المندائيَّة أو المندعيَّة

 

المندعيَّة ما زالت تمارسها شيعةٌ تتألَّف اليوم من سبعة آلاف شخص يقيمون بأكثريَّتهم على شاطئ الخليج الفارسيّ في منطقة البصرة(1). هذه الشيعة القديمة التي دوِّنت نصوصها خلال القرن الثامن المسيحيّ، سُمِّيت الصابئة ونالت الحماية مع أهل الكتاب مثل اليهود والمسيحيّين. ظلَّت مجهولة خلال قرون عديدة وعرفت ازدهارًا عظيمًا في القرن العشرين، ساعة أكبَّ العلماء على كتبها يكتشفون فيها تفسيرًا للأصول المسيحيَّة. هذا التعارض بين »النور« و»الظلمة«، بين »الحقّ« و»الكذب«، وهذا التشديد على شخص سماويّ، على »مرسل مخلِّص«، وإبراز مدلولات مثل »المعرفة« و»الحياة«، كلُّ هذا جعل العلماء يقاربون المندعيَّة مع إنجيل يوحنّا وبدايات المسيحيَّة. منهم من قال بتأثيرها على المسيحيَّة. ومنهم من اعتبر أنَّ المسيحيَّة أثَّرت عليها.

بعد أن نتعرَّف على اسم (أو: أسماء) هذه الشيعة، ندرس أصولها ومصادرها، قبل أن نتطرَّق إلى معتقداتها وأخلاقيّاتها.

 

1. أسماء هذه الشيعة

كلُّ شيعة تعطي نفسها أسماء فتدلُّ على ارتباطاتها التاريخيَّة واتِّجاهاتها الدينيَّة. ولم تشذَّ هذه الشيعة القديمة الحديثة عن هذه القاعدة، فسُمِّيت المندعيَّة أو المندائيَّة والناصوريَّة والمغتسلة والصابئة(2).

 

أ- المندعيَّة

تعود هذه التسمية إلى فعل »ي د ع«، أي عرَف. فالمندعيَّة هي جماعة المعرفة، وقد تكون التسمية مقابلةً للغنوصيَّة مع الأصل اليونانيّ »gnwsiV«(3) أي المعرفة أيضًا. استودعوا المعرفة التي أوحى بها »مندع حيي« أي معرفة الحياة التي صارت شخصًا حيٌّا.

وكان تفسير آخر اقترحته السيِّدة »دراور ستفنس« التي رأت أنَّ التسمية تعود إلى »مندي« الذي يدلُّ على معبد المندعيَّة(4)، كما يقول رؤساء هذه الشيعة. ولكنَّ هذا الرأي الثاني يحصر المندعيّين في فئة الذين يبنون الأكواخ العباديَّة(5). أمّا التفسير الأوَّل فمتماسكٌ مع معطيات فقه اللغة وما يميِّز الفكر المندعيّ.

ولكن كيف نفهم أساس هذه التسمية؟ نحن هنا، ولا شكّ، أمام تفسير مندعيّ يُسند التفسير العلميّ. فحين سُمِّي »المرسل السماويّ« (مندع ) أي »مسكن الحياة«، كان تعارض مع تعاليم هذه الشيعة وبالتالي مع ما هو معقول. ولكن حين صار »من ع« تسمية إتنيَّة، صار في خطِّ التقاليد حيث المندعيَّة تدلُّ على أصولها الدينيَّة فتنسب إلى نفسها شخصيَّة واضحة وتاريخًا وطنيٌّا. قد يكون هناك تناسٍ لما تعنيه الكلمة في الأصل، ولكنَّنا نكون أمام تشديد على خاصيَّة هذه الشيعة في المحيط الذي تعيش فيه.

 

ب- الناصوريَّة

ويسمّي المندعيّون أنفسهم »الناصوريَّة«(6) (أو الناصوريّين) التي تشير إلى شيعة مسيحيَّة متهوِّدة(7) عاشت في القرون الأولى للمسيحيَّة(8). هذا الاسم هو اليوم لقبُ شرف يُعطى فقط للنخبة في الجماعات. ولكنَّه وُجد في النصوص القديمة، ولاسيَّما في الكنز، فكان التسميةَ المعروفة والمميَّزة للمندعيّين. وإذا أردنا أن نحدِّد هذه الكلمة وفيها ما فيها من محاولة اقتراب من المسيحيَّة الفلسطينيَّة، نقول إنَّ اللفظة تدلُّ على المؤمنين وتميِّزهم من النفوس التي قُبلت في »عالم النور« ولكنَّها ظلَّت سجينة في »عالم الظلمة«(9).

هذا خطٌّ يربط الناصوريَّة بالناصرة ويسوع الناصريّ، كما تعلَّقت به فئة يهوديَّة انتقلت إلى المسيحيَّة. وهناك خطٌّ آخر يُفسِّر اللفظة على أنَّها تدلُّ على سيطرة ومهارة في تتميم الوظائف القدسيَّة، ولاسيَّما السحريَّة منها، تدلُّ على كمال في المعرفة وفي الحياة(10). أمّا الأب أنستاس الكرمليّ فاعتبر أنَّ التسمية تعود إلى »ن ص ر« السريانيَّة، فتدلُّ على »ممجِّدي الله«(11).

