الصابئة مع بعض مترادفاتها

 

1- عودة إلى اللغة

إن سألنا العرب(*) ما معنى الصابئة، قالوا كلُّهم كلامًا مختلفًا في المبنى، مؤتلفًا في المعنى وأكثروا من التفاسير والتآويل. وفي كلِّ ما نصُّوا عليه ليس ما يروي الغليل، أو يشفي العليل. قال ابن القيِّم العلاّمة في كتابه إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان ما حرفه: »وأصل دين هؤلاء (أي الصابئة) فيما زعموا أنَّهم يأخذون محاسن ديانات العالم (ويقابلها بالفرنسيَّة بهذا المعنى éclectiques) ويُخرجون من قبيح ما هم عليه قولاً وعملاً. ولهذا سُمُّوا »صابئة« أي خارجين. فقد خرجوا عن تقييدهم بجملة كلِّ دين وتفصيله إلاَّ ما رأوه فيه من الحقّ. وكانت كفّار قريش تسمّي النبيّ (صلعم): (صابئًا) والصحابة: »الصبأة«. يُقال: صبأ الرجل بالهمز إذا خرج من شيء إلى شيء. وصبا يَصبو (كدعا يدعو) إذا مال. ومنه قوله: »وإلاَّ تصرف عنّي كيدَهنَّ أصْبُ إليهنّ« أي أمِل. والمهموز والمعتلّ يشتركان. فالمهموز: ميل عن الشيء، والمعتلّ: ميلٌ إليه. واسم الفاعل من المهموز: »صابئ« بوزن قارئ. ومن المعتلّ: »صابٍ« بوزن قاضٍ. وجمع الأوَّل: »صابئون« كقارئون. والثاني: »صابون« كقاضون. وقد قُرئ بهما«. وقال سيف الدين أبو الحسن الآمديّ في كتاب أبكار الأفكار ما حرفه: »والأشبه في تسمية هذه الطائفة »صابئة« لميلهم وانحرافهم عن سَنن الحقّ في نبوَّة الأنبياء واتِّخاذهم آلهةً غير الله تعالى، أخذًا من قول العرب: صبا الرجل: إذا مال وانحرف«. وقال في شفاء الغليل: »صابئ« بن لامك. علم أعجميّ وهو أخو نوح، إليه تُنسب الصابئة. قاله السهيليّ«. وقال في المصباح: »وصبأ من دين إلى دين يَصبأ مهموز بفتحتين خرج فهو صابئ. ثمَّ جُعل هذا اللقب علمًا على طائفة من الكفّار يقال إنَّها تعبد الكواكب في الباطن وتُنسب إلى النصرانيَّة في الظاهر. وهم الصابئة والصابئون. ويدَّعون أنَّهم على دين صابئ بن شيت بن آدم(12) ويجوز التخفيف فيقال: »الصابون« وقرأ به نافع.

هذا هو رأي العرب في اشتقاق لفظة الصابئة. أمّا الإفرنج فقد ذهبوا إلى غير هذا المذهب. قال نُربر في مقدِّمة كتاب المصحف الناصريّ(13) ما معرِّبه وقد نقل الكلام عن صاحب كتاب لغة الصابئة وديانتهم: ومن المرجَّح أنَّ كلمة »الصابئة« مشتقَّة على ما قاله العرب من صبغَ ([bc) أي »عمَّد وأدخل في الماء«. قلتُ: وهذا الاشتقاق ليس ببعيد فإنَّ ما كان بالغين المعجمة في العربيَّة فهو في سائر اللغات الساميَّة بالعين المهملة ولمّا كانت العين المهملة كثيرًا ما تُبدل من الهمزة وبالعكس كما بيَّناه غير مرَّة في المشرق كانت لفظة الصابئة بمعنى الصابغة من المحتمل. لكن يُرَدّ على هذا العلاّمة وعلى من حذا حذوه واتَّبع رأيه أنَّ لفظة الصابئة قديمة وسُنَّة الصبغ مقتبسة من النصرانيَّة وهي لم تكن عندهم في الأطوار الثلاثة الأولى وعليه فهذا الاشتقاق غير صحيح وبالتالي غير مقبول. والرأي الآخر هو الذي ذكره المقتطف (23: 87) بما حرفه: »وذهب نولدكي إلى أنَّها مشتقَّة من »صبَّ« الماء إشارة إلى اعتمادهم بالماء لأنَّهم يعتمدون كالنصارى«. قلنا: ويُرَدّ على نولدكي (إن كان هذا هو رأيه بالحقيقة) نفس ما رددناهُ على نُربر. وقد ذكر المقتطف في نفس تلك الصفحة رأيًا آخر قبل رأي نولدكي. قال: »وذهب جَسَنيوس العالم اللغويّ الألمانيّ أنَّ كلمة صابئين مشتقَّة من صبأوت العبرانيَّة أي جند السماء دلالة على أنَّهم يعبدون الكواكب«. وهو رأي مُحتمل لأنَّه يُخرَّج على الرأي الآتي وهو:

إنَّ الصابئة عندي مشتقَّة من »صَبَأ« لفظة قديمة من عهد أن كانت اللغات الساميَّة لغة واحدة أو لغة مختلطة ومشتركة بين عامَّة الساميّين ومُصحَّفة عن »ضوَأ« التي قلبها العرب في إصلاحهم للغتهم إلى كلمة »ضاء« ولا جرم أنَّه وُجد زمان قبل الزمان الذي دُوِّنت فيه اللغة وقواعدها بقرون كثيرة أمور لغويَّة »عربيَّة« تقرِّبها من سائر أخواتها الساميَّة وهي اليوم قد فُقدت أو قد أُميتت أو قد انقرضت أو قد عَفَت آثارها ولم يبقَ منها إلاَّ غيضٌ من فيض أو قيضٌ من بيض. ولفظة الصابئة(14) هي من هذا القبيل فمعنى عبادة الصابئة إذن: عبادة الضائية أي الأجرام المضيئة وهي عبادة الكواكب والأجرام السماويَّة. ومثل ضاء: صبأ. ومثل أضاء: أصبأ. وسائر المعاني العربيَّة المتفرِّعة مأخوذة من نُشوء الضياء. فتأمَّل.

والصابئة إذا تكلَّموا بالعربيَّة يُسمُّون نفوسهم »صابئة« ويُحرِّفون اللفظة ويُصحِّفونها فيقولون: »صُبَّة« والواحد منهم: »صُبّي أو يُسمُّون نفوسهم »يحياويَّة« والواحد منهم »يحياويّ« نسبة إلى يحيي أي يوحنّا الحصور لاعتقادهم أنَّهم متمسِّكون بطريقة يحيي وهي بريئة منهم. أمّا إذا تكلَّموا بلسانهم الصابئ فيسمّون نفوسهم: »مَنْدايا« والواحد منهم »مَندايي« ومن ذلك تعريب اسمهم بهمزةٍ بدلاً من الياء الأولى جريًا على الطريقة العربيَّة.

وإذ قد فهمنا معنى اللفظتين الأوَّليين بقي علينا أن نفهم معنى »مَندايا« فإذا سألنا حضرة الشيخ ابرهيم اليازجيّ فإنَّه لا يتوقَّف من أن يقول إنَّ معناها كما ذكرها حضرة الفاضل نيقولا السيوفيّ: »أي الأقدمون«. كذا. (راجع البيان، ص 69). أمّا المقتطف فقد نقل في (الجزء 23: 89) عن القسّ صموئيل زويمر (S. M. Swemer) البروتستانيّ رأيًا آخر قال: »ومن روح المجد(15) انبثق الأردنّ العظيم(16) ثمَّ خُلقت الحياة القديمة(17) وهي معبودهم الحقيقيّ(18) وإليه يُصلُّون وإليه يُنسبون وقد صدر منه »مندا حياة« أي رسول الحياة(19) وهو وسيطهم. وكلُّ الذين يقبلون وساطته هم المندأون«. (كذا).

