كـتـاب المراقـي وعلاقـتـه بالحـركـة المصلّيـانيَّـة

 

سنة 1926 عُرف كتاب المراقي أو الدرجات(1). نشر النصَّ السريانيّ مع الترجمة اللاتينيَّة الدكتورُ ميخائيل كموسكو من جامعة بودابست، في المجر (هونغاريا)(2). كتابٌ مؤلَّف من ثلاثين ميمرًا أو عظة. نحن لا نعرف اسم كاتبه. أوَّل ناشر له كما نجد النصَّ في مخطوط باريسيّ (سريانيّ 201) يعود إلى القرن الثاني عشر، جعله بعد فيلوكسين المنبجيّ: الحياة المسيحيَّة والكمال (وريقة 1-172)، مع عنوان كتاب المراقي في الوريقات 172-281، وضع مقدِّمة حُفظت في النصّ: هو أيضًا ما عرف اسم الكاتب، بل قال إنَّه »واحد من أواخر تلاميذ الرسل« وأوَّل من كتب في اللغة السريانيَّة. هذا الكلام يدلُّ على النفوذ والسلطة اللذين نعِمَ بهما الكتاب.

بما أنَّ هذا المطوَّب ما أراد أن يكتب اسمه، وما من كاتب قال شيئًا يخبرنا عنه، ولا عرفنا زمنه الدقيق، بل تقبَّلناه في التقليد على أنَّه واحد من أواخر تلاميذ الرسل، أدركنا من أقواله أنَّه بدا من المعلِّمين السريان الأوائل(3).

 

1. مدخل إلى كتاب المراقي

مثل هذا الكلام في المقدِّمة، نقرأه ونحن نرافق »ناشر« الكتاب في إعجابه. غير أنَّ هذا المؤلَّف لا يمكن أن يكون قبل القرن الرابع المسيحيّ. فالكاتب يلمِّح أكثر من مرَّة إلى اضطهاد المسيحيّين، الذي يبدو معاصرًا له، كما قال أفراهاط، الحكيم الفارسيّ، في مقالاته. ظنَّ كموسكو أنَّ الاضطهاد حصل في زمن ديوكلسيان حوالي سنة 320، ممّا يعني أنَّ الكاتب عاش في الإمبراطوريَّة الرومانيَّة(4).

أمّا أنطوان غيّومون(5) فانطلق من بعض الإشارات ليتحدَّث عن اضطهاد تمَّ في زمن شهبور، وامتدَّ قرابة أربعين سنة، مع حقبات من الراحة (339-379). نذكر إشارة واحدة: الزاب الذي هو أحد روافد دجلة في الشرق:

يحقُّ للمعلِّم أن يقول لأحد تلاميذه: »ادخل بين العشّارين والخطأة والزانيات، وبين الأشرار والحنفاء«. فهو يعرف أنَّه سبّاح صالح ويقدر أن يعبر الفرات وهو هائج والبحر وهو هائج. والتلميذ الآخر الذي يعرف أنَّه لا يقدر أن يعبر الزاب(6)، يأمره: »لا يحقُّ لك أن تتكلَّم مع فلان، ولا أن تمضي إلى موضع فلان، واحترز من العشّارين ومن الخطأة ومن الزانيات(7).

رأى هويهسر(8) أنَّ هذا المؤلَّف جاء بعد القدّيس أفرام، الذي توفِّي سنة 373، غير أنَّه سبق انتشار »البسيطة« السريانيَّة، ممّا يعني أنَّه دُوِّن حوالي السنة 400 (قبلها أو بعدها بقليل). فيبدو أنَّه لا يمكن أن يكون بعد هذا التاريخ بزمن كبير، لأنَّ الإيرادات العديدة التي نقرأها فيه ترتبط بالدياتسّارون(9). ومهما يكن من أمر زمن التأليف خلال القرن الرابع، فكتاب المراقي هو من أقدم الكتب الهامَّة والكبيرة التي وصلت إلينا من الأدب السريانيّ، لأنَّ أقدم كتاب هو مقالات أفراهاط الحكيم الفارسيّ، وهو يتحدَّث حصرًا عن الحياة الروحيَّة. فالتعابير العقائديَّة التي نقرأها فيه، هي شاهد ثمين لأقدم روحانيَّة لبلاد الرافدين.

* * *

مخطوطات كتاب المراقي عديدة

1- مخطوط باريس الذي ذكرناه. بعد المقدِّمة (»لم يشأ أن يكتب اسمه«) ترد العظة 31 (»إذا رفض الإنسان شهادات كتب الأنبياء)، ثمَّ الثلاثون عظة. أمّا عنوان المخطوط فهو: »كتاب المراقي الذي وضعه واحد من القدّيسين الكاملين«(10).

2- لندن 13578، يعود إلى القرن 6-7، يقدِّم الوريقة 102أ، العظة 14 وعنوانها: في الأبرار والكاملين(11).

3- لندن 14612. يعود إلى القرن 6-7. يقدِّم الوريقة 139أ، العظة 20 وعنوانها: في المراقي القاسية في الطريق(12).

4- لندن 18814. القرن 7-8. يقدِّم الوريقة 29أ، العظة 16(13). والوريقة 37أ العظة 19: تفصيل طريق الكمال(14).

5- لندن 12160، القرن 7-8. في الوريقة 153أ، نقرأ أيضًا العظة 19: تفصيل طريق الكمال.

6- لندن 14621، سنة 802. وهو يتضمَّن في الوريقة 134أ، العظة 18 حول دموع الصلاة(15). في الوريقة 136أ، العظة 20 (في المراقي). وفي الوريقة 144أ، العظة 29: في كباش (قمع) الجسد(16). في الوريقة 112أ، ترد العظة 14 (في الأبرار والكاملين) بين أعمال أوغريس البنطيّ.

7- لندن 14612، القرن 9-10. يتضمَّن مقاطع وافرة. العظات 8، 11، 12، 17، 24، 26 هي كاملة. وبدت ناقصة العظات 10، 19، 29. في الوريقة 1أ، نقرأ المقدِّمة. في الوريقة 26أ، العظة الثالثة: الخدمة الجسديَّة والروحيَّة(17). في الوريقة 33أ، العظة الرابعة: بقلة المرضى (أو: الضعفاء)(18). في الوريقة 36ب، العظة الخامسة: حليب الأطفال(19). في الوريقة 40ب، العظة الثامنة: من يطعم كلَّ ما يقتني للمساكين (للفقراء)(20)...

8- لندن 17178. القرن 11-12. نقرأ في الوريقة 87ب، بعض العظة الأولى. في الوريقة 82ب، العظة الثانية (الذين يَصْبون إلى الكمال). في الوريقة 86ب، العظة 13 (تدبير الأبرار، محادثاتهم)(21). في الوريقة 87ب، العظة 14 (في الأبرار والكمّال). في الوريقة 72ب، العظة 19 (تفصيل طريق الكمال).

9- لندن 17180، القرن الحادي عشر، نقرأ في الوريقة 7ب، بعض العظة الثانية.

10- لندن 17180، القرن الثالث عشر، في الوريقة 28ب، بعض العظة الرابعة عشرة.

11- ريشمون 7190، القرن 12-13. بعض العظة 14 في الوريقة 80ب.

12- كودكس سريانيّ يخصُّ البروفسور نُوْيمان(22). القرن 8-9. يتضمَّن عددًا من النصوص من إشعيا الأسقيطيّ وإشعيا النينويّ وبلاديوس وأتناز والذهبيّ الفم ومقار. في الوريقة 115أ، نقرأ بعض العظة 20.

13- كودس 123 من المكتبة الفاتيكانيَّة. أتى من وادي النطرون (عدد 19). القرن 8-9. في الوريقة 193أ، العظة الثانية. في الوريقة 196ب، العظة 14، في الوريقة 185أ، العظة 20.

14- مكتبة رحماني. العظة 30.

