الدليل 6/42: 2 .Elenchos d’Epiphaneكشْفُ اللوغوس في الرؤية، مثل طفل صغير.

8- القطعة الثامنة. الدليل 6/37: 6-9. نصّ نشيد على الإصدارات الإلهيَّة. فنحن نعرف أيضًا أنَّ ولنطين ألَّف أناشيد. قال ترتليان في بشريَّة المسيح (17:1):

ولكن لنترك الإسكندر »يفوتل« القياسات، لنتركه »يزحِّط« فيها، بجرأة حلوة، مزامير ولنطين، وكأنَّها من كاتب »قانونيّ« (دخلت كتبه في القانون أو لائحة الأسفار المقدَّسة)، ولنوجِّه هجومنا على جبهة واحدة: هل المسيح نال بشريَّته (لحمه ودمه) من العذراء؟ تلك هي الوسيلة للبرهان أنَّ هذه البشريَّة هي بشريَّة إنسان لأنَّها أَخذت خلاصتها من رحم بشريّ.

9- مقال في الكنيسة المقدَّسة(26). تحدَّث عن مقال لولنطين حول الطبائع الثلاث، وفيه يؤكِّد أن مارسال الانقيري كان أوَّل من قدَّم الأقانيم الثلاثة أو الأشخاص الثلاثة (الآب، الابن، الروح القدس)(27). هذا ما يجعلنا نتذكَّر المقال المثلَّث (نجع حمّادي 1: 5) الذي يُحدِّثنا عن الآب »الذي هو واحد وفي الوقت عينه بشكل متعدِّد، لأنَّه الأوَّل ولأنَّه وحده الكائن. ولكنَّه ليس وحيدًا وإلاَّ كيف يكون أبًا«. ويحدِّثنا عن الابن »الذي لا يمكن لفكر أن يتصوَّره، الذي لا يُرى في أيِّ شيء، الذي لا تستطيع كلمةٌ أن تقوله، الذي لا تستطيع يدٌ أن تلمسه. هو وحده يعرف ذاته كما هو«. وحدَّثنا عن الكنيسة »التي وُجدت هي أيضًا منذ البدء«(28).

10- وقدَّم إيرينه في الردّ على الهراطقة (1/11: 1) اسهابًا لنهج ولنطين نفسه، وميّزه عن نهج لاحقيه ساكوندوس وبطليمس (1/11: 2-3 ثمّ 1: 1-8).

ونقرأ الردّ على الهراطقة 1/11:1 والكلام عن تنوُّع لتعاليم التي يُنادي بها الولنطنيّون:

ونرى الآن التعليم المتقلقل لهؤلاء الناس، وكيف يتعارضون الواحد مع الآخر على مستوى الفكر كما على مستوى الألفاظ، حين يكونون اثنين أو ثلاثة، فلا يرضون بأن يقولوا الأمور عينها بالنظر إلى الأغراض عينها. الأوَّل بينهم، ولنطين، استعار مبادئ البدعة المسمّاة »غنوصيّة«، فكيَّفها بحسب طابع مدرسته الخاصّ. وها هي الطريقة التي بها حدَّد نهجه. وُجد ديادا Dyadeلا تُسمّى، جزء منها يُدعى اللامعبَّر والآخر الصمت. بعد ذلك، أصدرتْ هذه الديادا ديادا ثانية حيث يُدعى جزء منها الآب والآخر الحقيقة. هذه التترادا Tétrade (أربعة) أثمرت ثمرًا: اللوغس والحياة، الإنسان والكنيسة. فها هي الأغدوادا Ogdoade(ثمانية) الأولى. من اللوغس ومن الحياة صدرت عشرُ قوى (كما سبق وقلنا). من الإنسان ومن الكنيسة صدرت اثنتا عشرة قوَّة. وواحدة منها، بعد أن تركت البليروما وسقطت في الانحطاط، صنعتْ ما تبقّى من الترتيب.

ووضع ولنطين حدَّين: واحدٌ بين اللجّ وما تبقّى من البليروما، فصلَ الإيّونات التي ولدها الآب اللامولود، وآخر فصل أمَّهم عن البليروما. أمّا المسيح فما أصدرته إيّونات البليروما: هي الأمّ التي وجدَتْ نفسها خارج البليروما، فولدته حسب تذكُّرٍ احتفظت به من العلى، ولكن مع بعض ظلمة. بما أنَّ هذا المسيح كان ذَكَراً، انتزع من ذاته هذه الظلال وصعد في البليروما. وإذ رأت الأمّ أنَّها تُركت مع الظلمة، وأُفرغت من الجوهر البنفماتيّ، أصدرت ابنًا آخر: هو الفاطر Démiurge، السيِّد القدير على كلِّ ما هو تحته.