والتفسير الأخير يدلُّ على أنَّ اللفظة تشير إلى تسمية دينيَّة سابقة للمسيح ولتلاميذه. أخذت بها الكنائس الرسوليَّة كما أخذت بها الأوساط المندعيَّة، وفيها الكثير من الحقيقة إن لم يكن على مستوى فقه اللغة فأقلَّه على مستوى نظرة المندعيّين إلى نفوسهم. يعود هذا التفسير إلى »ن « العبريَّة التي تعني »حفظ الشريعة، حافظ«. وهكذا تكون الناصوريَّة جماعة تخضع لتقاليد خاصَّة، لتقاليد باطنيَّة، على مثال بعض المجموعات المسيحيَّة الأولى، ولاسيَّما الآخذين بالمسيحيَّة المتهوِّدة(12).

 

ج- المغتسلة والصابئة

المغتسلة هي الترجمة العربيَّة للفظة »صابئة«. فهذه الشيعة اشتهرت بطقوس المعموديَّة والاغتسال. أمّا لفظة »صابئة« فتعود إلى » ب ع«(13) (راجع في العربيَّة: صبغ التي يعني »عمَّد«، »غمس يده في الماء«). هكذا يقف المندعيّون في خطِّ العالم الغنوصيّ البابليّ مع التوضُّؤ المتواتر.

يرى الأب أنستاس الكرمليّ أنَّ اللفظة تعود إلى »صبأ« التي صارت »ضاء«. عبادتهم هي عبادة الضائية أي الأجرام المضيئة(14). أمّا دائرة المعارف الإسلاميَّة فتقول: »فرقة يهوديَّة نصرانيَّة تمارس شريعة التعميد في العراق (نصارى يوحنّا المعمدان)«(15).

هذه التسمية التي نجدها بشكل ظرفيّ في الكتابات المندعيَّة، استُعملت لتشدِّد على خاصِّيَّة دينيَّة تجاه المعتقدات والشعائر المشابهة. ويقول أصحاب هذه الشيعة في إيران إنَّ المسلمين تأثَّروا بالمندعيَّة التي تُفرد مكانًا خاصٌّا لديانة النفس، لوحي مكتوب، للماء الحيّ، للنجم القطبيّ. ولكن يبقى أنَّ هذه التسمية وارتباطها بالاغتسال تجعل المندعيَّة مع فئات عديدة اعتادت على التعميد والاغتسال.

 

2. أصول المندعيَّة أو المندائيَّة

اكتُشفت هذه البدعة للمرَّة الأولى سنة 1652 على يد مرسل كرمليّ (إغناطيوس يسوع) سمّى أعضاءَها »مسيحيّي القدّيس يوحنّا«. وخلال القرن السابع عشر، ذهب عددٌ من الرحّالة إلى العراق فجمعوا من هناك المعلومات العديدة. غير أنَّ الدراسة العلميَّة الحقيقيَّة، ونشر النصوص والترجمات، وكتابة القواعد المندعيَّة(16) بدأت في أواسط القرن التاسع عشر.

وها نحن نطرح ثلاثة أسئلة تتعلَّق بأصول هذه البدعة: - هل هي قديمة العهد أم حديثة فتعود إلى ما بعد الإسلام؟ - هل جاءت من فلسطين أم من بلاد الرافدين التي هي اليوم العراق؟ - هل أثَّرت على المسيحيَّة أم تأثَّرت بها؟

أ- بدعة قديمة

تكوَّنت كتابات المندعيَّة بشكل نهائيّ بعد القرن الثامن. ولكن يبدو أنَّ هذه الشيعة عُرفت منذ القرن الرابع، بل القرن الثاني المسيحيّ.

نستند في قولنا هذا إلى ما تقوله النصوص المندعيَّة. فالمجموعات الكبيرة تورد عددًا من التقاليد سبقت ظهور الإسلام. فلويحات القصدير التي تضمَّنت نصوصًا سحريَّة، تعود بنا إلى القرن الرابع مع ذكر المرسل السماويّ ومندع الحياة والكائنات النوريَّة والجهنَّميَّة. ونستند أيضًا إلى إشارات مانويَّة. فحسب المؤرِّخ العربيّ ابن النديم(17)، والكاتب السريانيّ تيودور بركوني(18)، عاش ماني المولود سنة 216 مع جماعة المغتسلة. أما نكون هنا في القرن الثالث أمام جماعة المندعيّين، أو أقلَّه أمام شكل قديم لهذه البدعة؟ وإذا عدنا إلى مقاطع من الفصول(19) نرى أنَّها تتحدَّث عن »الأنقياء«، فتعلن أنَّ القوى المتعالية، هي »الحياة الأولى« و»الحياة الثانية« و»الحياة الثالثة«، وهذه القوى هي أقدم ما في التعاليم المندعيَّة. وهكذا نتأكَّد أنَّ هذه البدعة وُجدت في بداية القرن الثالث وربَّما في القرن الثاني.

وهكذا تُستبعد النظريَّة التي تقول إنَّ المندعيَّة جاءت متأخِّرة. ويُسند صاحبُ هذه النظريَّة قولَه إلى أنَّ اللغة التي كُتبت فيها هذه النصوص هي البابليَّة الحديثة، وإلى أنَّ تيودور بركوني يتحدَّث عن شخص اسمه »عدو« أسَّس الجماعات المندائيَّة في الفرات الأسفل. نبدأ فنقول إنَّ »عدو« كان من جماعة المندعيّين. أمّا اللغة التي وصلت فيها النصوص، فضَمَّت كتابات قديمة جُعلت في »لغة حديثة«.