وإذا سألنا غير من تقدَّم ذكرهم من المؤلّفين عن معنى كلمة »مَندايا« يجيبنا كلٌّ منهم جوابًا غير جواب الآخر. أمّا الحقيقة فهي أنَّ لفظة »مندايا« مشتقَّة من فعل بلغتهم وهو ؟؟؟ ويُقابله بالآراميَّة ؟؟؟ ومعناه علِم ودرى وعرف وفهِم. واسم الفاعل منها ؟؟؟؟ ثمَّ أُقحمت النون بين الميم والدال (وهم كثيرًا ما يفعلون مثل هذا) فصارت .؟؟؟؟؟ ولمّا كان حرف العين غير موجود بالصابئيَّة فهم إمَّا يبدلونها بحرف من أحرف العلَّة أو يحذفونها اعتباطًا بدون إبدال وعليه قالوا ؟؟؟؟ (مندا) وحاصل معنــاها: عــارف أو دارٍ. وبلفظــــة أُخرى »أدريّ« (gnostique). وهذا يدلُّك على أنَّ المندائيَّة ليسوا إلاَّ أدريّين أو فرقة من الأدريّين. وينقل الصابئة معنى لفظة »مَندا« من معنى الموصوفيَّة إلى معنى الوصفيَّة مطلقًا فيكون معناها أيضًا »الدراية والعلم والمعرفة« وبالفرنسيَّة »gnose« ومن ذلك روحانيّهم المعروف باسم »مَنْدا دْهيي« أي معرفة أو دراية الحياة (la gnose de la vie).

ولك وجهٌ ثانٍ بعده: »صرَّحت بجلذان« وهو أنَّ لفظة »المَندايا« المنسوبة إلى »مَندا« مشتقَّة من فعل ؟؟؟ ومعناه: فقير وصعلوك وخشن المعيشة. فتكون هذه اللفظة نقل معنى »أبيونيّ« ébionite المشتقَّة من أصل عبريّ ؟؟؟؟؟ بمعنى مَندايا. وحينئذٍ يرجع بك المعنى إلى أنَّ المندائيَّة هم أدريَّة لأنَّ الأبيونيّين هم فرقة من أولئك أصلحها أبيون. ثمَّ جاء بعده آخرون فتسمَّت فرقهم المختلفة بأسماء مبدعيها ومن عداد هذه الفرَق الفرقة المنسوبة إلى »أدَا«.

ولك وجهٌ ثالث للتأويل وهو أنَّ »أدا« Ada كان من الذين أدخلوا آراء جديدة في الصابئيَّة وكان يعيش فقيرًا صعلوكًا كأبيون فصحَّف أصحابه لفظة »أدا« وجعلوها يدا (؟؟؟) فاشتقّوا منها اسم فاعل وقالوا »مَنْدايا«. ولمّا كان هذا من الأدريّين كان تابعوه شيعةً من هذه الفرقة. والخلاصة أنَّك كيفما تصرَّفت بتأويل هذه اللفظة توصلك إلى نتيجة واحدة أيّ أنَّهم من الأدريّين وأنَّهم قد انخرطوا في سلكهم بدون أن يتركوا عبادة الكواكب التي هي جوهر الصابئيَّة وقوام معتقدها في سابق الزمان وحاضره.