وفي الوقت عينه صدر معه أركون الشمال، كما أعلن ولنطين على مثال الغنوصيّين، باسم كاذب سوف نتكلَّم عنه فيما بعد. أمّا يسوع ففرَّعه تارة من الإيّون الذي انفصل عن الأمّ وانضمَّ إلى الآخرين، أي تاليتُس، وطورًا عن ذاك الذي صعد إلى البليروما، أي المسيح، وطورًا عن الإنسان والكنيسة. أمّا الروح القدس فقال عنه إنَّ الحقيقة أصدرته من أجل تفحُّص الإيّونات وتثميرها: دخل فيها بشكل لامنظور، وبه أثمرت الإيّونات ورقاتِ الحقيقة. ذاك هو تعليم ولنطين.

بدأ إيرينه فقدَّم لنا لائحة بالولنطينيّين، بدءًا بولنطين (وصولاً إلى ساكوندُس ومرقس الساحر...) حيث رسم نهجه في الخطوط الكبرى: بليروما في ثلاثين إيّونًا كما عند بطليمس، وسقوطٌ واحدٌ لآخر إيّون. أمّا هنا فتركت الحكمة البليروما وتاهت في الظلمات. وأصدرت هناك ابنًا، هو »المسيح« بجوهر بنفماتيّ، فعاد إلى البليروما. ولمّا أُفرغت من جوهرها البنفماتيّ، أصدرت ابنًا آخر، »الفاطر« البسيخيّ، صانع عالمنا، مع أركون الشمال.

11- وقاربوا بين رسالة ولنطينيَّة احتفظ بها إبّيفان في باناريون 31: 7، وإنجيل الحقيقة(29). هذان النصّان هما جزء من النصوص المغفَّلة في المدرسة الولنطينيَّة. والإشارة إلى »حكمة« سليمان، لا حكمة ولنطين (ترتليان، الردّ على ولنطين 2: 2) لا تُحيلنا إلى مؤلَّف لولنطين بل إلى إيّون ولنطينيّ هو الحكمة. ونقرأ ترتليان (الينابيع المسيحيَّة 280، ص 81-82):

أمّا أنا فأفضِّل، بين هذين اللومين، أن أتقبَّل اللوم الأخفّ إذا كان من المفضَّل أن نعرف أقلَّ من أن نعرف خطأ، أن نغشّ نفوسنا من أن نغش (أحدًا). ثمَّ إنَّ وجه الله لا يُرى إلاَّ لدى الذي يبحثه في البساطة، كما تعلِّم الحكمة (حك 1: 1) لا حكمة ولنطين بلا شكّ، بل حكمة سليمان. ثمَّ إنَّ الأطفال الرضَّع هم الذين شهدوا للمسيح حين سفكوا دماءهم (مت 2: 16).

كان الكلام هنا مقابلة بين البساطة المسيحيَّة والفطنة الولنطينيَّة. ونتذكَّر هنا أنَّ إنجيل الحقيقة هو مؤلَّف ولنطينيّ، مع المقال حول القيامة (نجع حمّادي 1: 4) وتفسير الغنوصة (نجع حمّادي 11: 1). فهذه المقالات الثلاثة تنتمي إلى فنِّ الوعظ أو الرسائل، كما مارسها الولنطينيّون بشكل خاصّ. وإن شكَّ بعضهم بولنطينيَّة إنجيل الحقيقة، فلأنَّه لا يتضمَّن أيَّة عودة صريحة إلى الميتولوجيا الولنطينيَّة، مثلاً إلى ميثة حاش (آلام، passion)، سوفيا، وإلى الكوسمولوجيا والأنتروبولوجيا كما في المقالات المنهجيَّة.

