كيف تنشأ العقائد الدينية الشيعة نموذجا

 

لابد أن الشعور بالظلم والاضطهاد تستجيب له بعض النماذج النفسية دون بعضها، وبالتالي فإن الأنماط النفسية عبارة عن أنماط محددة، بعضها لديه رغبة أصيلة من صميم تكوينها للاستجابة للمآسي وتضخيمها، وبعضها تقل لديها الرغبة أو تنعدم في بعض الأحايين.. ولذلك فإن نموذج النفسية الشيعية هي من النفسيات التي تركز على المآسي والمظالم وتعمل على تكبيرها وإبرازها، لأنها تجني من هذا التضخيم والتهويل المكاسب والمنافع..

ومن المعلوم أنه في المصائب والنكبات التي تنزل بالإنسان تجعل من شعوره وإحساسه نسيجا شديد النعومة بالغ الإحساس تؤثر فيه أقل الأحداث وأضعف المؤثرات، ويبقي أثرها محفورا في أعماق النفس لا يمحى ولا يزول.. وخذ على ذلك مثلا وفاة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقد وقع خبر وفاته على المسلمين كأنه صاعقة، وكاد هذا الخبر أن يزلزل عقيدة المسلمين وينسفها من جذورها، وكان المسلمون على أبواب نكسة عقائدية كالتي حدثت للنصارى جراء موت المسيح عليه السلام، فربما أوشكوا أن يرفعوا النبي صلى الله عليه وسلم إلى مقام الألوهية.. لكن الله قيض للمسلمين في تلك اللحظة الحرجة أبا بكر رضي الله عنه ليحفر في نفوس المسلمين قولا يتحول إلى سلوك واعتقاد لا يمكن أن يزول أو يمحى على مر السنين وكر الأيام.. 
دخل أبو بكر على النبي، صلى الله عليه وسلم، والمسلمون من حوله في ذهول ووجوم من هول الصدمة ووقع الخبر، فكشف أبو بكر عن وجه النبي وقبله وقال:" طبت حيا وميتا يا رسول الله، والله لا يذيقك الله الموت مرتين أبدا"، ثم خرج إلى المسلمين فقال بصوت مملوء بالثقة واليقين: " أيها الناس من كان يعبد محمدا فإن محمد قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين"

انظر على سبيل المثال إلى مقتل الحسين عليه السلام، إن هذه اللحظة الرهيبة جعلت من نفوس أتباعه ونفوس كثير من المسلمين نسيجا نفسيا شديد النعومة بالغ الحساسية، واقرأ على سبيل المثال كلمات عباس العقاد وهو يصف تلك اللحظة الرهيبة التي أعقبت موت الحسين عليه السلام، يقول: "وبقيت الجثث حيث نبذوها بالعراء.. فخرج لها مع الليل جماعة من بني أسد كانوا ينزلون بتلك الأحياء، فلما أمنوا العيون بعد يوم أو يومين سروا مع القمراء إلى حيث طلعت بهم على منظر لا يطلع القمر على مثله شرفا ولا وحشة، في الآباد بعد الآباد.. وكان يوم المقتل في العاشر من المحرم؛ فكان القمر في تلك الليلة على وشك التمام فحفروا القبور على ضوئه، وصلوا على الجثث ودفنوها، ثم غادروها هناك في ذمة التاريخ.. فهي اليوم مزار يطيف به المسلمون متفقين ومختلفين ومن حقه أن يطيف به كل إنسان، لأنه عنوان قائم لأقدس ما يشرف به هذا الحي الآدمي بين سائر الأحياء.. فما أظلت السماء مكانا لشهيد قط هو أشرف من تلك القباب بما حوته من معنى الشهادة وذكرى الشهداء"..

