المصليانيّة أو جماعة المصلّين

 

هؤلاء الرهبان لا يأكلون خبزهم الخاصّ، بل يفتحون فمهم على خبز الآخرين ويجعلون من البطالة فنٌّا من فنون الحياة.

هذا ما كتبه غريغوار النيصيّ عن جماعة المصلّين في كتابه حول البتوليَّة(1). وزاد ما هو أخطر من ذلك:

يُفرطون في الثقة بإلهامات ينفحهم بها الروح، فيَضلُّون في أوهامهم ويَحسبون هذه الأوهام وحيًا حقيقيٌّا.

ويتابع غريغوار في المقطع عينه:

هناك منوَّرون يعتبرون أوهام أحلامهم أجدر بالاعتقاد من التعاليم الإنجيليَّة، ويسمُّون تخيُّلاتهم وحيًا.

ولكن بعد أن شجب غريغوار هذه الجماعة في بداية حياته، عاد في ما بعد إليهم في كتابه المؤسَّسة المسيحيَّة(2)، فأعاد اعتبار صلاة المشاهدة التي تحرَّرت ممّا في نظرة المصلّين من إفراط وسوء استعمال. قال:

إذا تفرَّغ أحدُ الإخوة لهذا الجزء من الكمال الذي هو الصلاة، فهو يتعلَّق بكنز عظيم ويرغب في أثمن غنى.

وكفالة مرشد روحيّ تتيح له أن يتجنَّب الأوهام. فالصلاة المتصوِّفة الغارقة في سرِّ الله لا يمكن إلاَّ أن تكون في ذاتها أهلاً للمديح.

فالذي يتفرَّغ للصلاة يتَّحد بالله بقداسة لا يُعبَّر عنها.

ويطبِّق غريغوار على حياة الصلاة هذه، الفائقة الوصف، كلَّ مبدإ الحياة الروحيَّة كما يراه، فيقول:

بعد أن ينال المتصوِّفُ الروح كموجِّه وحليف، يشتعل بحبِّ الربِّ ويحترق رغبة، لأنَّه لا يجد شبعًا لصلاته، بل يبقى ملتهبًا برغبة الخير(3).

وهكذا حافظ غريغوار على الاندفاع الصوفيّ عند المصلّين وروحانيَّة الاتِّحاد بالله، بعد أن شجب ضلالهم بما فيه من استنارة واهمة(4).

هذا سيكون حديثُنا عن جماعة »المصلّين«. بعد أن نتعرَّف إلى أسمائهم وتاريخهم، نتدارس الوجهة الإيجابيَّة، وجهة الصلاة التي نجدها عند جميع الرهبان الشرقيّين، والتي تحدَّث عنها أفرهاط وكتاب المراقي ومقار المزعوم (أو: بسودومقار)، وننتهي مع الوجهة السلبيَّة. انحطَّت حركة المصلّين وصارت بدعة وهرطقة، فلاحقتها الكنيسةُ في كلِّ مكان حتّى محتها من جذورها.

 

1- أسماء هذه الجماعة وتاريخها

أ- أسماؤها

اسمها في السريانيَّة »م ص ل « من فعل »ص ل« أي صلّى. ذكرها أفرام السريانيّ في كتابه ضدّ الهراطقة (العظة 22):

وجماعة المصلّين الذين عهروا (يتلاعب أفرام على الكلمات)، ليُرجعْهم الصالح إلى داره. تركت أيديهم كلَّ شيء، فما أمسكوا بها عروة (عروة قميص أو إبريق).

وتُرجم اسم المصلّين إلى اليونانيَّة: »euchtai«. إنَّهم هؤلاء الذين يتكرَّسون حصرًا للصلاة، ويجدون في الصلاة الوسيلة الفضلى لطرد الشياطين، وامتلاك الروح القدس، والحصول على الخلاص على حساب المعموديَّة وسائر الأسرار.

وسُمِّيت جماعة المصلّين »الهائمين«(5)، الذين يُلهمهم روحٌ شرّير فيسيرون ولا يعرفون إلى أين يصلون. كما سُميِّت »الراقصين«(6) أو »الدراويش«. وسُمّوا »الكسالى« أو »التنابل«، لأنَّهم رفضوا كلَّ عمل يدويّ. وسُمُّوا أيضًا »المتسوِّلين« لأنَّهم كانوا يعيشون من الصدقات.

وأخذوا أسماء مؤسِّسيهم: أدلفيوس، لامباقيوس، أوستات، مرقيان. أمّا هم فسَمُّوا أنفسهم »Pneumatikh« أو الروحانيّين. وقال فيهم إبيفان في كتاب الهرطقات: »وإن سُئلَ الواحد: هل أنت أحد الآباء؟ هل أنت ملاك؟ هل أنت نبيّ؟ هل أنت يسوع المسيح؟ كان يجيب في كلِّ مرَّة: نعم«(7).

هذه البدعة الروحيَّة الكبيرة التي عرفها الشرق المسيحيّ في القرن الرابع، والقرنين الخامس والسادس، فحاربها أفرام وفيلوكسين المنبجيّ وساويروس الأنطاكيّ، هذه البدعة نستطيع أن نلخِّص نهجها التعليميّ في أربع جمل. الجملة الأولى تتحدَّث عن إقامة الشيطان في النفس، يقولون:

يتَّحد بكلِّ إنسان منذ ولادته اتِّحادًا جوهريٌّا، شيطانٌ هو إرث الحُكم على آدم. وهذا الشيطان يدفع الإنسان المتَّحد به اتِّحادًا جوهريٌّا إلى أعمال شائنة(8).

وقال يوحنّا الدمشقيّ: يقولون في كتبهم:

إنَّ إبليس يقيم بشكل جوهريّ مع الإنسان ويسيطر عليه في كلِّ شيء... إنَّ إبليس والشياطين يمتلكون روح الشر وطبيعة متَّحدة بالأرواح الشرّيرة(9).

والجملة الثانية حول عدم فاعليَّة المعموديَّة وسائر الأسرار لتنقية النفس من هذا الحضور الشيطانيّ. قال تيموتاوس:

يقولون إنَّ المعموديَّة المقدَّسة لا تنفع في شيء لطرد هذا الشيطان. لأنَّ المعموديَّة المقدَّسة لا تستطيع أن تقتلع جذور الخطيئة التي اتَّحدت جوهريٌّا بالبشر منذ البداية.

