بين النصارى والمسيحيّين

 

لا خلاف على أنّ لفظة المسيحيّة مشتقّة من "المسيح" وأصلها العبريّ משיח= مشيح وجذرها משח=مشح، (الشين العبريّة تعرّب إلى حرف السين) ولها تقريبا الدلالة نفسها بالعربيّة، إذ تعني الذي يُمسح بالدهن دلالة على تميّز هذا الشخص بمُلْك أو كهانة، وجاء في لسان العرب في مادة "مسح": (قال الأَزهري أُعرب اسم المسيح في القرآن على مسح وهو في التوراة مَشيحا فعُرِّبَ وغُيِّرَ كما قيل مُوسَى وأَصله موشى (…) وقال شمر سمّي عيسى المَسِيحَ لأَنه مُسِحَ بالبركة. وقال أَبو العباس سمي مَسِيحا لأَنه كان يَمْسَحُ الأَرض أَي يقطعها. وروي عن ابن عباس أَنه كان لا يَمْسَحُ بيده ذا عاهة إِلاَّ بَرأَ (…) وقيل سمي مسيحاً لأَنه خرج من بطن أُمه ممسوحاً بالدهن).

وقد ذُكرت لفظة "المسيحيين" لكلّ من آمن بالمسيح، لأوّل مرّة في أعمال الرسل (11، 26) وجاء فيها: (…وسمّى التلاميذ مسيحيين في أنطاكية أوّلا)، مسيحيّين=
Χριστιανούς = christianous فصار كلّ من يتبع المسيح يسوع (1) يسمّى مسيحيّا، والديانة هي المسيحيّة.

النصارى:

قبل أن نتعرّض إلى أصل هذه التسمية في القرآن فإنّنا سنقوم بجولة تاريخيّة، وسأدخل القارئ معي في بعض المتاهات الإيتمولوجيّة والفيلولجيّة التي لا بدّ منها.

ورد نعت يسوع في الأناجيل بثلاث تسميات مختلفة (حوالي عشرين مرّة)، فمرّة
Ναζωραῖος = Nazōraios ومرّة Ναζαρηνός = Nazarēnos ومرّة من Ναζαρέτ = Nazaret وقد جرت العادة على اعتبارها كلّها تعود على مدينة الناصرة أي "يسوع الناصري" لكن الأمر ليس بهذه البساطة (2) خاصّة مع اللفظتين الأوليين، وذلك لسببين جوهريين :

1- السبب الأوّل : تُكتب مدينة الناصرة -مثل العربيّة- بحرف "الصاد" العبري (
צ) وتُرسم: נצרת وحين نترجم هذا الحرف إلى اليونانيّة فإنّنا نكتبه بحرف "السيجما" (أي حرف السين= ς أوσ ) وأعطي أمثلة : لنذهب إلى الترجمة السبعينيّة (3) ونختار مثلا قرية "حاصور" المذكورة في سفر يوشع (15،23) = חצור فتُترجم إلى اليونانيّة -وبطبيعة الحال- إلى: Ασωρ (بحرف السيجما) أو مثلا قرية "حصرون"= חצרון تُترجم إلى Εσερων أو لنذهب إلى العهد الجديد ونفتح إنجيل متّى (1،3) الذي يذكر فيه حصرون بن فارص، فاسم حصرون مكتوب بحرف السيجما: Eσρώμ فحرف الصاد العبري يقابله دائما حرف السيجما اليوناني، لكنّ المشكلة هنا أنّ "صاد" مدينة الناصرة نجدها تُترجم في الأناجيل بحرف "الزاتا"= ζ وهي العلم الوحيد الذي نجد "صاده" مترجمة إلى حرف "زاتا" (أي حرف الزين بالعربيّة) كما أنّنا حتّى ولو تجاهلنا حرف "الزاتا" واعتبرناه خطأ في كتابة الإناجيل (يتكرّر عشرين مرّة؟) لكانت جملة يسوع الناصري (نسبة إلى مدينة الناصرة) تُكتب مثلا: Iησοῦς Ναζαρέθανος = Iēsous Nasarethanos وليس كما هي مكتوبة حاليّا: Nazōraios و Nazarēnos