إذن، من خلال ما تقدم ندرك أن العقيدة الشيعية تقوم على الشعور بالظلم والاضطهاد، فهم يحسون بالوحدة والاتحاد عندما يوحدون شعورهم باتجاه موضوع واحد، وبالتالي هم دوما يحاولون أن يجسدوا مأساة معينة، ويركزون على إبرازها في شخص الحسين الشهيد المظلوم، وإبراز قتلته في صورة الكفار الظالمين، فتزيد مشاعر الكراهية في نفوسهم لكل أعداء الحسين فيزدادوا اعتزالا ونأياً بأنفسهم حتى يعودوا ليتوحدوا بنفس الشعور من جديد. وبالتالي فهم يحيون هذه المأساة سنويا حتى لا تضيع هذه الوحدة والاتحاد بينهم.. ولتوحيد هذا الشعور بالظلم والاضطهاد، سعت الشيعة للتقوقع على نفسها بصورة محزنة، حتى لا يضيع عليها هذا الشعور بالوحدة والانسجام، وأدى بهم هذا الفعل إلى مزيد من العزلة والاعتزال.. ومن أمثال هذه الأمور التي يتخذها الشيعة لترسيخ هذا الشعور بالوحدة ما يلي:

1-السجود على التربة الحسينية، وهي تربة مأخوذة من كربلاء يضعونها في بيوتهم ويحملونها معهم في سفرهم ويصنعون منها أشكالا مطولة ومربعة ودائرية يحملونها معهم في السفر والحضر ليسجدوا عليها كلما حان وقت الصلاة.
2-إسقاط صلاة الجمعة، وقالوا بالخيار بين صلاة الجمعة والظهر، وأضافوا أن شرط إقامة الجمعة حضور الإمام المهدي، وهو الآن في مرحلة الغيبة الكبرى، وهذا تم وضعه لضمان عدم اختلاط الشيعة بغيرهم من الفرق الإسلامية ومشاركتهم في شعار واحد حتى يضمنوا عدم تأثرهم بأفكار غيرهم من أهل السنة.
3-الجمع بين الصلاتين في الحضر، وهذا خلاف فقهاء أهل السنة حيث أن الشيعة تجمع بين الصلوات في مساجدها بغير عذر، وذلك أيضا منعا للاختلاط بغيرهم.
4-زواج المتعة، وكان الهدف من إباحته عدم توريط الرجل الشيعي الذي يعيش في غربة ويلحقه العنت، في الارتباط بامرأة ارتباطا أبديا، لأن هذا الارتباط وخصوصا مع وجود الأطفال، قد يؤثر على الرجل الشيعي، ويزحزح إيمانه بعقيدته، وبالتالي قد يخرجه من دائرة العزلة التي فرضها الشيعة على أنفسهم، فكانت إباحة زواج المتعة أو الزواج المؤقت متى دعت إليه الضرورة وألحت عليه الشهوة، سبيلا لترسيخ العزلة وإغلاقا لباب التلاقي والانصهار..

الحسين والمسيح:
يبدو أن التاريخ له نماذج وقوالب جاهزة تعيد نفسها بين الحين والآخر، لكن في شكل جديد، ومن هذا النماذج التي تكررت في بني إسرائيل فبعد موسى عليه السلام، جاء المسيح الذي انتهى الاعتقاد به إلى اعتباره الها، وكذلك إلى الرسالة التي جاء بها المسيحخ وهي رسالة روحانية في المقام الأول، وكذلك حدث مع الشيعة، فالملاحظ أن هناك شبها بين الحسين والمسيح إن لم يكن في حقيقة الشخصين، فهو في تقديس الفريقين، وكلا من الحسين والمسيح تشابها في بشاعة الموت، واختلفا في دوافع هذا الموت، فالمسيح أقدم على الموت إصلاحا للآخرة وتكفيرا عن ذنب قد لازم البشر، أما الحسين فقد أقدم على الموت إصلاحا للدنيا ومنعا من ذنب قد يلازم البشر... وكل من الحسين والمسيح قد تعرضا لبشاعة الموت على أيدي قتلة دون رحمة أو أثار من رحمة.. وكل من لحظة الموت وبشاعة الموقف تركت في نفوس الأتباع أثرا لا يزول، وذكريات لا تنسى، ومجالا خصبا لتأمل المتأملين وفلسفة المتفلسفين..
لكن الفرق الكبير الجدير بالنظر والتأمل والاعتبار هو ارتفاع أتباع المسيح بمنزلته حتى جعله فريق منهم إلها يعبد من دون الله، وجعله فريق آخر ابنا لله، وجعله آخرون روحا لله.. أما أتباع الحسين فقد جعلوا من الحسين رمزا للشهادة والبطولة والإصلاح... وبوجود هذا الشبه بين الحسين والمسيح، كان من المنطقي أن ينتهي الأمر في الاعتقاد بالحسين بما انتهى الأمر في الاعتقاد في المسيح!.. لكن الأمر لم يستقم على حسب هذه الوجهة المنطقية، فلم يتخذ من الحسين إلها، كما حدث مع أتباع المسيح، فهل لذلك من سبب؟

