البِداء

 

على منوال المنظور الإسلامي، فقد قالت بعض المذاهب البداء وأنكرته مذاهب أخرى. فمن قال به جهر هو المذهب الجعفري ومن أنكره أو حقيقة قال به ضمر، هو بقية المذاهب الإسلامية.
فهل هناك بداء أم لا؟!
والبداء، تعريفا، هو أن الرب يرى رأيا وينفذه ويضع له ناموسا، ثم يغيره، أو يعدله أو حتى يلغيه،  نتيجة لمستجدات ظرفية، فيضع ناموسا جديدا وهكذا. 
ولو يسطنا هذا التعريف فبالقول أن الله سبحانه لم يخلق نواميس الكون وأقداره وطبائعه مرة وأغلق عليها القرار، بل خضع خلقه للتجربة الزمنية. ولم يقر شيئا ويدخله منظومة الجبر الناموسي إلا بعد أن تثبت جدواه. كما يمكن أن يغير مصير مخلوقه مرة، وربما مرات، في الدنيا والآخرة. فإن إتفقنا على هذا، فقد أنقصنا من قدرة الله سبحانه، وإتهمناه بعدم معرفة نتائج خلقه مقدما. 
فكيف الحل؟!
لاحل! 
هي هكذا، فالمعلوم الذي لا يختلف عليه أحد أن الكون خلق بالتدريج. فكان القرار الأول هو لحظة التخليق الأولى، ثم تلاه قرار تكوين الكواكب، ثم قرار تكوين المخلوقات العليا والدنيا، ثم قرار بناء الجنة ثم قرار صنع الإنسان، ومن ثم القرار بتعليمه الصنائع بواسطة اونس. وكل قرار تسبقه مشروطيتان: مراجعة ما تم سابقا بحيث تقول التوراة: (( ولاحظ الرب أن حسن )) (تك1) ثم مشروطية الحاجة إلى خلق الشيء الجديد. والوقائع تشير إلى تدرج مراحل الخلق وتشير إلى القول الصريح أن الله لا يخلق شيئا في المرحلة اللاحقة ما لم يرى أن ما خلقه سابقا حسن. والوقائع تشير طرد الإنسان من الجنة بعد غضب من الله عليه وليس بقرار مسبق، وثشير إلى طرد إبليس ثم تصحر الجنة ثم تشير إلى تدرج بعوث الرسل والأنبياء. ولو لم تكن الحال متدرجة لإكتفى الله برسول واحد أو لإكتفى ببرمجتنا على كل شيء ولا حاجة بنا لنبي ولا رسول ولا مخلص. 
وهو ما يعني أن لا شيء مقرر سلفا، على الأقل في النقلات الكبرى، كالتخليق الأول وصنع الإنسان وإنزاله وظهور اونس. وإنما هي التجريبية في الخلق، بحيث لا تمنح صفة الديمومة لشيء ما لم يثبت نفسه وما لم يثبت أنه يدخل ضمن السلسة النمطية الكبرى للكون، أو للشكل الذي رآه الرب مناسبا للكون. 
ومشروطية التكوين وتجريبيته لا تعني إلا شيئا واحدا وهو جدلية منظومة التكوين وبداء السلوك الألهي. وهو إتهام للرب بعدم المعرفة المسبقة لصنعه. 
لكنها هكذا وكانت هكذا أي جعلت تدرجا، وعلى المتخوف أو المفترض أن البداء ينقص من قدرة الرب، على هكذا باحث أن يتجرأ ويجد تفسيرا من خياله ينقذ به ماء وجه ربه (وأستغفر الله من الشطط، إنما هي لغة المحاججة) فينكر التدرج ويقول بما ليس له به علم، كالإدعاء ب أن كل شيء مقرر سلفا ومكتوب في الألواح لكنه ربما ينزل تنجيما (بالتدريج) وما إلى ذلك من حجج.
والبداء حقيقة واحد من أشد عوامل الإنشقاق في عالم اللاهوت. عامل إنشق بموجبه المؤمنون بين معتنق لمسلمة الجبر والتسيير المطلق، وبين معتنق للخيار ولو النسبي في ناموس الكون. أو ما بين معتنق بأن الحال الجارية قدر ومحاولة تغييرها هي تغيير ممنوع للقدر، ومعتنق بأن الحال الجارية إحتمالات يمكن تغييرها بأسباب، وسبحان من قال (( وجعلنا لكل شيء سببا )). وهذا الخلاف بحد ذاته فتح باب المنطق(*) على مصراعيه عند بعض الطوائف الإسلامية بينما أغلقه عند بعضها الآخر. 
وإذ نراجع منظورات الخلق حسب تسلسلها الزمني التصاعدي في: القرآن، الإنجيل، التوراة، زكرابا، التكوين الآشوري، التكوين الأكدي، التكوين السومري، نجدها جميعا وبلا إستثناء تقول بالبداء ضمرا وجهرا. 