هذا الأمر دفع عشرات الباحثين، وآخرهم
Desjardins (4) إلى اعتبار أنّ هذه التسمية في الأناجيل لا تعود على مدينة الناصرة بل مشتقّة من اللفظة العبريّة: נ זיר (حرفيّا بالعربيّة دون معنى: نزير) وتقابلها في المعنى لفظة "نذير" أو "ناذر" بالعربيّة، وهو الشخص الذي ينذر نذرا لله، وهذه اللفظة بالعبريّة مكتوبة بحرف "الزين" العبري= (ז) لذلك يرى أصحاب هذا الرأي أنّ الكلمة تترجم إلى اليونانيّة Naziraios (بحرف الزاتا اليوناني أي حرف الزين العربي) وهو ما نراه في الترجمة السبعينيّة في سفر القضاة مثلا (16،17) : ναζιραῖος = naziraios مع عدم الأخذ بعين الاعتبار الفرق في النطق بينها وبين Nazoraios (بسبب الكتابة العبريّة القديمة بلا حروف مدّ) بيد أنّ يسوع لم يكن "نذيرا" حيث تبيّن التوراة الطريقة التي يتّبعها صاحب النذر كما في سفر العدد (6، 1-5) ويُمنع فيها شرب الخمر(5) -أثناء النذر- والاقتراب من جثّة ميّت، وعدم قصّ الشعر،(6) الخ.. وهو ما لا نراه في سيرة يسوع في الأناجيل، لكن يظلّ هذا التفسير هو الأقرب إلى المنطق رغم وصولنا إلى طريق مسدود.

2- السبب الثاني هو أنّ مدينة الناصرة، وقتها أو قبله، غير مذكورة في أيّ نصّ يهوديّ (رغم عدد القرى والمدن المذكورة في العهد القديم) ولا في نصّ يونانيّ أو لاتينيّ ولا غيرهما(7)، ولا نجد لها ذكرا إلاّ في الأناجيل، وهذا أمر يدعو إلى الريبة والشكّ، كما أنّ وصف هذه المدينة في الأناجيل لا ينطبق عليها، فإنجيل "حسب لوقا" يقول : وجاء [يسوع] إلى الناصرة حيث كان قد تربّى. ودخل المجمع حسب عادته يوم السبت وقام ليقرأ (…) فامتلأ غضبا جميع الذين في المجمع حين سمعوا هذا. فقاموا وأخرجوه خارج المدينة وجاؤوا به إلى حافة الجبل الذي كانت مدينتهم مبنيّة عليه حتّى يطرحوه إلى أسفل. أمّا هو فجاز في وسطهم ومضى (لوقا5، 16-30) فلوقا (أو بالأحرى حسب لوقا) يقدّم لنا إشارة طوبوغرافيّة عن مدينة الناصرة ويشير إلى أنّها مبنيّة فوق جبل، لكنّ مدينة الناصرة التي يزورها الحجّاج المسيحيّون اليوم ليست مبنيّة فوق جبل. ويشير لوقا أيضا إلى وجود "مجمع" فيها أي كنيس يهوديّ، لكن لم تجد الأبحاث الأركيولوجيّة -لحدّ هذا اليوم- أثر هذا الكنيس اليهوديّ في مدينة الناصرة الحاليّة، رغم اكتشاف آثار كنيسين، الأوّل في الشاطئ الشرقيّ لبحيرة طبريّة والثاني في قرية مصعدة(8)، فالناصرة (إن كانت موجودة في عهد يسوع وأرجّح أنّها لم توجد بهذا الاسم) لم تكن مدينة بل قرية صغيرة جدّا لا يتجاوز عدد سكّانها مائتي نسمة حسب تقدير
Tabor.(9)