هناك سببا يعتبر فارقا قد حسم هذا الأمر، وحال دون تتحقق هذه النتيجة المأساوية، وهو وجود أتباع المسيح في بلاد الرومان، ووجود أتباع الحسين في بلاد فارس، والمعروف عن أبطال الرومان أنهم يضحون بأنفسهم من أجل الشعب، أما أبطال الفرس فإن الشعب يضحي بنفسه من أجلهم!.. وهكذا فإن النظرة الرومانية جعلت المسيح جاء ليضحي بنفسه من أجل البشر، والنظرة الفارسية جعلت الشعب يضحي بنفسه من أجل الحسين. وهذا راجع إلى التركيبة النفسية غائرة الأثر عميقة الجذور لدى كل من الفرس والرومان.. فالنظرة الفارسية تنظر إلى الأشخاص نظرة مقدسة تختلف بطبيعتها اختلافا جوهريا عن طبيعة عموم الناس، لأنها تعتبرهم مصدر الإلهام، ومشكاة الأنوار، ومنبع الأسرار..

إذن هذه النفسية هي التي جعلت الشيعة تسلك بأشراف أهل البيت نفس المسلك التي سلكته من قبل بأشراف الفرس، وهو سلوك بطبيعة الحال مخالف للقران وعقيدة الإسلام. وبهذه النظرة يمكننا أن ندرك الركيزة الأساسية التي تقوم عليها فلسفة الشيعة والتشيع.. 

ومأساة فقدان الزعماء الملهمين، والأبطال الخالدين مأساة ترسخت جذورها في نفوس الشيعة مع الزمن منذ ضياع الإمبراطورية الفارسية، التي كان للعرب في ضياعها أكبر نصيب، فهم يشعرون بالأسى والحزن والغصة.. فالحزن البادي لمقتل الحسين يؤججه حزن لا شعوري دفين على ضياع مملكة كسرى وتشرذم ملكه ومملكته، فتم تحويل هذه المشاعر من أشراف الفرس إلى أشراف العرب، وبدأوا يشعرون بالشفقة على مقتل الحسين، وفي الحقيقة هي شفقة على أبطال الفرس وملوكه العظام.
هذا إذا علمنا أن الروم كانوا أهل كتاب على عكس الفرس، وهذا ما جعل المسلمين ينتابهم الحزن على الروم عند هزيمتهم على أيدي الفرس في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فنزل قوله تعالى يطمئنهم أن الروم ستنتصر مرة أخرى في قوله تعالى: (غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ) (الروم:3)، ومن هذا ندرك أن الفرس لم يكونوا أهل كتاب، ولا يؤمنون بكتاب ولا حساب ويعتبرون الحياة الدنيا هي الأولى والآخرة.. وقد لحق الشيعة من أجدادهم، من هذه النظرة المادية للحياة، نصيبٌ وإن كان يسير، فجعلهم ينظرون لتصاريف القدر ومآسي الحياة بمثل هذه النظرة القاصرة، التي اتضحت من خلال عدة أمور:
الأول: أن الحزن الذي يبدونه على مقتل الحسين رضي الله عنه، حزنا وألما يكاد يقول بلسان الحال والمقال أن الحسين كان قد كُتب له الخلود والبقاء في الدنيا، وبقتله ضاعت هذه الفرصة التي لن تعود أبدا.
الثاني: أن الحسين الشهيد المظلوم ذهب بحسرته دون أن ينتقم من قاتليه ويشفي غليل صدره، بالانتقام من أعدائه والتنكيل بهم، وبالتالي فأن هذا الحزن الذي يظهره الشيعة هو حزن إنسان لا يؤمن بآخرة ولا جنة ولا نار، وكأن هذه الحياة الدنيا هي الأولى والآخرة ولا حياة وراء هذه الحياة، لذا هنا يزاد الألم وتعظم الحسرة، وكأنهم لا يعلمون أن المقتول في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر، في شغل فاكهون هم وأزواجهم على الأرائك ينظرون.. ولا زال هذا الشعور يؤلم قلوبهم، ويضني أرواحهم حتى أنشأوا لأنفسهم عقيدة تريح النفس ولو قليلا وهي عقيدة الرجعة..
الثالث: الاعتقاد بالرجعة، تعني الرجعة في المذهب الشيعي أن أئمة الشيعة مبتدئا بالإمام على، رضي الله عنه، ومنتهيا بالحسن العسكري، الإمام الحادي عشر عند الشيعة الإمامة، سيرجعون إلى الدنيا ليحكموا المجتمع الذي أرسى قواعده بالعدل الإمام المهدي، الذي سيخرج قبل رجعة الأئمة ويملا الأرض قسطا وعدلا، ويمهد الطريق لرجعة أجداده وتسلمهم الحكم، وإن كل واحد من الأئمة حسب التسلسل الموجود في إمامتهم سيحكم الأرض ردحا من الزمن ثم يتوفى مرة أخرى ليخلفه ابنه في الحكم حتى ينتهي إلى الحسن العسكري وسيكون بعد ذلك إلى يوم القيامة، وكل ذلك تعويضا لهم عن حقهم الشرعي في الخلافة والحكومة التي لم يستطيعوا ممارستها في حياتهم!