وقال يوحنّا الدمشقيّ:

إنَّ المعموديَّة لا تقود الإنسان إلى الكمال. وقبولُ الأسرار المقدَّسة لا يمنح النفسُ التطهُّر... فالمؤمن لا ينال بالمعموديَّة اللباس الإلهيّ واللافاسد.

وتشدِّد الجملة الثالثة على حصر كلِّ فاعليَّة بالصلاة. قال تيموتاوس:

وحدها الصلاة المتواصلة تستطيع أن تَطرد هذا الشيطان.

ومثله قال يوحنّا الدمشقيّ حول الصلاة التي يمارسونها بحرارة:

أمّا النتيجة التي نحصل عليها بالصلاة فهي نتيجتان: مجيء الروح القدس، والبعد عن الألم وكلِّ انفعال.

وهذه هي الجملة الرابعة:

يقولون إنَّه قبْلَ طرد الشياطين، لا يحتاج الإنسان بعد إلى الصوم وسائر إماتات النفس والجسد، لأنَّ الجسد تحرَّر من تسلُّط الشهوات، ولأنَّ النفس لم تعد عرضة للميل إلى الشرّ، لأنَّ الجسد والنفس وصلا إلى الهدوء التامّ، إلى عدم الانفعال والتأثُّر بأيِّ شيء. ويقولون إنَّ من استسلم بعد عدم الانفعال هذا (apaqeia)، إلى الشراهة والفجور، لا يخطأ ولا يتعرَّض لأيِّ خطر، لأنَّه لم يعد خاضعًا لأيَّة رغبة، بعد أن سُمح له بأن يستسلم إلى الرغبات المحرَّمة (تيموتاوس).

وقال يوحنّا الدمشقيّ:

نقرأ في كتبهم أنَّه يجب أن نقتني عدم الانفعال، فيتمّ مجيء الروح القدس بكلِّ وعي وكلِّ يقين.

وقال تيموتاوس:

يقولون إنَّه عندما يخرج الشيطان... يَتمُّ مجيءُ الروح القدس على المصلّي، بحيث يُرى الروح نازلاً بشكل محسوس(10).

لن نعطي حكمًا على هذا التعليم وما فيه من ضلال ممّا جعل ملاحقة هذه البدعة تمتدُّ قرونًا عديدة حتّى انقرضت كلِّيٌّا. بل نتوقَّف عند تاريخ تأسيسها وانطلاقتها.

 

ب- تاريخ جماعة »المصلّين«

أوَّل من تحدَّث عن »المصلّين« هو إبيفان، أسقف سلامينة في قبرص. أشار إلى وجودهم في أنطاكية سنة 376-377 وصوَّرهم كـ»مشرَّدين« تركوا كلَّ شيء، فافترشوا شوارع المدينة، واختلطوا رجالاً ونساء. هم يلتمسون صدقة ويرفضون العمل اليدويّ كما يرفضون كلَّ نظام وأدب، ويعتبرون أنَّهم تفرَّغوا كلِّيٌّا للصلاة. وزاد أنَّهم جاؤوا من بلاد ما بين النهرين. وكان أفرام تحدَّث عنهم وعن أخلاقهم المنحلَّة. وما دلَّ على أصل المصلّين هو اسمهم الآتي من السريانيَّة، كما قلنا سابقًا. وهذا ما عرفه تيودوريه مخبرنا الرئيسيّ عن تاريخ هذه الحركة. فاعتبر أنَّ رؤساءها الأوَّلين كانوا دادويس، سابا، أدلفيوس، هرماس، سمعان. ونزيد على هذه اللائحة معلومات وصلتنا من فوتيوس تتيح لنا أن نزيد سابا آخر الملقَّب بالخصيّ، وأوستات الرهاويّ. وقال أغابيوس المنبجيّ وميخائيل السريانيّ وابن العبريّ أنَّ هؤلاء هم تلاميذ شخص اسمه أوسيب الرهاويّ(11).

أشهر هؤلاء هو »أدلفيوس« الذي اعتبره فيلوكسين المنبجيّ »مؤسِّس هذه الهرطقة«، فقال فيه:

كان أدلف (كذا في السريانيَّة) رجلاً أقام فيما مضى في مدينة الرها. وهو الذي استنبط الهرطقة المسمّاة هرطقة »المصلّين«. كانت له قواعد حياة خارقة، وتفرَّغ لأعمال الحياة النسكيَّة القاسية. وكان ذهب إلى مصر وشاهد الآباء العظماء الذين وُجدوا هناك في ذلك الوقت، كما شاهد أنطونيوس الكبير، وسمعهم يعالجون موضوع نقاوة العقل وخلاص النفوس. والمسائل الدقيقة المتعلِّقة بالشهوات، كانت من تلك التي عرضوها وشرحوها بشكل عاديّ. وسمعهم أيضًا يقولون إنَّ العقل الذي تطهَّر يصل إلى المشاهدة، وإنَّ النفس تستطيع بفضل نعمة الله أن تصير جديرة باللاإنفعال (واللاألم)، فتتجرَّد من كلِّ رغباتها العتيقة وتقوم في صحَّة كيانها الأولى كما في ملكوت الله، مع أنَّ مقامها ما زال في هذه الحياة(12).