إذن من أين جاء اسم مدينة الناصرة؟ الراجح عندي هو أنّ كتبة الأناجيل (إذ يكتبون من الذاكرة ومن الخيال ومن بعض الوقائع التاريخيّة المختلطة) قاموا بصناعة اسم مدينة الناصرة(10) على صفة يسوع "النزيريّ" لا العكس، حتّى وإن كلّفهم الأمر ذكر اسم وهميّ لمدينة وهميّة(11)، وهذا الأمر نراه يتكرّر أكثر من مرّة في الأناجيل مع تلاميذ المسيح، فمثلا نقرأ في إنجيل متّى اسم "يهوذا الإسخريوطي" =
Iσκαριώτης= Iskariōtēs وجرت العادة على اعتبار أنّ معنى "الإسخريوطي" العبري هو "رجل من قريوت" أي قرية قريوت، لكن هذا تفسير خاطئ(12) وهو تحريف لكلمة Σίκαριώτης= Sikariōtēs أي بالعربيّة "السيّاف" وصاحب السيف، فكنية يهوذا هي "السيّاف" أو نقرأ في إنجيل متّى اسم "سمعان القانوني"= Καναναῖος = kananaios أي نسبة إلى مدينة "قانا" وهذا خطأ أيضا(13) والصحيح أنّ التسمية تعود على الأصل العبري קנאי= قناي أي "المتعصّب"(14) وإذ نرى أنّ الكنية تصير-عند كتبة الأناجيل- تحيل على اسم مدينة فإنّنا نرى أحيانا أخرى تحويرا للمعنى مثل اسم "سمعان بطرس" الذي تشير الأناجيل إلى أنّه ابن "يونا" فتكتبها: Βαριωνᾶς= Bariónas وهي متكوّنة من مقطعين Bar= بار (بالآراميّة) وتعني "ابن"و Ionas وتعني "يونا" وهذا خطأ حيث نلاحظ في الأناجيل أنّها لا تستعمل لفظة "بار" الآراميّة للإشارة إلى معنى الابن بل تستعمل دائما اللفظة اليونانيّة υιος وباللاتينيّة Fillus فلماذا يستعملون لفظة آراميّة في هذا الموضع؟ السبب هو أنّ الكلمة لا تتكوّن من مقطعين بل مقطع واحد وأصلها العبريّ בריון=باريون وتعني "الإرهابي"(15)، وقد يلاحظ القارئ نعوت هؤلاء التلاميذ الذين يتبعون يسوع فواحد سيّاف والثاني متعصّب والثالث إرهابيّ، هذا دون أن نتعرّض إلى تخريج أسماء التلاميذ الآخرين، وهو أمر قد يفسّر لنا سبب صلب بيلاطس ليسوع، فروما تصلب كلّ من يحرّض ضدّها أو من كان يتبع تنظيما ثوريّا سرّيّا، لكنّ الأناجيل محت "حقيقة" يسوع (إن وُجد)، وقدّمتْ لنا شخصيّة جديدة تدعو إلى الحبّ والخير لكن بقي بعض الصدى في الأناجيل يشير إلى "حقائق" أخرى، وهذا مبحث ثان ليس مقامه هنا.

قلنا إذن إنّ تغيير النعوت وجعلها أسماء مدن ليس جديدا في الأناجيل، وكذلك صفتا يسوع
Nazōraios و Nazarēnos أرى أنْ لا علاقة لهما بمدينة الناصرة، وربّما تعودان إلى الجذر العبريّ : "نزر أي نَذَر يَنذُر نذرا"(16) مثلما أشرنا، وسأستعمل من الآن فصاعدا لفظتيْ "النصارى" و"النصراني" تجاوزا واصطلاحا وتسهيلا على القارئ حين أشير إلى الصفتين دون كتابتهما بالحرف اللاتيني، إلاّ إذا اقتضتني الضرورة.


النصارى قَبْلَ النصارى:

يذكر بلين القديم(17) (القرن الأوّل الميلادي) في كتابه التاريخ الطبيعي باللاتينيّة وجود منطقة (أو مقاطعة) يسمّيها "منطقة النصرينيّين"
Nazerinorum موجودة في سوريا غرب نهر العاصي مقابل منطقة أفاميا (قرب قلعة المضيق) التابعة لمنطقة حماة، وهو نقل هذه المعلومة عن الجنرال Marcus Vipsanius Agrippa الذي توفّي سنة اثنتي عشرة قبل الميلاد، فلفظة "النصارى" موجودة قبل ولادة يسوع أصلا، فإن كانت منطقة النصارى التي أشار إليها "بلين" تعني وجود جماعة لها مذهب أو عقيدة أو توجّه، أو حتّى تنتسب إلى جدّ أو شخص اسمه Nazerin=نصرين أو أيّ فرضيّة أخرى، فلماذا تمّ إطلاق هذه التسمية على يسوع؟ والمثير أنّ هذه الصفة نجدها تُطلق على بولس في "أعمال الرسل" بوصفه ينتمي إلى شيعة "النصرانيّين" إذ جاء في (24،5) على لسان اليهود متحدّثين عن بولس : (قائد شيعة النصرانيّين) والكلمة المستعملة في الإنجيل باللاتينيّة هي: sectae Nazarenorum أي "مذهب النصارى". أمّا الكلمة عند "بلين" والتي يشير فيها إلى منطقة موجودة حوالي سنة عشرين قبل الميلاد فهي: Nazerinorum ويختلفان في حرف، وربّما توجد شيعة النصارى هذه قبل يسوع وأطلقها اليهود فيما بعد عليه وعلى أتباعه، ولا نعرف السبب، وربّما مجرّد تشابه، ولا يمكننا المضيّ أكثر فيهما لانعدام الدلائل، حيث لم يتوقّف "بلين" عند معنى الكلمة ليوضّح لنا. بيد أنّ هذا الأمر يؤكّده في القرن الرابع الميلادي أحد آباء الكنيسة "أبيفانوس" Epiphanius قائلا : "توجد قبل المسيح فرقة (أو مذهب) يسمّون "مذهب النصارى" ولم يعرفوا هؤلاء المسيح."(18)

