الصابئة وعلاقتها بالفلسفة وبالمسيحية

 

1- طور إدخال آراء فلسفيَّة في الصابئيّة

لمّا فسدت الأديان، وبلغت هذا المبلغ من الضلال والطغيان، عمَّت الصابئيَّة، بفرعيها الوثنيَّة والمجوسيَّة، جميع البلدان، وعموم سلائل الإنسان. وبقيت محافظة على ذاك المعتقد أو الإيمان، برهةً مديدةً من الزمان. لا بل وبقي منها من حافظ عليه حتّى الآن. أمّا الصابئة التي بقيت منحصرة في ما نسمِّيه اليوم ببلاد العرب وجنوبي تركيَّة آسيَّة ووسطها، فإنَّها لا زالت متوغِّلةً في عقائدها، مجدِّدة آراءها على الدوام. على أثر ما ينبغ على طول الأيّام، من المذاهب الدينيَّة، والتعاليم الفلسفيَّة. وكما أنَّه ليس بيدها كتاب مُنزل تعتمد عليه، أو سند تستند إليه، وأنَّ لا مناص لها من مخالطة الأقوام التي تحيط بها إحاطة السوار بالمعصم، اندفعت وراء تلك الآراء كأنَّ وراءها السيل الجحاف. وهكذا »فرارة تسفَّهت قرارة« حتّى آل بها الأمر إلى ما آل. أمّا الأجيال الصابئيَّة التي شطَّ مزارها، واعتزلت الأمم الغريبة الجنس فإنَّها بقيت متحذِّرة حذَر القرلّى من البدع والمبتدعات، ناظرة إليها نظرها إلى شرٍّ عظيم وضرٍّ جسيم حتّى ثبتت في وثنيَّتها أو مجوسيَّتها إلى يومنا هذا.

ولمّا رأى الله عزَّ شأنه ما وصل إليه ابن آدم من التيه والضلال، ولم يسلم من الغواية جيل من الأجيال، أراد أن يصطفي من بين الأمم، أمَّة يقيها من التُهم. لتبقى محافظةً على عبادة الله الصمد، الواحد الأحد، وهو من عنده يمدُها بعونه، ويرعاها بعينه، وندبَ لأن يكون رئيسها الهمّام، وإمامها المقدام، ذاك الرجل العظيم المعروف يومئذٍ باسم أبرام. فقال له: »اخرج من أرضك (أي أور الكلدانيّين) وعشيرتك وبيت أبيك إلى الأرض التي أريكها. وأنا أجعلك أمَّةً كبيرةً وأباركك وأعظِّم اسم... فخرج (ومن معه) من أور الكلدانيّين ليذهبوا إلى أرض كنعان فجاءوا (حرّان وأقاموا هناك... وكان أبرام ابن خمس وسبعين سنة حين خرج من حرّان (سفر الخلق ]1التكوين[ 12: 1-5 و11: 31) ومنذ اصطفى الله أبرام أخذت الصابئة بالتزعزع.

والمأثور عن الخليل أنَّه وقعت له مجادلات كثيرة بينه وبين أبناء جلدته من الصابئة الكلدان، حتّى إنَّ هؤلاء زجُّوه مرَّة في النار فجعلها الله عليه بَردًا وسلامًا. (وهذا الرأي هو رأي العرب بأسرهم من نصارى ومسلمين. وهو رأي اليهود أيضًا ورأي القدّيس هيرونيموس في تفسيره لسفر الخلق (Trad. Heb. In Gen.) لا وبل نسخة التوراة اللاتينيَّة المعروفة بالفلكاتا أي العاميَّة تُشير إلى ذلك من طرفٍ خفيّ فإنَّها تقول ما نصُّه: Tu… Domine… qui… eduxisti eum (ٍAbra) de igne Chaldaeorum. Neh. IX, 7، ومعناه: أنت الربُّ الإله الذي أخرجته (أي أبرام) من نار الكلدانيّين. أمّا ترجمة الآباء اليسوعيّين فعرَّبت الآية عن أصلها العبرانيّ فقالت: »من أور الكلدانيّين«. وسبب هذا الفرق في الاستخراج أنَّ اسم النار واسم مدينة الكلدانيَّة أي أور هما واحد بالعبريَّة.