* * *

ماذا تتضمَّن هذه العظات؟

* العظة الأولى. لا نجد لها عنوانًا، بل شرحًا قصيرًا: التفصيل الذي يفصِّل الوصايا فيبيِّن لماذا قيلت وصيَّة وصيَّة في مكانها. لماذا قال ربُّنا يسوع المسيح الوصايا الكبيرة والصغيرة ولمن؟ وكيف يعرف الإنسان الكمال من البرارة، لأنَّه بالوصايا الكبيرة يكون كاملاً، وبالصغيرة يكون بارٌّا؟ والبداية:

أيُّها الرجال، يا إخوتنا وآباءنا، يا إخوتنا وأخواتنا في المسيح. ينبغي لنا أن نطلب أقوال ربِّنا واحدًا واحدًا، كما قال الرسول: اطلبوها اليوم وغدًا وإلى دهر الدهور. وقال أيضًا اطلبوها من نفسكم كلَّ الأيّام حتّى اليوم الذي يُدعى اليوم.

وهكذا يكون الموضوعُ عرضَ مختلفِ الوصايا وتبيانها.

* العظة الثانية. عنوانها: الذين يصبون إلى الكمال:

والآن نفصِّل الوصايا الكبيرة التي بها يُكمَّل الإنسان ويخرج من البقول والحليب. تلك التي وهبها ربُّنا والتلاميذ للكمّال وما كتبها لهم وحدهم.

ما هي هذه الوصايا الكبيرة؟ ثلاثة: التواضع، الفقر التام، العفَّة. من مارسها كان له أن يرى الله.

* العظة الثالثة. عنوانها: الخدمة الجسديَّة والروحيَّة. عاد الكلام عن البقول والحليب، وعن الخدمة الروحيَّة التي تقوم في الوصايا الكبيرة والمتواضعة. فالإنسان يكبر حين يتواضع. وفي الخدمة الجسديَّة يستطيع الإنسان أن يكبر حين يشابه إبراهيم فيعطي من يستحقُّ ومن لا يستحقُّ. تُقسَم هذه العظة قسمين. في القسم الأوَّل، خدمة الكمّال. وفي القسم الثاني، درجات الاتِّحاد بالله.

* العظة الرابعة. عنوانها: بقول المرضى. بعد أن بيَّنّا وصايا الكمال والخدمة التي تحت الكمال، نبيِّن الآن المأكل الذي هو البقول الذي يطبِّب المرضى. يتقيَّأ المريض ما يأكل، كذلك يفعل المريضُ في ذهنه. هنا يأتي الصفح الأخويّ.

* العظة الخامسة. عنوانها: حليب الأطفال. الأطفال هم الذين تجتذبهم الخطيئة، فيبقى عليهم أن يهربوا من مجتمع الخطأة لئلاَّ ينتقلوا إلى حزبهم: والآن نتكلَّم عن ذاك الذي الحليبُ مأكله: لا تأكلوا خبزًا مع الفجّار والظالمين والسارقين والجشعين والشاتمين. أُمر الطفل بأن لا يأكل خبزًا معهم وأن لا يختلط معهم لأنَّه صبيّ، لئلاّ يقودوه إلى إرادتهم.

* العظة السادسة. عنوانها: الإنسان الذي يُكمَّل وينمو.

نبيِّن كيف الإنسانُ يكمَّل وكيف ينمو بعد كماله، مثل المهندسين والصانعين الماهرين. فعندما يريدون أن يبنوا بيتًا أو يصوغوا إناء كبيرًا لكي يضعوا فيه آنية الملك الثمينة، وعندما يبنون البيت بحجارة مربَّعة... يقولون للملك: ها البيت كمل. انظر بماذا تملأه. حينئذٍ يشرع الملك فيملأه بكلِّ الخيرات كلَّ يوم بيومه.

* العظة السابعة. عنوانها: وصايا الأبرار.

حول الوصايا التي قيلت للعالم كلِّه: كيف يصيرون أبرارًا. ما كلُّ إنسان يضيِّق على نفسه ليصعد إلى الكمال. وها هي وصايا الأبرار: لا تقتل، لا تزنِ، لا تسرق... ويُذكَر هنا ما يتعلَّق بالسحر والتمائم. تجاههم أولئك الباحثون عن إرادة الله. ونسمع كلام الربّ في النهاية: »لو رغبتُ بموتهم، لما وضعتُ لهم الناموس (الشريعة، الوصيَّة) الكبير والصغير. فإذا لم يقدروا أن يأتوا إلى الناموس العظيم ويكمَّلوا، يحيون (بالناموس) الصغير ولا يهلكون.

* العظة الثامنة. عنوانها: من يطعم المساكين كلَّ مقتناه. ينطلق الكاتب من كلام الرسول حول المحبَّة: »حين أطعم المساكين«. ومن كلام الربّ: »من يسقي كأس ماء بارد لا يضيع أجره«. وأيضًا: »تعالوا، يا مباركي أبي«. هي المحبَّة العمليَّة. وتنتهي العظة مع ما فعله إسطفانس والرسل الذين لبثوا ثابتين على الإيمان والبرّ.

* العظة التاسعة. عنوانها: البرّ وحبّ الأبرار والأنبياء.

نبيِّن الآن أنَّه كان للأنبياء، في ذلك الشعب القاسي، حبّ يكمِّل »اليود« (أي أصغر حرف في الشريعة) والعهد الجديد. سلكوا بحسب إرادة الربّ الضابط الكلّ، وفعلوا ما أمرهم به.

يبدو أنَّ الأبرار هم أبرار العهد القديم: إبراهيم، موسى، داود، إيليّا، إليشع. وتنتهي هذه العظة الطويلة:

وكما هو (الربُّ) يشرق شمسه على الأشرار، ويُنزل الأمطار على الأخيار، هكذا يُظهر محبُّوه حبَّهم على الأخيار وعلى الأشرار.

* العظة العاشرة. لا عنوان لها. بل مقدِّمة

حول الفائدة التي لنا حين نحتمل الشرور ونحن نتمِّم الصالحات، وحول الصوم واتِّضاع الجسد والنفس. هي خاصَّة القدّيس. صلواته تعيننا كلَّنا. آمين وآمين.

ينبِّهنا الكاتب إلى الشيطان وإلى احتمال الشرور. والبداية:

عونٌ لنا، يا إخوتنا، أن نحتمل الشرور ونحن نعمل الصالحات، لأنَّ الشيطان يقوم قبالتنا. فحين نعمل ما هو حسن، يحتال علينا ليصنع لنا الضيقات بحيث لا نعمل ما هو حسن. وحين نعمل الخير للغرباء ولإخوتنا، يأتي هو بتلاميذه الذئاب المشابهين للحملان فيضيِّق علينا لئلاّ نقبل الغرباء، على مثال إخوتنا، ولئلاّ نصنع الخير لإخوتنا.

* العظة الحادية عشرة. لا عنوان لها. بل مقدِّمة:

حول سماع الكتب، ومتى يُقرأ الناموس قدَّامنا. ففيها نجد الوصايا الكبيرة والوصايا الصغيرة. »كما أنَّنا نميِّز مأكولاتٍ سمُّ الموت فيها، ونهتمّ لكي نميِّز مأكولاً من مآكل، هكذا أيضًا الكتب متى قرأها الكاتب (المعلِّم): إن كان من يفسِّر لنا«.

* العظة الثانية عشرة. عنوانها: خدمة الكنيسة الخفيَّة والجليَّة (أو: الظاهرة).

يا إخوتي، ينبغي لنا أن نؤمن أنَّ هناك التجرُّد الخفيّ لدى القلب الذي يترك الأرض ويرتفع إلى السماء. نتجرَّد في الجسد أيضًا من مقتنانا ومن ميراثنا. وحينئذٍ نحفظ وصايا مُحيي الكلّ. ونعرف أنَّ هناك صلاة خفيَّة (صلاة) القلب لمن أُسِر بربِّنا وتأمَّل به دومًا.

* العظة الثالثة عشرة. عنوانها: »منه، حول تدابير الأبرار«. الموضوع: ما نعمل تجاه الله وتجاه القريب. البداية:

البرّ مستقيمٌ في ما هو له، ولا يَقرب ما ليس له. يطلب ما هو له في الجهاد، ولا يأخذ ربى، وإلى الرشوة لا يقرب. يقتني الأموال بالبرّ ويشتري ويبيع كما ينبغي قدَّام الله.