وروى تيودوريه أنَّ فلافيان، بطريرك أنطاكية (381-404)، جاء به (= أدلف) من الرها، وحصل بالحيلة من هذا الشيخ على الاعتراف بضلالاته وتأكيدها. وإذ كانت آراء »المصلّين« حتّى ذلك الوقت خفيَّة، أزيل القناع عنها أمام البطريرك. حينئذٍ طُردت جماعة »المصلّين« من أبرشيَّة الشرق، فذهبوا إلى أبرشيَّة آسية والبنطس (في تركيّا الحاليَّة) ولاسيَّما ليكونية وبمفيلية. فاجتمع أساقفة هاتين المنطقتين في »سيدي« برئاسة أوفيل، أسقف إيكونيوم، حوالى سنة 388، وأعلنوا ضدَّهم أوَّل حكم قانونيّ. علَّلوا أسباب ما فعلوا مستندين إلى أقوال فلافيان الذي كان الداعي الحقيقيّ إلى هذا السينودس. وحوالي سنة 390، جمع فلافيان نفسه سينودسًا في أنطاكية شاركه فيه أساقفة الشرق الثلاثة وأعلن الحرم على »المصلّين«. حاول أدلفيوس أن يدافع عن نفسه، ولكنَّ الجماعة رفضت أن تستقبله. بعد ذلك نقل فلافيان مقرَّرات السينودس إلى أساقفة أوسروين (أي منطقة الرها)، فأعلنوا موافقتهم. ثمَّ كتب إلى ليتويوس، أسقف ملطية، في أرمينيا الثانية، وكان اكتشف بعض من أخذوا بتعاليم »المصلّين« في بعض أديرة أبرشيَّته. فتصرَّف معهم ليتويوس بقساوة إذ أحرق الأديرة، وطرد »المصلّين«. وكتب فلافيان أيضًا مرَّتين إلى أسقف آخر في هذه المنطقة عينها، ولامه لأنَّه ساند جماعة »المصلّين«(13).

هذا ما قاله فوتيوس في الكودكس 52 مستندًا إلى وثائق لم تعد اليوم في حوزتنا(14). وسنعود إليه بعد أن نقدِّم الوجه الإيجابيّ لجماعة »المصلّين«، منطلقين من أفراهاط وكتاب المراقي أو الدرجات، وممّا تركه لنا مقار المزعوم أو سمعان الرافدينيّ.

 

2- الوجه الإيجابيّ لجماعة المصلّين

نبدأ فنشير إلى أنَّ كلَّ الرهبان في الشرق يُعتبرون من المصلّين، والصلاة أوَّل نشاط يقوم به الراهب. غير أنَّنا نتوقَّف عند أفراهاط وكتاب المراقي وسمعان الرافدينيّ.

أ- أفراهاط

أفراهاط (أو فرهد) الذي لقِّب بالحكيم الفارسيّ، قد يكون وُلد في جوار دير مار متّاي القريب من نينوى. تنصَّر فاعتزل العالم، وصار متوحِّدًا مع المتوحِّدين. وقد يكون مات شيخًا سنة 345، خلال الاضطهاد الفارسيّ على الكنيسة.

ترك لنا البيِّنات أو البراهين (تحويوتا في السريانيَّة) وهي ثلاث وعشرون بيِّنة، وجُعل عنوانها في العربيَّة المقالات. وتحدَّثت المقالة الثالثة عن الصوم والرابعة عن الصلاة والسادسة عن أبناء العهد أو المتنسِّكين(15).

نورد هنا بعض ما قاله هذا الحكيم عن الصلاة:

نقاوة القلب هي صلاة أفضل من كلِّ الصلوات التي تُتلى بصوتٍ عال، والصمت الممزوج بضمير صافٍ أفضل من الصراخ الذي يطلقه الإنسان. فالآن، يا عزيزي، هب لي قلبك وعقلك واسمع عن قوَّة الصلاة النقيَّة، وتأمَّلْ كم اشتهر آباؤنا الأوَّلون بصلاتهم، وكيف كانت لهم قربانًا نقيٌّا. أجل، بالصلاة قُبلت قرابينهم: هي ردَّت الطوفان، وشفت العواقر، وكشفت الأسرار... أقول أوَّلاً: بسبب نقاوة القلب هابيل قُبل قربانه أمام الله، أمّا قربان قايين فرُذل...(16).

هكذا نكتشف الدور الكبير للصلاة، ومفاعيلها. فهي تحتوي الكثير من القوَّة. ويعطي أفراهاط في المقالة الرابعة عن الصلاة عددًا من الأمثلة تدلُّ على صلاة الآباء والأنبياء وصولاً إلى المسيح. وفي كلِّ هذا نداء إلى »الرهبان« الذين سيصيرون في ما بعد »المصلّين« فيحصرون الحياة المسيحيَّة في الصلاة إلى درجة ينسون فيها دور الأسرار وحياة المؤمن بما فيها من شهادة.

 

ب- كتاب المراقي

كتاب المراقي(17) هو مؤلَّف كبير يتكوَّن من 30 ميمرًا أو عظة. نجهل اسم كاتبه، وقال عنه ناشره القديم إنَّه من أواخر الرسل وأوَّل الكتّاب في اللغة السريانيَّة. هذا يدلُّ على شهرة الكتاب وسلطته. غير أنَّ الكتاب يعود إلى القرن الرابع مع إشارات عديدة إلى اضطهاد يصيب المسيحيّين. وهكذا يكون كتاب المراقي عاصر أفراهاط الحكيم الفارسيّ أو جاء بعده بقليل، خلال حكم شهبور الذي امتدَّ أربعين سنة (339-379).

كتاب يعبِّر عن ميول تعليميَّة، وهو أقدم شاهد على مقالات أفراهاط على الحياة الروحانيَّة في كنيسة الشرق. يقول الكاتب إنَّ الفرائض الإنجيليَّة لا تتوجَّه إلى الجميع بدون تمييز. فهناك الوصايا الصغيرة التي تتيح للإنسان أن يحقِّق البرّ (قديشوتا)، والوصايا الكبيرة، التي بها يُدرك الكمال (غميروت ا). لا شكَّ في أنَّ الله يرغب في أن يصل جميع البشر إلى الكمال، غير أنَّ الطريق التي تقود إلى الكمال مليئة بالصعوبات والمخاطر، فلا يستطيع أن يسير فيها إلاَّ الذين أقاموا »عهدًا« مع الربّ، وسهروا لئلاّ يخونوا التزاماتهم.