ب- بدعة فلسطينيَّة أم عراقيَّة

هذا هو السؤال الحقيقيّ حول أصول المندعيَّة: هل وُلدت في العراق أم في فلسطين؟ وُجد المندعيّون منذ القرن الثاني في العراق، فهل وُلدوا هناك على ضفاف الفرات؟ أما تدلُّ على ذلك تأثيرات عراقيَّة وإيرانيَّة طَبَعت معتقداتهم وطقوسهم؟ بل نقول إنَّ المندعيَّة وُلدت في فلسطين. وبراهيننا هي التالية:

أوَّلاً: دوِّنت الكتابات المندعيَّة في حرف شبيه جدٌّا بالحرف الأنباطيّ. والأنباط هم بدو أقاموا في وادي الأردنّ وشرقيِّه.

ثانيًا: تتضمَّن اللغة عددًا من الكلمات التي لا ترتبط أي ارتباط بعالم العراق، بل بعالم غربيّ الفرات. هناك لفظة »مشكنا« التي تدلُّ على كوخ العهد، و»ندباي وشلماي« اللذان يدلاّن على الحارسين للأردنّ، و»فريشايا« أو الفرّيسيّون وهو لقب شرف، ولفظتا »مندع« و»قوشتا« (الحقّ). وهناك تسمية »نبات« الإله الوطنيّ لدى العرب في شرقيّ الأردنّ، و»بتاحيل« الذي يتألَّف من »بتاح« الإله المصريّ و»إيل« الإله الكنعانيّ. كلُّ هذه الألفاظ نجدها في العالم الفلسطينيّ مثل موشّحات سليمان ورؤيا باروك.

ثالثًا: تتضمَّن تعاليم هذه البدعة عددًا كبيرًا من العناصر التي لا تنفصل عن تاريخ الشعب اليهوديّ ولا عن أرض فلسطين. يُعطى الأردنّ أهمِّيَّة كبرى، فهو نهر الخلاص. وتُحسب مدينة أورشليم مركز الوحي، والقتال بين النور والظلمة: فرسالة يوحنّا المعمدان، وظهور مندع الحياة، وكرازة أنوش أوترا (غنى الإنسان، أو أنوش ابن شيت ابن آدم والغنى، ع و ت ر ا في السريانيَّة)، والحرب ضدّ المسيح الضالّ، واضطهاد المؤمنين بيد اليهود، وعقاب قوى الكذب، كلُّ هذه الأحداث في التاريخ الدينيّ للمندعيَّة، مسرحُها المدينة المقدَّسة.

رابعًا: سمِّي المندعيّون »ناصوريّين«. هكذا دلُّوا على ارتباطهم العميق بالعالم اليهوديّ والعالم الفلسطينيّ.

هل نذهب أبعد من ذلك فنقول إنَّ المندعيّين هم تلاميذ يوحنّا المعمدان؟ نجد في كتبهم ذكرًا ليوحنّا باسم »يحيى« كما في التقليد العربيّ. ثمَّ، يبدو ارتباط هذه البدعة مؤكَّدًا في جماعات فلسطين العماديَّة. بل إنَّ ليوحنّا مكانة كبيرة عند المندعيّين، وهذا ما يربط أصولهم بهذا النبيّ الذي سبق المسيح، وهيَّأ له الطريق بعماد التوبة.

أنكر بعضُهم هذه العلاقة، لأنَّهم اعتبروا أنَّ ذكر »يحيى« جاء في النصوص المتأخِّرة، وظنُّوا أنَّ المندعيّين وجدوا في سلطة يوحنّا المعمدان غطاء يظهرون من خلاله أنَّهم هم أيضًا من أهل الكتاب، شأنهم شأن اليهود مع موسى، وشأن المسيحيّين مع عيسى (يسوع). قد يكونون فكَّروا بهذا الأمر، ولكن من الصعب أن نقبل بهذا التفكير إن لم يجدوا في تعليمهم أساسًا لمثل هذه التوسُّعات. وسوف نرى في ما بعد تعلُّق المندعيّين بيوحنّا ليميَّزوا عن المسيحيّين ويدلُّوا على فرادتهم.

 

ج- المندعيَّة والمسيحيَّة

ويُطرح السؤال الثالث: هل كان للمندعيَّة تأثير على البدايات المسيحيَّة؟ هنا نجد اتِّجاهين: الأوَّل، يتزعَّمه رودولف بولتمان في تفسيره لإنجيل يوحنّا: رأى أمورًا موازية بين النصوص المندعيَّة ونصوص يوحنّا. والاتِّجاه الثاني يشدِّد على أنَّ المسيحيَّة السريانيَّة أثَّرت تأثيرًا عميقًا على البدعة المندعيَّة، ولاسيَّما في طقوس العماد.

بالنسبة إلى الاتِّجاه الأوَّل، تُطرَح المسألة، بشكل عامّ، حول علاقة الحركة الغنوصيَّة بإنجيل يوحنّا(20). وإذا عرفنا أنّ الكتب الغنوصيَّة دُوِّنت في القرن الثاني، لا نستطيع أن نقول إنَّها أثَّرت على إنجيل يوحنّا، بل إن إنجيل يوحنّا هو الذي أثَّر عليها. وهكذا، حين دُوِّن الإنجيل الرابع برز تفسيران له: واحدٌ في الخطِّ الغنوصيّ. لهذا، جاءت رسالة يوحنّا الأولى توضح ما التبس في هذه التفاسير(21). ونقول الشيء عينه بالنسبة إلى التيّار المندعيّ الذي تفاعل، ولا شكّ، مع اللاهوت اليوحنّاويّ.