نشأة العقائد:
ما من فرقة إسلامية كان له القدرة على المجيء بعقائد جديدة متكاملة، تمثلا خروجا لها من المآزق كما كان للشيعة..
هذا الاختراع للعقائد يمكننا أن نسميه الأصالة الدينية غير المقلدة، التي كان لها الفضل في اختراع عقائد تجمع حولها الأتباع وتحتوي ما قد ينجم من خلاف!
ولابد لنشأة العقائد الإلهية من ثلاثة عوامل مجتمعة إذا تخلف عامل منها حدث الخلل والاضطراب، وانحرفت عندئذ العقائد عن مسارها المستقيم، والعوامل الثلاثة هي: تدين بيولوجي، وتاريخ مؤثر، واتصال بالوحي..
وهذه العوامل الثلاثة قد اجتمعت في النبي محمد صلى الله عليه وسلم؛ فهو قد ورث التدين من أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام، كما قال عن نفسه "لازلت أنتقل من الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام الطاهرة لم يمسني من سفاح الجاهلية شيء".. وهو أيضا قد عاش في فترة تاريخية مؤثرة، وهي فترة تاريخية حاسمة تأثر بها وأثر فيها على حد سواء، وإلى هذا تشير الآية القرآنية: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم) ومعنى قوله تعالى (عزيز عليه ما عنتم)، أي شديد التأثر والانتباه لما يجري للمؤمنين بل للبشر أجمعين في الحاضر وما يستقبل من الأيام، وأحداث المجتمع لا تغيب عن باله لحظة من اللحظات، مما جعله يسن للمؤمنين أهدى السنن، وأقوم الطرق التي فيها صلاح الدنيا والآخرة، فليس تأثره بالمجتمع وأحداثه كتأثر الدبلوماسيين ينتهي بانتهاء اللحظة التي يذكر فيها الحدث بعد أن تلجئهم الضرورة للحديث والتعليق والتنديد. كلا، بل هو أثر من كان يعيشه بحسه وروحه وسويداء قلبه، حتى كوت قلبه وأضنت روحه، وهو يرقبها ليل نهار وصباح مساء..

إذن ومن خلال ما تقدم نرى أنه قد اجتمعت للنبي صلى الله عليه وسلم العوامل الثلاثة في أعلى درجاتها وأبهى صورها...