يرتكز سلوك »الأبرار« (قديشي، يعيشون الوصايا المتعلِّقة بالبرّ) على ثلاث فرائض أساسيَّة: الصوم، الصلاة، الصدقة. وتُشرف عليه »القاعدة الذهبيَّة« التي يعرفها الكاتب في وجهيها السلبيّ والإيجابيّ. لا نفعل بالغير ما لا نريد أن يفعله الغير بنا. نفعل للغير... يُطعمون الجائعين، يَستقبلون الغرباء... (مت 25: 34). أمّا الكمّال (غميري ، يمارسون وصايا الكمال) فيعرفون التجرُّد المطلق: يتخلُّون عن العائلة والزواج ليحيوا في العفَّة والعزوبة (أو التبتُّل). يتركون بيوتهم ليعيشوا حياة متجوِّلة فلا يكون لهم حجر يسندون إليه رأسهم على مثال المسيح. يتخلَّون عن كلِّ خيراتهم، عن كلِّ امتلاك في هذا العالم، عن »تجارة هذا العالم«. بما أنَّهم لا يملكون شيئًا، فهم لا يستطيعون أن يمارسوا أعمال الرحمة، أن يساعدوا الفقراء، أن يستقبلوا الغرباء... غير أنَّ في قلبهم حبٌّا كبيرًا لجميع البشر، وهو حبُّ يستند إلى تواضع عميق لأنَّهم يعتبرون نفوسهم أدنى من البشر، بل أدنى من الخطأة.

في هذه الحالّ يمتنع »الكمّال« عن الحكم على الآخرين. ولا يقبلون وظيفة ولا سلطة في الكنيسة. ويتخلّون عن الكرامة التي قد تُعطى لهم. وفضائلهم هي المغفرة والتواضع والوداعة. يختلفون عن »الأبرار« الذين لا يستطيعون أن يعاشروا الخطأة بسبب ضعفهم، فيقاسمون الخطأة والوثنيّين خبزهم، لأنَّهم في سلام مع الجميع. وهم يكرِّسون حياتهم المتجوِّلة للصلاة والوعظ وإحلال السلام بين البشر. وهكذا لا تنحصر صلاتهم (كما هو الأمر مع الأبرار) في بضع ساعات في النهار، بل تكون متواصلة. كما أنَّهم لا يصومون فقط أيّامًا محدَّدة وعن مأكولات معيَّنة، بل صومهم متواصل وشامل...(18)

ما هي علاقة كتاب المراقي مع حركة »المصلّين«؟ اعتبر كموسكو أنَّ التعليم الذي نجده في كتاب المراقي قريب من تعليم »المصلّين«(19). وقابل سبع عبارات تعليميَّة أخذها من المراقي مع سبع أخذها من كتاب الفصول الذي نقله تيموتاوس القسطنطينيّ ويوحنّا الدمشقيّ. وهذه العبارات تتحدَّث عن (1) الشيطان الذي يقيم في الإنسان منذ ولادته. عن (2) الصلاة التي تنفع وحدها لطرد الشيطان. عن (3) الروح الذي يقيم بشكل محسوس في الإنسان بعد أن يُطرد منه الشيطان. عن (4) زوال الرغبات في النفس بعد مجيء الروح إليها. (5) مثل هذا المجيء يجعل الممارسات النسكيَّة بدون جدوى (6). كما أنَّ التعليم لا ينفع من بعدُ (7). وفي الله، الإنسانُ الذي نال الروح يرى بعينَي الجسد الثالوث نفسه(20).

أمّا هويسر(21) فاعتبر أنَّنا لا نجد في كتاب المراقي إلاَّ شكلاً مخفَّضًا من »المصلّيانيّة«(22)، بل ردَّة فعل ضدَّ اتِّجاهات هذه الحركة في بداياتها، قال:

»يبدو كتاب المراقي قريبًا من المانويَّة كما من المصلّيانيَّة، بل هو أقرب إلى المانويَّة منه إلى المصلّيانيَّة. فأمام التيّارات التي حاربها أفرام خلال القرن الرابع، جاء كتاب المراقي يعيد »الرهبان« إلى أهمّيَّة الصلاة في حياتهم«.

وراح فوبوس(23) في خطِّ هويسر، فعارض معارضة كلِّيَّة موقف كموسكو واعتبر أنَّ لا علاقة إطلاقًا بين كتاب المراقي وحركة »المصلّين« (أو المصلّيانيَّة). أمّا أنطوان غيومون(24) فاعتبر أنَّ هذا الكتاب يجب أن يُقرأ في ذاته، لا في خلفيَّة مصلّيانيَّة. لكتاب المراقي روحيَّة بنفماتيَّة(25)، ولهذا كان مهمٌّا جدٌّا من أجل دراسة الروحانيَّة الشرقيَّة.

فالروحانيَّة البنفماتيَّة التي تشكِّل جوهر تعليم كتاب المراقي، تميِّز الروحانيَّة السريانيَّة. فأفراهاط يُفرد في مقالاته مكانة هامَّة للروح القدس. وكذا نقول عن فيلوكسين المنبجيّ ويوسف حزايا ومقار المزعوم وغيرهم. في هذا التقليد يقف التيّار المصلّيانيّ. فالروحيَّة المصلّيانيَّة هي في جوهرها بنفماتيَّة. فالحدث الذي يُعتبر الذروة في الحياة الروحيَّة، هو مجيء الروح في الإنسان بشكل محسوس، فيجدِّده ويجعله كاملاً ويعفيه من الانفعال والألم. وهناك مقابلة وثيقة بين ما نعرفه عن أقوال الخصوم في »المصلّين«، وما يقوله صاحب كتاب المراقي عن مجيء الروح إلى الكمّال. وهو يسمّي هذا »الحدث« »عمادًا في الروح والنار«، كما يقول لو 3: 16. في هذه النقطة نجد أعمق قرابة بين كتاب المراقي والمصلّيانيَّة.

ونطرح السؤال: هل ينتمي كتاب المراقي إلى الحركة المصلّيانيَّة؟ يبدو أنَّ الجواب هو كلاّ. فالحركة المصلّيانيَّة التي وُلدت في بلاد الرافدين، ورثت الروحانيَّة البنفماتيَّة التي كانت تقليديَّة في المسيحيَّة الشرقيَّة والتي كان كتاب المراقي، شأنه شأن غيره من الكتب، شاهدًا لها. إذن، ليست الصوفيَّة البنفماتيَّة محصورة في المصلّيانيَّة، كما لا نرى في كلِّ راهب متجوِّل واحدًا من هؤلاء »المصلّين«. ما هو خاصّ بالمصلّيانيَّة، هو القول بأنَّ الصلاة المتواصلة تحرِّك في النفس مجيء الروح، بحيث إنَّ الوصايا والأسرار تصبح بدون فائدة، فيستغني »المصلّي« عن الكنيسة نفسها.