والظاهر من التنزيل الجليل أنَّ إبراهيم الخليل هدى إلى الله قومًا من الصابئة إلى الدين القويم. وممّا يثبت كلامنا هذا آية التوراة القائلة: فأخذ أبرام... النفوس التي امتلكها في حرّان وخرجوا ليمضوا إلى أرض كنعان (سفر الخلق 12: 5)(6).

وممّا يؤيِّد قولنا هذا أوَّلاً: الرواية التاريخيَّة نفسها. ثانيًا: اللغات الساميَّة جميعهنَّ، ثالثًا: شرح لغويِّي العرب للفعل الذي اشتقوه من الحنفيَّة أي تحنَّف فإنَّهم قالوا في تفسيره على ما نقله صاحب التاج. عمِل عمَل الحنيفيَّة. نقله الجوهريّ: يعني شريعة إبرهيم... لأنَّه تحنَّف عن الأديان (الوثنيَّة والمجوسيَّة والصابئيَّة) ومال إلى الحقّ... أو تحنَّف اختتن (كما فعل ذلك إبرهيم فكان أوَّل من اختتن وختن) أو اعتزل عبادة الأصنام (كما اعتزلها الخليل) وتعبَّد (كما تعبد أبو المؤمنين). رابعًا: قول عرب الجاهليَّة هذا المقال. أورد صاحب التاج في مادَّة الحنيف ما نصُّه: قال أبو عبيدة: وكان عبدة الأوثان في الجاهليَّة يقولون نحن حُنفاء على دين إبراهيم. فلمّا جاء الإسلام سمَّوا المسلم حنيفًا. وقال الأخفش: وكان في الجاهليَّة يُقال: من اختتن وحجَّ البيت قيل له حنيف لأنَّ العرب لم تتمسَّك في الجاهليَّة بشيء من دين إبرهيم غير الختان وحجِّ البيت. وقال الزجاجيّ: الحنيف في الجاهليَّة من كان يحجُّ البيت ويغتسل من الجنابة ويختتن. فلمّا جاء الإسلام كان الحنيف المسلم لعدولِه عن الشرك«.

وقد أوردنا كلَّ ذلك من إبرهيم الخليل ليتبيَّن للعاقل أنَّ الصابئة لم يدخلوا شئًا في دينهم على عهده بل اهتدت طائفة منهم على أيديه. وأخذت وطائد معتقدهم بالاعتزاز وقد أورد العرب تفصيل ما دار بينه وبين مناظريه في كلام طويل لا محلَّ لذكره هنا. وإن شئت أن تقف على شيء منه فاطلبه في كتاب المِلل والنحَل للشهرستانيّ.

ولمّا جاء موسى الكليم، وسنَّ السُّنن على سَنن قويم. ورسم رسوم الذبائح والقرابين وعيَّن المحلَّل والمحرَّم أكلُه من الحيوانات والطيور والأسماك بكلامٍ مُبين، وانتشر دين اليهود في المعمور. وأُصلحت ذاتُ البين بين الآمر والمأمور. فقويت شوكتهم، وامتدَّت سطوتهم، أَدخل الصابئة شيئًا كثيرًا من الشعائر الدينيَّة، والرسوم الموسويَّة، إمّا ليعمُّوا على الأغرار بقاءهم على عبادة الكواكب والأوثان، وإمّا تظاهرًا باليهوديَّة ليُترَكوا وشأنهم على ما هم عليه من الطغيان. وسوف ترى في محلِّه السنن التي اقتبسوها من الموسويَّة، ما لا يبقي ريبًا في الحقيقة الراهنة التاريخيَّة، إلاَّ أنَّهم لم يقبلوا قيدًا من تلك القيود، وهو الختان المعتبر علامةً مميَّزة لليهود. وعندهم من يُختن، يتهوَّد فيُلعن. فلهذا لا يكرهون الختان، بل يكرهون أعظم الكراهية كلَّ دين من الأديان، أُدخِلت فيه هذه السنَّة ولا يخالطون المعذور إلاَّ بكلِّ انتباه وفطنة. وإذا كلَّموه يغتسلون بعد ذلك، لأنَّهم يعتبرون مخاطبته جنابةً بل من أعظم المهالك.

وإنَّما لم نعيِّن لأطوار الصابئة طور اقتباسهم السنن الموسويَّة لأنَّ هذه القُرُبات داخلة في إقامة الشعائر ولا تمسَّ المعتقد بشيء. وإنَّنا قد قسمنا تلك الأقسام الكبرى من جهة المعتقد لا من جهة المناسك إذ لو أردنا أن نلتفت إلى إدخال الشعائر لاتَّسع علينا الخرق وامتنع الرَتْق.