2. تلاميذ ولنطين

حسب الدليل Elenchos (6/35: 5-7) نعرف أنَّ الولنطينيّين انقسموا في تيّارين كبيرين انطلاقًا من اختلاف كرستولوجيّ: فالمدرسة الغربيَّة، مع بطليمس وهرقليون (6/35) وساكوندوس (6/38)، اعتقدت أنَّه كان للمسيح جسم بسيخيكيّ لدى ولادته. أمّا المدرسة الشرقيَّة التي مثَّلها تيودوت ومرقس وكولارباز (6/39-55)، فاعتقدت أنَّ المخلِّص لم يكن له سوى جسم بنفماتيّ. ووجود الاختلافات بين التيّارين الولنطينيّين تحدَّث عنه ترتليان في الردّ على ولنطين (11: 2)، وذلك بمناسبات جدالات حول صدور إيّونَي المسيح والروح القدس ودورهما. ونقرأ ترتليان (الينابيع المسيحيَّة 280، ص 105-106):

أو أنَّ الروح القدس هو أنثى، وأنثى تفرض نفسها على رجل! وهكذا يريان نفسيهما في دور واحد: تأمين التناسق بين الإيّونات، وهذا التماهي في الوظيفة حرَّك ولادة مدرستين وتعليمين، فدشَّنا اختلافًا في قلب معتقد ولنطين. فعلى المسيح أن يعلِّم الإيّونات طبيعة اتِّحادهم (أنت ترى القضيَّة) وأن يعطيهم فكرة عن اللامخلوق، وأن يمكِّنهم من تصوُّر معرفة الآب فيهم: يستحيل أن ندركه وأن نفهمه وبالتالي أن نراه ونسمعه إلاَّ بوساطة المونوجين (الوحيد).Monogène .

 

أ- ساكوندوس

هو أقدم تلاميذ ولنطين (مع بطليمس) على ما يقول إيرينه في الردّ على الهراطقة (1/11: 2) وإبّيفان في الدليل (6: 4). أوضحَ إيرينه أنَّ نهجه يختلف عن نهج ولنطين في نقطتين فقط: الأولى، يقسم الأوغداوادا Ogdoade إلى تتراداين:Tétrade )اليمين (النور) وتترادا الشمال (الظلمة). والثانية، يعتقد أنَّ الإيّون الساقط من البليروما لا يخرج من إيّونات البليروما الثلاثين، بل من ثمرتهم. وقال ترتليان في الردّ على ولنطين (الينابيع المسيحيَّة 280، ص 153-154) ما يلي:

38 وساكوندوس الذي كان أقلَّ بلادة بقدر ما كان أكثر إيجازًا، اكتفى بأن يقسم الأغدوادا (مجموعة ثمانية) في تتراداين، تترادا اليمين وتترادا الشمال، والتترادا التي هي نور والتترادا التي هي ظلمة. غير أنَّه لا يريد للقدرة أن تخرج من ثمار مادَّتها substance.

39 وحول ربِّنا يسوع، تتعمَّق الاختلافاتُ العديدة: البعض يكوِّنونه انطلاقًا من زهرة كلِّ الإيّونات. وآخرون يظنُّون أنه صُنع فقط انطلاقًا من عشرة إيّونات أصدرها الكلمة والحياة: من هنا جاءته تسميَتا الكلمة والحياة. وآخرون أيضًا، انطلاقًا من اثني عشر إيّونًا انتهجها نسلا الإنسان والكنيسة، وهذا ما يفسِّر أنَّه دُعيَ باسم جدِّه: ابن الإنسان. وقال آخرون: خُلق بيد المسيح والروح القدس اللذين كُلِّفا بأن يثبِّتا البليروما، لهذا ورث اسم أبيه(30).

 

ب- بطليمس

كان من أوائل تلاميذ ولنطين. هو فيثاغوريّ وأفلاطونيّ، كما قال إبّيفان في الدليل (6: 29) بحسب رسمة هراطقيَّة حدَّدت هرقليون كما حدَّدت بطليمس. نعرف بطليمس بشكل مباشر عبر الرسالة إلى فلورا التي حفظها لنا إبّيفان في باناريون (33: 3-7)، وبشكل لامباشر في ردِّ إيرينه نقرأه في الردِّ على الهراطقة (1/1: 1-8) مع مقطع تأويليّ حول مطلع يوحنّا. بما أنَّ إيرينه هاجم بطليمس وتلاميذه في مقدِّمة الردّ، حوالي سنة 180، نستطيع أن نحدِّد معظم نشاطه حوالي سنة 160.