* العظة الرابعة عشرة. عنوانها: الأبرار والكمّال. نلاحظ أنَّ الكمّال هم أرفع من الأبرار. وهذا ما نلحظه منذ البداية:

الأبرار لا يفجرون ولا يُقهَرون، أمّا الكمّال فلا يشتهون ولا يُحقَّرون. الأبرار لا يسرقون ولا يظلمون ولا يغدرون ولا يطلبون ما ليس لهم. أمّا الكمّال فلا يقتنون ولا يبنون ولا ينصبون ولا يرثون في الأرض، ولا »يفلحون« من أجل القوت واللباس.

* العظة الخامسة عشرة. عنوانها: سلوك الزواج.

والآن نفسِّر سلوك الزواج الذي كان في آدم: كيف كان فيه ومتى يُؤخَذ من أولاده. فبعد أن خطئ ووُبِّخ وَوُضع له ناموس أدنى من الأوَّل، ففي هذا الناموس عينه سُمح له أن يتزوَّج«. نقرأ هنا ثلاثة أقسام: الأوَّل، سقوط أبوينا. »إذًا في البداية، قَبِلَ بيتُ آدم الفكر الشرّير، وشتموا حُسن الأرض«. »ورأت المرأة أنَّ الشجرة كانت مرغوبة للأكل (منها)، ورغبة للعين«. القسم الثاني، يتحدَّث عن المجازاة وعن خلاص الأبرار في العهد القديم: »فالذين يمارسون البرّ والاستقامة في مكان ومكان، وأحيانًا يسيئون إلى إنسان، لا يلبثون لدى البرِّ ولا لدى الشرّ«. والقسم الثالث، يتوقَّف عند درجات النعمة.

* العظة السادسة عشرة. لا عنوان لها. بل مقدِّمة هي بداية العظة:

كيف ينمو الإنسان في الحبِّ (انطلاقًا) من الوصايا الكبيرة. فإن شئتَ استمعني، وأنا أبيِّن لك كيف تنمو وترتفع أيضًا (انطلاقًا) من هذه الوصايا العظيمة. قال لك ربُّنا: »من ضربك على خدِّك، قرِّبْ له الآخر«.

* العظة السابعة عشرة. العنوان: آلام ربِّنا التي صار لنا بها مثالاً. نحن بهذا المثال نقتدي. فإن تألَّمنا معه نمجَّد معه. وعندما تقرأ في العهد الجديد، افهم الآلام من الآيات وتألَّمْ كما تألَّمَ ربُّنا. ويأتي كلام عن الاضطهاد:

إن تألَّمت هكذا، فطوبى لنفسك لأنَّ قلبك يتنقّى فترى ربَّنا. وهكذا صنع إسطفانس، وقال في الصلاة على هؤلاء الذين غرزوا الحجارة في دماغه: لا تحسبْ لهم هذه الخطيئة.

* العظة الثامنة عشرة. عنوانها: دموع الصلاة:

تفهَّمْ الآن، يا ابني، ما أقول! هناك دموع بسبب الحزن، وهناك دموع بسبب الفرح، كما قال ربُّنا: »تبكون وتولولون وتنوحون، والعالم يفرح، ولكن بعد وقت تتحوَّل دموعكم إلى فرح«. نحن نبكي على خطايانا ونفرح لاستعادة النعمة.

* العظة التاسعة عشرة. عنوانها: تفصيل (تمييز) طريق الكمال.

هب لي الآن أذنَيْ معرفتك، يا من يصبو أن يكون متوحِّدًا ومُهمٌّا، لكي يمضي بعجل إلى مدينة ربِّنا يسوع، وأنا أبيِّن لك كيف تمضي في خطٍّ مستقيم إلى مدينة ملكنا، إن كانت فيك القوَّة لكي تسير، كما أبيِّن لك، لأنَّ المراقي (الدرجات) صعبة...

في قسم أوَّل هي الوصايا الكبيرة. في القسم الثاني نتذكَّر أقوال الله والرسل. وفي القسم الثالث تُعطَى الوصايا الصغيرة.

* العظة العشرون. عنوانها: »الدرجات (المراقي) الصعبة التي في طريق مدينة ربِّنا«. وبدايتها:

ثلاث درجات قاسية جدٌّا في تلك الطريق التي تُوصل إلى مدينة ربِّنا يسوع. الأولى، أن يكون للإنسان إعداء ساعة هو لا يُذنب إلى إنسان ولا يضيِّق على إنسان، فيمضي للقاء أولئك الذين هم أعداؤه ومبغضوه لكي يراضيهم مجّانًا. الثانية، أن لا ''يفلح'' الإنسان من أجل غذاء نفسه أو من أجل لباس جسده، وأن يتخلَّص من كلِّ ما له. الثالثة، يليق بالرجال الذين يرفعون أيديهم بالنقاوة قدَّام الربّ بلا غضب وبلا نوايا سيِّئة، أي يكون قلبُهم نقيٌّا من الخطيئة كما كان نقيٌّا قلبُ آدم قبل أن يتجاوز الوصيَّة.

* العظة الحادية والعشرون. عنوانها: شجرة آدم. يعرض الكاتب سقطة أبوينا الأوَّلين اللذين أطاعا الشيطان.

والآن أبدأ فأشرح على الشجرة الصالحة، كيف هي وكيف هي قائمة. وعلى شجرة معرفة الخير والشرّ التي هي الشرّير والتعب والاهتمام والعناية بالأمور العابرة التي ذاق بها بيت آدم طعمَ الموت. منها عرفوا الشرّ الذي ما كانوا يعرفون. وحين أكلوا منها عرفوا الشرَّ الذي هو الموت، وما كانوا يعرفونه.

* العظة الثانية والعشرون. عنوانها: السنن التي يحيا بها صانعوها. عاد بنا الكاتب إلى العهد القديم وفرائضه، وأدخلَنا في العهد الجديد مع وصايا مخلِّصنا.

نعرض الآن السنن التي لا يحيا بها (الانسان) عندما يحفظُها: ''عين بدل عين، سنّ بدل سنّ... »تلك هي وصايا غير صالحة وسُنن لا نحيا بها. ولماذا وهبها ربُّنا إلاَّ لأنَّ هؤلاء رغبوا فيها.

* العظة الثالثة والعشرون. عنوانها: »الشيطان وفرعون وبنو إسرائيل«. أطال الله روحه معهم وهم قاوموه. هكذا لم يكن (هو) سبب سقوطهم. كلامنا

»على فرعون وعلى بني إسرائيل، هؤلاء الذين خطئوا شخصيٌّا فما أغلق الله عليهم. فالربُّ لا يمنع الإنسان من أن يؤمن به ويَصنع الصالحات«.

* العظة الرابعة والعشرون. عنوانها: التوبة.

لأنَّ هناك أناسًا يقولون: إن خطئ إنسان بعد أن اعتمد، لا مكان له للتوبة، كما قال الرسول. ويُبرز الكاتب درجات الخطيئة ومجازاة الأعمال الصالحة.

* العظة الخامسة والعشرون. عنوانها: صوت الله و(صوت) الشيطان. كلام يتوجَّه إلى المتوحِّدين الذين يهتمُّون بأعمال الرحمة المادِّيَّة. مثل هؤلاء لا يبلغون الكمال لأنَّهم يهتمُّون بأمور الأرض.

واليوم أيضًا هكذا يصنع الشرّير لمن لبث طفلاً وطلب أن يتجرَّد ويتقدَّس (انطلاقًا) من الأرض: يحتال عليه وينصحه في الخفاء أو في الجلاء، وبعلَّة أنَّه طفل (بعيد) عن فطنة هذا العالم العلويّ ومعرفته، لا يعرف أن يميِّز صوت الله من صوت الشيطان. فيُضلُّه الشرّير بنصائح كثيرة ينصحه بها محتالاً. كلَّ يوم يبدِّل له الفخاخ. فإن عرف هذه سقط في (فخاخ) أخرى.

* العظة السادسة والعشرون. عنوانها: الشريعة (الناموس) الثانية التي وضعها الربُّ لآدم. قدَّمها الربُّ للإنسان بعد السقطة بحيث يستطيع أن يعيش على الأرض بانتظار مجيء المسيح، الذي يجدِّد شريعة آدم الأولى. الكلام

حول الناموس الذي وضعه الربُّ لآدم بعد أن أكل من الشجرة. الآن ها أنا واضعٌ لك ناموسًا بهذا الشيء الذي أحببتَ، فإذا لا تتجاوزه، يمنعك من الشيول (الجحيم ومثوى الأموات)، ويهبك حياة الأبد والميراث والانبعاث. وإذا تجاسرتَ عليه كما على (الناموس) الأوَّل، ترى الشيول وتتعذَّب.