من أجل هذا نقول إنَّ صاحب كتاب المراقي لا يشارك »المصلّين« في آرائهم. فهو يعتبر أنَّ للصوم والصدقة وسائر الممارسات النسكيَّة دورًا تلعبه مع الصلاة لكي ينمو في الإنسان »عربون الروح«. بل هو يعلن بقوَّةٍ تعلُّقه بالكنيسة، بالكهنوت، بالأسرار ولاسيَّما بالعماد. قال في العظة 12 حيث يظهر موقفه بالنسبة إلى الكنيسة(26):

من لا يقتبل معموديَّة الماء لا يستطيع أن يقبل المعموديَّة في الماء والروح. فإذا أردنا الوصول إلى الكنيسة غير المنظورة، إلى كنيسة القلب والأعالي التي إليها ينتمي الكمّال، من الضروريّ أوَّلاً أن نمرَّ في الكنيسة المنظورة. فالكمّال لا يستطيعون أن ينفصلوا عن الكنيسة المنظورة.

إنَّ صاحب كتاب المراقي ليس عضوًا في شيعة من الشيع، بل هو مؤمن في الكنيسة الكبرى. شدَّد على روحانيَّة بنفماتيَّة، ولكنَّ هذه الروحانيَّة انحطَّت إلى حركة خاصمت الكنيسة قبل أن تنفصل عنها. هذا ما نعود إليه بعد أن نتوقَّف عند شخص مقار المزعوم.

 

ج- مقار المزعوم

أطلنا الحديث على كتاب المراقي لارتباطه تاريخيٌّا بمقالات أفراهاط، وروحيٌّا بالحركة المصلّيانيّة، ولأنَّه يدلُّنا على أن تيّارًا من المصلّين ظلَّ في خطِّ الإيمان القويم المرتبط بالكنيسة والأسرار وممارسات الحياة المسيحيَّة ولاسيَّما النسكيَّة منها. هذا ما نكتشفه أيضًا عند مقار المزعوم.

كان مقار هذا (أو سمعان) راهبًا عاش بين القرن الرابع والخامس(27). خلط النقّاد مدَّة طويلة بين هذا الكاتب ومقار المصريّين(28). عاش في بلاد الرافدين أو جنوبيّ آسية الصغرى وترك لنا عددًا من المواعظ وصلت إلينا أوَّلاً في اللغة اليونانيَّة، ثمَّ في السريانيَّة والعربيَّة واللاتينيَّة والسلافونيَّة. وهكذا كان تأثير هذا الكتاب كبيرًا، وموازيًا لتأثير أوغريس البنطيّ.

ماذا يقول هذا الراهب في تعليمه الذي يَرِدُ بشكل أسئلة وأجوبة بين المعلِّم وتلاميذه؟ إنَّه يشدِّد على أهمِّيَّة الجهاد الروحيّ، على استبطان الحياة الروحيَّة مع تشديد على اختبار الإلهيّات اختبارًا شخصيٌّا وحميمًا، على دور هامّ يُعطى للروح، على أهمِّيَّة الصلاة كطريق إلى الكمال.

يجب على الطالب، أن يستسلم كلِّيٌّا لله، أن يتصرَّف كعبد اشتراه الله وأن يكرِّس نفسه له، أن يجعل من جسده ذبيحة حيَّة ترضي الله. وكما أنَّ أولى الوصايا هي المحبَّة، فأولى الفضائل الرهبانيَّة هي الصلاة الملحَّة. أمّا سائر الممارسات فتبقى أعمالاً خارجيَّة. قال مقار:

التجرُّد والصوم والترنيم والسهر وافتقاد النعمة هي أمور حسنة. ولكن لا شيء أكيدًا بدون جهد.

في الصلاة تصبح النفس واحدًا مع روح الربّ، وتنال عون نعمته الناشط. لهذا، يجب أن نتوق إلى الصلاة الدائمة:

علينا أن نقوم بهذا الجهاد الخفيّ، بهذا التأمُّل الربّانيّ، بهذا الجهد الذي نقوم به نهارًا وليلاً كي نُتمّ الوصايا. فإن صلَّينا أو أكلنا أو شربنا، أو عملنا أيَّ شيء آخر، يكون كلُّ هذا لمجد الله لا لمجدنا الخاصّ.

وهكذا تحتلُّ الصلاة مكانة تتعاظم يومًا بعد يوم في حياة الراهب الذي ينمو حتّى في عمله اليوميّ البسيط. وهذا ما دفع مقار إلى تمييز داخل الجماعة بين »الذين يصلُّون« و»الذين يعملون«. قال:

فإن رغب أحد الإخوة في الجهاد بالصلاة والإيمان والتوبة، في حبِّه للسماويّات، يجب أن نوافقه الرأي وهو جدير بالمديح في نظر الله وفي نظر البشر. لهذا يجب على مجموعة الأعضاء الذين هم إخوته، أن يتركوه في حرِّيَّته، وأن يحملوا إليه كلَّ مساعدة بفرح، لكي يبقى مثابرًا على الصلاة فينال الإخوة أجرًا من عند الله بسبب ما فعلوه لأخيهم على المستوى الروحيّ.

ويرى هذا الراهب المصلّي أنَّ جميع الفضائل ترتبط الواحدة بالأخرى، ولكنَّها تتعلَّق كلُّها كما بسلسلة روحيَّة، بالصلاة التي هي أوَّل الفضائل. قال:

إنَّ ذورة كلِّ غيرة نحو الخير، وقمَّة الممارسات الفضائليَّة، هي المثابرة على الصلاة التي بفضلها نستطيع أن نحصل كلَّ يوم على سائر الفضائل التي نطلبها من الله.