النصارى في الكتابات الكنسيّة:

نجد في كتابات رجال الكنيسة مراوحة بين لفظتيْ :"نصارى" و"أبيونيّين" وإذ كنّا لا نعلم جازمين أصل لفظة "نصارى" فإنّ معنى لفظة "أبيونيّين" هو "الفقراء"، لكن هناك من يفرّق بين لفظة نصراني وأبيوني وبين من يجعلهما في سلّة واحدة(19) ويفسّر
Lémonon هذا الخلط قائلا : "إنّ النصارى يتشاركون مع الأبيونيّين في تشبّثهم بالتعاليم اليهوديّة، بيد أنّ الفرق بينهما هو أنّ عقيدة النصارى تتّفق مع عقيدة المسيحيّين [في المسيح]"(20) لكنْ الأبيونيّيون لا يعتبرون يسوع ابن الله بل أحد عباده وهم موجودون منذ القرن الأوّل الميلادي.

كتب القدّيس أوريجنيوس (من الإسكندريّة، بين القرن الثاني والثالث الميلادي): "يقول الأبيونيّون [إنّ المسيح] ولد من رجل وامرأة تماما مثل ولادتنا نحن"(21) لكنّ أوريجنيوس يوضّح أنّ هناك من الأبيونيّين أيضا من يؤمن بأنّ المسيح مولود من عذراء، قائلا: "وبعضهم يؤمن بأنّ المسيح وُلد من عذراء، كما نؤمن نحن، [وآخرون] يرفضون هذا الأمر ويؤكّدون على أنّه مولود مثل جميع البشر"(22)، فعندنا هنا فرقتان أو مذهبان للأبيونيّين وإذ يختلفان في كيفيّة ولادة يسوع فإنّهما يتّفقان في رفض "بولس" ورفض ما جاء به، حيث يقول يوسبيوس القيصري (القرن الثالث والرابع الميلادي) : إنّهم يرفضون رسائل بولس ويسمّونه "كافرا"، ويؤمنون فقط بإنجيل اسمه "الإنجيل حسب العبرانيّين"، ونادرا ما يولون اهتماما للأناجيل الأخرى"(23) ونعود إلى لفظة النصارى فيقول "ترتليانوس" (من قرطاج، القرن الثاني الميلادي) : "إنّ لفظة النصاريّ
Nazareus أطلقتْ على المسيح، كتحقيق للنبوءة، ومن هناك صار اليهود يسمّوننا نحن أيضا نصرانيّين Nazarenus "(24) لكنّ أبيفانوس (من قبرص، القرن الرابع الميلادي) يضع الجميع في سلّة واحدة ويعتبر "النصارى" لا يؤمنون بألوهيّة يسوع قائلا : "إنّهم [أي النصارى] يؤمنون بالعقيدة اليهوديّة إلاّ في أمر واحد وهو إيمانهم بمجيء المسيح، فهؤلاء يؤمنون بيوم البعث وأنّ كلّ شيء يأتي من الله، ويؤمنون بأنّ الله واحد أحد وأنّ يسوع عبده (…) والفرق بينهم وبين المسيحيّين واليهود هو أنّهم يختلفون عن اليهود بوصفهم يؤمنون بيسوع المسيح، ويختلفون عن المسيحيّين بوصفهم يطبّقون الشريعة اليهوديّة (…) ويؤمنون بأنّ المسيح مولود من مريم بتدخّل من الروح القدس"(25). نلاحظ أنّ هذه العقيدة (على الأقلّ منذ القرن الرابع الميلادي) تتّفق مع الإسلام، فهؤلاء الذين يذكرهم "أبيفانوس" يؤمنون بيوم البعث وأنّ الله واحد وأنّ عيسى عبده ورسوله (لا ابنه) وأنّه مولود من مريم العذراء بتدخّل من الروح القدس. وإذ يستعمل أبيفانوس لفظة "النصارى" للإشارة إلى هذا المذهب فإنّ "جيروم" (من كرواتيا، القرنين الرابع والخامس الميلادي) وكذلك معاصره "أغسطينوس" (من الجزائر) يستعملان في رسائلهما مرّة لفظة "النصارى" ومرّة لفظة "الأبيونيّين" إمّا جمعا أو تفريقا بينهما، حيث يقول أغسطينوس : "إنّ النصارى إذ يؤمنون بأنّ المسيح هو ابن الله، فإنّهم يطبّقون أيضا الشريعة اليهوديّة"(26) لكنّه يقول في رسالته رقم 116: "مذهب الأبيونيّين أو ما نسمّيه عادة مذهب النصارى"(27)، فهنا يجمع بين عقيدة النصارى والأبيونيّين في تسمية واحدة، ويشير "جيروم" قائلا : " النصارى والأبيونيّون يستعملون [فقط] الإنجيل حسب العبرانيّين"(28)، وهذا الإنجيل يسمّيه "جيروم" في مواضع أخرى" الإنجيل العبراني" (29) ويبدو أنّ أغسطينوس وجيروم تبعَا -عموما- ما لخّصه أبيفانوس في الجمع بين لفظتي "النصارى" و"الأبيونيّين"، ربّما بسبب اتّفاق هذين المذهبين في تطبيق الشريعة اليهوديّة والإيمان بمجيء المسيح، لذا فإنّنا نرجّح أنّ الأبيونيّة هي منبثقة من النصرانيّة المنبثقة بدورها من المسيحيّة، ويختلفان في ماهيّة المسيح(30)، والأبيونيّة نفسها تنقسم إلى فرعين كما أشرنا أعلاه.