فلورا هي مسيحيَّة نجهل عنها كلَّ شيء. اهتمَّت بأهل الشريعة، فقدَّم لها بطليمس مقالاً تأويليٌّا قصيرًا حول شرح العهد القديم شرحًا مسيحيٌّا. اقترح بطليمس أن يميَّز ثلاثة أجزاء في الشريعة: تأتي من الله. تأتي من موسى. تأتي من الشيوخ. والآتية من الله يمكن أن تُقسَم في ثلاث فئات: القسم النقيّ (الدكالوغ أو الوصايا العشر) أتمَّه المخلِّص (مت 5: 17). القسم الذي مُزج بالشرِّ واللابرّ (شريعة المثل) ألغاه المخلِّص (نقائض متّى: قيل لكم... وأنا أقول). والقسم الأنماطيّ والرمزيّ (فرائض متعلِّقة بالذبائح ومتطلِّبات طقوسيَّة) يجب أن يفسَّر تفسيرًا روحيٌّا. ونال سؤالُ البداية حول أصل الشرّ، جوابًا في نهاية النصّ: جاءت الشريعة من الله المشترع، الفاطر، الباري démiurge، لا من الإله المتعالي ولا من الخصم(31).

إنَّ شكل هذا التأويل يستندُ إلى استعمالٍ خاصٍّ للتقليد الرسوليّ الذي انتقل بالتسلسل(32). وما تبقّى من مؤلَّفات بطليمس يعالج التأويل الكتابيّ أيضًا: تفسير مطلع يوحنّا ليجد فيه إيّونات التتراداين في البدء (الهراطقة 1/8: 5) وميثة الخلاص لدى الولنطينيّين (الهراطقة 1/1-8)(33). وأوجز فرادُوي(34) التجديدات الرئيسيَّة الخاصّة ببطليمس بالنسبة إلى ولنطين: نظرة إلى الله في أقانيم عديدة tatiquepolyhyposمع نشر الإيّونات التراتبيَّة. مشاهدة الآب بواسطة الابن، تَعالي المسيح، مبدأ التكوين المضاعَف، التمييز بين الحكمة العليا (swjia( والحكمة السفلى (Achamoth)، استعمال ألفاظ »الشخص« في صياغة اللاهوت الثالوثيّ. انطلق فرادوي من الفصل الرابع المذكور أعلاه، فقدَّم الشرح التالي:

إذًا، قدَّمت عقيدةُ بطليمس نفسَها بشكل تفسير »بوليتاويّ« (متعدِّد الآلهة)، أو »مونوتاويّ« (وحدة الإله) لدى ولنطين. أو بالأحرى، إنَّ نهج بطليمس المتعدِّد الأقانيم يعارض نهج ولنطين الموحِّد الأقنوم monohypostatique أو المتعدِّد الأشكالplurimodal، حيثُ تصوَّر »ذروة الألوهة« summa divinitatisعلى أنَّها فرديَّة، لامنقسمة، وهي تقدِّم »أشكالاً« لامنقسمة حقٌّا. أمّا تلميذه فرأى فيها مجموعة عدديَّة يكون فيها الإله السامي »الذروة دون أن يكون الكلّ«. وهكذا يكون ولنطين أقرب إلى أفلاطون (أشكال الإله السامي قريبة من المُثُل المعقولة في الله). ويكون بطليمس بالأحرى نيوأفلاطونيٌّا (نشرُ الإيّونات يتضمَّن تراتبيَّة وانحدارًا تدرُّجيٌّا(35)). هذا التجديد الذي يربطه ترتليان ببطليمس، يُثبته (على ما يبدو) المقال المثلَّث حيث يؤكِّد الاختيار الحرّ لدى الإيّونات، ممّا يفرض أنَّها موادّ شخصيَّة...

 

ج- هرقليون

قال عنه إيرينه (الهراطقة 2/4: 1) وترتليان (الولنطينيّين 4: 2) وأوريجان في شرح يوحنّا (2/14: 100) إنَّه تلميذ ولنطين، بل »أشهرهم«، كما قال كليمان الإسكندرانيّ في الموشَّيات (4: 9/71: 1). وكان تلاميذُه بعد أحياء (شرح يوحنّا 20/20: 170)، حين تحدَّث عنهم إبّيفان في باناريون (36). واحتفظ كليمان الإسكندرانيّ بقطعتين من تأليفه التفسيريّ(36) الذي يمكن أن يكون عمله الكبير، تفسيره المتواصل للإنجيل الرابع الذي حفظ لنا أوريجان منه 48 قطعة في شرح يوحنّا. يبدو أنَّ فوتيوس عرف هذا التفسير(37). أمّا الآن فلا نعرف سوى قسمٍ من شرح أوريجان. أمّا المقاطع الهرقليونية فنجدها في الكتب 2(1: 3-4)، 6(1: 18-29)، 10(2: 12-20)، 13 (4)، 19(8: 21-22)، 20(8: 37-50).