وبقيت الأمم منقسمة إلى تلك الأقسام العظمى في الدين حتّى جاء عصر فلاسفة اليونان فامتدَّت مذاهبتهم بامتداد سطوة ملوكهم فأدخل الصابئة أيضًا شيئًا كثيرًا منها. ومن أخصِّ الأسباب التي حملتهم على التهافت عليها تهافُتَ الفراش على السراج أنَّ تلك المذاهب هي من نتائج الوثنيَّة أو الصابئيَّة الأولى موسَّعة ومَزيد عليها فيها. فلهذا كان دخولها إليها أسرع من النار في يبيس العرفج. فأخذ شيوخ الصابئة آراء مختلفة من مذاهب أولئك الفلاسفة من أفلاطونيّين وأرسطوطاليّين ورواقيّين وإبّيقوريّين وحلوليّين على اختلاف أصلهم من يونانيّين ومصريّين وسوريّين، فنشأت حينئذٍ فرق عظيمة في الصابئيَّة امتازت كلُّ فرقةٍ عن أختها بكمِّيَّة مقتبَسها من تلك الآراء أو بما قبلته منها أو رذلته.

 

 

إلاَّ أنَّ هذه الفرق(*) وإن تعدَّدت شُعَبها وشِعابها واختلفت أسماؤها وألقابها فإنَّها ترجع إلى أربع فرَق كبرى. وقد رأيتُ أفضل متكلِّمي الأشعريّين سيف الدين أبا الحسن علي بن أبي علي الآمديّ قد أحسن تمييز هذه الفرق الأربع وفاق سائر كتبة العرب ومؤرِّخيهم في وصفها وإنعام النظر في تدقيق البحث عنها وذلك في كتابه الجليل المترجم بكتاب أبكار الأفكار وهو غير مطبوع إلى يومنا هذا وعزيز الوجود. ولهذا أورد كلامه هنا بتمامه أوَّلاً إثباتًا لدرر كلامه ومعرفة مقاله وثانيًا إقرارًا بفضله وعلوِّ مكان كماله. قال ولله درُّه من قائل:

»الفرقة الأولى: »أصحاب الروحانيّات« وقد يقال ذلك بالرفع(1) أخْذًا من الروح وهو جوهر. وقد يُقال بالنصب(2) وهو حالة خاصَّة به. وقد زعم هؤلاء أنَّ أصل وجود العالم يتقدَّس عن سمات الحدَث(3) وهو أجلّ وأعلى من أن يتوصَّل إلى جلاله بالعبوديَّة له والخدمة من السفليّات وذوات الأنفس المنغمسة في عالم الرذائل والشهوات. وإنَّما يُتقرَّب إليه بالمتوسِّطات بينه وبين السفليّات وهي أمور روحانيَّة مقدَّسة عن الموادّ الجِرمانيَّة(4) والقوى الجسمانيَّة. والحركات المكانيَّة والتغيُّرات الزمانيَّة. في جوار ربِّ العالمين، مجبولون على تقديسه وتمجيده وتعظيمه دائمًا وسرمدًا. قالوا: وهم إلهتنا وأربابنا ورسائلنا(5) إلى حاجاتنا. وبهم يتقرَّب إلى الله تعالى. وهي المُديرة للكواكب الفلكيَّة. والمدبِّرة لها على التناسب المخصوص بحيث يتبعها انفعالات في العناصر السفليَّة وحركات بعضها إلى بعض وانفعال بعضها عن بعض عند الاختلاط والامتزاج المُفضيّ إلى التركُّب الموجب لتنوُّع المركَّبات إلى أنواع المعادن والنبات والحيوانات وتصريف موجودات الأعيان من حالٍ إلى حال ومن شأنٍ إلى شأن إلى غير ذلك من الآثار العلويَّة والسفليَّة. وزعموا أنَّ الكواكب الفلكيَّة هي هياكل هذه الروحانيَّات (les éons) وإنَّ نسبة الروحانيّات إليها في التقدير(6) لها والتدوير نسبة الأنفس الإنسانيَّة إلى أبدانها. وإنَّ لكلِّ روحانيّ هيكلاً يخصُّه، ولكلِّ هيكل فلكًا يكون فيه. وزعموا أنَّ المعرِّف لهم غارَميون(7) وهَرمس اللذان هما أصل علم الهيئة وصناعة النجامة. وهَرمس(8) هو أوَّل من قسَّم البروج ووضع أسماءها وأسماء الكواكب السيّارة ورتَّبها في بيوتها وبيَّن الشرف والوبال والأوج والحضيض والمناظر والتثليث والتسديس والتربيع والمقابلة والمقارنة والرجوع والاستقامة والميل والتعديل واستقلَّ باستخراج أكثر الكواكب وأحوالها. وقيل إنَّ غارميون هو شيت وهرمس هو إدريس. عم(9).

