النصرانية بين الحقيقة و المتداول مع أشارات دينية

 

رغبت أن أكتب في هذا الموضوع ، وأنا لست المتخصص ، ولكن هكذا مواضيع تشدني ، فوددت أن أدلو بدلوي كأضافة للتوضيح ، حيث أن الموضوع كثر به اللغط والتأويل و التفسير ، وأرى أنه ليس من أي مانع أن يكتب كاتب مجاله الأدب و السياسة والاقتصاد في هكذا مجال ،
كما أن الكتابة في مثل هذه المواضيع نحن أحوج ما نكون أليه ، و كانت من متطلبات الموضوع أن تدخلني في بعض الأشارات الدينية هنا أو هناك ، وأكيد أن هذا الأمر يتطلب الجرأة لحساسية الموضوع ، أن جل غايتي هو أن أوضح اللبس وأن أزيل الغمامة عن زرقة السماء .

مقدمة 
تغيب حقيقة مفهوم النصرانية عن أغلب العامة من المسلمين ، ( لذا أكثرهم ينادي المسيحي بالنصراني ) ، وقد يتجاهل حقيقتها بعض علمائهم ، ولكن الدارسين و الأكاديميين والفقهاء / ذو المنهج الوسطي / العلمي في الأسلام من المؤكد يعرفون تماما حقيقتها وطبيعتها / و قد لا يصرحون بها تماشيا مع السائد والغالب العام من جمهور الشيوخ و الفقهاء ، وهم يدركون تماما مدى البون الشاسع بين النصرانية و المسيحية الذي يؤمنون بها المسيحيين في الوقت الحالي ، ولا يحتاج الأمر هنا ألا الرجوع الى المصادر/ القرآن ، السنة والحديث ، لبيان الحقيقة وصحيح القول عن الوهم و الجهل .

النص 
يرجع / يرد مصطلح النصرانية نسبة الى المسيح الناصري ( والناصرة هي المدينة التي عاش بها يسوع المسيح ) ، ويعرف أباء الكنيسة النصرانية على أنها هرطقة منقرضة ( ويطلق على الهرطقة أيضا الزندقة ، هي تغير في عقيدة أو منظومة معتقدات بإدخال معتقدات جديدة عليها أو إنكار أجزاء أساسية منها بما يجعلها بعد التغير غير متوافقة مع المعتقد المبدئي الذي نشأت فيه ) والنصرانية نشأت في فلسطين ، أتباعها من اليهود المتعصبين الذين مزجوا بين اليهودية و المسيحية ، ويختلفون النصارى عن المسيحيين بمايلي / ليس حصرا :
• يؤمنون بأن المسيح نبيا / عاديا و أنه ليس أبن الله الوحيد / تطابق أسلامي ..
• يؤمنون بأن المسيح ليس من روح الله وليس أزليا ..
• لا يعترفون بالتثليث ( الأب ، الأبن والروح القدس ) / تطابق أسلامي ..
ينص القرآن " كفر الذين قالوا أن الله ثالث ثلاثة ".
• يقيمون الشريعة اليهودية / تطابق يهودي .
• تقديس يوم السبت / تطابق يهودي .
• الوضوء قبل الصلاة / تطابق أسلامي ..
• أعتماد الطقوس اليهودية / تطابق يهودي .
• عدم أعترافهم بالصلب ، بل يؤمنون بأن شبه له . وفي هذا تطابق مع الأسلام ، ينص القرآن " وما قتلوه وا صلبوه ولكن شبه لهم " .
• أنجيلهم الأنجيل بحسب العبرانيين ، أو أنجيل النصارى ، و الكنيسة لا تعترف به بل تؤمن بالأناجيل الأربعة ( أنجيل متى ، أنجيل مرقس ، أنجيل لوقا و أنجيل يوحنا ) . 