هذا التفسير يوضح النهج التأويليّ لدى الولنطيّين، وبالتالي إمكانيَّتَهم بأن يتحدَّثوا عن الخلاص في ألفاظ تنقل الأحداث من مستوى الواقع البليروميّ إلى مستوى الأنتروبولوجيا والسيكولوجيا. فقراءةُ الإنجيل الرابع تضيء مباشرةً طريقَ الوصول إلى الخلاص بالنسبة إلى الغنوصيّ. وإن برز هنا بقوَّة استعمالُ الأليغوريا، يلفت نظرَنا الصرامة الكبيرة التي بها حاول هرقليون أن يشير إلى تفاصيل النصِّ وإلى معناه التاريخيّ، وإلى مسائل النقد النصوصيّ إذا دعَت الحاجة. ويرافق التفسيرَ الرمزيّ لأسماء الأشخاص والأمكنة تفاسيرُ مرتكزة على رمزيَّة الأعداد. وهكذا وضع هرقليون مهارته التأويليَّة الكبيرة في خدمة الصياغة اللاهوتيَّة.

وها نحن نورد بعض »هرقليون« كما جاء في شرح يوحنّا لأوريجان. النصّ الأوَّل يرتبط بشهادة يوحنّا المعمدان (6/3: 13؛ الينابيع 157، ص 138-139):

13 ها هنا شهادةٌ ثانية للمسيح بيوحنّا المعمدان وبارزة في الكتاب المقدَّس. بدأ الأوَّل: »عنه قلت: ذاك الآتي بعدي« (يو 1: 15). وانتهى: »الله الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب عنه أخبر« (آ18).

لا يفسِّر هرقليون التفسير الصحيح. »ما من أحد رأى الله« وما يلي. قال إنَّ هذه الكلمات لم تصدر من يوحنّا، بل من تلميذ.

النصُّ الثاني نقرأه في شرح ما قيل ليوحنّا المعمدان. هل أنت النبيّ؟ (يو 1: 21):

إنَّ أكثرهم لم يحذر الفرق بين »النبيّ« (مع أل التعريف) و»نبي« (بدون التعريف). فهرقليون قال حرفيٌّا إنَّ يوحنّا أقرَّ أنَّه ليس المسيح، ولا هو نبيّ ولا إيليّا. بما أنَّه فسَّر بهذا الشكل، وجب عليه أن يتفحَّص السياق ليرى إن كان يوحنّا قال الحقّ أم لا، حين أعلن أنَّه ليس نبيٌّا ولا إيليّا. ففي الشروح التي تركَها لنا، لم يتنبَّه إلى السياق، فعبَر بجانب الأسئلة المهمَّة دون أيِّ تفحُّص. وبعد ذلك لم يقل سوى الشيء القليل وما برهَنَ: سوف نتكلَّم قريبًا عنه (المرجع السابق، ص 196-197).

النصّ الثالث، المخلِّص هو الكلمة، يوحنّا الصوت، الأنبياء الضجَّة:

وإذ تحدَّث هرقليون عن يوحنّا والأنبياء، أعلن بشكل جارح: »الكلمة هو المخلِّص، الصوت الذي يدوّي في البرِّيَّة هو صوت يشير إلى يوحنّا. وكلُّ النظام النبويّ هو ضجَّة«.

إليك ما ينبغي أن نجيبه: إذا أخرج البوق صوتًا غامضًا، لا يستعدّ واحدٌ للقتال (1 كو 14: 8). ومن امتلك، بلا حبّ، علم الأسرار والنبوءة، ليس سوى نحاس يطنٌّ أو صنج يرنّ (1 كو 13: 1). وإن لم يكن صوت الأنبياء سوى ضجَّة، فكيف يحيلنا المخلِّص إلى هذا الصوت فيقول لنا: فتِّشوا الكتب... (يو 5: 39). (المرجع السابق، ص 210-211).

ويتواصل النصّ في ص 212-213:

لستُ أدري لماذا يؤكِّد بدون أيِّ برهان أنَّ الصوت الذي حصل من أجل الكلمة، صار كلامًا، كما أكَّد أيضًا أنَّ المرأة تحوَّلت إلى رجل، فكأنَّ له الحقّ أن يُثبت المعتقدات، وأن يُصدِّق وأن يواصل المسيرة، لهذا اعتبر أنَّ الضجَّة يمكنها أن تتحوَّل إلى صوت، فنسب إلى الصوت الذي يتحوَّل إلى كلام، دور التلميذ، وإلى الضجَّة التي تصير صوتًا، دور الخادم. فلو جاء بمعقوليَّة قليلة فثبَّت هذه المعتقدات، لكنَّا نحاول الردَّ عليها: ولكنَّ نقْلَ النصّ بدون تفسير يكفي للردِّ عليه.