ولكن إذا تحدَّثنا عن المناخ الغنوصيّ إجمالاً، وعن جذور المندعيَّة التي قد تتجاوز يوحنّا المعمدان وتعود بنا إلى ما بعد المسيح مع حركة العماديّين، نقول إنَّ المسيحيَّة تأثَّرت في أصولها بهذه البدعة، ولاسيَّما على مستوى الطقوس، كما على مستوى التعابير التعليميَّة.

كانت المندعيَّة حركة معارضة كلَّ المعارضة للمسيحيَّة، فحاولت بكلِّ قواها الابتعاد عنها. وإذا كانت المسيحيَّة أخذت منها، فلم تأخذ من نصوص دُوِّنت في القرن الثامن ب.م.، بل من تيّارات عماديَّة قديمة العهد. لقد تأثَّرت المسيحيَّة نفسها بهذه الحركة العماديَّة، لهذا أدخلت شخص يوحنّا المعمدان في نظامها التعليميّ على أنَّه السابق. وهكذا تلتقي المسيحيَّة الأولى والمندعيَّة في بداياتها حول بعض الطقوس والتعابير التعليميَّة التي أخذت بها شيَعٌ يهوديَّة مثل جماعة قمران وغيرها من الجماعات المتأثِّرة بالعالم اليهوديّ كالمندعيَّة.

 

3. مصادر المندعيَّة

التقليد المندعيّ، الذي دُوّن هو كلُّه ذو طابع دينيّ. يتألَّف من نصوص عباديَّة (ليتورجيّات، مدائح)، من تفاسير، من أخبار عجيبة، من نظريّات فلسفيَّة ولاهوتيَّة، من نصوص سحريَّة(22). تبدو المدائح والأناشيد جميلة جدٌّا. وفيها نجد أقدم ما عند هذه البدعة من إرث روحيّ وتعليميّ. أمّا النصوص النثريَّة فما زال قسمٌ منها مغلقًا على الشرّاح. من دوَّن هذه النصوص؟ لا نجد أسماء. كما أنَّ ما هو قديم امتزج مع ما هو حديث على مثال ما نجد في التوراة. فما تصوَّروه في وقت من الأوقات أُعيد نقله وفُسِّر ووَجَد له تعبيرًا جديدًا لا يتكيَّف دومًا مع التصوُّرات الحديثة.

متّى دُوِّنت هذه المجموعات؟ بعد دخول الإسلام إلى بلاد الرافدين. وهكذا دخلت البدعة المندعيَّة مع أهل الكتاب باسم الصابئة أو المغتسلة. وإليك أهمّ ما في هذا الأدب المندعيّ من آثار:

أ- الكنز أو الكتاب العظيم(23) الذي سُمِّي في الغرب كتاب آدم. إنَّه أهمّ مجموعة مندعيَّة، ويتضمَّن قسمين رئيسيّين: »الكنز الأيمن« (الأكبر) و»الكنز الأيسر« (الأصغر). يضمُّ الأوَّل 18 مقالاً مكرَّسًا بشكل خاصّ لتعليم الميتولوجيّا (أخبار عجيبة) والكوسمولوجيا (دراسة بنية الكون وتطوُّره). ويعالج القسم الثاني النفس وصعودها إلى عالم النور. لهذا سُمِّي كتاب النفوس(24)، وتُتلى مدائحه في صلاة الموتى أو صعود(25) النفس إلى النور.

ب- كتاب يوحنّا(26) أو كتب الملوك(27)، أي الملائكة. إنَّه تكملة الكنز. يبدو في مجموعة مشتَّتة من 37 قطعة صغيرة وكبيرة ذات مضمون ميتولوجيّ. نجد فيها مقالاً حول يوحنّا المعمدان، وآخر حول وصول مرسل من السماء إلى أورشليم، اسمه أنوش(28).

ج- الصلوات(29). مختارات من الأناشيد الدينيَّة والصلوات، ترافقها تعليمات للمعموديَّة وصعود النفس.

د- نصوص عباديَّة. طقس الزواج، طقس التتويج أو رسامة الكهنة. طقس المعموديَّة. الألف ومئتا سؤال، وهو مجموعة تشمل سبعة أقسام موجَّهة إلى الكهنة والمبتدئين.

سبق وقلنا إنَّا لا نستطيع أن نحدِّد زمن تدوين هذه الكتب، لأنَّها لا تتضمَّن أي تلميح إلى التاريخ المعاصر. فلا نجد إلاّ عونًا في النصوص اللامندعيَّة مثل الغنوصيَّة والمانويَّة. وهذا ما لجأنا إليه لكي نعود بالمندعيَّة إلى أصولها.

 

4. معتقدات المندعيَّة وأخلاقيّاتها

إنَّ المعتقدات التي يعبِّر عنها الأدب المندعيّ، تتلخَّص في تأكيد أساسيّ هو ثنائيَّة تقابل »العالم العلويّ« مع »العالم السفليّ«، »موضع النور« مع »موضع الظلمة«. غير أنَّ هذه الثنائيَّة ليست مطلقة. فالله يتدخَّل في العالم بواسطة الخلق، على مثال ما نقرأ في النصوص البيبليَّة. غير أنَّ تدخُّل الله يذهب أبعد من ذلك، لأنَّ الخلق يتواصل في عمل مستمرّ لله في قلب العالم، ولاسيَّما بوحي يوصله إلى البشر بواسطة رسوله »مندع حي « (معرفة الحياة). وديانة النور التي أسَّسها هذا الرسول السماويّ تعارض(30) ديانات الظلمة السبع: المزدكيَّة، اليهوديَّة، المسيحيَّة، المانويَّة، الإسلام... هذا ما يدلُّ على أنَّ المندعيَّة عرفت هذه الديانات. يعتبرون يسوع النبيّ الكاذب. أمّا النبيّ الحقيقيّ فهو يوحنّا المعمدان الذي يتماهى مع »معرفة الحياة«. اضطهده اليهود منذ ولادته، فاعتزل على شاطئ الأردنّ، وجمع حوله المؤمنين الحقيقيّين.