أما المسيحية ( أول من أطلق تسمية المسيحية على المسيحيين هي كنيسة أنطاكية عام 46 ميلادية ) هي بكل بساطة " حياة المسيح " في الانسان المسيحي على الارض ، المسيحي الحقيقي لا يحيا هو بل المسيح يحيا فيه ، بمعنى أن تجسد حياة المسيح هي المسيحية الحقيقية ، أذن المسيحية هي حياة المسيح / وهذا مفهوما فلسفيا يتطلب على المسيحيين أن يعيشوا مفاهيم الاناجيل الأربعة ..
والمسيحية كمبادئ هي كل ما ذكر خلاف آنفا ( النقاط التسعة في أعلاه ) فهو مبدأ مسيحي ليس حصرا .. من هذا نرى أن ( النصرانية والمسيحية ) قطبان لا يجتمعان فكرا ومنهجا وحياة ، ووصف المسيحيين بالنصارى من قبل اغلب المسلمين هو خطاءا جسيما / ولا أريد هنا أن أسترسل أكثر من المطروح ببيان الفرق بينهما لأن هذا يشكل جزءا من موضوعنا الذي نحن بصدده وليس هو كل الموضوع .

أشارة / نصرانية 

وكان النبي محمد متزوج من عائشة بنت خويلد وهي أولى زيجاته ، و ورقة بن نوفل أبن عم عائشة / كان قسا نصرانيا و مرافقا للنبي محمد ، أذن بنت عمه / خديجة كانت نصرانية أيضا ، والقس ورقة هو الذي زوجها الى النبي وأشهر زواجهما ، أذن كان زواجا نصرانيا ، والنبي لم يتزوج عليها في حياتها ، وكل زيجاته وملك اليمين حدثت بعد موتها
( من كتاب قس ونبي / للأب جوزيف قزي ) ، هذه الأشارة تدل على وجود علاقة / تقارب 
من نوع ما بين الأسلام و النصرانية ، في عهود الأسلام الأولى ولكن حتى هذا لم يشفع في ترحيل نصارى / مسيحيي الموصل .

المنظمات التكفيرية والنصرانية 

أغلب المنظمات الارهابية ، التكفيرية ، الجهادية والأسلام المتطرف... ( القاعدة ، السلفية ، الأخوان ، جماعة التكفير والهجرة ،الاحزاب الاسلامية ، جبهة النصرة وداعش .. .. وغيرها الكثير ) تصف المسيحيين بالنصارى ، وهو أما تغافل عن الحقيقة أو جهلا بها ، والسؤال هنا لو كان الأمر ينم عن جهل أذن لا قيمة لفكر شيوخ وقادة ومنظري هذه المنظمات لأن خطابهم مبني على مغالطات باطلة منافية للحقيقة / وما بني على باطل فهو باطل ، أما لو كان الأمر عكس ذلك / تغافل فهو تحايل على العقل العربي الأسلامي وتسفيه له . وهذه الأشارة تجرنا الى نداء الدولة الأسلامية في العراق والشام / داعش الموجه الى نصارى الموصل والتى دعتهم به الى الرحيل بعد الانذار الموجه لهم في 17 – 19 / 7 / 2014 من خلال منابر الجوامع ، أو دفع الجزية أو الأسلام أو السيف / الموت .
وسائل يسأل أي نصارى !! فلا يوجد نصارى لا في الموصل ولا في العراق ولا في العالم بأجمعه ، أذن الأمر / الأنذار الموجه لهم لا أساس له من الصحة ولا ينطبق عليهم ، ومن أطلقوه أما متغافلون أو جهلة ، ولكن بالحالتين سوف ينفذوا الامر / الرحيل .

الجزية 

( قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ) / صورة التوبة
وقد يقال أن الجزية لا تنطبق على المسيحيين لأنهم ليسوا نصارى ، ولكن الأية أعلاه آتت شاملة لكل أهل الكتاب ، فأذن حسب النص هم مشمولون بها .
أستفساري هنا وتعجبي يشمل نقطتين :
* مبدأ القتل الموجود في مستهل الأية ، والذي ينص على قتال كل من لم يؤمن بالأسلام ،
والذي وصفه القرآن هنا ب ( دين الحق ) أي أن النص يدل بكل وضوح لا لبس فيه على عدم الأعتراف بالأخر/ دينيا ، بل قتله ، وهذا يجرنا الى تساؤل ثاني ، هل من الممكن أعتبار الدين الاسلامي دين محبة وسلام !! كما يدعون ، هذا التساؤل متروك للقارئ .
* أما النص الموجود في ختام الأية ( عن يد وهم صاغرون ) !! فقد بحثت عن معنى 
" وهم صاغرون " في الكتب الاسلامية ووجدت المعاني الأتية :
1.قال ابن كثير - رحمه الله - :
{ عَنْ يَدٍ } أي: عن قهر لهم وغلبة.
{ وَهُمْ صَاغِرُونَ } أي: ذليلون حقيرون مهانون
2. تفسير الطبري - (14 / 200)
وأما قوله(وهم صاغرون)، فإن معناه: وهم أذلاء مقهورون.
يقال للذليل الحقير: "صاغر
3.أيسر التفاسير للجزائري - (2 / 71)
{ وهم صاغرون } : أي أذلاء منقادون لحكم الإِسلام هذا .
4. تفسير الألوسي - (7 / 202)
{ وَهُمْ صاغرون } أي أذلاء
5. بحر العلوم للسمرقندي - (2 / 226)
{ وَهُمْ صاغرون } ، يعني : ذليلين

