النبي ماني : القادم من بابل

 

ولد ماني في بابل واستنادا الى قوله هو نفسه,بناء على مانقل البيروني عنه ,في قرية (مردينو )في (كوثي)العليا .يظن هنينك Henningان كوثي هنا تصحيف ( جوحي ).وقد ولد ماني في العام الرابع من حكم اردوان, وفي سنة 527من تاريخ التقويم البابلي التي تبدا من اول شهر نيسان البابلي من عام 311 ق. م .وعلى ذلك يكون ميلاده في السنة البابلية التي تمتد من ابريل بحسب التقويم اليولياني سنة 216 م حتى 27 مارس 217م .
عرف ماني في ايران رساما , وجعل بطلا لقصص خرافية وتشابيه شعرية , كما كانوا ينعتون الحسناوات بقولهم (رسم ماني ). اما في الغرب فكانت المعلومات المستمدة عنه من كتب العلماء المسيحيين الجدلية وردودهم على المانويين . وهي مصادر كتبت على الاغلب باليونانية او اللاتينية . ومن المصادر المعروفة والمكتشفة عن المانويين ( 13) كتابا منها مؤلفات تيتوس البصراوي من القرن الرابع الميلادي . وكتاب الكساندر ليكوبوليس الذي كتب بعد وفاة ماني بقليل . ولكن اهم الكتب على الاطلاق هي مؤلفات القديس اوغسطين في اواخر القرن الرابع الميلادي .ان ثلاثة من هذه الكتب ترجمت وطبعت ,احدها بعنوان ( كفالايا )وهو مجموعة خطب ماني التعليمية ,التي جمعهاتلاميذه بعد موته,بناء على طلبه, ويغلب الظن ان مصنفها هو ( ادا )المبشر المانوي في مصر السفلى او بابوس المبشر المانوي في مصر العليا ,والظاهر ان النسخة القطبية مترجمة عن اليونانية ,والثاني هو كتاب مواعظ (هوميلي – Homily ) والثالث المزمور (الزبور المانوي – اناشيد دينية ).
( 2 ) : 
استقرماني في طيسفون . وقد حدث تطورا في حياته الروحية حيث جاءه الوحي يوصيه بالامتناع عن الشراب واللحوم ومقاربة النساء , فانتقل الى الجنوب وسكن في ميسان, والتحق بفرقة المغتسلة , اي المعمدانيين ,الذين هم في راي البروفيسور سيد حسن تقي زاده اسلاف المندائيين او الصابئة المندائيين الحاليين, والصابئين القدامى المذكورين ايضا في القران ..
عرف ماني في شبابه حب الاطلاع على الاديان الاخرى في بابل واطرافها ,واقترب من من الفرق المسيحية الغنوصية كاتباع مرقيون وبارديصان ..يقول ماني عن نفسه ان ملكا ظهر له في الثانية عشرة من عمره , وهتف به ان يتهيا للظهور ونشر التعاليم الالهية .وحين بلغ الرابعة والعشرين , ظهر له الملك السابق ثانية وامره ان يظهر ويبلغ التعاليم الالهية . وقد دعا الى دينه الجديد اشخاصا من ابناء بلدته اولا ,ولكنه لاسباب غامضة مالبث ان غادر الى الهند ,بحسب قول المانويين , وشرع بالتبشير هناك واسس مراكز واقام نوابا .وقد زادت معرفة ماني بالتعاليم البوذيةوبالزرداشتية .
في المزمور المانوي القبطي ( الزبور , وجمعها زبر ) ان ماني كان يعيش في الدنيا مشي الاسير بين الاغراب مدة ستة سنوات ,ولعل هذه الفترة هي دليل على ان ملاحقة ماني والمانويين قدبدات قبل ستة سنوات من وفاة ماني , ولكن لم يكن قد وصل الامر الى الشدة عليهم . بقي ماني في عهد هرمز في بابل , ولكن لما رقى بهرام العرش لم تكن نظرته الى ماني حسنة , وحين احس ماني بذلك الخطر فارق بابل جنوباعلى طول ساحل دجلة وتفقد اتباعه , حتى وصل الى الاحواز (الاهواز ) وعزم على السفر الى خراسان وكوشان , ولكنه منع من ذلك , ثم جاءالامر بان يذهب الى ولاية شوش, لكنه اتى الى مقرالملك ووصل من الاحواز الى ميسان ومنها ركب سفينة في نهر دجلة صعودا الى طيسفون . وجعل ماني يودع اصحابه , وحين وصل الى كوخي وصل امر فوري بذهابة الى حضرة الملك حيث اعتقل هناك واودع السجن . وبحسب احدى الروايات ان النبي ماني كانت له كالسيد المسيح قدرات روحانية للعلاج والشفاء ( جبرائيل بن نوح نقلا عن البيروني ) ان ماني وعد بشفاء احد خاصة الملك من مرضه ولكنه لم يشفى , وان غضب الملك كان بسبب ذلك .بقي ماني في السجن 26 يوما وقد عومل ماني في السجن معاملة قاسية ,وقيدوا بالسلاسل يديه ورجليه , ثم جعلوا يشدون السلاسل ويضيقونها حتى مات . وكان اصحابه يزورونه في سجنه , وكان هو يدلي بتعاليمه للترويج لدعوته , والظاهر ان اثنين من اقرب اصحابه وتلامذته ظلا عنده حتى وفاته .