هذا هو الأساس الذي ننطلق منه لكي ننتحدَّث عن الجماعة وشعائر عبادتها، عن الميتولوجيا والتيولوجيا، بما في ذلك الوجهة الخلقيَّة.

 

أ- الجماعة وشعائر عبادتها

قُسمت الجماعة إلى كهنة وعوام، ولكن هذه القسمة ليست أساسيَّة كما في العالم المانويّ بين »المختارين« و»السامعين«. وليست قديمة على ما يبدو. فلفظة »ترميدي«(31) تعني »تلاميذ« و»وري« تدلُّ على الانتماء إلى الشيعة. وكذلك المؤمنين (مهيمني)، مختار البرّ، الكمّال، الحكماء...

يبدو أنَّ وظيفة الرئيس الأعلى للجماعة شاغرة منذ سنة ونيِّف. وهناك »معلِّم الكنز« مع كهنوت يتضاءل يومًا بعد يوم. يحتلُّ الكاهن مكانة ملوكيَّة في جماعته الخاصَّة. سلطته سلطة ملك، ورسامته رسامة ملك مع التاج والصولجان والخاتم. وهو يعمل كممثِّل للمرسلين أو ملائكة السماء.

وماذا عن شعائر العبادة؟ يرى المعلِّمون أنَّ المندعيَّة هي قبل كلِّ شيء مثالٌ روحيّ ونظرة إلى نشوء الكون (كوسموغونيا). أمّا المؤمنون فيرون فيها عبادة موحاة وخلاصيَّة. أمّا الممارسات فهي الاغتسال العماديّ، الوليمة المقدَّسة، طقوس الموت.

أوَّلاً - العماد: طقس العماد يُشرف على الجماعة المندعيَّة. يُمارَس في ثلاثة أشكال رئيسيَّة: الاغتسال البسيط، التغطيس المثلَّث، المعموديَّة بحصر المعنى. إنَّ هذا الطقس يمثِّل مكانة مركزيَّة، لهذا سُمُّوا »الصابئة« أو أولئك الذين غُسلوا بالماء. من يعطي المعموديَّة؟ الكاهن. وذلك في المعبد. يوم الأحد. يغطَّس المؤمن في »أردنّ« ما، في مياه جارية تدلُّ على النور والمجد. وهكذا يكون العماد رمزَ وينبوعَ كلِّ نقاوة دينيَّة وأخلاقيَّة وطقوسيَّة: هو يحمي المعمَّد من هجمات القوى الجهنَّميَّة. ويعطيه الحياة ويكفل له الخلود. هنا نفهم رمز إكليل الآس والمسحة المثلَّثة بالزيت، ودعاء ربِّ العظمة على طالب العماد، والراية التي ترمز إلى النور فتحلُّ محلَّ الصليب.

ويتكرَّر العماد بشكل لا محدود من أجل غفران الخطايا التي اقترفها المؤمن في حياته. ونفهم معنى »المصبوتة« (أو: الصيغة العماديَّة)، حين نقرأ هذا المقطع من الكنز الأيمن (19: 24-20: 3) حيث يُكشَف هذا السرّ لآدم ونسله:

إعتمدوا بعماد الماء الحيّ الذي حملتُه إليكم من عالم النور، والذي هو معموديَّة جميع الكاملين وجميع المؤمنين. باركوا على الفطير وكلوا منه. قولوا المديح على الماء واشربوه، فتحصلوا على غفران خطاياكم وذنوبكم. من وُسم بعلامة الحياة، ولُفظ عليه اسم ملك النور، من تمسَّك بعماده وعمل أعمالاً جميلة وصالحة، لا يغلقُ أحدٌ أمامه طريق الصعود.

ما هو هدف العماد؟ حين يغطَّس المعمَّد في »الأردنّ« يتَّصل اتِّصالاً وثيقًا بعالم النور فيشارك في الخلاص. هذا من جهة. ومن جهة ثانية، يدخل مع الجماعة إلى النور والحياة. وهكذا تبدو المعموديَّة في هذه البدعة مندعيَّة في جوهرها مع التغطيس، والعلامة المرسومة بالماء، وشرب الماء، والتتويج، ووضع الأيدي، ووليمة الخبز والماء. قد نكون في هذا المجال مرتبطين مع جماعات العماديّين الذين وُجدوا في منتصف القرن الثاني ق.م.

ثانيًا: الوليمة المقدَّسة: شابهت المندعيَّة سائر ديانات الشرق القديم، فنظَّمت ولائم العبادة المقدَّسة على مثال العالم الغنوصيّ والعالم اليهوديّ. هناك الغداء العائليّ، والتقدمة الدينيَّة و»مسقتا « أي الوليمة المقدَّسة بحصر المعنى. ففي مختلف أعمال الحياة العباديَّة، يحتفلون بهذه الوليمة بطرق مختلفة. ففي الأوقات الاحتفاليَّة من الحياة الروحيَّة، ولاسيَّما العماد والموت، ينال المؤمن طعامًا مكرَّسًا: الخبز وسائر الأطعمة. الماء الممزوج بالخمر. وحين يأكل المؤمن هذا الطعام ويحتسي هذا الشراب، حيث يرى صورة عمّا يقدِّم للنفوس في مسكن الحياة، فهو يشارك بشكل حميم في العالم العلويّ: تُغفر خطاياه، ينتعش إيمانه، ينمو في الحياة الروحيَّة.