فمن دلائل القول المضمر بالبداء ما يلي: 
- إدعاء جميع الديانات أن الإيمان يورث الثواب والجحود يورث العقاب. وهنا فمصير الإنسان في الآخرة لم يكن محكوما بقرار جبري مسبق بل بسلوكه خلال حياته. وسلوكه قابل للتغيير عبر الدراسة والوعظ والإطلاع وما يتعلمه من بيئته وبيته.
- وجميع الديانات وبلا إستثناء جعلت من الأدعية والصلوات ركنا خاصا بلاه ينتقص من إيمان المعتنق. وهذه الأدعية والصلوات لا تشتمل على تمجيد الخالق أو الرب إلا في جزء منها، وجزؤها الأعظم هو دعاء لنيل مراد أو دفع بلاء. وهنا أيضا فالحال الجاري ليست قدرا وإنما يمكن تغييرها بصلوات ودعاء. 
- ولا يختلف دين من الأديان أيضا بإمكانية الشفاعة يوم الحساب. والشفاعة لغة هي التوسط عن مذنب محكوم لتخفيف أو إلغاء عقابه. والشفاعة دينا، تتم عند السراط أي يوم الحساب. أي يوم يكون المرء قد مات وشبع موتا وليس بمقدوره التوبة وتصليح خطأه. أي حتى من كان قدره أن مات على الكفر فالدخول إلى النار، فله حظ بالعفو، وتغيير هذا القدر والإشتمال بالجنة وربما بأحسن مواقعا. وأي فلسفة تعتبر الشفاعة مقدرة بأمر رباني مسبق تخطأ، لأنه لا معنى للشفاعة إذا كانت مقدرة سلفا. والمقدر سلفا هو ضمن القدر ولا داعي لزيادة إسماء القدر وتوصيفاته. 
- إن صفات الرب جميعها تقريبا تدخل ضمن الإعتراف المضمر بالبداء. مثل هذه الصفات: رؤوف، رحيم، تواب،،الخ، تلك الصفات التي لو أنكرت على الرب سبحانه، لأنقصت من قدرته. وهو لن يرأف (أو يتوب أو يرحم) إلا بعبد جحد بإختياره، وليس بما هو مقدر عليه. 
والمنظور الفلسفي الوحيد الذي لا يقول ضمرا بالبداء هو المنظور الماركسي، حيث ينكر الدعاء والصلاة وما إلى ذلك من ضامنات الثواب. لكن المنظور الماركسي هو أول وأشد من قال جهرا بالبداء. لأنه منظور مبني على التطور المادي والتاريخي، أي التغيير المضطرد (المرحلية) في التخليق الكوني نتيجة لمستجدات ظرفية كقوانين الجدل ومسلمات السبيية والصدف،،الخ. وهو بهذا يتفق مع جميع المنظورات الأخرى، وتحديدا مع القول بأن الخلق تم على مراحل، وهي الكلمة التي تكني عنها الديانات بالإيام. ونحن لانزال نتحدّث عن المفهوم المرحلي بالأيام. على سبيل المثال القول: (( الدنيا يومان يوم لك ويوم عليك )) والقول (( ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا )) وأن (( إنّ يوم الرب مقداره ألف سنة )). وواضح أن ألف سنة هي مرحلة. والمرحلية إذا في جوهر التخليق الكوني. أي تتفق جميع المنظورات الفلسفية المعروفة جهرا بالبداء في التكوين. 
ومن المسلمات التي أعتبرها ضمن القول جهرا بالبداء وتتفق عليها جميع الفلسفات، بما فيها الماركسية، هي:
- إن السرمد (الزمكان) كله مفتوح أمام الرب، كما يفترض، ومن هنا فهو لابد ويرى كل شيء عينا أو رمزا. ولو شاء لقال (( كن! )) مرة واحدة، فينشأ الكون ونواميسه، بلحظة أقل من لمح البصر وليس في ستة أيام لا نعلم طولها. والمفروض أنه يعلم مقدما طبيعة خلقه ويدري أنه حسن ولا يحتاج لمشاهدة فيرى أنه حسن. أي إن خلق اليوم التالي تفرضه السببية. وجل شأنه عن أن يتعب بعد مجرّد قول (كن) ليحتاج لراحة يوم سابع! وهنا فالسببية هي ضمن ديدن التكوين، وهي من البداء وهنا أيضا فجميع الفلسفات تقول بالسببية، أي تعترف جهرا باليداء.
- جميع الديانات تعترف بالقول الوارد عنه سبحانه: (( إدعني أستجب! )) وتورده بهذا الشكل أو ذاك. وهو قول صريح لا يقبل التظنين بأن الرب يرى الحال ولا يتدخل لتغييره بلا إستجارة من للمضنوك ذاته. وهنا فشرط تغيير القدر المعد مرهون بسلوك المضنوك وليس بقرارٍ مسبق جبري لا يُخترق. والشرطية من البداء. 