فالإنسان لا يستطيع بذاته إلاَّ أن يصرخ إلى الله ويطلب عون نعمته (في هذا يقوم أساس الصلاة). حينئذٍ يأتي الروح ويكمِّل الفضائل في الإنسان:

إنَّ الصلاة تُنتج لدى الجديرين مشاركةً صوفيَّة في القداسة مع الله بفضل عمل الروح، واتِّحادًا مع ربِّ الروح يصبح محبَّةً تفوق الوصف. والذي يفرض على نفسه الثبات اليوميّ في الصلاة، تجتذبه محبَّةُ الروح إلى حبٍّ ورغبة ناريَّة من أجل الله. فينال كلُّ واحد النعمة من روح الكمال بإرادة حرَّة، والله هو الذي يمنحها.

بما أنَّ الإنسان الساقط تسكنه »قوَّة غريبة«، هي قوَّة الشرّ، فهو يحتاج إلى حضور متواصل للقوَّة الأخرى، التي هي »غريبة« أيضًا، يحتاج إلى نعمة الروح. لهذا، يجب على الصلاة ألاّ تتوقَّف وتكون عباراتها قصيرة:

عارضْ دومًا الخطيئة التي تقيم فيك، لأنَّ لك إرادة، وصلِّ دومًا إلى الله. وماذا تقول حين ترفع الصلاة إليه؟ أصلّي إليك يا ربّ، أصلّي إليك! ردِّد هذا القول حين تمشي وحين تأكل وحين تشرب وحين لا تصنع شيئًا.

لا ننسى أنَّ الصلاة المتواصلة هي ميزة جماعة المصلّين. ولكنَّ هذه الجماعة نسيَت التوازن بين الصلاة وسائر ممارسات الحياة المسيحيَّة، فخلقت عالمًا خاصٌّا بها ألغى دور الكنيسة والتقليد، فصار الإنسانُ مقياسَ كلِّ شيء لا الله.

أمّا الكمال الذي يتوق إليه الراهب، فلا ندركه في يوم واحد. والحياة المسيحيَّة تحدَّد على الأرض بأنَّها جهاد روحيّ لا ينتهي أبدًا. أمّا أصل هذا الجهاد فالخطيئة الأصليَّة. والنفس هي موقع هذا الجهاد بين الله وإبليس. لن نتوقَّف عند الطريقة التي بها يسيطر الراهب على شهواته ويواجه الشرّ ويقتني الفضائل. بل نشدِّد على عمل روح الله، الروح القدس، النعمة. فمجيء الربِّ يجدِّد فينا الصورة السماويَّة حين يوحِّدنا بروح القداسة، بالروح القدس.

وإذ يتدخَّل الروح، يصل بالإنسان إلى الهدف الذي توخّاه من مجهوده، يصل به إلى »الصلاة الحقَّة«، إلى الصلاة »في الروح والحقّ«. ويعرف العماد »في النار والروح« أي العماد المسيحيّ بالماء الذي ينتج ثمارًا في نفوس الكمّال. وهكذا نكون أمام فئتين: أولئك الذين نالوا النعمة ولكنَّهم ما زالوا »ممزوجين بالخطيئة«. وأولئك الذين »تعمَّدوا في الروح القدس فلم تعد لهم خبرة الشرّ« (لم يعودوا معرَّضين للشرّ).

 

3- الوجه السلبيّ لجماعة المصلّين

هنا نصل إلى الحركة »المصلِّيانيَّة« في وجهها الضالّ فنرافقها في تطوُّرها قبل أن نقدِّم تعليمها وما فيه من هرطقة.

 

أ- تطوُّر »المصلِّيانيَّة«

تحدَّثنا في القسم الأوَّل عمّا فعله أساقفة أنطاكية وأرمينيا والأسروين لمحاربة هذه البدعة. وها دور القسطنطينيَّة جاء في القرن الخامس. طلب أتيك (406-425) من أساقفة بمفيلية أن يطردوا »المصلّين« من أبرشيّاتهم، وحين نُصِّب سيسين خلفُه سنة 426، كتب الأساقفة المجتمعون في هذه المناسبة، إلى أساقفة بمفيلية أنفسهم ليذكِّروهم بالإجراءات المتَّخذة ضدَّ »المصلّين«: شجبُ الضلالة. وكلُّ من ثابر عليها لا يُقبل في التوبة. وأصاب الإجراءُ ذاته كلَّ من دافع عنها، حتّى ولو كان أسقفًا. ووقَّع هذه الرسالة معًا سيسين وأسقف أنطاكية تيودوت. وأشار فوتيوس أيضًا إلى رسالة ضدَّ المصلّين أرسلها يوحنّا الأنطاكيّ، خلف تيودوت، إلى نسطور أسقف القسطنطينيَّة. وهكذا اجتمع الأسقفان في الحرب ضدَّ »المصلّيانيَّة«، بانتظار شجبٍ لهذه البدعة على المستوى العالي.

ففي سنة 428، صدر عن الإمبراطور قانونٌ يلي قرارات سينودس القسطنطينيَّة، فحكم على »المصلّين« وطردَهم بشكل رسميّ من الإمبراطوريَّة(29). وفي سنة 431، وافق مجمع أفسس على الإجراءات السابقة التي اتُّخذت ضدَّ »المصلّين« في السينودسات المحلِّيَّة، وفُرض تطبيقها في الكنيسة الجامعة(30). قدَّم القضيَّة أسقفا بمفيلية (فاليريان الأيكونيّ) وليكونية (أمفيلوك السيديتيّ)، مع العبارات التي اعتُبرت مجدِّفة. وكان القرار: يجب أن يُقتلع الضلال. وكلُّ من كان موضوع شكّ يتراجع عنه خطِّيٌّا. ومن رفض أن يوقِّع على الشجب، يُحرم. وإن كان من الإكليروس يُحَطُّ من درجته.