جاء في الزبور المانوي باللغة القبطية , انهم فصلوا راس ماني بعد وفاته, وعلقوه على باب المدينة, واساؤوا معاملة جثته ومثلوا بها . وفي روايات اخرى انهم قشروا جلده وعباوه تبنا ,ثم علقوه على بوابة المدينة . وهذه البوابة كانت معروفة في العصر الاسلامي باسم (بوابة ماني ) .يذكر جبرائيل بن نوح المسيحي انهم وضعوا راس ماني في بوابة السرادق , والقوا جسمه خارجا ( طبعا امام انظار العامة ), وتعقبوا اتباعه وجعلوهم عرضة للتنكيل والابادة.
كان ماني مبتدعا لخط جديد ذي حروف مصوتة , سمي قبلا استرنجلو ( اسطرنجيلي ؟ ) وهو مشتق من الخط السرياني وابسط منه .
يقول البروفيسور سيد حسن تقي زاده : نحن مدينون كثيرا في هذا الميدان لماني , لان كثيرا من الكلمات الايرانية التي كانت غامضة ومشكوكا بها في الخط البهلوي المعروف , تقرا صحيحة في هذا الخط الواضح .
بحدود عام 300 م انتشر دين ماني ( اي بعد ربع قرن من وفاته )في سوريا وشمال افريقيا حتى اسبانيا ومملكة الكال .
في سنة 326 شمل قانون قسطنطين ضد اصحاب البدع المانويين . وفي سنة 372م سلب فالنتينيان الاول , المانويين حق الاجتماع , كما منع تيودسيوس عام 381 م والسنتين اللاحقتين حق اداء الشهادة في المحاكم وحق الارث وحكم على اعلامهم بالاعدام , وامر بابعاد جميع المانويين عن المملكة .لقد اصبحت المانوية الدين الرسمي في مملكة اويغور 763م , وانتشارها في الصين. وظهور الخلاف بين المانويين على فرقتين ( مقلاصية ) و ( مهرية )وانفصال مانويي آسيا الوسطى عن مركز الكنيسة المانوية في بابل ,واشتهارهم باسم (دينداران), وميل الخليفة الاموي وليد الثاني الى المانوية , وقمع المانويين المعروفين بالزنادقة ( زنديق من زنديك بمعنى التاويليين ) في عهد الخليفة المهدي , وكذا القصص الكثيرة عن مشاهيرهم كابن المقفع وغير ه . والملاحقات التي اصابت المانويين في البلدان المسيحية .هذه الملاحقات دفعت المانويين الى الهجرة من بلاد مابين النهرين ( العراق القديم ) وايران الى الشرق والشمال , واختارت طائفة كبيرة منهم تركستان . وقد نسيت اللغة السريانية تدريجيا وحلت محلها البارتية والبارسية .
اعتبر النبي ماني نفسه انه خاتم الرسل او الانبياء ,لذا كان يعمل على ترجمة جميع افكاره ومعتقداته الى لغة كل امة وشعب .
كما اعتبر ماني نفسه انه الفارقليط الذي بشر به المسيح .ان انجيل ماني ينقسم الى 22 قسما مطابقا لحروف الهجاءالارامية .يتحدث ماني عن السماوات العشر والارضين الثماني والاعمدة السبعة , والافلاك الثلاثة , وغيلان البحر , واقسام السماوات بطور تبدو معه الافلاك الجزئية عند نصير الدين الطوسي وشارحي كتبه شيئا سهلا.
يعتقد ماني ان الاديان الحقة السابقة قد حرفت , وان الكتب السماوية الاصلية قد فقدت . وان الذين حرفوها وبدلوا فيها هم تلامذة مؤسسي تلك الاديان مثل جاماسب , وآسوكا , ويهوذا الاسخريوطي . وقد اعطيت في السنوات الاخيرة اهمية لتاثيرات العقائد البابلية القديمة , لاسيما عبدة تموز والدين الماندائي الاصلي القديم . ان الهيكل العام للتعاليم المانوية هو مركب ناتج عن اختلاط المسيحية الغنوصية المبنية على الفلسفة الافلاطونية الحديثة في سوريا ومابين النهرين والعقائد البابلية القديمة والفلسفة الهلينية او اليونانية الحديثة , والعقائد الايرانية الزرادشتية وغير الزرادشتية .