ومن هنا لابد من إشارة إلى أن النفس الإنسانية الصافية لابد أن تمثل طريقا إلى الله عز وجل، ويختلف هذا الأمر من شخص إلى آخر، إن إبراهيم عليه السلام كان أمة كما وصفه القرآن المجيد، وكذلك الصلة الروحية والمادية بين إبراهيم ونسله لم تزل موجودة، فهو قد ورثهم التدين في صورته البيولوجية، وليس في صورته السلوكية فحسب، وجينات التدين تجري في دم ذريته ونسله، ولكن هذه الجينات الدينية تظهر على أشخاص أكثر منها لدى آخرين من ذرية إبراهيم عليه السلام، وهذا ما ظهر في نسل إبراهيم عليه السلام، إلى عهد سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، فقد ظهرت هذه النزعة الدينية في أجداد النبي صلى الله عليه وسلم، حيث ظهرت منهم إمارات التدين في مواقف حياتهم، وقد بدرت منهم بوادر كثيرة تنم عن حس التدين العميق في نفوسهم، في حين أنهم لم يتلقوا وحيا ولا كتابا، وإنما كانوا في جاهلية لا صلة لها بوحي ولا قران، وبلغ من شدة نزعة التدين فيهم أن عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم، كان على وشك أن يذبح ابنه فدية لرب البيت، لأنه نذر "لأن عاش له عشرة بنين لينحرن أحدهم عند الكعبة"..

فهذه الأمور التي بدرت منهم تدل على أصالة التدين في تركيبهم الفطري، وأنه خصلة موروثة من الآباء وليست شيئا طارئاً عليهم.. 
لذا فإن بني هاشم قد أسند إليهم لواء الدين في الجاهلية، سموا سدنة البيت وحراسه، لما بينهم وبين إبراهيم عليه السلام من صلة الدم، فلما ولد النبي صلى الله عليه وسلم، كان هو الجوهر الكامن فيه كل نقاء الفطرة وأصالة الدين، فكان يستهدي بهدي إبراهيم عليه السلام مباشرة، لأنه أكثر الناس علما بإبراهيم عليه السلام وكأنه نسخة منه، يعرفه كما يعرف أحدنا نفسه..
إذن هذه البذرة الدينية أو الجينات الدينية المركوزة في قلب النبي عليه الصلاة والسلام قد أورثها أيضا إلى أبنائه وأحفاده، فكان فيهم ولا شك، شيء من التفرد والأصالة.. 
وهكذا وجدنا هذه الأصالة الدينية غير المقلدة، في نفوس كبار رموز الشيعة الذي يمتد نسبهم الحقيقي إلى آل البيت، وهذه الأصالة الدينية جعلت أئمة الشيعة، بما ورثوا من أصالة دينية، يخترعون شعائر دينية خاصة بهم من وحي الظروف التي عاشوها والتي مرت بهم على مدار التاريخ... 

وهنا لابد من الجزم بأن عاملا التدين البيولوجي والتاريخ المؤثر قد اجتمعا للشيعة لكن غاب عنهم عامل أصيل، هو أهم العوامل الثلاثة على وجه الإطلاق، ألا وهو الاتصال بالوحي الإلهي، وإليك البرهان:

الزكاة:
إذا نظرنا إلى اجتماع عاملي التدين البيولوجي والأثر التاريخي أدركنا بوضوح كيف اخترع الشيعة الزكاة، وقد بان اثر التاريخ المؤثر من خلال النظر إلى الدولة العباسية عندما كانت هي السلطة الحاكمة وبالتالي كانت لا تعتقد بشرعية مذهب أهل البيت، وبالتالي لا تعترف بفقهائهم ولم تخصص لهم مرتبات يعيشون منها كما كانت الحال بالنسبة لسائر فقهاء المذاهب الإسلامية الأخرى؛ وعليه فإن هذا قد دفع بفقهاء الشيعة أن يقولوا بوجوب الخمس في المكاسب والأرباح، وهذا ما لم يقل به أحد من فقهاء أهل السنة. وأبواب هذا الخمس، في مكاسب التجارة، تقسم على ستة أقسام: لله والرسول والإمام، وهذه الثلاثة من حق الإمام الغائب تدفع إلى المجتهد الذي يقوم بدلا من الإمام الغائب، أما الأسهم الثلاث الباقية فهي للأيتام والمساكين وأبناء السبيل من آل البيت أيضا، مستندين في هذا إلى قوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الأنفال:41) وهذا النص كما هو معلوم نزل للغنائم في الحرب وليس للمكاسب في التجارة! 
الحج: 
لا شك أن شعائر الإسلام عبارة عن شعائر نابعة من صميم النفس الإنسانية السليمة عندما تسير في طريقها إلى الله عز وجل..
فعلى سبيل المثال تنبعث فريضة الحج عند المسلمين من تمثل النبي صلى الله عليه وسلم وتوحده مع أبي البشر إبراهيم عليه السلام لدرجة التماهي... هذا التماهي والتوحد جعل النبي صلى الله عليه وسلم يعيش نفس المواقف التي عاشها إبراهيم عليه السلام حتى تبقى ذكراه ماثلة في القلب والوجدان، وقد شملت شعائر الحج معظم الذكريات الأليمة التي عاشها إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فهي تبدأ من رمي الجمرات ومرورا بذبح كبش الفداء، والسعي بين الصفا والمروة وغيرها من الشعائر .. وكلها التماسا لإحياء مشاعر حادة عاصفة مر بها الخليل إبراهيم عليه السلام.