»الفرقة الثانية: »أصحاب الهيكل«. فإنَّهم قالوا إذا كان لا بدَّ للإنسان من متوسِّط فلا بدَّ من أن يكون ذلك المتوسِّط ممّا نشاهده ونراه حتّى نتقرَّب إليه. والروحانيّات ليست كذلك فلا بدَّ من متوسِّط بينها وبين الإنسان. وأقرب ما إليها هياكلها فهي الآلهة والأرباب المعبودة والله تعالى ربّ الأرباب وإليها التوسُّل والتقرُّب. فإنَّ التقرُّب إليها تقرُّبٌ إلى الروحانيّات التي هي كالأرواح بالنسبة إليها. ولا جرم أنَّهم دعوا إلى عبادة الكواكب السبعة السيّارة ثمَّ أخذوا في تعريفها وتعريف أحوالها بالنسبة إلى طبائعها وبيوتها ومنازلها ومطالعها ومغاربها واتِّصالاتها ونسبتها إلى الأماكن والأزمان والليالي والساعات وما دونها إلى غير ذلك. ثمَّ تقرّبوا إلى كلِّ هيكل وسألوه بما يناسبه من الدعوات فيما ينسابه من الأماكن والأزمان واللباس الخاصّ به والتختُّم بالخاتم المطبوع على صورته. والهياكل عندهم أحياء ناطقة بحياة الروحانيّات التي هي أرواحها ومتصرِّفة فيها. ومنهم من جعل هيكل الشمس ربّ الهياكل والأرباب. وهذه الهياكل هي المدبِّرة لكلِّ ما في عالم الكون والفساد على ما سلف ذكره في تعريف مذهب الفريق الأوَّل. وربَّما احتجُّوا على وجود هذه المدبِّرات وأنَّها أحياء ناطقة بأنَّ حدوث الحوادث إمّا أن يكون مستندًا إلى حادث أو قديم، ولا جائز أن يكون مستندًا إلى حادث إذ الكلام فيه كالكلام في الأوَّل والتسلسل والدَّور مُحالان فلم يبقَ إلاَّ أن يكون مستندًا إلى ما هو في نفسه قديم. وذلك القديم. إمّا أن يكون موجبًا بذاته أو بالاختيار. فإن كان الأوَّل فإمّا أن يكون كلُّ ما لا بدَّ منه في إيجاد الحوادث متحقِّقًا معه أو إنَّه متوقِّف على تجدُّد. فإن كان الأوَّل فيلزم قِدَم المعلول والقدم علَّته وشرطه وهو محال. وإن كان الثاني فالكلام في تجدُّد ذلك الأمر كالكلام في الأوَّل وهو تسلسلٌ. فلم يبقَ إلاَّ أن يكون فاعلاً مختارًا وليس في عالم الكون والفساد فاعل قديم مختار إلاَّ الأفلاك والكواكب ولذلك حكموا بكونها أحياء ناطقة.