وأنا لست بناقد ديني أو فقهي / ولكني ككاتب من حقي التساؤل ، لم هذا الأذلال والأهانة والتحقير لأهل الكتاب مادام سيدفعون الجزية ، ولماذا هذا الترفع عن باقي المخلوقات ، ونص القرآن يقول :
( ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير ) / سورة الحجرات .
فالقرأن هنا لم يقول يا أيها المسلمين بل قال يا أيها الناس ، أذن لم هذه التفرقة و الفرز والتصنيف بين الناس / البشر . . 
هذه الأفكار السوداء وغيرها أستغلتها وأستخدمتها المنظمات التكفيرية / الظلامية حاليا في أذلال غير المسلمين ، ومنهم مسيحيي الموصل على سبيل المثال وليس الحصر ، لهذا أن النصوص الدينية من الممكن
أن تستغل في تنفيذ مآرب الجماعات التكفيرية ، خاصة النصوص الصريحة !

أهل الذمة 
أن أول عهد أستعمل به مصطلح ( أهل الذمة ) هو في عهد النبي محمد في رسالته لأهل نجران سنة 8 هجرية .
( أهل الذمة هو مصطلح فقهي إسلامي يقصد به كلا من اليهود والنصارى أو على حسب الوصف الإسلامي إجمالا أهل الكتاب الذين يعيشون تحت الحكم الإسلامي أو في البلاد ذات الأغلبية المسلمة. ) / نقلا عن الويكيبيديا .
وهنا نقع أيضا في نفس التساؤل ، حيث أن التفسير الفقهي الأسلامي يحدد أهل الذمة باليهود والنصارى أي أن المسيحيين غير مشمولين ، ولكن الوصف الاسلامي عمم الوضع لكل أهل الكتاب ، أذن هم مشمولون .
و أرى أن المعنى به أنتقاصا للفرد ولمواطنته الحقيقية مما يجعل المجتمع مصنف طبقيا وهو لا يخدم بالنهاية الولاء للوطن . ومن الممكن التنازل عن تسميات لها مردود سلبي خدمة للوطن وأضفاءا للروح الانسانية لأهل الكتاب ، وتوجد شواهد على ذلك في زمن الخلفاء الراشدون ... 
" حيث تنازل الخليفة عمر بن الخطاب عن ماهو أهم من مصطلح " أهل الذمة " وهو " الجزية " كالحادثة الأتية :
حينما جاءه عرب بني تغلب، وقالوا له: نحن قوم عرب نأنف من كلمة الجزية، فخذ منا ما تأخذ باسم الصدقة ولو مضاعفة، فنحن مستعدون لذلك. فتردد عمر في البداية. ثم قال له أصحابه : هؤلاء قوم ذوو بأس ، ولو تركناهم لالتحقوا بالروم ، وكانوا ضررا علينا، فقبل منهم وقال: هؤلاء القوم حمقى، رضوا المعنى وأبوا الاسم ." (نقلا عن الويكيبيديا ) .

السيف أو الأسلام 
هل من المنطقي أن يسلم الفرد بحد السيف !! وماهي الأضافة التي سيقدمها فرد مغلوب على أمره ، وما هي الخدمة التي سيقدمها للمجتمع / الطائفة التي سينتمي أليها وهو مكرها دخوله للدين الجديد ، وهل من أخلاص لهكذا فرد للطائفة الجديدة التي أنتمى أليها ، من المؤكد سيكون قلبه مع ماهو كان مؤمن به سابقا ، أن الحضارة التي تقوم على حد السيف لا تدوم ، وأن دامت لقرون ستنتهي لأنها عرقية طائفية وغير أنسانية !! لأفتقادها فسيفساء الاديان والاعراق والطوائف ..