النصارى في التلمود:

اسم يسوع مذكور في التلمود أكثر من مرّة(31)، ونعته "يسوع النوصري" =
ישו הנוצרי وأحيانا يسمّونه "بلعام"(32)، وأحيانا :ابن بانتورا" في إشارة إلى أنّ مريم حملتْ بيسوع من عشيقها الجنديّ الرومانيّ Panthera وأنّ يسوع هو ابن زنا، وأحيانا "ابن ستادا"= סטדא وهو نعت أمّه مريم في التلمود، "בן סטדא בן פנדירא = ابن ستادا هو ابن بندورا "(33)، والزوج هو ففوس بن يهودا وأمّه [أي أمّ يسوع] تدعى ستادا= בעל פפוס בן יהודה הוא אמו סטדא وتهمة "ابن زنا" يردّ عليها القرآن قائلا : "وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما" (النساء، 156) ويشير التلمود أيضا إلى أنّ يسوع كان ساحرا(34) وهو ما نجد صداه في القرآن مخاطبا عيسى : "إذ جئتهم بالبيّنات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلاّ سحر مبين" (المائدة، 110)، وبالمناسبة فإنّ ذكر مريم أمّ يسوع في القرآن يفوق عدد ذكرها في الأناجيل، فهي مذكورة عشرين مرّة في العهد الجديد وأربعا وثلاثين مرّة في القرآن.

وإذ يسمّي التلمود يسوع بالنوصري، حيث أنّه وعلى ما يبدو حافظ على التسمية القديمة الأولى، فإنّ الصلاة اليهوديّة والتي تسمّى "التفيله" والتي تُردّد ثلاث مرّات يوميّا في الكنيس تذكر النصارى وتلعنهم وجاء فيها :" ليكنْ كلّ الكافرين بلا أمل، ولتجتثّهم مملكة التغطرس من جذورهم في أيّامنا، وليندثر النصارى= (
נוצרים=نوصريم) والهراطقة في غمضة عين، وليمحَوا من كتاب الحياة ولا تكتب أسماؤهم مع الأتقياء، بورك يهوه مذلّ المتغطرسين"(35). 