 

2- اسم الصابئة

وللصابئة(*) اسم آخر وهو »نَصورايا« قال المقتطف عن معناها (23: 9): أمّا اسمهم نصوراتي (كذا. والأصحّ نصورايي أو نصوراني أو ناصورايا على سبيل الحكاية) فتحريف كلمة نصارى أو نساطرة (كذا) نسبةً إلى طائفة النساطرة التي كانت في سورية منذ عهد طويل«. وعندنا إنَّها مشتقَّة من فعل: »؟؟؟« ومعناه في لغتهم: »رنَّم ورتَّل لله وسبَّحه ومجَّده« وذلك لأنَّ الصابئة يُكثرون في النهار الواحد من نوع من الاصطباغ يسمُّونه بلسانهم »الرَّشم« ويقابلُه عند العرب »الوضوء« وهو الاغتسال عند حدوث جنابةً أيٌّا كانت. وكما أنَّ هذا الرشم لا يتمَّ إلاَّ بتلاوة الصلوات فعليه أصبح معنى »نصورايا« المُصلّون والمسبِّحون والممجِّدون ونحو ذلك. ثمَّ توسَّعوا فيها فأصبح معناها اليوم: »الصالح« مطلقًا من كلِّ ملَّةٍ ونحلة. وإذا أرادوا أن يقولوا: »هذا رجلٌ صالح« عبَّروا بلسانهم على هذا الوجه »ها زِين كَورْا ناصورايا« غير أنَّهم في أغلب الأحايين يحصرون معنى هذه اللفظة بطائفة خدَمة الدين أو الإكليروس. أو كما يقول العرب »العلماء« وسبب تقييدهم لهذا المعنى هو أنَّ خدمَة الدين عندهم يصلُّون أكثر بكثير عن عامَّتهم فحُقَّ لهم هذا الاسم.

ومن هذا كلِّه نستنتج أنَّ الذين يقولون إنَّ »النصورايا« هو اسم يُطلق على جميع المندائيّين »حالاً أو في هذه الأيّام« هم في وَهم ظاهر، بخلاف ما لو قالوا إنَّ ذلك هو اسمهم عند الأقدمين فحينئذٍ لا لوم عليهم ولا تثريب ولا هم يحزنون عند التحقيق والتنقيب. ومن أسمائهم القديمة ما ذكرها العلاّمة المؤرِّخ ثيودور برخوني صاحب كتاب الإسكوليون. وإليك معرَّب كلامه قال: »واسمهم (أي اسم أتباع آدا وهم المندائيّون كما رأيت) في ميسان (قلتُ: ميسان كورة معروفة من كُوَر دجلة بسواد العراق بين البصرة وواسط. عن التاج) المندائيّون والمَشكَنيّون (هذه اللفظة الأخيرة منسوبة إلى المشكنة وهي بلسانهم الفصيح الكنيسة والبيعة والمُصلّى. أمّا بلغتهم العامِّيَّة فتسمّى البيعة »مَندي«) أصحاب من يأتي القُرُبات. واسمهم في بيت أرمايي (أي في سواد العراق) ناصورايي أصحاب دُستائي. أمّا الاسم الذي يليق بهم فهو الآدَويُّون. وقد أخذوا مذهبهم عن المرقيونيّين والمانويّين والكنتيّين(20).

 

3- ذكر الصابئة في التأريخ

لا نرى للصابئة ذكرًا صريحًا في كتاب الله. وكلُّ مرَّة أراد التنزيل أن يذكرهم نوَّه بعبادتهم. قال عزَّ من قائل من تثنية الاشتراع يُذكِّر إسرائيل بحفظ العهد ويزحزحه عن عبادة الأوثان ثمَّ ينحِّيه بعد ذلك عن الصابئة أو عبادة النيِّرات ما نصُّه: »... وكيلا ترفع طرفك إلى السماء فتنظر الشمس والقمر والكواكب فتجتذب وتسجد لها وتعبدها« (التثنية 4: 19) ويقرب من لفظ الصابئين حرف »السبَئيّين« في أصل الاشتقاق إلاَّ أنَّ هؤلاء قومٌ آخرون وقد جاء ذكرهم في نبوَّة إشعيا (43: 3 ثمَّ 45: 14) وفي الزبور (52: 10) إلخ(21).