»الفرقة الثالثة: »أصحاب الأشخاص«. وهؤلاء زعموا أنَّه إذا كان لا بدَّ من متوسِّط مرئيّ فالكواكب وإن كانت مرئيَّة إلاَّ أنَّها قد تُرى في وقتٍ دون وقت لطلوعها وأفولها وظهورها وصفائها نهارًا. فدعت الحاجة إلى وجود أشخاص مشاهدة نُصْب أعيننا تكون لنا وسيلة إلى الهياكل التي هي وسيلة إلى الروحانيّات التي هي وسيلة إلى الله تعالى. فاتَّخذوا لذلك أصنامًا مصوَّرة على صور الهياكل السبعة كلّ صنم من جسم مشارك في طبيعته لطبيعة ذلك الكوكب ودعوهُ وسألوه بما يناسب ذلك الكوكب في الوقت والمكان واللبس والتختُّم بما يناسبه والتخيُّر المناسب له على حسب ما يفعله أرباب الهياكل إلاَّ أنَّها هي المعبودة على الحقيقة. وهذا هو الأشبه بسبب اتِّخاذ الأصنام. ويُحتمل أن يكون اتِّخاذ الأصنام بالنسبة إلى غير هذه الفرقة وتعظيمها لاتِّخاذها قِبْلة لعباداتهم. أو لأنَّها على صورة بعض من كان يُعتقَد فيه النبوَّة والولاية تعظيمًا له. أو لأنَّ قدماء أرباب الهياكل والأصنام وعلماءهم ركَّبوا طلاسم ووضعوها فيها وأمروهم بتعظيمها لتبقى محفوظةً بها. وإلاَّ فاعتقاد الإلهيَّة فيما اتَّخذوا صورًا من الأخشاب والأحجار وكونه خالقًا لمن صوَّره ومبدعًا لما وجودُه قبل وجودِه من العالم العلويّ والسفليّ ممّا لا يستجيره عقل عاقل. بل البداهة شاهدة بردِّه وإبطاله وإن وقع ذلك معتقد البعض الرقاع (كذا) ومن لا خلاّق له من العوامَ منهم فلا يُلتفت إليه ولا معوَّل عليه.

»الفرقة الرابعة«: »الحلوليَّة«(10). وهؤلاء زعموا أنَّ الإله المعبود واحد في ذاته وأنَّه أبدع أجرام الأفلاك وما فيها من الكواكب. وجعل الكواكب مدبِّرًا لما في العالم السفليّ. فالكواكب آباءٌ أحياء ناطقة والعناصر أُمَّهات. وما تؤدِّيه الآباء من الآثار إلى الأمَّهات تقبلها بأرحامها فتحصل من ذلك المواليد وهي المركَّبات. والإله تعالى يظهر في الكواكب السبعة ويتشخَّص بأشخاصها من غير تعدُّد في ذاته وقد يظهر أيضًا في الأشخاص الأرضيَّة الخيَّرة الفاضلة. وهي ما كان من المواليد وقد يتركَّب من صفو العناصر دون كدرها. واختصَّ بالمزاج القابل الظهور الربّ تعالى فيه إمّا ذاته وإمّا صفة من صفات ذاته على قدر استعداد مزاج ذلك الشخص. وزعموا أنَّ الله يتعالى عن خلق الشرور والقبائح والأشياء الخسيسة الدنيئة كالحشرات الأرضيَّة ونحوها بل هي واقعة ضرورة اتِّصالات الكواكب سعادةً ونحوسة واجتماعات العناصر صفوةً وكدورة. وزعموا أيضًا أنَّه على رأس ستَّة وثلاثين ألف سنة وأربعمائة وخمس وعشرين سنة يحدث روحانيّ على رأس الدور الآخر وكذا إلى ما لا يتناهى. وإنَّ الثواب والعقاب على أفعال الخير والشرّ كلّ دور واقع لكن في الدور الذي بعده في هذه الدار لا في غيرها.

والصابئة على اختلافهم في المبادئ متَّفقون على وجوب ثلاث صلوات لهم والاغتسال من الجنابة ومسِّ الميت وعلى تحريم لحم الخنزير والكلب والجزور وما له مخلبٌ من الطير والسكر. وأمروا بالنكاح بوليّ وشهود ونهوا عن الجمع بين امرأتين(11) وعن الطلاق إلاَّ بحكم حاكم شرعيّ. إلى كثير من الأحكام المشروعة في شرعنا هذا«. كلام سيف الدين الآمديّ.