* العظة السابعة والعشرون. عنوانها: خبر اللصوص. اللفظ السريانيّ »ج ي س ا« يمكن أن يتحدَّث عن أولئك الذين يتركون بيتهم وكأنَّهم يطلبون »الكمال«، فإذا هم يتحوَّلون إلى قطّاع طرق. هناك من يتبعون يسوع في آلامه وتواضعه (يغسلون رجلَي عدوِّهم). ولكن هناك

من لم يُفطَموا بعد من الحليب فيخرجون من مدينتهم، ويمضون وهم يحتاجون إلى تربية غريبة، وربَّما لاتربيتهم باتِّقان....

* العظة الثامنة والعشرون. عنوانها: نفس الإنسان التي ليست دمًا. هو ردٌّ على ما قاله العهد القديم. نتذكَّر هنا ما قال العالم القديم حين تحدَّث عن ثلاثة أجزاء في الإنسان: الجسد، النفس، الروح. البداية:

نقول على خبر الذين يدرسون (يبحثون في) الإنسان: روح مخلوق هو في الإنسان ونفس مخلوقة، والذين يجعلون نفسَ الإنسان دمًا كما للحيوانات. فبالجسد تموت النفس ويخرج الروح وهو حيّ. ولكن تبيَّن أنَّ النفس لا تموت مع الجسد، بل تخرج منه وهي حيَّة.

* العظة التاسعة والعشرون. عنوانها: قمع الجسد.

أقمع جسدي وأستعبده، قال الرسول، لئلاَّ يُرذَل شخصي (أقنومي، لئلاَّ أرذَل أنا) بعد أن بشَّرتُ الآخرين«. ويتواصل الكلام:

بل أستعبده بالجوع وبالعطش وبالعري، وبالسهر وبالتعب، وبالزهد وبالهزال، وبالصوم الكثير وبالصلاة الكثيرة، وبالطلبة وبالصراخ القويّ، وبالدموع الكثيرة والمحرقة، وبالتواضع وبالصبر....

* العظة الثلاثون. العنوان: وصيَّتا الإيمان والحبّ للمتوحِّدين. كلامنا

على وصيَّتي الإيمان والحبّ، وعلى سلوك المتوحِّدين (أو: التوحُّد)، كيف يعرف الإنسان أن يركض في إثر الحبّ ويأتي فيصعد إلى الكمال. فمن يرغب أن يكون متوحِّدًا ويركض في إثر وصايا الحبّ كلِّها، يأتي مخلِّصنا إليه.

 

2. التعليم في كتاب المراقي

بدأ الكاتب فوضع مبدأ أساسيٌّا: لا تتوجَّه الفرائض الإنجيليَّة إلى الجميع، بدون تمييز (العظة 1-2). ففي نظره، ينبغي أن نميِّز »الوصايا الصغيرة« التي تتيح لنا أن نحقِّـق البرّ (ق د ي )، والوصايا الكبيرة التـي بها نبلغ إلى الكمال (ج م ي ر ). لا شكَّ في أنَّ الله يريد لجميع البشر أن يبلغوا إلى الكمال، يرى أنَّ الطريق التي تقود إليه هي مليئة بالصعوبات وبالمخاطر، بحيث لا يستطيع أحدٌ أن يأخذها إلاَّ إذا أقام عهدًا (ق م ) مع الربّ. كما ينبغي عليه أن يَسهر لئلاَّ يسقط ويخون التزاماته.

أمّا الآخرون الذين هم أضعف من أن ينطلقوا في هذه الطريق، فالله صنع لهم دروب البرّ، وسُبلاً منعطفة بها يستطيعون أن يكتفوا بطريق الكمال الكبرى، وهي تقود أقلَّه إلى الخلاص (العظة 19).

تلك السبُل التي تحيد عن طريق الكمال وهي (طريق) تمضي إلى ذلك المكان الذي فيه يُرى ربُّنا وجهًا لوجه، ما هي مُبغَضة. ولكنَّ ربَّنا وكارزيه أخرجوها من الطريق الكبيرة من أجل الأطفال ومن أجل المرضى. وبما أنَّ الدرجات القاسية والضيِّقة والصغيرة تعترض الإنسان في تلك الطريق التي تمضي إلى تلك المدينة، هكذا يضايق العلوُّ الرفيع جدٌّا، والتحتُ العميق جدٌّا. فإن ملتَ إلى هذا الجانب، هي النار. وإن ملت إلى (الجانب) الآخر، هي المياه الكثيرة. وإن سقط الإنسان إلى »تحت« انكسر، وإن دخل النار احترق. وإن سقط في المياه اختنق. (وإن مضى) إلى العلى الرفيع فالمرقاة قاسية وصلبة. فإن طلبتَ أن تذهب إلى تلك المدينة، إذا كنت لا تُكره نفسك لكي تشبَّ فتصعد في ذلك الرفيع الكثير، وإن كنت لا تميل إلى اليمين وإلى الشمال ولا إلى العمق لئلاَّ تهلك، اصعد باستقامة، لكي تمضي عاجلاً إلى ذاك المكان الكبير والمجيد (19: 2).

وهكذا نميِّز في الكنيسة فئتين من المؤمنين: »الأبرار« (ق د ) الذين يكتفون بالوصايا المتعلِّقة بالبرّ. ثمَّ »الكمّال« (ج م ي ا) الذين يحفظون فرائض الكمال. »هم »أبناء العهد« الذين عرفهم أفراهاط بشكل خاصّ. أمّا سلوك الأبرار فيستند إلى ثلاثة رسوم أساسيَّة: الصوم والصلاة والصدقة. ويُشرف على هذا السلوك القاعدةُ الذهبيَّة التي يعرفها الكاتب في شكليها الإيجابيّ والنافي: لا نفعل للغير ما هو بغيض لنا. ثمَّ: نفعل لهم ما نريد أن يفعلوا لنا. هنا نقرأ 7: 1:

لا تقتلع تخومه. ولا تصنع لصاحبك ما تبغض. وما تريد أن يصنع الناس لك، هكذا اصنع لهم. ولكن بهذه الوصايا يكون الإنسان بارٌّا، (ويأتي) بعد (ذلك) الكمّال. فكما أنَّه يُبغض أن يقتله إنسان، أو أن يسرق منه، أو أن يضرب بيده، أو أن يدخل إلى حقله وإلى كرمه، أو يقرب إلى امرأته وإلى كلِّ شيء في أرضه، فإن هو لا يصنع لرفيقه هذا الشيء الذي يبغض، هكذا يكون بارٌّا حين يتجاوز سعيَ صاحبه ولا يملأ قلب صاحبه كآبة. هكذا هو بارّ قدّام الله.

ونقرأ في الخطِّ عينه 15: 16:

إن حفظ اليومَ إنسانٌ البرَّ وأدركه، تجلّى له مجيءُ ربِّنا كما كان وتدابيرُ الرسل، وميَّز الوصايا التي تَكمَّل بها الرسل، وعرف أيضًا تلك التي يحيا بها العالم. وإن هو أتى أيضًا إلى تدابير الرسل تلك، يَقبل البارقليط ويُكمَّل، ويمضي نحو الأنبياء والرسل وينمو هناك، لأنَّه صغَّر نفسه هنا. وإن هو تواضع وأكثر، تجلّى عليه الربُّ في هذا العالم وسمعَ صوتَ الله، وميَّز صوت الله من (صوت) الشيطان. وحين يعرف الحقيقة كلَّها، يُعرَف له صوتُ ربِّنا من (صوت) الشيطان. وإن ثبت إنسانٌ في برِّ الأوَّلين هذا، وما ترك الأرض كما تركها الرسل وصاموا عن العالم كلِّه، لا يستطيع أن يقبل البارقليط، ولا تتجلّى له الحقيقةُ كلُّها، ولا يسمع صوت الله مثل الأنبياء، بل يكون فيه عربون الروح القدس، ويعرف كيف ترك الرسلُ الأرضَ وصاموا عن العالم، ثمَّ قبلوا البارقليط. فما جلا (كشف) لهم البارقليط لانقدر أن ندركه، بل نعرف قوَّة تلك الوصايا (وصايا) البرّ: أحبَّ الربَّ إلهك من كلِّ قلبك، والناس من كلِّ نفسك. وهذه: »والشيء البغيض عليك لا تصنعه لصاحبك. وكما تريد أن يصنع الناس لك، هكذا أنت أيضًا اصنع لهم«. ويعرف أنَّه بهذه الوصايا الأربع يكون البرُّ كلُّه.