النصارى عند العرب في الجاهليّة:

يبدو أنّ العرب لم تكن تستعمل لفظة "مسيحيّين" وإنّما تستعمل لفظة "النصارى" وبها خاطبهم القرآن، حيث جاء في شعر أميّة بن أبي الصلت : "والناس راث عليهم أمر ساعتهم * وكلّهم قائل للدين إيّانا، أيّام يلقى نصاراهم مسيحهم * والكائنين له ودّا وقربانـا، هم ساعدوه كما قالوا إلههم * وأرسلوه كسوف الغيب دسفانا(36). وقال الشاعر جابر بن حني التغلبي : "وقد زعمتْ بهراء أنّ رماحنا * رماح نصارى لا تخوض إلى الدم، فيوم الكلاب قد أزالت رماحنا * شرحبيل إذ آلى أليّة مقسم"(37). وجاء في شعر حسّان بن ثابت : "فرحت نصارى يثرب ويهودها * لمّا توارى في الضريح الملحد"(38). ويقول جواد علي معلّقا، في حديثه عن معنى النصارى، على هذه الأبيات وغيرها : " غير أنّ هذه الأبيات وأمثالها إن صحّ أنّها لشعراء جاهليين حقاً، هي من الشعر المتأخّر الذي قيل قبيل الإسلام. أما قبل ذلك، فليس لنا علم بما كان العرب يسمّون به النصارى من تسميات."(39) وجاء في لسان العرب: " ونَصَرى ونَصْرَى وناصِرَة ونَصُورِيَّة قرية بالشام والنَّصارَى مَنْسُوبُون إِليها قال ابن سيده هذا قول أَهل اللغة قال وهو ضعيف إِلاّ أَنّ نادِر النسب يَسَعُه قال وأَمّا سيبويه فقال أَمّا نَصارَى فذهب الخليل إِلى أَنّه جمع نَصْرِيٍّ ونَصْران كما قالوا ندْمان ونَدامى (…) قال أَبو إِسحق : واحِد النصارَى في أَحد القولين نَصْرَان كما ترى مثل نَدْمان ونَدامى (…) وقال الليث زعموا أَنهم نُسِبُوا إِلى قرية بالشام اسمها نَصْرُونة، التهذيب، وقد جاء أَنْصار في جمع النَّصْران قال لمّا رأَيتُ نَبَطاً أَنْصارا بمعنى النَّصارى، الجوهري، ونَصْرانُ قرية بالشأْم ينسب إِليها النَّصارى ويقال ناصِرَةُ والتَّنَصُّرُ الدخول في النَّصْرانية وفي المحكَم الدخول في دين النصْري"(40). فابن سيّده يرى أنّه من الضعيف ربط لفظة "ناصرة" بالنصارى، حيث أنّنا نُسقط ياء النسب والصحيح أن نقول : "ناصريين" في الجمع، وناصري في المفرد، أمّا الخليل فهو يستعمل القياس، كقولنا "سمعانيّ" نسبة إلى "سمعان" كذلك "نصرانيّ" نسبة إلى "نصران" ويقيس أيضا على "مهريّ" وجمعها "مهارى" كذلك "نصريّ" وجمعها "نصارى" ولا أدري لماذا لم يقيسوا على "نصير" مثل يتيم/يتامى، نديم/ندامى، ونصير/نصارى، ربّما بسبب الفعل المتعدّي واللازم، رغم أنّه يمكن إلحاق اللفظة بالشواذ كآخر حلّ، وهذا التردّد في أصل التسمية يعلّق عليه جواد علي قائلا : "ولعلماء اللغة الإسلاميين آراء في معنى هذه الكلمة وفي أصلها، هي من قبيل التفسيرات المألوفة المعروفة عنهم في الكلمات الغريبة التي لا يعرفون لها أصلاً. وقد ذهب بعضهم إلى أنها نسبة إلى الناصرة التي نسب إليها المسيح. وزعم بعض منهم أنها نسبة إلى قرية يقال لها "نصران"، فقيل نصراني وجمعه نصارى. وذكر أن "النصرانة" هي مؤنّث النصراني"(41) ونرى -كما يرى جواد علي- أنّها لفظة معرّبة ولا أصل لها في العربيّة.