بعد هذا الشجب على المستوى الكنسيّ والمدنيّ، نجد حكمًا على »المصلّيانيَّة« في آسية الصغرى، في المنتصف الثاني للقرن الخامس، حول شخص اسمه لمباك. فهذا الشخص أسَّس في منطقة جبليَّة تقع بين كيليكية وإيسورية أديرة للرجال والنساء يعيشون فيها حياةً من الفلتان. ومع أنَّه قاسم أدلفيوس آراءه، رسمه كاهنًا أليبيوس، أسقف قيصريَّة (في تركيّا). ولكن وصلت شكوى ضدَّه، فأرسل إلى أرمينيا موطنه، حيث ظهرت آراؤه المصلّيانيَّة وممارساته اللاأخلاقيَّة. ولكن دافع عنه إلفايوس أسقف العريش (رينوكولورا في اليونانيَّة) في مصر، فحُكم على الأسقف معه.

ونجد آثارًا للمصلّين في مصر حيث أقام لمباك بعض الوقت. وروت أقوال الآباء زيارة قام بها جماعة من الرهبان »المصلّين« لأبّا لوقيوس في دير »أناتون« القريب من الإسكندريَّة(31). يعود هذا الجزء على ما يبدو إلى القرن الخامس، كما نقرأ رسالة بعث بها كيرلُّس، أسقف الإسكندريَّة، إلى أمفيلوك أسقف سيديتي، غداة مجمع أفسس، فدلَّ على أنَّ كيرلُّس مهتمٌّ بالمصلّين، هؤلاء الأناس الأمّيّين الذين نطلب منهم فقط تراجعًا شفهيٌّا عن ضلالاتهم. نستنتج من كلِّ هذا أنَّ الآراء المصلّيانيَّة لم تلج عميقًا في الحياة الرهبانيَّة المصريَّة. وقول لوقيوس يدلُّ على أنَّهم كانوا رهبانًا غرباء(32).

أمّا لمباك فكان له تلامذة بعدُ في مقاطعات آسية الصغرى خلال العقود الأولى للقرن السادس. وتدخَّل ساويروس، أسقف أنطاكية (512-518) ضدَّ »المصلّين«. وهذا ما نجده في رسالة وُجِّهت إلى أنتراخيوس، أسقف عين زربة(33). وردَّ ساويروس نفسه على كتاب للمباك اسمه »الوصيَّة« الذي امتدَّ تأثيره في ما بعد. وفي سنة 532-534، جاءت قوانين الكنيسة المونوفيسيَّة (أصحاب الطبيعة الواحدة) فاتَّخذت إجراءات ضدَّ لمباك(34).

في نهاية القرن السادس، ظهر اسم آخر لدى اليونان سُمِّيت جماعةُ المصلّين »جماعة مرقيان« (كما في تيموتاوس القسطنطينيّ) الذي كان صرّافًا في القسطنطينيَّة على أيّام يوستنيان ويوستين الثاني. ونجد هذه التسمية أيضًا في القرن السابع بقلم صفرون، أسقف أورشليم(35)، ومكسيم المعترف(36).

ولكن يتساءل النقّاد: هل كان مرقيان من جماعة »المصلّين«؟ وهل ظلَّت الحركة المصلّيانيَّة قائمة حتّى القرن الثامن؟ يبدو أنَّ ما قاله يوحنّا الدمشقيّ عنها، أخذه من الكتب. كما عاد فوتيوس إلى وثائق قديمة لكي يتكلَّم عن هذه الشيعة التي لم تمتدَّ إلى الغرب فقط، بل إلى الشرق، إلى كنيسة فارس(37).

 

ب- تعليم الحركة المصلّيانيَّة

نتحدَّث هنا عن التعليم الذي شُجب وحُرم، لا عن الوجه الإيجابيّ الذي توسَّعنا فيه في معرض حديثنا عن أفراهاط وكتاب المراقي ومقار المزعوم. فما يورده خصوم »المصلّين« عن تعليم هذه البدعة يرتكز بعضه على مصادر شفهيَّة(38) والبعض الآخر على مراجع مدوَّنة مثل كتاب النسكيّات(39) الذي شُجب في مجمع أفسس. وانتقلت بعضُ عبارات هذا الكتاب إلى فصول(40) تيموتاوس القسطنطينيّ ومقالات يوحنّا الدمشقيّ.

إنَّ المنطلق الأساسيّ لتعليم »المصلّين« يعلن أنَّه بعد سقوط آدم(41)، صار كلُّ إنسان ومنذ ولادته مسكونًا بالشيطان الذي هو سيّده ويدفعه إلى الشرّ. فالشيطان يتَّحد بالإنسان اتِّحادًا جوهريٌّا، ويصبح وإيّاه مشاركين في الطبيعة الواحدة(42). إذا أردنا أن يُطرد هذا الشيطان، فالمعموديَّة لا تستطيع إطلاقًا أن تنفع في شيء. وإن قُطعت الخطايا، فهي لم تُقطع من الجذور. بعد المعموديَّة يبقى الإنسان مجبولاً مع الخطيئة كما كان في السابق. إذن، لا جدوى من المعموديَّة، ولا جدوى من سائر الأسرار(43).

وحدها الصلاة تفيد لطرد الشيطان، شرط أن تكون متواصلة وحارَّة، فهي وحدها تقدر أن تقطع جذور الخطيئة. والصلاة التي يرافقها نسك قاسٍ تعطي، إذا مارسناها بتواتر، نتيجتين: طرد الشيطان وبالتالي مجيء الروح القدس في الإنسان. هذا الحدث الحاسم يحصل عادة بعد ثلاث سنوات كما يقول مكسيم المعترف، أو بعد اثنتي عشرة سنة كما يقول أغابيوس المنبجيّ وابن العبريّ. ويتمُّ طرد الشيطان الذي يقيم بشكل فيزيائيّ وجسديّ في الإنسان، بطريقة جسديَّة وفيزيائيَّة. هو يخرج مع المخاط من الأنف والبصاق من الفم. فإذا كان الحاضرون من الروحانيّين، استطاعوا أن يروا القوى غير المنظورة، استطاعوا أن يروا الشيطان خارجًا من الإنسان مثل الدخان أو مثل الحيَّة. لأنَّ النفس التي لم تنلْ بعدُ الروح القدس هي مسكن الحيّات والحيوانات السامَّة.