أمّا القرآن فقد ذكر الصابئة ذكرًا صريحًا، من ذلك ما جاء في سورة البقرة: »إنَّ الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين مَن آمن بالله واليوم الآخِر وعمل صالحًا فلهم أجرُهم عند الله ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون«. وما جاء في سورة الحجّ: »إنَّ الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا، إنَّ الله يفصل بينهم يوم القيامة. إنَّ الله على كلِّ شيء شهيد«. وما جاء في سورة المائدة: »إنَّ الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحًا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون«.

وسائل يسألنا هنا: هل الصابئون الذين ذكرهم القرآن في عداد أهل الكتاب هم نفس الصابئين الذين يدور الكلام عليهم في هذه النبذة؟ قلنا: قد أنكر قومٌ كون الصابئة الحاليّين هم نفس صابئة القرآن غير أنَّ نكيرهم لا يقوم على ساقٍ صحيحة. أمّا كونهم هم بعينهم، فلنا على ذلك شواهد كثيرة منها: 1 شهادة الصابئة نفوسهم. 2 إنَّ العلماء المشهورين الذين نبغوا بين الصابئة في عصر العبّاسيّين الزاهر مذكورة أساميهم عندهم ويعظِّمونهم ويؤكِّدون أنَّهم من نحلتهم. 3 إنَّ القرآن صرَّح بكونهم من أهل الكتاب وكتابهم هذا هو المسمّى: »كِنزا ربَّا« أو »سدرا دْآدم« أي الكتاب العظيم أو سِفر آدم أو صُحُف آدم لأنَّهم يزعمون أنَّ الله أنزله على صدر آدم. 4 إنَّ هذا السفر وإن كان قد زيد عليه زيادات بعد القرن السابع للمسيح إلاَّ أنَّ معظمه من القرن الثاني والثالث للمسيح لأدلَّة لا محلَّ لذكرها هنا. وعليه فلمّا ظهر الاسلام كان سفر آدم بين أيدي أصحابه. ولكونهم يدَّعون بأنه أُنزل على آدم اعتبرهم صاحب الشريعة الإسلاميَّة من أهل الكتاب. 5 يشهد على هذه الحقيقة الناصعة أهل التفسير. ولكي لا نطيل الكلام على غير جدوى نستشهد بإمام المفسِّرين وشيخهم. قال في الكشّاف في تفسير آية سورة البقرة: »والصابئين وهو من صَبأ إذا خرج من الدين وهم قومٌ عدلوا عن دين اليهوديَّة والنصرانيَّة وعبدوا الملائكة«. ففي قوله »عبدوا الملائكة« إشارة إلى تعظيمهم الروحانيّين الذين عندهم بمنزلة الملائكة. وكثيرًا ما يسمُّونهم بالملائكة أيضًا إلى يومنا هذا. وقال في تفسير آية سورة الحجّ: »جُعل الصابئون مع النصارى لأنَّهم نوع منهم«. وقد أشار المفسِّر بذلك إلى أنَّ الصابئة فرقة من النصارى قائمة بذاتها على ما مرَّ بك أنَّهم قد أدخلوا في معتقدهم شيئًا كثيرًا من مذهب الأدريّين الذين كانوا بدعة هالكة من النصارى. وأمّا ذكر الصابئة في سائر كُتب المؤرِّخين القدماء فهي كثيرة. وراجع بهذا الصدد اسطرابون (Strabo XVI, p. 768) وديودور (Diod., p. 3, 38, 46) وبلين (Plin, p. 6, 32).

 

4- معتقد الصابئة

لا يمكننا أن نأتي بذكر معتقد هذه النحلة بدون أن نذكر تمهيدًا لها فذلكةٌ عن معتقد الأدريّين الذين أخذ عنهم الصابئة كثيرًا من آرائهم. فنقول:

تمتاز الأدريَّة بضلالين عظيمين هما بمنزلة ساقين يقف عليهما مذهبهم. فالضلال الأوَّل: الثنويَّة أي القول بوجود كائنين أزليّين متواجهين متضادَّين وهما صاحب الخير أو النور وصاحب الشرّ أو الظلمة. والضلال الثاني: الصدور وهو عبارة عن نشوء أحد هذين الكائنين أو كليهما على طريقة ينمو أو ينموان فيها نموَّا يترادف فيها الكائن بعد الكائن على آسال من أبيه وهاته الكائنات تُعرف باسم »الرُوحانيّين« (éons) وكلَّ مرَّة يُدرِك الكائن الأوَّل الإلهيّ نفسه بمعنى جديد كمفكِّر ومتكلِّم وحيّ أو كحكيم وعادلٍ ومنزَّهٍ وخالد وقدير إلخ ينقلب ذلك الفعل الإلهيّ هُوِّيَّة جديدة هي »الروحانيّ«. وعلى رأي الأدريّين أنَّ الروحانيّ الذي أُرسل لتنظيم الهيولى المتنسِّمة هو من الروحانيّين الخاضعين لمن هم أعلى منهم واسمه عندهم »العامل« (démiurge). وهو على رأي فريق منهم مُعادٍ أبدًا للكائن الأعلى. فلمّا رأى تعالى ما حلَّ بالعالم من الانقسام والتجزُّء وَكَل إدارتَه إلى الرُزاة ثمَّ إلى آخري الروحانيّين ممَّن هم قريبون من المادَّة الرديئة والمتنسِّمة فنالوا مُلك العالم مكافأة عن دأبهم. أمّا تدبير العالم فكــان نصيـب »الحكمة« (sophie) وهي روحانيَّة أنثى من الطبقة الأولى وآخِر ثلاثين الروحانيّ الذين شغلوا »ملء الوجود (Plérome) ما عدا أربعة منهم يُعرفون باسم »القليبة« (Coelibes) وهم: الحدّ (Horos) وروح القدس والمسيح ويسوع. وكانت »الحكمة« منافسةً للمعبود الأعلى ومن شدَّة غيرتها ولدت ابنة اسمها »حكموت« (أي الحِكَم) وهذه الابنة وقعت على الهيولى فولدت منها ابنًا اسمه »العامل« وهو الذي خلق العالم بأسره إن كان هذا العالم عُلويٌّا وسماءً المُتَّخذَين من المادَّة اللطيفة، وإن كان عالمًا سفليٌّا وأرضًا المتَّخذَين من المادَّة الخشنة. وإن كان الإنسان الذي هو مركَّب من المادَّتين اللطيفة والخشنة. وبعد هذا العمل ادَّعى »العامل« لنفسه الإكرام الإلهيّ. ولهذا بُعِث المسيح رئيس الروحانيّين في نيَّة أن يحارب »العامل« فجاء بصورة يهوديّ صالح كان قد بلغ من التقى الغاية القصوى وكان يُعرف باسم يسوع لكن ترك بعد ذلك شخصيَّة هذا اليهوديّ الصالح وصعد إلى السماء لأنَّ »العامل« كان قد أثار الناس عليه ليصلبوه. (انتهى ملخَّصًا عن ررُباكر في كتابه تاريخ الكنيسة وفَلَّر ونوربر).

أمّا مذهب الصابئة في هذا اليوم فيقرب كثيرًا من هذا المذهب. وإليك ملخَّص ما قرأناه في كتبهم الدينيَّة ثمَّ تثبَّتناه من لسان شيوخهم: أوَّل كائن وُجد من نفسِه هو »مَلكا دَنهُورا« أي ملك (ملاك) النور(22). وليس من موجود أعظم منه ولا من كائن سبقه في الوجود. وهو من الروحانيّين الذكور. وحالما وُجد وُجد معه أيضًا »سيمات هيّي« أي خزانة الحياة. وهي من الروحانيّين الإناث ومن أعظمهنَّ شرفًا وقدرًا. و»لمِلكا دَنْهُورا« أسماء وألقاب شتّى. منها »هيّي قدمايي« أي الحياة الأولى وهو الذي خلق عدَّة مساكن للروحانيّين فجعل 444 منها عن يمينه و366 عن يساره. ولم يعيِّن لكلِّ مسكن من هذه المساكن ألفًا وثمانمائة ألف ألف من الروحانيّين فقط بل أقام عليهم حارسَين عظيمين يرأسانهم. »وهيي قَدمايي« هو الذي عمَّد في نهر الحياة (أرَدْنا ميّا هيّا) رسول الحياة »هيفل زيوا« وأخويه »شيتل وأنوش« ومعنى هذا التعميد أنَّه كشف لهم اسم الحياة الأولى (هيّي قدمايي).