النصارى في القرآن:

وردت لفظة النصارى في القرآن أربعة عشر مرّة، دائما بصيغة الجمع، ومرّة واحدة بصيغة المفرد "نصرانيّا" وذهب
Alphonse Mingana (مثل Horovitz ) إلى أنّ هذه التسمية التي تعني المسيحيّين قد انتقلت إلى القرآن من السريانيّة، حيث نقرأ في معظم الوثائق السريانيّة القديمة، قبل الإسلام، لفظة "نصرايا" في إشارة إلى المسيحيّين مثلما سُمّي بذلك "سمعان بن سباعي" في القرن الرابع برأس النصراي، أي رأس المسيحيّين، وغير ذلك من الأمثلة(42) لكن "منيانا" لا يفسّر أصل هذه الكلمة في السريانيّة(43) ولماذا يُسمّى المسيحيّون بالنصارى فيها. ومن الممكن بطبيعة الحال أن تكون كلمة "النصارى" قد انتقلت من السريانيّة إلى القرآن وربّما إلى الشعر الجاهلي مثلما أشرنا، لكنّنا هنا في مجال التعريب وإذ نفترض أنّ القرآن عرّب "نصراي" السريانيّة فيمكننا افتراض أنّه عرّب "نوصريم" العبريّة، بل ولا شيء يمنع أيضا تعريب Nazarene اليونانيّة(44)، ولا يمكننا القطع في أصل هذا التعريب ناهيك عن مدلول الكلمة الدقيق في اللغات الأخرى، حيث أنّ الآراء متباينة.

بيد أنّ القرآن يقوم بتخريجة لغويّة ويجعل للفظة أصلا عربيّا إذ يقول : "يا أيّها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريّون نحن أنصار الله" (الصفّ، 14). فكأنّ القرآن يربط بين لفظة "نصارى" و"أنصار" والمفرد هو "نصير" وجمع القلّة "أنصار" والكثرة "نصارى" كقولنا يتيم وأيتام ويتامى، ولفظة "نصير" قد تعود بنا إلى لفظة "نزير" العبريّة التي ذكرناها في أوّل البحث، رغم أنّ القرآن-كما يبدو- يخرّج الكلمة على جذر "نصر ينصر نصرا" لا على "نذر ينذر نذرا" في الأصل العبري. وتجدر الإشارة إلى أنّ بعض المسيحيّين يرفضون لفظة "النصارى" في الإشارة إليهم بدعوى أنّ النصارى هي فرقة منشقّة عن المسيحيّة (انظرْ أعلاه : النصارى في كتابات رجال الكنيسة) أمّا
De Blois فهو يرى أنّ لفظة "النصارى" في القرآن قد لا يُقصد بها "المسيحيّين" وسأتوقّف قليلا عند طرحه(45). كنتُ قد ذكرتُ سابقا أنّ النصارى (Nazaréens) الذين أشار إليهم بعض رجال الكنيسة كانوا يؤمنون بأنّ المسيح هو ابن الله لكن في الوقت نفسه حافظوا على الشريعة اليهوديّة، وبالتالي فهم لا يأكلون الخنزير ويراقبون تعاليم التوراة وغير ذلك من الحدود، وأذكّر القارئ بهذا الأمر حتّى لا يقع خلط بينهم وبين الأبيونيّين الذين هم مثلهم، لكن ينفون ألوهيّة يسوع.

يقول القرآن في سورة المائدة، 116: "وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتّخذوني وأمّي إلهين من دون الله"؟ يبدو من الوهلة الأولى لكلّ مطّلع على المسيحيّة أنّه يوجد خطأ في هذه الآية فالمسيحيّة لا تعتبر مريم إلهة، والثالوث المسيحيّ لا يتكوّن من يسوع ومريم والله، بل من يسوع والروح القدس والله، فيبدو للبعض أنّ النبيّ نقل هذه المعلومة الخاطئة إلى القرآن دون أن يتثبّت منها، وأنّ النبيّ لم يكن مطّلعا على العقيدة المسيحيّة بما يكفي، وهذا كلام ضعيف فحتّى لو لم يكن مطّلعا لصحّح له من معه من صحابته ذوي الأصول المسيحيّة ولنسخها بآية أخرى وقد نزلتْ آيات ناسخة في أمور هيّنة أفلا تنزل في هذا الشأن؟ وكان قد ذكر أوريجنيوس أنّ "الروح القدس" في إنجيل العبرانيّين يسمّى "الأمّ"(46) وذكر هذا الأمر جيروم أيضا متحدّثا عن الإنجيل المكتوب بالعبرانيّة والذي يتّبعه النصارى مؤكّدا أنّ الروح القدس مذكور بلفظة "الأمّ"(47) ونعود الآن إلى
De Blois فهو يربط الآية في سورة المائدة ويعتبر أنّ قول القرآن : "اتّخذوني وأمّي إلهين من دون الله" يعني يسوع وأمّه الروح القدس لا أمّه مريم، وبالتالي فهو ليس خطأ قرآنيّا من ناحية، ويجعلنا نستدلّ على أنّ لفظة النصارى في القرآن، ليست عامّة على المسيحيّين، بل تعني هؤلاء الذين ذكرهم أوريجنيوس وجيروم والذين يعتمدون الإنجيل العبراني، من ناحية أخرى. ولزيادة تدعيم هذا القول فإنّ الآية الخامسة في سورة المائدة تقول : "اليوم أحلّ لكم الطيّبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حلّ لكم…" فكيف يصبح طعام المسيحيّين حلالا وهم يأكلون لحم الخنزير المحرّم مثلا؟ وبالتالي فإنّ النصارى من أهل الكتاب هم هؤلاء الذين يطبّقون الشريعة اليهوديّة ويؤمنون في الوقت نفسه بألوهيّة يسوع ويتبعون الإنجيل العبراني فطعامهم حلال.