 

د- تيودوت

هو لاهوتيّ المدرسة المرقيونيَّة الشرقيَّة. ونحن نعرفه بفضل مقتطفات احتفظ بها كليمان الإسكندرانيّ (حاشية 33). نحدِّد موقع نشاطه في زمن بطليمس، أي بعد منتصف القرن الثاني. أمّا المقتطفات التي حُفظت فتُبرز اهتمام تيودوت بأشكال الخلاص الغنوصيّ، بالفداء خارج عبوديَّة المصير، وبالوساطات الأسراريَّة.

 

هـ - مرقس

هو من المدرسة الشرقيَّة بحسب كلام إيرينه (الهراطقة 1/13-21) ودليل إبّيفان (6: 39-55) وأوسيب القيصريّ في التاريخ الكنسيّ (4/11: 4-5) وباناريون (34). واصلَ تعليمَ ولنطين، ومثله ركَّز معتقداته على رؤية (دليل 6/42: 3) بانت له التاترادا السامية في شكل أنثويّ. استعمل بوفرة القيَم العدديَّة للحروف ليوضح مضمون معتقداته. وتحدَّث إيرينه أيضًا عن الطقوس الأسراريَّة عند مرقس والمرقسيّين.

و- تلاميذ آخرون

- في المدرسة الغربيَّة

* الإسكندر. قال إنَّ المسيح لم يُكوَّن من مادَّة بشريَّة، أرضيَّة. ذكره ترتليان في بشريَّة المسيح (16: 1):

هناك نقطة أراد الإسكندر أن يقدِّم عنها البرهان، حسب منحدر الهراطقة الطبيعيّ. حين نسمعه، نؤكِّد أنَّ المسيح ارتدى لحمًا من أصل أرضيّ لكي يُعدم فيه لحم الخطيئة. وإن كانت هذه كلماتنا، فنحن نُسند حكمنا على أيِّ برهان بدلاً من البلادة الكبيرة التي تخيَّلها.

* فلورينُس كاهن في رومة، صار ولنطينيٌّا في نهاية القرن الثاني، حسب أغابيوس، التاريخ العام، (الباترولوجيا الشرقيَّة، الجزء 7، ص 516-517). حسب أوسيب (التاريخ 5/20: 1-8) كتب إليه إيرينه رسالة حول المونارخيَّة، من إيرينه إلى فكتور حول نتائج انتشار أفكار فلورينُس. ونورد نصّ أوسيب، بعنوان: »ما يشرحه إيريناوس خطِّيٌّا لمنشقّي روما«:

بعكس أولئك الذين يشوِّهون في رومة التكوين السليم للكنيسة، ألَّف إيريناوس رسائل مختلفة وعنون إحداها: »إلى بلاستوس، في شأن الانشقاق. وأخرى إلى فلورينوس، في شأن الملكيَّة monarchianisme أو في أنَّ الله ليس مسبِّب الشرور، وكان هذا الأخير يبدو بالفعل داعمًا هذه العقيدة، ولأنَّه كان لا يزال منجذبًا إلى ضلال فالنتينوس، ألَّف إيريناوس أيضًا في الأوغدوادا Ogdoade (مجموعة ثمانية) ليبيِّن نفسه فيها كأنَّه تلقّى بنفسه الخلافة الأولى للرسل(38).

 

3. التعليم الولنطينيّ

 

أ- نصوص ونصوص

حتّى الآن قُدِّمت المدرسةُ الولنطينيَّة انطلاقًا من قطعاتfragments محفوظة تركها معلِّموها الكبار، مثل ولنطين، بطليمس، هرقليون، تيودوت، ومن آثار نقرأها في الوثائق الهراطقيَّة لـدى يوسـتين، إيرينه، ترتليـان، بســودوترتليان، Ad omnes haer، الإلنخوس Elenchus (دليل) إبّيفان، فيلستري، أوغسطين، تيودوريه. فينبغي الآن أن نستعيد العمل النقديّ انطلاقًا من وثائق نجع حمّادي. فالرسالة الولنطينيَّة لإبّيفان (باناريون 31/5: 1-8) التي لم يهتمَّ بها الباحثون حتّى الآن، اعتُبرت بحسب ميشال تارديو(39) الصياغة الولنطينيَّة الجديدة لمؤلَّف يونانيّ أوغنوست(40) الذي نمتلك عنه نسختين في اللغة القبطيَّة(41)، على أساس حكمة يسوع(42) التي نكتشف عنها أيضًا نسختين قبطيَّتين وقطعة يونانيَّة(43) وُجدت في بهلنسة في مصر.