يقول باور ان الدين المانوي في اساسه نتاجا بوذيا وهنديا , بعد ان كان بوركيت يفترض ان العناصر المسيحية هي الغالبة .وكان رايتسن شتاين يعده مستمدا من عقيدة النجاة الرمزية الايرانية .وقد قام ويد نكرن بتحقيقات جديدة بشان الاثر البابلي فيها ومقارنته بالمعتقدات الاكدية ,لاسيما مذهب تموز .
(3 ) :
الواجبات الشرعية عند المانويين 
وهي على قسمين : قسم للسماعين , اي لعامة المؤمنين , وقسم للخاصة اي الصديقين والمجتبين او المختارين .كان على السماع عشرة تكاليف سلبية تمثل ( الوصايا العشرة ) وهي :ان لايعبد الاصنام , ان لايكذب , ان لايبخل , ان لايقتل ,ان لايزني , ان لايسرق , ان يتجنب تعاليم الخديعة , ان يتحاشى السحر , وان يحترز من الشك في الدين . وكان عليهم اربع صلوات يومية ( مقابل سبع صلوات للمجتبين ) , كل منها باثني عشر سجدة , واوراد خاصة . وقد كانوا يمسحون بدنهم قبل الصلاة بالماء الجاري ( الوضوء ) , او عندالضرورة بالر مل . وكانوا في الصلاة يولون وجوههم صوب الشمس . وكان لهم في كل شهر سبعة ايام للصوم ,ولكن صومهم الهام كان صوم ايام الا حاد .وكان من تكاليفهم سبع صدقات , وثلاثة احسانات : احسان الفم , واحسان اليد , واحسان البدن , اي الامساك (بقدر المستطاع طبعا) عن مقاربة النساء . يستطيع السماعون التملك والبناء والزراعة والحصاد وان يتخذوا مهنة الزراعة او ان يصبحوا صناعا او تجارا و وان يتخذوا زوجات لهم بالعقد الدائم او المؤقت , وان ياكلوا لحما بشرط ان لايكونوا هم ذابحيه . اما المختارون ( الصديقون ) فممنوعون من شراء اي شيء , او تملك اية ثروة , او تعاطي اي عمل دنيوي . هم يستطيعون فقط ان يتناولوا كل يوم ( ليل ونهار )لونا واحدا من الطعام , وان يحصلوا كل سنة على ثوب واحد , وصومهم صعب جدا . بالاضافة الى ان يوم الاحد كان يوم عطلة وعبادة للسماعين , كانوا يصومون ايضا يوم الاثنين الذي هو يوم المختارين المقدس , وكانت لهم سبع صلوات .
كانت للمانويين اربع صيامات اكبر , اما الصوم الكبيرفكان صيام شهر ينتهي بعيد فطر المانويين حيث يجتمعون ليلا حول عرش ماني ذي الدرجات الخمس ,الذي كانت فوقه صورة ماني , وربما كتبهم المقدسة ,فيعترفون بذنوبهم المقترفة طوال السنة , وينزل ماني في منتصف الليل فيجلس على عرشه ويغفر ذنوب المؤمنين المعترفين . كان المختارون ممنوعين من اللحم والشراب والاطعمة المختمرة . ولم يكونوا هم يعدون الطعام لانفسهم ,بل ان سماعا كان يعد للمختار طعامه والزرع والحصادوالعجن والخبز وتقطيع الخبز كلها من عمل السماعين الذين كانوا يقدمون الطعام للمختارين بعد تحضيره . وقد كان طعامهم نباتيا . لهذا السبب كان مع كل مختار دائما سماعا يرافقه في حله وترحاله .هذه الصحبة الدائمة لم يدرك الناس سرها , وكانت السبب في التهم المشينة الجائرة التي يقول البيروني انها كانت تلصق بهم .
وقد حكى الجاحظ قصة اثنين من السياح المانويين في الاهواز كانا شاهدين على ابتلاع حيوان لجوهرة , وقد امسك صاحب الجوهرة بخناق المانويين متهما اياهما بسرقتها ولم يحملهما الضرب الشديد على ذكر شيء عن الحيوان الذ ي بلع الجوهرة , مخافة ان يذبح الحيوان لتفتيش معدته , اذ انهما كانا يريان في اسالة دمه اثما كبيرا .
المصدر 
كتاب(الديانات الشرقية القديمة : الزرادشتية – المانوية)- تاليف البروفيسور سيد تقي زاده والبروفيسور محمدمحمدي ملايري – ط1 – 1014-بيروت – لبنان – الناشر المركز الاكاديمي للابحاث : العراق – تورنتو – كندا 
الملحق:
( المانوية .. نموذج لتاريخنا المسروق )للباحث والكاتب العراقي الاستاذ سليم مطر