وقد ذكر ابن خلدون هذه الفِرق بعبارة أخرى قال:

»إنَّ الصابئة هم القائلون بالهياكل والأرباب السماويَّة والأصنام الأرضيَّة وإنكار النبوءات وهم أصناف وبينهم وبين الحنفاء مناظرات وحروب مهلكة. وتولَّدت من مذاهبهم الحكمة الملطيَّة. ومنهم أصحاب الروحانيّات وهم عبّاد الكواكب وأصنامهم التي عُملت على تمثالها. أمّا الحُنفاء فهم القائلون بأنَّ الروحانيّات منها ما وجودها بالقوَّة ومنها ما وجودها بالفعل. فما هو بالقوَّة يحتاج إلى ما يوجده بالفعل ويقرُّون بنبوّة إبرهيم وأنَّه منهم وهم طوائف منها: الكاظمة أصحاب كاظم بن تارح. ومن قوله إنَّ الحقَّ بين شريعة إدريس وشريعة نوح وشريعة إبرهيم. ومنها: البيدانيَّة أصحاب بيدان الأصغر. ومن قولِه اعتقاد نبوَّة من يفهم عالم الروح وإنّ النبوَّة من أسرار الإلهيَّة. ومنها: القنطاريَّة أصحاب قنطار (والأصحّ قينانيَّة أصحاب قينان) بن أرفكشاد ويقرُّ بنبوَّة نوح. ومنها: أصحاب الهياكل ويرون الشمس إله كلِّ إله. والحرّانيَّة. ومن قولهم: المعبود واحدٌ بالذات وكثير بالأشخاص في رأي العيان وهي المدبِّرات السبع من الكواكب والأشخاص الأرضيَّة الخيِّرة العالمة الفاضلة«.

وبين أسماء هذه الفرق وأسماء الفرق التي ذكرها سيف الدين الآمديّ بونٌ بعيد بيِّن. غير أنَّ الفِرق التي ذكرها هذا العلاّمة الأخير هي أصحّ لأنَّها تنطبق على حقائق راهنة ومذاهب ذكرها أغلب المؤرّخين والعلماء.

 

2 - آراء نصرانيَّة

بقي الصابئة دهرًا طويلاً ذاهبين مذاهب الفلاسفة العظام، خابطين فيها ولا خبط عشواء في حالك الظلام، حتّى انتُضي نصل الصباح الإنجيليّ وبرز جبين المصباح الجليليّ. بعد أن سبقته تباشيره بقليل من الزمان، بشخص الوليّ الأعظم يوحنّا المعمدان، الذي نفذت كلمته في القوم. إذ لم يُرَ مثله إلى ذلك اليوم، لا بل وإنَّ السيِّد المسيح، طلب منه العماد بكلام جليّ فصيح. فرأى البعض في ذلك علوَّ منزلة الحصور، فوق منزلة المسيح الطاهر الطهور. وقد حاول الصابغ مرّات كثيرة، صدَّ تلامذته عن هذه الأوهام الكبيرة، فكأنَّه كان يضرب في حديد بارد، أو يوردهم شرَّ الموارد. فلجأ إلى وسيلة ظنَّ أنَّها تكون الضربة القاضية، وأنَّها تفعل فيهم فعل السيوف الماضية. وذلك أنَّه »أرسل اثنين من تلامذته يقولون له: أأنت الآتي أم ننتظر آخر« (مت 11: 3) وكما أنَّنا نعلم العلم اليقين أنَّ يوحنّا لم يشكَّ ساعة بألوهيَّة المسيح وببعثته لفداء العالم، لم تكن إذن الغاية من هذا الاستفسار والاستخبار إلاَّ تهذيب عقول تلامذته الذين لم تنجع فيهم أساليب الكلام فأراد بهذه الواسطة أن يُري لبعض من تلامذته الشاكّين المرتابين أنَّ أعمال المسيح التي يراها الشاهدان رأي العيان إنَّما هي آي لا يأتيها إلاَّ من كان نبيٌّا عظيم الشأن أو إلهًا حقيقيٌّا له ملء السلطان، على عناصر الأرض والأكوان. وإنَّنا لا نشكُّ في أنَّ كثيرين من هؤلاء التلامذة المُتتلمذين ليوحنّا المعمدان بقوا على عماهم وران على قلوبهم ما كانوا يكسبون وانضمُّوا بعد ذلك إلى بعض المتشدِّقين المتفلسفين الذين أرادوا أن يجمعوا بين مخترعات ومبتدعات مخيَّلتهم وبين التعاليم الصحيحة وانتحلوا لهم اسم »منداني دْيَهي« أي تبعة يحيي.