ومَلْكا دَنهورا يسكن عالمًا نورانيٌّا يسمُّونه »آلما دَنْهُورا«. ولمّا أراد الخلقَ صات صوتًا فوُجد للحال »مَلكا مارا دْرَبوثا ألَيثا« (أي الملك صاحب العظمة العليَّة) ثمَّ صاح صيحة ثانية فوُجد »مَندا دْهيّي« أي معرفة الحياة أو رسول الحياة. وهذا نوَّه »بهِيفل زُيوا وشيتل وأنّوش أثْرا ويُوشا من دخيا وشُبّا ربّا وأواثر راما«. إلخ إلخ. والخلاصة أنَّ الولادة في الروحانيّين هي على طريقة النداء والدعاء. وكلُّ روحانيّ يريد خلق روحانيّ آخر يُناديه فيُخلق. وحينئذٍ يُعتبر بمنزلة ابن لمن ناداه. والروحانيّون عديدون لا يكاد يُحصى عددهم. ويُقسمون إلى مراتب مختلفة يُطلق عليهم اسم واحد وهو »آلمي دَنهورا« أو »إبني دَنهورا« أي خَلْق النور أو أبناء النور. وقد جاء في »الكنزَ ربّا« ما معناه: خلقُ النور خلقٌ في منتهى الكمال الذي يمكن لمثل هذا الخلق أن يكون فيه وهو منتشر في الرقيع والمساكن والأنهار والأشجار. ومنه: »المتسامون (هم جنس من الروحانيّين يُسمّون بلسانهم أُثْري) والملوك (مَلكي) وفي جميعهم الضياء والنور والجمال والبهاء. ومن طبقات الروحانيّين: الطيور (بيري) والأنواع (مَاني) وذوو الجلالة (إشخيناتي) والأبواب (تِيري) والعظماء (رُورباني) والملائكة (ملاكي) والمساكن (مشكني) والأنهار (يَردْني) والجداول (أرهاطي) إلخ إلخ. ومن هذا كلِّه ترى أنَّهم ليسوا متساوين بل البعض أعظم قدرًا من البعض الآخَر وأرفع جاهًا ودرجةً بحسب قدمهم ومرتبتهم التي يرجعون إليها. عليه فأقسام الروحانيّين عندهم تُشبهُ أقسام الملائكة عند النصارى من قوّات وعظمات وكراسي وكروبيّين وسروفيّين وملائكة ورؤساء ملائكة إلخ. ولكلِّ روحانيّ من هذا المراتب وظيفة خصوصيَّة يقوم بها صاحبها. وهم كلُّهم بمنزلة الوزراء والخدمة لِمَلكا دَنهورا يعظِّمونه ويسبِّحونه ويمجِّدونه. ومن ذلك ترى أنَّه بمنزلة الإله الأعظم عندنا نحن النصارى.