فالأبرار يخضعون لوصايا المحبَّة الفاعلة. وهكذا يكونون »مباركي الآب« الذين يتكلَّم عنهم مت 25: 34: »يطعمون الجياع، يسقون العطاش، يستقبلون الغرباء، يُلبسون العراة، يزورون المرضى والمسجونين«. مثل هذه الأعمال تمنحهم »ملكوت السماوات«، أي الخلاص. ونقرأ 3: 10:

إذًا، على هذين الوجهين تتمُّ كلماتُ ربِّنا هذه: جعتُ فأطعمتموني، كنتُ عريانًا فألبستموني. هناك إنسان عطشان إلى الماء الحيّ. في هذا قال ربُّنا: من يشرب منه لا يعطش. وهناك مريض في الجسد. وهناك مريض في وجدانه. وهناك من هو أسير البشر في الجسد، وهناك أسير بروحه للشيطان، فلا يقبل روح الربِّ كما كُتب. وهناك إنسان غريب عن الناس، وهناك إنسان غريب عن الله. وهناك أناسٌ يخدمون المحتاجين في الأمور الجسديَّة، وهناك الذين يخدمون أولئك المحتاجين في الأمور الروحيَّة. فهؤلاء الذين يخدمون الناس بالروح، هم كبار جدٌّا. وهؤلاء الذين يأخذون حمْلَ المحتاجين ويفتحون الباب للآخرين لأنَّهم يأخذون من الذين معه ويهبون لمن ليس له. وأولئك الذين يصنعون الصالحات من أرزاقهم، فهؤلاء وأولئك إن حفظوا نفوسهم من كلِّ الأمور الشرّيرة وما عملوا شرٌّا للآخرين لأنَّ هذا بغيض لهم، بل كما أرادوا أن يصنع الناس لهم هكذا هم صنعوا للآخرين. هؤلاء الذين هم هكذا هم مباركو الآب الذين قال الابنُ لهم: تعالوا، رثوا الملكوت المزمع أن يكون لكم. هذا »تحت« الحصَّة الصالحة التي أعدَّها ربُّنا لهؤلاء الذين حملوا صلبانهم وتخلَّصوا من كلِّ ما يُرى ومضوا وراءه وتشبَّهوا بربِّنا وبرسله.

أمّا الكمّال فيخضعون لفرائض التجرُّد الكامل: يتجرَّدون عن الأسرة وعن الزواج لكي يعيشوا في العفَّة وفي العزوبة. يتخلُّون عن بيتهم ليعيشوا حياة تائهة، »فلا يكون لهم موضع يسندون إليه رأسهم« على مثال يسوع (15: 3). ويتخلُّون عن جميع خيراتهم، وعن كلِّ مقتنى في هذا العالم (3: 6). وبما أنَّهم لا يملكون شيئًا ولا بيتًا، فلا يستطيعون أن يمارسوا أعمال الرحمة، أن يُعطوا الفقراء، أن يستقبلوا الغرباء... ولكنَّهم يمتلكون حبٌّا كبيرًا لجميع الناس، وهو حبٌّ مؤسَّس على تواضع عميق، لأنَّهم يحسبون نفوسهم أدنى من جميع البشر بمن فيهم أكبر الخطأة.

هم يختلفون عن الأبرار، الذين إليهم يتوجَّه ما قيل في مت 18: 15-18. في الطريق التي نتبع لكي نعاقب الخاطئ ونقدِّمه للدين. لهذا هم يمنعون نفوسهم كلِّيٌّا بأن يدينوا أحدًا (إليهم يتوجَّه مت 7: 1). يعتبرون نفوسهم أدنى من الجميع فيمنعون نفوسهم من أن يدينوا أحدًا أو يحكموا عليه. لهذا لا يقبل الكامل أيَّة وظيفة في الكنيسة، وأيَّة سلطة. فمن ارتدى كرامة وجب عليه أن يعتزلها إذا شاء أن يبلغ الكمال. هنا نقرأ 19: 24:

تلك هي الطريقة الكاملة: طوباهم الأنقياء في قلوبهم، فهؤلاء يشاهدون الله. والسبيل الذي يميل بك عنها هو: إن لم يَقُل لك، أنا تائب، لا تغفر له. هذه قيلت لمن قست رقبتُه وتسافه لكي يتواضع ويتجاوز الطريق الشرّيرة، فيقول: »أنا لا أصنعُ مثل هذه، ثمَّ يُغفَر له«. ويكون تنبيه وتأديب للآخرين بحيث لا يتواقحون ولا يتراخون. وهذه هي للرؤساء لا للكمّال. فالكمّال لا يقربون من الرئاسة. وإذا كانوا في الرئاسة وأدركوا الكمال يتركون الرئاسة، وعندئذٍ يستطيعون أن يكملوا، لأنَّ الكمّال يعلِّمون كلَّ إنسان بالتواضع ولا يقدرون أن يطالبوا إنسانًا بالإكراه، مثل الرؤساء. فالرؤساء يُسمَح لهم أن يتسلَّطوا على مكان ومكان ويطلبوا كلَّ شيء كما يجب، وأن يسيروا بالقساوة مع من تمرَّد على الرفاق بحيث يخرجونه من بينهم حتّى يتوب.

أمّا صفات الكمّال فهي في درجة أولى، الغفران والتواضع والوداعة. هم يختلفون عن الأبرار الذي يُمنَعون بالنظر إلى ضعفهم، أن يقتربوا من الخطأة. أمّا الكمّال فيستطيعون من دون خطر أن يقاسموا خبزهم مع الخطأة بل مع الوثنيّين، لأنَّهم في سلام مع الجميع (5: 2). الكامل يكرِّس حياته التافهة للصلاة وللكرازة ولصنع السلام بين الناس. وصلاته ليست مثل صلاة البارّ التي تحدَّد في بعض ساعات النهار، بل هي متواصلة. وأيضًا هو لا يصوم فقط مثل البارّ، في أيّام محدَّدة فيمتنع عن الطعام. بل صومُه متواصل وشامل، لأنَّه انقطاع تامّ. في هذا الإطار نقرأ التعليم لمن يريد أن يكون كاملاً، في العظة 2:

2 للذين يصبون أن يكمَّلوا، هكذا قال ربُّنا:

من ضربك على خدِّك قرِّبْ له الآخر وصلِّ عليه فتكون كاملاً.

من سخَّرك ميلاً، امضِ معه اثنين.

3 إلى الذين يصبون أن يكمَّلوا، هكذا أعلِّمهم أنا:

الشجرة الصالحة تصنع ثمارًا صالحة

كونوا مبارِكين، لا لاعنين

لا يدعُ الواحدُ الواحد مجنونًا أو »راقا« أو يا جاهل أو يا بغيض،

وإلاَّ لا تبلغون الكمال.

4 من يلعن أو يغضب أو يُوجَد فيه خطأ ولم يقتلعه، ما بلغ إلى الكمال

من لا يغفر سبعين على سبعة لا يستحقّني. من طلب (ثأرًا) للإساءات ولو قليلاً، لا يُكمَّل.

من لا يغسل أرجل أعدائه وهو عارف أنَّهم يسلِّمونه إلى القتل، كما صنعتُ للإسخريوطيّ لا يستحقّني. فهذا لا يُكمَّل ولا يكون لي أخًا وأمًا وبنين وأخوات.