ثالثًا - طقوس الموت: طقوس الموت أو الصعود (صعود النفس إلى عالم النور)، هي الاحتفال الرئيسيّ في العالم المندعيّ. فالحلُّ لمسألة الموت يجده الإنسان في اعتقاد عميق بالحياة في الآخرة. لهذا، يتركَّز كلُّ شيء لدى المندعيّ على مصير النفس. أمّا الجسد فمُحتقَر.

يُغسَل الميتُ برشِّ الماء ثلاث مرّات. ثمُّ يُدهن بالزيت كما في المعموديَّة، ويُلبَس الثوب الطقسيّ ويتوَّج. ويُعطَى قارورة زيت بشكل رسالة يحملها إلى عالم النور. ويُدفَن الميت ورأسه إلى الشمال. لا علامة فارقة للمدفن. لأنَّ الجسد وحده هو هنا، لا النفس. في ذلك الوقت يؤخذ طعام جنائزيّ يتلون فيه مقاطع من الكنز.

وبعد ظهر اليوم الثالث يبدأ الاحتفال »بالصعود«. ففي ذلك الوقت تنفصل النفس عن الجسد وتبدأ سفرها الذي يدوم 45 يومًا. يتطلَّب الاحتفال وجود أربعة كهنة، ويتمُّ في الكوخ المكرَّس للعبادة. وتُصنَع 65 فطيرة ملتوتة بالزيت ولحم الحمام والمتبَّلات. يأكل الكاهن فطيرة ويدفن الباقي مع الميت كزوّادة من أجل صعوده إلى عالم النور.

 

ب- الميتولوجيا والتيولوجيا

الميتولوجيا هي أخبار عجيبة تُسند عناصرَ الإيمان عند المندعيّين. والتيولوجيا هي نظرة إلى الله وإلى الكون الذي خلقه الله. هل نحن في هذه البدعة أمام نهج لاهوتيّ وأنتروبولوجيّ منسَّق؟ بل نحن نقدِّم مواضيع تساعدنا على الإحاطة بالفكر المندعيّ.

تتَّسم النظرة المندعيَّة إلى العالم بالثنائيَّة الغنوصيَّة: يتواجه عالم النور وعالم الظلمة. وفي قمَّة عالم النور يُوجَد الكائن الأسمى، وهو إله مجهول يحمل أسماء مختلفة، قديمة وحديثة. اسمه »الحياة«، »الحياة العظمى«، »ربّ العظمة«، »الإناء (مانا ) القدير«. وآخر أسمائه: »ملك النور«. يُحيط به عددٌ لا محدودٌ من الكائنات النورانيَّة تسمّى »الغنى« (عوترا )، ويقيم في عوالم عديدة من النور. هو يقيم بجانب »أردنّ« سماويّ، في المساكن العلويَّة فيحتفل بالطقوس ويمجِّد »الحياة«.

وبُني عالمُ الظلمة على مثال النور. ولكنَّه يتألَّف في الأصل من الخواء أو »الحياة المظلمة« التي وُجدت في بداية الزمن. »ربُّ الظلمات« هو نتاج »الروح الساقط« الذي صار خصمَ »عالم النور«. وربُّ الظلمة هذه يخلق لنفسه عوالمه الخاصَّة التي تقيم فيها خلائق شيطانيَّة: الأشرار، الشياطين، التنانين، الملائكة، الكواكب، صُوَر الأبراج الاثني عشر.

إنَّ العلاقة العدائيَّة بين النور والظلمة، بين الحياة والموت، تبدأ باتِّصال بين عددٍ من كائنات النور وعددٍ من كائنات الظلمة. بعد »الحياة الثانية«، يتكوَّن ميلٌ متنامٍ إلى عالم الظلمات، يقود عبر »الحياة الثالثة« و»الحياة الرابعة« إلى خلق »الحياة الأولى« (تيبيل ، أو الحياة على هذه الأرض).

الذروة في خلق الكون هو النشاط الخلاّق لدى الإنسان الأوَّل، آدم، الذي كوَّن جسده »بتاحيل« وأعوانه. أمّا نفسه أو »آدم الباطنيّ« فجذورها في عالم النور. نجد في هذا الحدث أحد المواضيع الرئيسيَّة في الميتولجيا المندعيَّة.

إنَّ هذا الصراع بين عالم النور وعالم الظلمة لا ينحصر في تكوين العالم. بل يمتدُّ خلال 90000 سنة، وهو الزمن الذي يُعطى للأرض انطلاقًا من اعتبارات أسترولوجيَّة (علم الكواكب). هو »تاريخ دينيّ حيث تتقابل محاولات الموت الهدّامة مع الانتصارات التي تعيد الحياة، وكلُّ هذا من أجل خير الجماعة«. وهناك سمتان تميَّزان هذا الصراع: المتصارعون هم الكواكب الجهنَّميَّة والأنبياء ومرسلو السماء. أمّا مرمى هذا الصراع فهو البشريَّة.

تألَّف الإنسان من نفس مضيئة، وجسد مظلم، فمثَّل في الوقت عينه موضوعَ بعض القوى السفليَّة والأداة التي تستعملها هذه القوى لتغرس القوى العلويَّة. من هنا تأتي الضيقات التي هي عمل الموت: سقطات في الشرّ، واضطهادات دينيَّة، كوارث كونيَّة. وأخيرًا، تكاد البشريَّة تفنى بسبب الوباء والسيف، والنار والطوفان، لولا نجاة رجل وامرأة كما كان الأمر بالنسبة إلى نوح.