فالنبي صلى الله عليه وسلم يتصل روحيا وماديا بإبراهيم عليه وسلم، فهناك صلة النسب التي تمتد من إبراهيم عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم، ولذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم يعيش مشاعر أبي الأنبياء ويتخيلها ويعيش في خضمها ويتمثلها ويدركها نفسيا بحذافيرها.. 
والنفس إن كانت لها من التدين الوراثي نصيب معلوم، فإنها تسلك هذه المسالك بشكل تلقائي في كل زمان ومكان، ومن شدة نقائها وتجردها فإنها تعيش هذه المأساة بتلقائية وتعمل على إحياءها وتخليدها وتجعلها نبراسا تهتدي به في كل زمان ومكان، أما عدم التمثل والتوحد مع مشاعر المظلومين فتعد خيانة لهؤلاء الأطهار، وهذا ما حدث في فريضة الحج الذي فرضها الله عز وجل على المسلمين، وسنها لهم النبي صلى الله عليه وسلم.

إذن هذه الفريضة سارت بشكل طبيعي بعد أن اكتملت صورة أبي الأنبياء عليه الصلاة والسلام من خلال آيات القرآن، فعندئذ أعلن النبي صلى الله عليه وسلم المناسك النهائية لشعيرة الحج في حجة الوداع آخر حجة حجها، فقال خذوا عني مناسككم.. 
وإذا أردنا نعرف كيف تتطور هذه الشعائر وكيف تبدأ وتتطور إلى أن تكتمل، فللنظر إلى مأساة الحسين عليه السلام، فعندما قتل الحسين عليه السلام بهذه الصورة البشعة التي ذكرتها كتب التاريخ فقد اتحدت أو تجمعت عدة مشاعر حادة في هذه الصورة المأساوية، وارتفعت بهذه الصورة فضربت بعنفوانها في عمق النفس وعمق الحاضر والمستقبل.. هنا نبع شعور جامح من قتل الحسين مع آل بيته الأطهار، ونبع شعور جامح آخر من قتل شخص يتصل بنبي هذه الأمة عليه الصلاة والسلام، وشعور جامح آخر نبع من الطريقة البشعة التي قتل بها الحسين عليه السلام!..

كل هاتيك المشاعر انبثقت بعنفوانها من هذه الأحداث ووقعت على نفوس بعض من بقي من أهل البيت، فجعلوا يتمثلون هذا المأساة ويعيشون فيها ولا يخرجون منها، ثم جعلوا لها يوما لاستذكارها، وقد بدأ الأمر يتطور بشكل طبيعي فجعلوا زمان ومكان استشهاد الحسين قبلة يحج الناس إليها، واخترعوا من هذه المأساة شعيرة للحج تختص بالشيعة دون طوائف المسلمين، فإذا نظرنا إلى يوم عاشوراء عند الشيعة وجدناها شعائر تشبه شعائر الحج تماما، ففريضة الحج الكبرى تبدأ من بداية ذي الحجة، ولذلك عاشوراء تبدأ من بداية المحرم، وفي العاشر من ذي الحجة ينحر الحجاج الأضاحي، وكذلك الشيعة تبدأ مراسم عاشوراء من بداية المحرم لتصل ذروتها في العاشر من ذي المحرم، حيث اليوم الذي ذبح فيه الحسين عليه السلام، فالكبش جعل فداء لروح إسماعيل وحياته عليه السلام، وكذلك الحسين قدم روحه فداء لروح الإسلام وحياته. وفي الحج تتم الهرولة بين الصفا والمروة، إقتداء بهرولة هاجر عليها السلام لإنقاذ طفلها إسماعيل عليه السلام، وكذلك هرولة الشيعة إلى خيمة ترمز إلى خيمة الحسين، التي كان فيها أطفاله في ساحة كربلاء، فهم يهرولون لإنقاذ أطفال الحسين الموجدون في الخيمة، وإذا كان المسلمون يطوفون حول الكعبة يتمسحون بها، وكذلك الشيعة يطوفون حول الخيمة ويتمسحون بها قبل أن يحرقوها.. وإذا كان المسلمون يزورون قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ويطوفون حول الكعبة طواف الوداع، فإن الشيعة كذلك تزور قبر الحسين وتطوف حوله طواف الوداع..