هذا الاختلاف في السلوك بين الأبرار والكمّال، كما يبرز في العظة 14 (حول الأبرار والكمّال) يقوم على اختلاف أعمق ذي طابع روحيّ خاصّ. فتعليم الكاتب هو في معنى خاصّ بنفماتيّ (يرتبط بالروح، بنفما): ما يحدِّد المستوى الروحيّ لدى الإنسان هو مقدار الروح الذي ناله. الأبرار هم الذين نالوا »عربون الروح« كما قال الرسول، أي جزءًا من الروح كبيرًا أو صغيرًا. والكمّال نالوا ملء الروح، البارقليط: »هناك أناس فيهم من قِبَل الربَّ بعضُ بركة صغيرة. فهذا الجزء الصغير يُدعَى العربون الآتي من الله. وهناك من نال أعظم المواهب جميعها: هذا ما يُدعى الروح البارقليط، الذي فيه يكمَّلون ويتمَّمون بيد الله« (3: 12).

عند البار، عربون الروح يُوجد مع ما يدعوه الكاتب »عربون الشيطان« أو »عربون الخطيئة« (3: 11). ويقوم التقدُّم في الحياة الروحيَّة في إنماء »عربون »الروح« وفي إنقاص »عربون الشيطان«. ونبلغ إلى الكمال حين »عربون الشيطان« ينزل إلى لا شيء، ولا يُوجَد الروح فقط بشكل عربون، بل يكون حاضرًا في ملئه.

هناك أناس مفرَغون من عربون الروح، وبما أن ليس فيهم روح الله يُرذَلون. كما قال الرسول: إن كان فيكم روح الله، وإلاَّ أنتم مرذولون. وهناك أناس فيهم من الله ومن الشيطان، فيصنعون الصالحات في عربون الروح القدس الذي فيهم، فيتجاوزون (الوصايا) ويصنعون السيِّئات بسبب عربون الخطيئة الذي فيهم. وكلَّ يوم يَعظهم عربونُ الروح القدس لكي يعبروا من السيِّئات ويصنعوا الصالحات ويَصلبوا أنفسهم مع الشرّير ويغلبونه. وإن غلبوه صاروا أبرارًا. وإذا ابتغوا أن يُرفَعوا صاروا كمّالاً، وإن هم لبثوا هكذا، يُجازَون في يوم الدين على أعمالهم الشرّيرة والصالحة أو تكون عليهم المراحم فينجون ويحيون (3: 11).

فالحياة الروحيَّة ليست مؤلَّفة فقط من درجتين أساسيَّتين: البرّ والكمال: فبين الاثنين هناك درجات عديدة بحسب الروح الذي هو في الإنسان. وكما أنَّ هناك درجات في البرَّ (وتحت البرّ أيضًا)، هناك درجات في الكمال. بل إنَّ الكاتب تحدَّث عن درجة تسمو على الكمال: شرح في العظة 16، كيف يستطيع الإنسان بالحبِّ أن يمضي أبعد من الوصايا الكبيرة عينها. فقاعدة الكمال هي فريضة المحبَّة كما عبَّر عنها مت 22: 39: »تحبُّ قريبك مثل نفسك«. وأورد الكاتب هذه القولة (لوغيون) بشكل مكبِّر: »أحبَّ قريبك أكثر ممّا تحبُّ نفسك«. فالكامل يستطيع أيضًا أن يمضي إلى أبعد، وأن يحبَّ أكثر ممّا يحبُّ نفسه. لا يحبُّ فقط إخوته وأصدقاءه بل أعداءه أنفسهم والذين يضطهدونه، على مثال المسيح.

إذًا، الحياة الروحيَّة مؤلَّفة من درجات لا عدَّ لها. ومع ذلك فهي تعرف محطَّة حاسمة، ووقتًا فريدًا، ساعة الإنسانُ ينال البارقليط، ملءَ الروح. هذا الحدث إنَّما هو عماد جديد، العماد في النار والروح، مع ذات الترتيب في هذين اللفظين كما في النسخة السينائيَّة القديمة(23). فهذا العماد يُدخل الإنسان في الكنيسة السماويَّة، في كنيسة »القلب« و»العلاء« المتميِّزة عن الكنيسة المنظورة. وهكذا يتحدَّث الكاتب عن الكنائس الثلاث في 12: 4:

الحياة موجودة للكنائس الثلاث ولخدمتهنَّ، لكنَّ مجدًا أفضل من مجد. مَن فارقَ هذه الكنيسة إلى (كنيسة) القلب، إلى (كنيسة) العلاء، يَخرج من هذا العالم بلا خطايا ويكون جميلاً، وأعمالُه الصالحة ترافقه. ومن فارق كنيسة القلب هو أيضًا أفضل. ومن يبلغ بقلبه إلى تلك الكنيسة التي في السماء، ثمَّ يفارق، فطوباه روحُه، لأنَّه صار كاملاً ومضى وشاهد ربَّنا وجهًا إلى وجه. وإذ يُحفَظ إنسان في هذه الكنيسة المنظورة، يكون في (كنيسة) القلب وفي (كنيسة) العلاء. فكما يعتمد الإنسان في المياه المنظورة، يعتمد فيها بالنار والروح اللامنظورين. وكما الإنسان عندما يؤمن يحبّ، وعندما يحبُّ يكمَّل، وعندما يُكمَّل يملك، فبدون هذه المعموديَّة المنظورة لا يتعمَّد الإنسان في النار والروح، وبدون هذه الكنيسة المنظورة لا يكون إنسان في (كنيسة) القلب وفي (كنيسة) العلاء. وإذا إنسان انفصل عنها وخدَم في الجبل أذنبَ أو ضلَّ، لأنَّه حيث هو تكون (كنيسةٌ) حقيقيَّة له، لأنَّ الحياة فيه ولا ينحلُّ عهده ( ).

فالعماد يقيم المؤمن في الحالة التي كان فيها آدم قبل السقطة، فينجّيه من كلِّ شهوة ويجعله يقترب من شجرة الحياة. ومع أنَّه يعيش بعدُ على الأرض، فهو يعيش بالروح في المساكن السماويَّة، يعرف الحقيقة كلَّها وهكذا لن يزال ينمو ويتلذَّذ بالروح إلى أن ينقله الربّ، جسديٌّا، من هذه الأرض ويُجلسه في ملء أورشليم السماويَّة. نقرأ 20: 7:

والآن، حين صعدنا تلك الدرجات واستأصلنا الخطيئة وثمارها من القلب، حينئذٍ نمتلئ روحًا برقليطًا ويسكن فينا ربُّنا سكنًا تامٌّا. ونأكل بحرِّيَّة من شجرة الحياة التي حُرمنا منها بتجاوز الوصيَّة، التي هي ربُّنا. وحينئذٍ نقدر أن نودَّ ونحبّ كلَّ الناس وقاتلينا أيضًا. حينئذٍ نستطيع أن نصلّي بحبٍّ على كلِّ إنسان وعلى قاتلنا. وحين وددنا وأحببنا هكذا كلَّ إنسان وقاتلينا وقلبُنا نقيّ، حينئذٍ ننمو في الكمال ونكون بحسب مشيئة ربِّنا العظيمة والمقبولة والكاملة.

 

3. كتاب المراقي والحركة المصلِّيانيَّة

حين نشر ميخائيل كموسكو كتاب المراقي سنة 1921، قارب بين تعليم هذا الكتاب وتعليم المصلِّيانيّين(24)، فجعل في توازٍ (ص. CXL) سبعة طروح عقيديَّة من المراقي وقابلها بطروح مصلِّيانيَّة مأخوذة بشكل خاصّ من الفصول(25) الني نقلها إلينا تيموتاوس القسطنطينيّ(26)، ومن يوحنّا الدمشقيّ. ننتقل من الطريحة thèse إلى النقيضة antithèse، فنصل إلى النتيجة synthèse.

أ- الطريحة

ها نحن نقدِّم ما قاله كموسكو وجعله في سبعة طروح.

* الأوَّل. قال المصلّيانيّون: الإنسان منذ ولادته تقيم فيه الشهوة أو الخطيئة، ممّا يستبعده عن رؤية الله في السماء. نقرأ عن الخطيئة في 24: 1:

النار معدَّة لتأكلهم لأنَّهم كانوا أعداء لأنفسهم وقالوا: الآن، نحن خطئنا هنا والله لا يقبلنا. فالواحد والمئة يتساوون، وهو الشرُّ يعلِّمهم أن يقولوا هكذا بحيث لا يتوبون ويحيون كما علَّم (هذا الشرُّ) الإسخريوطيّ فشنق نفسه. فلو أنَّ الإسخريوطيّ تاب لكان ربُّنا قبله لأنَّه لا يطلب موت الإنسان، بل أن يتوب ويحيا.