ومجموعة نجع حمّادي تتضمَّن كودكسًا (نجع حمّادي واحد أو كودكس Jung) ونصوصًا ولنطينيَّة مع صلاة الرسول بولس (امنحني نورك، هبني رحمتك، يا مخلِّصي خلِّصني لأنِّي أنا لك)، ورسالة يعقوب المنحولة (هو يعقوب الذي يكتب... سلام لك من قِبَل السلام، حبّ من قِبَل الحبّ، نعمة من قِبَل النعمة، إيمان من قبل الإيمان، حياة من قِبَل الحياة المقدَّسة)، إنجيل الحقيقة (مفرحةٌ هي بشرى الحقيقة للذين نالوا من لدن أبي الحقيقة نعمة معرفته)، المقال حول القيامة (هناك كثيرون، يا ابني ريجينس، يرغبون في أن يتعلَّموا الكثير). المقال المثلَّث (مهما استطعنا أن نقول عن الأمور العلويَّة، ينبغي أن نبدأ بالآب الذي هو أصل الكلّ). فكودكس يونغ هذا يمكن أن يُقارَب من المدرسة الشرقيَّة كما من المدرسة الغربيَّة.

ونضيف أيضًا الإنجيل بحسب فيليب (نجع 2/3: عبرانيّ يصنع عبرانيّين، فيَدعون أناسًا من هذا النوع »مهتدين«)، وعرْضُ الميثة الولنطينيَّة (نجع 11: 2؛ أقول سرّي للذين هم أخصّائيّ وللذين يُصبحون أخصّائي. أولئك هم الذين عرفوا الذي هو)، ورؤيا يعقوب الأولى (نجع 5/3: الربُّ كلَّمني. قال: انظر تتمَّة ندائي)، ورسالة بطرس إلى فيليب (نجع 8: 2: »الرسالة التي بعثها بطرس إلى فيليب... أريد أن تعرف يا أخانا«).

كلُّ هذه النصوص لم تُدرَس بعدُ انطلاقًا من الوثائق التي بين أيدينا، ويمكن أن نوسِّع أيضًا حقل التوثيق الولنطينيّ الأصيل. فأعمال يوحنّا المنحولة تقدِّم لنا برهانًا عن الطابع الغنوصيّ وفي شكل خاصّ الولنطينيّ. وها نحن نورد العدد 109(44):

ثمَّ طلب خبزًا وشكر بهذه الأقوال: »أيّ مديح، أيّ كلام تقدمة، أي فعل شكر نستطيع أن نتفوَّه به ونحن نكسر هذا الخبز، سوى أن نسمّيك أنت وحدك، يسوع؟ نمجِّد اسم الآب الذي قيل بك! نمجِّد اسم الابن الذي قيل بك! نمجِّدك على أنَّك الباب الذي يتيح الدخول! نمجِّدك على أنَّك القيامة الموحاة بيدك لأجلنا! نمجِّدك على أنَّك الطريق! نمجِّدك على أنَّك الزرع، على أنَّك اللوغوس، النعمة، العظمة، التاج، على أنَّك ذاك الذي بسببنا دُعيَ ابن الإنسان، على أنَّك الحقيقة، الراحة، المعرفة، الحرِّيَّة، الملجأ الموجود فيك! لأنَّك يا ربّ أصل الخلود (اللاموت)، ينبوع اللافساد، أساس الإيّونات! أنت يا من تتقبَّل كلَّ هذه الأسماء بسببنا بحيث نعرف، حين نستعملها لكي ندعوك، عظمتك اللامنظورة لنا في الحاضر، ولكن المنظورة فقط للأنقياء الذين يتكوَّنون في إنسانك الفريد!

 

ب- تفسير التعليم الولنطينيّ

إنَّ وسع المجموعة الولنطينيَّة تمنع الآن أيَّةَ مألفة synthèseإجماليَّة لعقيدة المدرسة الولنطينيَّة. فدراسة النبذات الهراطقيَّة لم تتقدَّم بعدُ بما فيه الكفاية لتتيح لنا أن نموضع عناصر العقيدة المختلفة، الواحدة بالنسبة إلى الأخرى. فالدراسات تتوقَّف مرارًا في عالم الغنوصة الولنطينيَّة، عند عرض ميثة الخلاص الولنطينيَّة، التي ترتكز على ما كتب إيرينه في الردّ على الهراطقة (1/1-8) مع معلومات أُخذت من هنا وهناك. وهكذا يكون لنا صورة جزئيَّة للأهداف اللاهوتيَّة في المدرسة الولنطينيَّة.