ومن معتقد(*) الصابئة أنَّ »مانا« هو نفس العالم، وأنَّ هذه النفس بكونها بشريَّة لا تُرى، وبكونها نفسَ العالم تُرى على حدِّ ما تُرى الشمس في البحر. وهذه النفس لم تكن متوانية ولا عاجزة ولذا غدت أُمٌّا لألوهيَّتها على طبق ما تلد النار نورَها. وهذه الألوهة واسمها عندهم: »بيري« (أي الطائر الأعظم أو الفقنَّس) لا متبدِّلة ولا فانية. ثمَّ كأنَّها وضعت بيضةً في مأواها النيِّر (واسمه عندهم: آيَر، وهو الملءُ الإلهيّ Plérome) فجاءت عنها موجودات شبيهةٌ بها أزليَّة مثلها واسمها كاسمها أي »بيري« وأوَّل موجود وُجد من زلال (لا من محّ) هذه البيضة كان »مانا مَلْكا دَنْهورا« ثمَّ صدر عنها أنواع أخرى من الـ»مانا« الواحد من الواحد والشيء بعد الشيء. ثمَّ وُجدت النار الآكلة والنور والماء الحيّ والحياة نفسها. ثمَّ إنَّ هذه الحياة التي وُجدت آخر الكلّ كانت ثلاثيَّة. وكلُّ حياة منها تفوق صاحبتها قدرًا ومنزلةً بحسب دنوِّها من مصدرها. ف»هَيّي قدمايي« أو الحياة الأولى (وإن شئتَ فقلْ الحياة الأوَّل. لأنَّ مدلولها مذكَّر) هي ثابتة وغير متزعزعة وشبيهة بالإلهيَّة العظمى. وابنتها وهي: »هيي ثنياني« أي الحياة الثانية ويُقال لها أيضًا »يوشامَنْ دَخيا« فإنَّها لا تخلو من عيب ورذيلة لأنَّها طامحة البصر إلى التسلُّط. وابنتها وهي »هيَي ثلثايي« أي الحياة الثالثة ويقال لها أيضًا »أواثَر« فإنَّها غبيَّة وجريئة. ولذا دفعتها رغبتها إلى مشارفة أعماق »ميّا أسيافي« أي الماء الأزرق ويُراد به أيضًا الماء الأسود(23) فرأت فيها صورتها. وهذه الصورة انقلبت صورة ابنها مع أنَّ ذلك المثال لم يكن إلاَّ من الظواهر الخادعة الكاذبة. ووُلد بعد ذلك »بْتاهيل« وكان مكّارًا جبّارًا إذ يُروى عنه أنَّه خلَّص السيّال الذي وُجد فيه من ناره السرِّيَّة حتّى غدا صَلبًا. وهو أيضًا أبو البشر وخالقهم. لكنَّه لم يُعطَ قوَّة يتمكَّن بها من إيداع الجسد الذي يخلقه نفسًا (نِشِمْتا) تُحييه. أمّا الذي نفخها فيه فهو »مَلكا دنهورا« وهو الذي أقام أيضًا تلك النفس سيِّدةً على العالم المخلوق. وهذا التصرُّف أثار الحسد في صدور مدبِّري النجوم فانقضُّوا انقضاض الصاعقة على الأرض وأذّوا النفس شرَّ أذيَّة. ولم تقع هذه الأمور كلُّها جمعاء إلاَّ بعد أن عُيِّن لها ما يُضادُّها ممّا هو خير منها ثمَّ إنَّ السماء احتجبت بسماحٍ من »أواثَر« بحجاب الظلام الخارج من الجحيم بعد أن كانت رائقة متلألئةً حينما خرجت من يد »جبرائيل« أقدم الروحانيّين. وبعد ذلك استشاط »أواثر« غضبًا وعاقب الجانين عن بكرة أبيهم فحكم على »بْتاهيل« أن يبقى مصفَّدًا بالسلاسل إلى نهاية العالم. وحكم على مدبِّري النجوم أن تؤذيهم النار عوضًا من أن يُشعُّوا نورًا. ثمَّ بُعث »هيفل زيوا« والفضل في ذلك راجع إلى جبرائيل. فكان رسولَ الحياة. ولمّا لم تكن قوَّته أدنى من قوَّة سائر الروحانيّين أعاد إلى العالم الأرضيّ بهاءَه ورونقه وقوّى روح الإنسان الأوَّل وروح حامَّته ليقاوموا كلَّ المقاومة من يكيد لهم المكايد ويقتل منهم في الذروة والغارب.