ولاية الفقيه:
أخذت فكرة ولاية الفقيه تشغل حيزا كبيرا في أفكار فقهاء الشيعة، وتعني عدم شرعية الخلافة الإسلامية، أو أية حكومة أخرى، إلا إذا أجازها وباركها الفقيه، الذي يمثل الإمام الحي الغائب المنصب بأمر الله. ويستدلون بقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) (الأنفال 59) يقول علماء الشيعة في تفسير هذه الآية المقصود بأولي الأمر، الخليفة، أو الأمام الشرعي، وهو الإمام علي، ومن بعده أولاده، حتى الإمام المهدي، وفي غيبة الإمام المهدي تكون الولاية للفقهاء المجتهدين، الذين يقومون مقام الإمام وهم النواب العاملون!..

هذه العقيدة لدى الشيعة نشأت من ظروف التاريخ الذي أثر في الشيعة بشكل كبير، فالشيعة قصدوا من وراء اختراع هذه العقيدة تجنب تهميش أهل البيت أو حتى مجرد التفكير في محاسبتهم، ففي الخلاف الذي نشأ بين معاوية وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، لم يكن هناك قداسة تخص أهل البيت دون سائر المسلمين، وذلك بنص أحاديث الرسول صلى الله عيه وسلم، وبنص الإمام علي نفسه.. وهذه المساواة الاجتماعية بين جميع المسلمين، هي التي جرأت الأمويين على أهل البيت، في نظر الشيعة، ولم تجعل لهم تلك القداسة التي تمنوا أن يحظوا بها عن سائر المسلمين. لذا فقد تنبهوا لهذه الثغرة في مذهبهم الجديد وجعلوا للفقيه مكانة وولاية قدسية، فلا تتم أمور الدولة السياسية أو لاجتماعية أو الاقتصادية أو العسكرية إلا بعد إذن الفقيه ومباركته..

البداء:
عندما يدخل الشيعة إلى مرقد الإمامين على النقي والحسن العسكري يقولون هذه العبارة (السلام عليكما يا من بدا لله في شأنكما!) 
وسبب هذه العبارة الخروج من المأزق الذي وقعت فيه الشيعة لاعتقادهم أن الإمامة تنقل من الأب إلى الابن الأكبر.. وهذه القاعدة اضطرت الشيعة لكسرها وعدم الالتزام بها، لأن إسماعيل الابن الأكبر للإمام جعفر الصادق، الإمام السادس عند الشيعة، توفى في عهد أبيه فانتقلت الإمامة إلى أخيه موسى بن جعفر، الابن الأصغر للصادق.. وهذا التغيير في مسار الإمامة يسمى بداءاً، جعل الله تعالى قد بدا له أمر ما فغير رأيه (!) ونقل الإمامة من ذرية إسماعيل إلى ذرية أخيه موسى بن جعفر..

ومن الجدير بالذكر أن عقيدة البداء لم يقل بها الشيعة عند انتقال الإمامة من جعفر الصادق إلى موسى الصادق، وإنما قالوا بها في زمن الإمام العاشر ومن بعده، وليس في زمن من تحولت الإمامة في زمنهم، وذلك بسبب ظهور المذهب الإسماعيلي الرافض لتغيير مسار الإمامة وقال باستمرار الإمامة في ذرية إسماعيل، فجاءوا بهذه العقيدة لإسكات الخصوم القائلين باستمرار الإمامة في ذرية إسماعيل.