فإذا انطلقنا من وصف إيرينه لولادة الإيّونات السماويَّة، نشهد نشرًا متدرِّجًا للإصدارات. هو سيناريو يقود إلى تقدُّم اللاهوت (في المعنى الحصريّ) والكوسمولوجيا (نظرة إلى الكون) والسوتيريولوجيا (نظرة إلى الخلاص) والأنتروبولوجيا (نظرة إلى الإنسان) والإكليزيولوجيا (نظرة إلى الكنيسة) والإسكاتولوجيا (نظرة إلى الزمن الأخير). وها نحن نقدِّم نصَّ إيرينه 1/1: 1:

قالوا: وُجد في الأعالي اللامنظورة واللامسمّاةِ إيّونٌ كامل، سابقٌ لكلِّ شيء. ويدعون هذا الإيّون برو(45)-مبدأ، برو- أب، لجَّ... معه وُجد الفكر ennoia الذي يدعونه أيضًا النعمة والصمت. وفي يوم من الأيّام، فكَّر اللجّ أن يُصدر انطلاقًا من ذاته، مبدأ كلِّ الأشياء. وهذا الإصدار الذي فكَّر فيه، وضعه بشكل زرع في قلب رفيقه له هو الصمت. وحين تقبَّل الصمتُ هذا الزرع، حبل وولد الذهن الذي يشبه من أصدره ويشبهه، وهو أيضًا وحده قادر أن يفهم عظمة الآب... معه أُصدرت الحقيقة. تلك هي التاترادا الفيثاغوريَّة الأولى والأساسيَّة، التي يدعونها أيضًا جذر كلِّ شيء«(46).

من هذه التاترادا (أربعة) ولدت الأوغدوادا (ثمانية) ثمَّ الديكا (عشرة)، وأخيرًا كلّ إيّونات البليروما الذي هو موضع شغفpassion تجاه الآب. هذا الشغف يولد استيعاد مادَّة بنفماتيَّة خارج البليروما بحيث يأتي المخلِّص، »ثمرة إيّونات البليروما«، فيخلِّصها بشكل اهتداء الحكمة. وتُفضي هذه السيرورة إلى ولادة العناصر التي سوف تكوِّن خلق العالم، ولادة الأهواء، وأخيرًا تكوين الإنسان ووجوده الأرضيّ، ويتنفَّذ الخلاص بوساطة المعرفة وممارسة الطقوس المحدَّدة التي تتيح للغنوصيّ أن يجد كائنه الخاصّ والغنوصيّين المولودين معه، فيكوِّنون الكنيسة الروحيَّة الموعودة بالخلاص وبالعودة إلى راحة الآب.

 

الخاتمة

اعتقد الغنوصيّون أنَّ هناك علاقة بين ما يحصل في الأماكن السماويَّة وما يحصل على الأرض. نستطيع أن نفهم أنَّ توصيف الآباء الهراطقيّ حسب هذه الإيلادات، نداء إلى الفلتان على مثال انتقادات الفلاسفة للميتولوجيّات العلنيَّة. فلا بدَّ إذًا من إعادة النظر في تقديم ميثة الخلاص الولنطينيَّة لكي يُعاد تفسيرها مع البليروما والكوسموس وخلق الإنسان ونفسيَّته ومسيرته نحو الفداء وعودته إلى الأماكن السماويَّة. عندئذٍ يتبيَّن أنَّ الولنطينيّين سعوا إلى منهجة لاهوتيَّة لعناصر الإيمان المسيحيّ انطلاقًا من موادَّ فلسفيَّة ومن مهارة واضحة للتأويل البيبليّ. وهكذا قدَّموا عملاً ملحوظًا في تاريخ الأفكار اللاهوتيَّة، والتأويل البيبليّ، والأسرار، وممارسات التقوى. راحوا في خطٍّ شرقيٍّ وفي خطٍّ غربيٍّ، ولكن لبث الفكر الأساسيّ هو هو، ونحن نعرفهم اليوم لا من خلال الوثائق اللامباشرة كما نقرأ عند الآباء والكتّاب المسيحيّين، بل بشكل خاصّ من خلال الوثائق المباشرة التي كُشفت بشكل خاصّ في نجع حمّادي.