- وجميع الفلسفات، ما عدى الماركسية، تعترف بأن ما جاز لإبني آدم مع أخواتهم ألغي وحرم، مثله مثل ما جاز مجددا لإبني نوح مع أختيهما وحرم، وجاز للوط مع إبنتيه، لو صدقت التوراة، وحرم وجاز ليهوذا مع كنته جدة النبي إبراهيم (ع). وهكذا، مع الكثير من الأحكام المفروض أنها منزلة، وآخرها وأشهرها في وحي لآخر الأنبياء والمرسلين وأهمهم قاطبة - الرسول محمد (ص) حيث ألغيت آيات الغرانيق التي نصت على شفاعة النجوم. وتغاير الشروع المنزلة مع الزمن، وتتابع الأنبياء، هو البداء. 
- ونحن كبشر لن نحيد عن الشروع والأحكام المنزلة، إذا كانت منزلة، لولا وازع الخيار المجعول في ناموسنا. وكيف يكون لنا الخيار إذا كنا مأسورين بجبر قدري؟ ولولا وازع الخيار لما إحتجنا إلى مخلِّص بعد رسول أو نبي جاء بالحق واضحا لا لبس فيه. وجل من قال: (( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا )) وبعد هذا التمام والكمال، فلم نحتاج إلى مخلص مهدي أو مسيح، لولا وازع الإختيار الذي فينا، ولا حاجة لنا بمخلص لو كنا مبرمجين بقدر لا نحيد عنه. 
إذن، فقد إتفت المنظورات جميعا على القول أما جهرا بالبداء، أو ضمرا، مفترضة أن التجريبية أمر ينقص من قدرة الرب. وهو الإفتراض المغلوط. بل العكس هو الصحيح تماما. فلو أن التجربة بيده والتصحيح بيد غيره، لإنتقصت قدرته. لكن، وهذا ما يجب أن لا نشك به، أنه يخلق ثم يرسم ثم يرى نتائج ما فعله، فإن صجت، أتمها وإن أخطأت عدّلها. ولديه إذن قدرة إضافية وهي التعديل والتصحيح، وهي أشد خطرا من الخلق ذاته. وقائد السفينة لا يقل أهمية عن صانعها بله أكبر أهمية وأعظم.
وإن عدنا للنص الأقدم عن الخليقة - النص السومري، وإذ نلاحظ كثرة ما يحتويه من الأدعية والصلوات إضافة إلى قوله الصريح بمرحلية التكوين وقوله ببدء الكون وموته وحاجته إلى مخلص وما إلى ذلك من أعراف، يكون السومريون قد وضعوا الحقيقة الثالثة في الكون، بعد الكلمة الخلاقة (( كن! )) وبعد نعيم الفردوس وصناعة الإنسان. وهذه الحقيقة هي – البداء. 
لقد وضع السومريون مبدأ البداء، ولا نحن ولا هم على يقين من أن الرب حقيقة يبدي. لكن المسلمة اللاهوتية الكبرى تقول: (( أن الله عرف بالعقل! )) أي عرف بدلالات خلقه. وكل دلالات خلقه تقول أنه يبدي. وإذ، نترك الإيمان بالبداء الرباني أو نكرانه جانبا، فالبداء هو حقيقة أسمى مسلمات العرفان. وهو ذاته ما جعلنا نعتقد بتميّز عالمنا الحيوي – الدنيوي، عن عالم الآخرة (وعالم الملائكة) الجامد الأشبه بالميت. وربما بسببه أيضا إستوعبنا مفاهيم الكمال والحسن والإشراق. فالخالق هو خير من يرى ويقيِّم خلقه. وحين يرى مرحلة من الخلق حسنة، فهي لابد حسنة. وحين يراها سيئة يتلفها وكم من أعراف وأمم ذهبت. وحين يخلق في اليوم التالي ما يناسبها فليس هناك شكل أفضل من الشكل الذي خلقه لها. وكوننا إذن خُلِق على أحسن وجه. فسبحان هذا الخالق. وإن حدث وطال الإنسان شر من يديه أو من يد غيره أو نتيجة لديدن التطور، فلا مبرر لليأس. فالحال ليست ثابتة لا تتزحزح. وهناك أمل بالنجدة فالتغيير أو العون على إجتياز الشر. وتبديل السلوك الذي هو الآخر مرهون برغبة العبد وليس بقرار مسبق. وهناك إذن منفذ للروح نحو الخلاص. منفذ أما عبر نبي ورسول مرشد في مراحل صغرى، أو عبر مهدي منقذ في مرحلة كونية كبرى.

ومن جملة خصائص علاقة هذا الرب بعباده، أنه إذا أبدى، أنذرهم وبين لهم المبررات. فإذا قرر تغيير المنهج القديم إلى منهج جديد يراه مناسبا للمرحلة الجارية، يصطفي لذلك ويرسله، وهذه إيضا قدرة إضافية، ليس تكمل قدرة الصنع ولا تعديله بل أيضا التمهيد للتعديل. ومن هنا، فالبداء سمو من سموات الخالق العديدة والقول به من العرافان أيضا.