غير أنَّ العالم العلويّ لا يترك المؤمنين عرضة لمحاولات العالم الجهنَّميّ وما فيه من شؤم. إذ أراد أن يحميهم ويدافع عنهم، أن يعلِّمهم ويقودهم، إذ أراد أن يؤمِّن لهم الخلاص، أرسل إليهم منذ البداية حتّى نهاية الزمن عددًا من »الحرّاس« أو »المخلِّصين«: ملائكة لا اسم لهم. أشخاص سرِّيّون مثل: هابيل، شيت، أنوش، يحيى أو يوحنّا.

إنَّ هذه الثنائيَّة التي تعارض النفس بالجسد، فيأتي الروح كعنصر ثالث يحتاج إلى خلاص النفس، تهدِّد اهتمام هذه البدعة بتحرير النفس. فالموت هو يوم النجاة (فورقانا). وبعد أن تنفصل النفس عن الجسد، يبقى لها طريقٌ صعبٌ يجب أن تجتازه: عليها أن تمرَّ في أبواب الانتظار التي هي شرّيرة في أساسها، شيطانيَّة في طبيعتها، وهي تحاول أن تعيق النفوس في صعودها. دورها يقوم بتجميد النفوس الخاطئة وإخضاعها للعذابات الجهنَّميَّة. لهذا، وجب على كلِّ نفس أن تحمل الكفالات الضروريَّة التي هي المعموديَّة، علامة الحياة، والأعمال الصالحة التي هي بمثابة جواز سفر. ولا بدَّ من مخلِّص أو مرسل النور ليحرِّر النفوس السجينة بعد أن قاست عذابها.

وبجانب هذه الإسكاتولوجيّا ويوم النهاية (الموت) المتعلِّق بالنفس الفرديَّة التي تمرُّ في دينونة الإنسان الحامل الميزان، هناك منبر الزمن الأخير الذي يقرِّر نتيجة الموت الثاني. هذا مصير جميع اللامؤمنين وسائر القوى الشرّيرة. عند ذاك تأتي نهاية العالم. فيذهب المؤمنون إلى الفردوس الذي موقعه في الشمال حيث يُوجد أيضًا ملكوت النور.

 

ج- الوجهة الخلقيَّة

بعد هذا الأساس الثنائيّ بين عالمين، عالم النور وعالم الظلمة، بعد مغامرة الخلق في إطار الكوسموغونيا وتكوين العالم، بعد خلاص النفس أو مختلف الوجهات السوتيريولوجيَّة في إطار ميتولوجيّ حيث تدخل عناصرُ غنوصيَّة ومعطيات يهوديَّة ومسيحيَّة، نصل إلى المثال الخلقيّ عند المندعيّين الذين يهتمُّون اهتمامًا خاصٌّا بالنقاوة التي تسهِّل للنفس صعودها إلى عالم النور. هناك رفض للعزوبة التي انتشرت في المسيحيَّة، وللختان الذي يدلُّ على انتماء الفرد إلى اليهوديَّة، وللسبت الذي ميَّز الجماعات المسيحيَّة المتهوِّدة. وقد أخذوا بالمعموديَّة والولائم المقدَّسة ليستعدُّوا للموت الذي يمارسونه باحتفال ما بعده احتفال ليؤمِّنوا للنفس طريقها إلى الخلاص النهائيّ، الخلاص من الموت الثاني.

اختلف التعليم الخلقيّ المندعيّ عن النظرة الدينيَّة. فلم يكن تلفيقيٌّا، بمعنى أنَّه أخذ من هنا وهناك. بل بدا أصيلاً في خطِّ عددٍ من النظرات الشرقيَّة التي تأثَّرت بعالم الهند على مثال المانويَّة. لا شكَّ في أنَّه استقى من العالم البيبليّ أصله الإلهيّ الموحى، فأعطاه نفحةً دينيَّة تنقله من عالم التحجير على مستوى الشريعة اليهوديَّة. أمّا التعليم عن الخلاص فهو في الخطِّ الغنوصيّ مع التشديد على المعرفة التي بدت وكأنَّها أقنومٌ وشخصٌ حيٌّ يساعد الإنسان على التخلُّص من المادَّة وعالم الظلمة.

منعت المندعيَّة كلَّ اتِّصال بالمادَّة، ولكنَّها حافظت على الزواج. وأوصت بأعمال النور والحياة المتنوِّعة، فقدَّمت مثالاً أخلاقيٌّا رفيعًا. قدَّمت دستور الإنسان الكامل، والقاعدة التي تمارسها النفس فتحفظ نقاوتها الروحيَّة من أجل »صعودها« في الحياة المقبلة.

وإليك بعض الأمثال عن هذه الحياة الأخلاقيَّة: يُمنع على مستوى العمل ومستوى الرغبة، الشرِكُ والجحود والسِّحر والتنجيم والقتل والغضب، والسرقة وشهادة الزور والزنى والطلاق. وهكذا نكون أمام توسيع للوصايا العشر كما عرفتها العصورُ القديمة في الشرق وبوَّبتها التوراة.