قال المراقي عن الشهوة إنَّها لم تكن موجودة في آدم وحوّاء. فهي أتت بعد السقطة. نقرأ 15: 1

لأنَّ آدم أحبَّ أن يكون جسديٌّا، لا روحانيٌّا، أي أرضيٌّا لا سماويٌّا، حينئذٍ كانت به غريزة الشهوة. فآدم أراد أن يشارك في تعليم الشرّير (إبليس) الذي احتال لكي يُسقطه من قداسة الملائكة فيتشبَّه بالحيوانات. وهذا قَبِل أن يُقنعه أن يتزوَّج. رضي آدم أن يعلِّمه الشرّير حين لم تكن فيه شهوة. وظنَّ آدم وحوّاء أنَّه يكون (لهما) كلُّ ما علَّمهما الشرّير. فلو أنَّ الله ما أحبَّ آدم في السقطة التي أسقطه فيها الشرّير ليكون شيطانًا مثله، لأراد أن يُخضعه تحت يده. مبارك الصالح الذي يفتح الباب لكلِّ من يتوب.

* الثاني. قال المصلِّيانيّون: كلُّ من يرى النور يأخذ من أبوينا الأوَّلين مثلَ طبيعة وعبوديَّة الشيطان. وقال المراقي: جذر الخطيئة ثابت في الإنسان منذ آدم، وبالوراثة انتقل إلى نسله.

* الثالث. قال المصلِّيانيّون: لا شيء يطرد الشيطان، لا العماد ولا أيُّ شيء آخر، بل قوَّة الصلاة. وقال المراقي: العماد والأسرار الأخرى تغفران الخطايا فقط. ولكن لا يزيل الشهوةَ من القلب إلاَّ التجرُّدُ التامّ. هنا نقرأ 25: 1:

بالوسائل الكثيرة أعاد الله أولئك الذين توسَّلوا إليه. توسَّلَ الله كلَّ الوسائلَ من أجل البشر لكي يحيوا، وبكلِّ الأسرار قال الله الحقيقة، وبكلِّ الرموز صوَّرها بيد أنبيائه منذ القديم حتّى الوقت الذي أراد الله فيه أن يصالح البشر. فأرسل ابنه، فأتى وصنع مصالحة السماويّين مع الأرضيّين، وبيَّن الكمال والقداسة جليٌّا في أقنومه لخليقته الأولى، آدم، كما قال: كلُّ شيء تجدَّد منذ البداية في المسيح. أنت ترى أنَّ ما من إنسان بيَّن بجلاء كيف خُلق آدم إلاَّ يسوع بتدابيره. فمن أراد أن يصعد إلى الفردوس، يسير مثل مسيرات ربِّنا المتواضعة، المتجرِّدة، العذبة، المحقَّرة. فهو كان صالحًا مع الكلّ وبالاتِّضاع وعظ الناس كلَّهم وأعانهم.

* الرابع. قال المصلِّيانيّون: الصلاة المتواصلة تقتلع جذر الخطيئة وتطرح من النفس شيطان الشرِّ الذي أقام في الإنسان منذ البدء. قال المراقي: الصلاة المتواصلة والتجرُّد يدمِّران جذر الخطيئة في القلب، ويكوِّنان الإنسان على صورة آدم حين كانت في البرارة. قال كتاب المراقي (29: 8):

لا يحتاج الله إلى أصوامنا ولا بتأذّى من ملذّاتنا، ولكن لأنَّ الله يعرف أنَّنا بهذه الأصوام نعود إلى بيت حياتنا، وبها أيضًا نقهر الشرّ، من أجل هذا أمرَنا أن نصوم باعتناء. ولأنَّ ربَّنا عرف أنَّه بالملذّات والترف تقوى علينا الخطيئة، في كلِّ وقت، ويُفسدنا الشيطان، لأجل هذا، حذَّرنا ربُّنا من الملذّات والترف لأنَّ في الملذّات والترف تُصنَع كلُّ الأفعال الشرّيرة، وبالأصوام وبالصلوات وبالاتِّضاعات تكون كلُّ الأعمال الصالحة. وإذ أمرَنا الربُّ أن نكون أمناء (ثابتين) في الصلاة، فليس أنَّ الله ينمو بصلاتنا، بل نحن نصلّي ونتضرَّع ونطلب من ربِّنا لكي يرحمنا ويحفظنا، ويهب لنا سؤالاتنا الحسنة، ويخلِّصنا من كلِّ الضيقات، وينجِّينا من التجارب، كما قال: صلُّوا لئلاّ تدخلوا في التجربة.

* الخامس. يقول المصلِّيانيّون: العماد لا ينفع مقتبليه في شيء. الخطايا السابقة هي مثل سكاكين، لأنَّ العماد ما استطاع أن يقتلع جذور الخطايا. وقال المراقي: العماد ينفع فقط لمن يقبله لكي تربّي الكنيسةُ الإنسانَ المسيحيّ على الكمال (2: 4).

* السادس. قال المصلِّيانيّون: الشيطان الساكن في الإنسان يُخرَج منه بواسطة العفن والأوساخ.

* السابع. قال المصلِّيانيّون: ما أن يهرب الشيطان بواسطة الصلاة حتّى يأتي الروح القدس ويدلُّ على حضوره بشكل ملموس ومنظور فيحرِّر الجسد من التحرُّكات المقلقة، والنفس من الميول. هكذا لن تكون حاجةٌ بعد إلى الممارسات الزهديَّة مثل الصوم، ولا إلى التعليم. فالإنسان الذي نال الروح يرى بعيني الجسد الثالوث الأقدس ذاته. وقال المراقي:

تُطرَد الخطيئة من القلب فيُقبَل الروح القدس ويُصبح الإنسانُ كاملاً مثل آدم ومثل الرسل في يوم العنصرة. فليس الروحُ سبب نعمة الكمال، بل النتيجة والتمام اللذين بهما يتقبَّل الإنسانُ الله في قلبه ويراه في مرآة، ويعرف الأسرار المخفيَّة على الآخرين. حين يُقبَل الروح، يُرسَل الكمال حيث يعود إلى استعمال الأشياء الأرضيَّة. فالكمّال لا يصنعون أيَّ عمل أرضيّ بل تُغلَق السماء على المنحدرين إلى استعمال الأرض، مثل آدم الذي ترك السماء فأخذ يفلح الأرض.

هنا نقرأ العظة 28:

2- هناك من موهبته كبيرة وهناك (من موهبته) صغيرة بحسب قياسه. وكما يقدر ذهنه أن يتقبَّل، هكذا يهبُ له ربُّنا. فالناس الذين فيهم قليل من الروح القدس، لا يُهمَلون ولا يُكمَّلون ويتمَّمون. ولكن حين يملأ إناءٌ نفسَ الإنسان من روح الله، لا يأخذ كلَّ هذه النفحة من البداية ويكون نفسًا حيَّة. هذه هي الموهبة التي يمتلئ منها الإنسان وليس فيه خسرانُ شيء، لأنَّها تُدعى البارقليط...

لهذا، ما إن يقبل الإنسان الموهبة الكبيرة التي هي البارقليط، حتّى يعرف الحقيقة كلَّها ويبدأ في النموِّ وفي استئصال كلِّ صغائره. وبهذا البارقليط يُكمَّل ويتمَّم بكلِّ الصالحات ويخدم بالروح ويكون بحسب إرادة ربِّنا الكاملة والمقبولة.

3- الروح القدس هو مواهب كثيرة، وموهبة هي أكبر من موهبة. وإن تنافستُم في المواهب الكبيرة، أبيِّن لكم موهبة أكبر منها كلِّها. أترى أنَّ هناك شيئًا أفضل من شيء، ولكنَّه واحدٌ روح الله القدس والبارقليط. ولكي نعرِّف المواهب الكبيرة من (المواهب) الصغيرة ندعو الروح »البارقليط« و»الروح القدس«.

وافق الباحثون بشكل عامّ كموسكو حول الطابع المصلِّيانيّ لكتاب المراقي، مع العلم أنَّهم رأوا فيه شكلاً مخفَّفًا للمصلِّيانيَّة (حاشية 28)، في ردَّة فعل على بعض التعاليم التي كانت في بداية هذه الحركة.