وحين ينجو الإنسان من الشيطان، ينال الروح القدس الذي يحلُّ فيه. وتتمُّ هذه »الزيارة« هي أيضًا بشكل منظور ومحسوس، فتمنح الإنسان ملء اليقين. وتشدِّد النصوص على الطابع المحسوس لمجيء الروح. حينئذٍ تحسُّ النفس ما تحسُّ به المرأة حين تتَّحد بالرجل. والروح الشبيه بالنار، يجعل من الإنسان كائنًا جديدًا، يخلقه مرَّة ثانية، لأنَّ النار هي خالقة(44). والروح يجعل من الإنسان الذي يقيم فيه كائنًا »بنفماتيٌّا«. فالمصلّون سمَّوا أنفسهم: بنفماتيّين أو روحانيّين. وهم ينعمون بمواهب خاصَّة: يعرفون كيف يقرأون في القلوب. يكتشفون فيها الخطيئة أو النعمة. ينالون إيحاءات ورؤى (يتحدَّث يوحنّا الدمشقيّ عن رؤية الصليب المنوَّر). يتنبَّأون بوضوح عمّا سيحصل. يستطيعون أن يروا القوى غير المنظورة ولاسيَّما الشياطين. لهذا كان الناس يشاهدون »المصلّين« يَثبون على الشياطين (وحدهم كانوا يرونهم)، ويتظاهرون بأنَّهم يطلقون عليهم السلاح. وفي النهاية، »الروحانيّ« يستطيع مشاهدة الثالوث، الآب والابن والروح القدس، وبعينيه اللحميَّتين.

وحضور الروح في الإنسان يمنحه اللاإنفعال واللاألم. ويتيح له أن يصير كاملاً منذ هذه الحياة. بل يؤلِّهه نوعًا ما. فالطبيعة الإلهيَّة تستطيع أن تتحوَّل على هواها لكي تتَّحد بالذين هم جديرون بها. ونفس الروحانيّ التي لا تنفعل، تتحوَّل إلى الطبيعة الإلهيَّة المحضة. وحين يتخلَّص الروحانيّ من الشيطان ومن جذور الخطيئة، يُعفَى في جسده وفي نفسه، من كلِّ تحرُّك للشهوات والرغبات. لهذا، فهو لا يعود يحتاج إلى الصوم والسهر وسائر الممارسات النسكيَّة التي تتوخّى ترويض الجسد. كما لا يحتاج إلى التعليم الذي يتوخّى تربية النفس. وقيل عن لمباك إنَّه كان يهزأ من الرهبان الذين يمارسون النسك والقطاعة ويرتدون المسوح، لأنَّه يعتبر أنَّهم لم يصِلوا بعدُ إلى الكمال. واعتبر نفسه أنَّه صار كاملاً ومحرَّرًا من الأهواء والرغبات. لهذا كان يعيش في اللذة والترف، ويلبس الثياب الناعمة، ويدعو تلاميذه إلى الاقتداء به. وبعد أن يقتني »المصلّي« اللاإنفعال، يستطيع أن ينقاد حتّى إلى الفلتان الجنسيّ دون خطر أو خطيئة، لأنَّ ما يفعله تحرَّر من الشهوة. ونُقل عن لمباك قوله: »جئوني بفتاة جميلة، وأنا أبيِّن لكم كيف تكون القداسة«. مثل هذا الكلام الملتبس يدلُّ على الانحطاط والفساد اللذين وصلت إليهما جماعة »المصلّين«. ضاعت الحشمة وامتلاك النفس، واستسلم الأعضاءُ للفجور، لأنَّهم ظنُّوا أنَّهم صاروا فوق الخطيئة بعد أن عادوا إلى »بزرة« آدم الأولى. اعتبروا أنفسهم على مستوى الملاك فإذا هم على مستوى الحيوان.

خـاتمـة

تلك هي »المصلِّيانيَّة« أو حركة »المصلّين« كما برزت في الشرق والغرب، في العالم السريانيّ كما في العالم اليونانيّ، فهدَّدت شخصيّات دينيَّة مثل غريغوار النيصيّ ويوحنّا الدلياتيّ، وامتدَّت في النزاع السكيناويّ(45) في القرن الرابع عشر. فالرهبان السكيناويّون اعتُبروا بفم خصومهم من »المصلّين«(46). وكتب غريغوار بالاماس ردٌّا يرفض فيه كلَّ تماثل مع »المصلّين، هؤلاء الهراطقة من الماضي«(47). بل راح بعضهم يقابل بين »المصلّين« و»البوغوميليّين«(48)، بل يقول إنَّ »البوغوميليَّة« هي بنت »المصلِّيانيَّة«(49). لا شكَّ في أنَّ هناك تقاربًا بين التيّارين على المستوى التعليميّ، ولكنَّ العلاقة التاريخيَّة المباشرة تبقى بعيدة التصوُّر. فحين ظهرت شيعة البوغوميليّين في البلقان في القرن الثاني عشر، كانت الحركة المصلِّيانيَّة زالت من الوجود منذ زمن بعيد. ولكن قد نكون أمام حلقة متوسِّطة في جماعة عاشت في أرمينيا(50) وتأثَّرت بالمصلّين.

حركة »المصلّين« حركة قديمة جدٌّا، لأنَّها ترتبط بالصلاة التي هي النشاط الأوَّل في حياة الراهب. ولكنَّها بدأت تحيد عن الطريق شيئًا فشيئًا إلى أن صارت هرطقة في الكنيسة حاربتها المجامع المسكونيَّة والإقليميَّة كما حاربها آباء الكنيسة. غير أنَّ النتيجة العمليَّة التي وصلت إليها من دعوة إلى الفحش والفجور والفلتان الأخلاقيّ، جعلتها تزول كلِّيٌّا من الشرق وتترك بعض آثار في الغرب ما عتَّمت أن امَّحت.

يبقى علينا أن نعود إلى الجذور، إلى أوريجان وأواغريس وغريغوار النيصيّ، إلى أفراهاط وأفرام وفيلوكسين المنبجيّ ويوحنّا الدلياتيّ وإسحاق النينويّ، فنصل إلى عظمة الصلاة التي كانت مع الصوم والصدقة قمَّة أعمال البرِّ في العهد القديم، والتي ستكون الشغل الشاغل في حياة الراهب الذي يُدعى إلى الصلاة كلَّ حين.