كيف تبدو هذه الفرائض؟ إذا أراد المؤمن أن يحافظ على الطهارة الطقوسيَّة، فهو لا يكتفي بأن يمتنع عن كلِّ طعام تنجَّس باتِّصاله باللامؤمنين، بل يمارس مختلف الفرائض اليهوديَّة حول الأطعمة. وعلى المستوى الاجتماعيّ، يمارس المندعيّ الصدقة التي هي أسمى عمل في الحياة، كما يمارس القاعدة الذهبيَّة في صيغتها السلبيَّة: »لا تصنع للغير ما تريد أن لا يصنعه الغير لك«. وعلى المستوى العباديّ بحصر المعنى، يقدِّس المؤمن يوم الأحد. وإذ يريد أن يحافظ على حالته الروحيَّة، يمارس أعظم واجبات النسك وهو التخلّى عن الغنى.

 

خاتمة

تلك هي المندعيَّة أو المندائيَّة. هذه البدعة التي وُلدت في العالم اليهوديّ وربَّما قبل المسيح وامتدَّت حتّى بلاد الرافدين أي العراق الحاليّ وأبعد منه إلى إيران. اضطُهدت في القرن الثالث كما اضطُهد غيرُها من الديانات في أيّام شهبور (241-272) فتقوقعت. وضايقها الإسلام فردَّت على هذه المضايقات بأقوال ضدّ الإسلام ومؤسِّسه (وهذا ما نراه في خاتمة الكتب المنسوخة)، كما ردَّت باعتزالها في منطقة صعبة المنال هي مستنقعات جنوبيّ العراق، حيث عاشت مع مجموعات أخرى حُلمَها القديم، وهي تتطلَّع إلى نداء الحياة.

تلك هي المندعيَّة المرتبطة بشيعة عماديَّة من تيّار غنوصيّ تشرَّب تعليمًا يهوديٌّا، قبل أن تصير جماعة منغلقة على ذاتها في لغتها وفي حياتها. هل نستطيع أن نرى فيها ردَّة فعل يهوديَّة ضدَّ المسيحيَّة التي انتشرت في الشرق؟ هنا نستطيع القول إنَّها لم تأخذ شيئًا من المسيحيَّة وهي المعادية لها كلَّ المعاداة. وسوف نرى تيّارات عديدة في الشرق ستعود إلى اليهوديَّة، لأنَّ المسيحيَّة بدت رفيعةً بالنسبة إليها فاكتفت بديانة تلفيقيَّة تجمع الموادَّ من هنا ومن هناك لتكوِّن نظرة شاملة إلى تكوين الكون وخلاص الإنسان. حاول العالم اليونانيّ أن يعبِّر عن الإنجيل الواحد في لغته، فكانت الأريوسيَّة التي هي في أساسها رفض لمزج الله في المادَّة. بما أنَّ يسوع صار إنسانًا، فهذا يعني أنَّه إلهٌ من درجة ثانية، أنَّه مخلوق. وحاول عالم الشرق أن يعبِّر في لغته وحضارته عن هذا الإنجيل، عن الديانة المسيحيَّة، فكانت تيّارات متعدِّدة ضلَّت الطريق لأنَّها أخذت من الإنجيل ما يوافقها، أو بالأحرى أخذت الشيء القليل، وعادت إلى ميتولوجيّات الشرق القديم، وحضارة الشرق الأقصى، وأُلبس هذا كلُّه اللباسَ اليهوديّ الذي سيطرَ في أماكن عديدة من بلاد الرافدين حتّى في قصر الساسانيّين. هذا ما يُقال عن المانويَّة. وهذا ما نقوله عن المندعيَّة التي صارت شيعة فانغلقت على ذاتها بحيث يعتبر عددٌ من دارسيها أنَّها في طريق الزوال على مثال السامريّين في فلسطين.

تلك هي المندعيَّة التي بدت محدودة في نظرتها، متقطِّعة في نهجها. قدَّمت عناصر تفكيريَّة لا تصلح لكي تؤسِّس ديانة، كما حاولت أن تفعل المانويَّة. فارتدَّت إلى حياة أخلاقيَّة تميِّزها رغم كلِّ شيء عن الممارسات اليهوديَّة كالختان والسبت، وتجعلها في خطٍّ يهوديّ، ولاسيَّما على مستوى حفظ الوصايا العشر والامتناع عن الأطعمة التي حرَّمها الشرق القديم (بما فيه التوراة) والشيعُ التي صارت مسيحيَّة ولكنَّها ظلَّت متعلِّقة بالممارسات اليهوديَّة.

ما كانت علاقة هذه البدعة بالكنيسة؟ هل حاربتها الكنيسة كما حاربت المانويَّة؟ قد يكون انعزالها وتقوقعها منعا من انتشارها وبالتالي من تأثيرها في الجماعات المسيحيَّة. لهذا لم تعبأ بها السلطة الكنسيَّة ولم يحاول الآباء أن يردُّوا عليها في تعليمهم. ربّما يكون إبيفان، أسقف سلامينة في قبرص، قد تحدَّث عنها كما تحدَّث عن سائر الهرطقات. أمّا أفرام السريانيّ الذي كان له مواقف قاسية من جماعة ماني ومرقيون وبرديصان، فهو لا يذكر المندعيَّة في كتاباته. فكأنَّ تأثيرها خبا في أيّامه، أي في القرن الرابع المسيحيّ، وهذا ما يفسِّر قول الباحثين بأنَّ الآباء الكرمليّين اكتشفوها في منتصف القرن السابع عشر قابعةً في مستنقعات جنوبيّ العراق.

عالم المندعيَّة يسير إلى الاضمحلال والتلاشي، ولكنّه احتفظ ببعض غنى هذا الشرق. فيا ليته انفتح على سائر الحضارات، انفتح على الإنجيل، لكان اغتنى وأغنى الآخرين، ولكنَّه لم يفعل فكان من أمره ما كان.