 

ب- النقيضة

ولكن سنة 1954 نشر فوبوس(27) مقالاً حول كتاب المراقي فعارض القضيَّة المطروحة والمقبولة في خطِّ كموسكو حول انتماء المراقي إلى المصلِّيانيَّة. وبيَّن أن أهميَّة الكتاب هي في موضع آخر. وسار أنطوان غيّومون في الخطِّ عينه، في محاضرات في معهد الدراسات العليا سنة 1967-1970(28). مثلُ هذا الانعطاف في دراسة كتاب المراقي وربطه بالمصلِّيانيَّة، ضيَّع بعض غنى هذا الكتاب بالنسبة إلى تاريخ الروحانيَّة السريانيَّة، كما الروحانيَّة الشرقيَّة.

لا علاقة بين كتاب المراقي والمصلِّيانيَّة! موقف متطرِّف وقفه فوبوس (ص 128). كتاب المراقي هو ابن المصلِّيانيَّة! موقف متطرِّف أيضًا. أمّا نحن وبعد أن توقَّفنا عند تعليم كتاب المراقي، نودُّ أن نسوق الملاحظات التالية في خطِّ البروفسّور غيّومون(29) الذي كان أستاذنا مدَّة سنتين ورافَقَنا في تحضير الدكتورا.

بدا المراقي مخالفًا للمصلِّيانيَّة كما تُقدِّمها لنا المصادر الهراطقيَّة. فالكاتب لا يقول أبدًا إنَّ الشيطان يسكن »جوهريٌّا« (كأنَّه مادَّة في موضع ما) في الإنسان. ففي نظره، »عربون إبليس« هو الشهوة، ثمرة تجاوز آدم، التي منها ينبغي على الإنسان أن يتحرَّر شيئًا فشيئًا.

وما قال كتاب المراقي يومًا إنَّ الصلاة وحدها ناجعة للتخلُّص من إبليس. فمعها يعمل الصوم والصدقة، وهما مهمَّان مثلها.

وكاتبنا لا يقاسم المصلِّيانيّين رأيهم في ما يخصُّ المعموديَّة، حيث يعتبرونها غير ناجعة إطلاقًا، وفي ما يخصُّ سائر أسرار الكنيسة، وفي ما يخصُّ الكنيسة. وموقفه في هذه النقطة أساسيّ، ومحدَّد تحديدًا واضحًا في العظة 12. لا شكَّ في أنَّه أكَّد على وجود كنيسة لامنظورة، سماويَّة، أو »كنيسة العلاء« حيث يكهن يسوع، عظيم الكهنة، فيشارك في ليتورجيَّته كلُّ من بلغ الكمال. غير أنَّه يشدِّد على الضرورة لمن يريد أن يبلغ إلى الكنيسة اللامنظورة، أن يمرَّ بالكنيسة المنظورة عبر العماد الذي يمتدحه، وعبر الكهنوت: يجب أن نتقبَّل أوَّلاً العماد بالماء لكي نقدر أن نتقبَّل العماد بالنار والروح »الذي يُدخلنا إلى الكنيسة السماويَّة« (12: 4). وحين يَدخل »الكاملُ« إلى الكنيسة اللامنظورة، عليه ألاَّ ينفصل عن الكنيسة المنظورة لأنَّ الروح الواحد يخدم هذه الكنيسة وتلك (12: 5). وهكذا لا يكون صاحب كتاب المراقي عضوًا في بدعة من البدع، لكن مؤمنًا في الكنيسة الكبرى.

مؤمن في الكنيسة كما وُجدت في الوسط الذي عاش فيه مع تقليد خاصّ وتنظيم، والتمييز الواضح الذي جعله بين »الأبرار« وبين »الكمّال«، يوافق بنية الكنيسة الرافدينيَّة منذ بدايتها، وهذا تشهد عليه مقالات أفراهاط. ثمَّ إنَّ هذا الكاتب جعل دورًا أساسيٌّا للروح في الحياة الروحيَّة، فما أطلق رأيًا يشارك فيه المصلِّيانيّين. فهذا ما يوافق في الواقع معطية أساسيَّة ومستمرَّة في الروحانيَّة الشرقيَّة منذ البدايات حتّى المتصوِّفين النساطرة الكبار في القرنين السابع الثامن.

إنَّ القرابة بين المراقي والمصلِّيانيَّة تقوم في أن الاثنين ارتبطا بهذه الصوفيَّة البنفماتيَّة (الروحانيَّة)، التقليديَّة والحيَّة في الوسط الذي انتميا إليه. وهذا التصوُّف مع التمييز البارز بقوَّة بين الذين نالوا فقط »عربون الروح« والذين نالوا الروح في ملئه، حملَ في ذاته بذارًا توسَّع فيها التيّارُ المصلِّيانيّ. وإذ أكَّد هذا التصوُّف لاتوافقًا بين ممارسة الوظائف في الكنيسة وتقبُّل الروح في ملئه، خاطر فخلق في موازاة التراتبيَّة الكنسيَّة المرتبطة بسلطة محلِّيَّة والمجبَرة بأن تتصرَّف تجاه الخطأة بحسب قواعد البرّ، تراتبيَّةً روحيَّة تمارس سلطتها في كلِّ مكان بالنظر إلى حياة الكمّال الجوّالة، ويكون لها تجاه الخطأة الحبّ والرحمة ولا شيء آخر.

فكتاب المراقي يشهد في طيّاته على انشداد بين الرؤساء الكنسيّين والكمّال (19: 31). وجاءت العظة 30 صدى أليمًا لصراع بين الذين دُعوا »تلاميذ الإيمان« والذين دُعوا »تلاميذ الحبّ«، وهو صراع تولَّد من تصرُّف الفئتين تجاه الهراطقة والوثنيّين، فوصل إلى الاضطهاد:

يقوم تلاميذ الإيمان ضدّ تلاميذ الحبّ فيضطهدونهم بلا معرفة، وتلاميذ الحبّ يحتملون... وتلاميذ الإيمان يحتملون أيضًا من الضالّين، وتضطهدهم البدعُ لأنَّهم أعداء لهم، ويُقتلون ويصبحون شهداء. شهداء الإيمان معروفون، وشهداء الحبِّ أيضًا(30).

 

الخاتمة

بعد الطريحة والنقيضة في خطِّ الفلسفة الهيغليَّة، تأتي النتيجة مع الكلام الواضح: ليس كتاب المراقي أحد كتب المصلِّيانيّين. كلُّ ما نجد فيه تصوُّفيَّة روحانيَّة خاصَّة بالمسيحيَّة الرافدينيَّة والسريانيَّة. ورثها المصلِّيانيّون المولودون في هذا الوسط وتوسَّعوا فيها، ومثلَهم فعلَ كتاب المراقي. وتصوُّفيَّة الروح هذه حملت، بشكل بذرة، ميولاً انتهت بالمصلِّيانيَّة، وهي حركة »البنفماتيّين«. مع هذه الحركة نحن أمام بدعة. أمّا كتاب المراقي فيقف في خطِّ الكنيسة الكبرى بعد أن وُلد في هذه الصوفيَّة، صوفيَّة الروح، شأنه شأن مقالات أفراهاط ومؤلفات فيلوكسين المنبجيّ الذي تحدَّث عن الروح الذي هو »نفس نفسنا«. فهذا الروح يأتي بالنفس فلا تعود تُقَاد بحسب أفكارها الخاصَّة ورغبات الجسد، بل ترتفع إلى النقاوة والقداسة بقوَّة الروح القدس(31). كتاب المراقي كان الانطلاقة الأولى التي وصلت بنا إلى يوسف حزايا (710-790) الذي قال فيما قال: علامة الحضور الناشط للروح هي قبل كلِّ شيء نار الحبِّ التي تُشعل القلب وتلهم المؤمن تواضعًا بحيث يحسب نفسه أحقر البشر ولو كانوا من أكبر الخطأة. مثل هذا الروح المشتعل يملأ القلب بوداعة كبيرة وبشفقة تجاه العالم كلِّه لا حدود لها. أما هذا الذي قرأناه في كتاب المراقي