المواقف الأسلامية السلبية / تجاه الأحداث 
أشارة الى سلوك داعش الدموي تجاه المكون المسيحي والايزيديين في الموصل و سهل نينوى ، لاحظنا عدم وجود أي رد فعل مؤثر من قبل الهئات والمنظمات الأسلامية ، وحتى لو تجنبنا كون المسيحيين أهل كتاب فكان من المفروض أن يصدر موقفا أيجابيا بحقهم لأن الجميع مواطنين يشتركون بوطن واحد ، وتربطهم الهوية العراقية و تجمعهم الأنسانية ، التي قد تكون في بعض الأحيان أسمى من الأنتماء الديني ، كما لم يكن هناك أي موقف حاسم معزز بخلفية دينية ، وحتى لو صدر ذلك فأنه كان هزيلا لا يتناسب مع الحدث الذي يرمي الى التصفية العرقية الدينية لمكونات أصيلة في العراق ، وكان من المؤمل أو المتوقع 

صدور ردود حاسمة من قبل :
* شيخ الازهر د. أحمد الطيب / مصر .
* مفتي السعودية عبد العزيز أل شيخ / السعودية .
* منظمة المؤتمر الأسلامي .
* هيئة علماء المسلمين / العراق ( حيث طالبت الهيئة داعش برفع ظلمها عن النصارى !!! وكنت أرى أن سكوتها سيكون افضل ، لأنها أرتكبت خطأ الأسم ) .
* المراجع الشيعية / السيستاني ، الحائري و النجفي .. / علما أن داعش تكفرهم .
* الدول الأسلامية الكبرى / ماليزيا ، أندونيسيا و الباكستان 

الخاتمة 
على العقلية الدينية العربية / الأسلامية خاصة ، أن تخرج من عباءتها السلفية المتهرئة ، وأن تنهج الوسطية المنفتحة على الأديان الأخرى بما فيها اليهودية ، وأن تغير من خطابها الديني كي يكون ليس مقبولا من قبل المسلمين عامة / سنة وشيعة و باقي المذاهب الاخرى فقط ، بل من قبل الأديان السماوية الأخرى ، وحتى من قبل البوذيين والهندوس و الملحدين وغيرهم لأنهم يشاركونا الحياة ، ولأننا نعيش بمجتمع أممي واحد صفته العامة هو الانسانية التي هي أشمل من الأنتماء الديني في كثير من الأحيان / كما أن الدين أتعب الشعوب خاصة العربية منها لذا نرى الكثير من الملحدين / حصرا في مصر بالتحديد .
أن مسألة الأعتراف بالأخر / دينيا مهمة وألا بقى الدين الأسلامي منعزلا مغلقا في زاوية ضيقة ، وهذا 
من المؤكد سيجمده ، كما ان التحديث الفكري ضروري من أجل مواكبة الدين للتطور الحضاري و الانساني للمجتمع ، كما أن الكف عن الخطب الرنانة المكفرة للأخر / في الجوامع خاصة أيام الجمع ضرورة لأنها ستخلق فكرا ظلاميا داخل النفس البشرية / خاصة الشباب ، أذا ما اطلق العنان له ، أو أذا تفاعل مع بيئة خصبة سوف لن يكتفي بتكفير وألغاء الاخر بل سيلغيه و يمحوه من الوجود .
أن ما حدث لمسيحي الموصل / أو كما يدعونهم نصارى الموصل هو فعل أجرامي ودموي للمنظمات التكفيرية ، جاء نتيجة للتقوقع الفكري للخطاب الديني الأسلامي المتزمت الذي تتبعه ، كما أن التسميات الخاطئة / المكفرة للأخر تزيد من وتيرة الحدث نحو العنف ، كما أن سقوط الموصل / الهزيمة العسكرية الكبرى للجيش العراقي المسيس طائفيا شكلت سببا آخرا لأضطهاد المسحيين / لأنعدام الأمن و الأمان .
و أخيرا أن الله واحد لدى كل الاديان وهو آله المحبة ،كم أن ألله لم يكن في يوم من الايام آله لطائفة دون اخرى ، بل هو آله الجميع .