وذلك إنَّه لمّا صعد المسيح إلى السماء وأخذ رسله يبشِّرون بالإنجيل قام وقتئذٍ واحد ممَّن آمن بابن الله واعتمد على أيدي الرسل واسمه سيمون ينشر وباء تعاليم فاسدة لأنَّ الحواريّين لم يعطوه ذلك الذي ينال به الإنسان حلول الروح القدس على من توضع عليه أيدي المزوَّد بتلك القوَّة (راجع أعمال الرسل في الفصل الثامن) وكان من أمره أنَّه فيما بعد ذلك غدا رأسًا للشيعة الممقوتة التي سُمِّيت بعد زمان باسم »الأدريَّة« (gnostique). ثمَّ جاء بعده من حذا حذوه واقتفى أثره من مثل كربُكراس وباسيليد وفالنتين وساتُرنين الأنطاكيّ ومَيندر السامريّ. فطبَّقت مذاهبهم الشرق كلَّه واندفع وراءهم تلامذة يوحنّا الضالّون وأدخلوا في معتقدهم شيئًا كثيرًا من آراء الأدريّين وأقوالهم الدينيَّة وسُننهم وأحكامهم حتّى أصبحوا أدريّين حقيقيّين لا غير كما تشهد بذلك كتبهم الدينيَّة الحاليَّة. وكما ينطق بهذه الحقيقة الراهنة معنى اسمهم الحقيقيّ بلسانهم وهو »مندايا« الذي معناه: »أدريّون« كما سنثبته في موضعه فيما يلي. وهو أمر لم ينتبه إليه حتّى الساعة علماء الإفرنج وحكماء الشرق والكتبة عن الملل والنحل.

وإنَّما هؤلاء التلامذة وقعوا في مهواة هذه المغواة لأنَّ ذلك من نتيجة أصحاب الضلال فإنَّهم يتشبَّثون بكلِّ بدعةٍ جديدة طلبًا للحقِّ الذي يشعرون بخلوِّهم منه فتتعدَّد بينهم الأقاويل وتكثر فيهم الأضاليل ولا يمكنهم التثبُّت في صراط واحد لأنَّ مثل هذا هو من خواصِّ الحقيقة التي لا تكون إلاَّ واحدة ثابتة غير متزعزعة. ولهذا قام بينهم مُصلحون كثيرون وأئمَّة عديدون حتّى ازدادت بعد ذلك تلك الفرق ولم يكن من الممكن حصرها إذ كلُّ واحدة تدَّعي بالحقِّ والحقُّ بريءٌ منها.

هذا وكما أنَّ ديانة الأدريّين شيئًا كثيرًا من ديانة النصارى ظنَّ بعضهم أنَّهم فرقة منهم حتّى إنَّهم سمَّوهم بنصارى يوحنّا المعمدان (Chrétiens de St Jean-Baptiste) لكنَّ هذا خطأ وزلل لا بل خطل جلَل ركب متنَه الإفرنج ولم يقل به أحدٌ من أبناء الشرق إلاَّ باستنادهم على أقوال أبناء الغرب أو نقلاً عنهم. وهذه التسمية لا تليق بهم ولا تحسن ولا هم ينتحلونها لنفسهم لأنَّ »المسيحيّ« من آمن »بألوهيَّة المسيح لا بنبوَّته« والحال أنَّ المندائيّين لا يؤمنون لا بلاهوته ولا بنبوَّته أن استقرينا ديانتهم في كتبهم الدينيَّة. فكيف تجوَّز للبعض تسميتهم بالنصارى، اللهمَّ إلاَّ أن يُقال إنَّما سمّاهم البعض بالنصارى لأنَّ أصل الأدريّين من النصارى فيكون ذلك حينئذٍ من باب تسمية الشيء باسم ما كان عليه في أصله. قلنا: إنَّ هذا التأويل وإن كان جائزًا وجاريًا في الكلم اللغويَّة إلاَّ أنَّه لا يجوز في المصطلحات الدينيَّة إذ في مثل هذه الأمور يجب التدقيق التامّ والتحقيق الكامل. وإلاَّ اختلط الحابل بالنابل، ولم يُعرف العاقل من الجاهل، والمتديِّن بدين الحقِّ الصادع، من المتديِّن الكاذب المموَّه بالظواهر الخوادع.

هذا ونقف عند هذا الحدّ من الأطوار العظام، وهو الطور الأخير الذي انتهت إليه الصابئة في أُخريات الأيّام. وفي ما نوردُه بعد ذلك من الكلام، أمور تثبت ما أسلفناه من تعريف هذه الفرق أو هذه الأقسام، ومن الله توفيق إلى سواء سبيل المرام.