لا أتّفق مع هذا الطرح، رغم جدّته، وأعتبر أنّ لفظة النصارى في القرآن تعني جميع المسيحيّين بمختلف طوائفهم، أمّا عن الآية 116 في سورة المائدة والتي تتحدّث عن يسوع وأمّه كإلهين فأنّ لها عندي تفسيرا آخر وهو التالي : القرآن يقصد فعلا مريم أمّ عيسى، حيث يذكر مثلا في سورة المائدة نفسها، الآية 75: "ما المسيح ابن مريم إلاّ رسول قد خلت من قبله الرسل وأمّه صدّيقة كانا يأكلان الطعام"، فالأمّ هنا تعود على مريم بوصفها تأكل الطعام، بينما الروح القدس لا يأكله، لكن هذا لا يعني أنّ الآية فيها خطأ بل تشير فعلا إلى مذهب معيّن من المسيحيّين يعبدون مريم، ويعتبرون عيسى ومريم والله ثلاثة آلهة، حيث جاء في "القول الإبريزي للعلاّمة المقريزي" وجود طائفة مسيحيّة تسمّى "المرايمة" يعبدون مريم العذراء(48)، وهذه الطائفة ذكرها أبيفانوس في القرن الرابع الميلادي تحت اسم
Collyridiens يعيشون في الجزيرة العربيّة، وأشار إلى أنّهم يقدّمون القرابين إلى مريم كإلهة(49) وذكرهم أيضا "ليون البيزنطي" في القرن السادس الميلادي تحت اسم آخر (Philomarianites) حيث يصفهم كوصف أبيفانوس لهم(50) فالقرآن في الآية 116 يتحدّث عن هذا المذهب، لكنّه يتعرّض إلى مذاهب مسيحيّة أخرى، وجميعها تحت لفظة "النصارى" حيث يشير إلى تعدّد الفرق واختلافها :" ومن الذين قالوا إنّا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظّا ممّا ذكّروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون" (المائدة، 14).

الخاتمة:

لقد تطوّرتْ لفظة "النصارى" وتفرّعت عبر ستّة قرون من يسوع إلى محمّد، ولا نعلم - يقينا- أصل هذه التسمية الموجودة (ربّما) قبل ولادة يسوع، وأطلقها اليهود على أتباع بولس في أعمال الرسل، وأطلقتها الأناجيل على يسوع، ثمّ صارتْ نوعا من الهرطقة في كتابات رجال الكنيسة، بوصفها مذهبا منشقّا عن المسيحيّة، بيد أنّ التلمود حافظ على تلك التسمية (نوصريم) في حديثه عن المسيحيّين وعلى (نوصري) في حديثه عن يسوع، واستعملتها بعض الكتابات السريانيّة المسيحيّة مراوحة بينها وبين لفظة "المسيحيّين" مع العلم بوجود مذهب "النصارى" يتبعون إنجيل "العبرانيّين" ثمّ انتقلتْ إلى اللغة العربيّة (إمّا من السريانيّة أو العبريّة) فنجدها في الشعر الجاهلي (مع التحفّظ)وحطّ رحالها أخيرا في القرآن لتعني "اصطلاحا" المسيحيّين.


الهوامش:

1- نعتبر نسبة المسيحيّة إلى يسوع غير مُثبتة تاريخيّا وإنّما اعتمدنا هذه التسمية تجاوزا واصطلاحا فلا نناقش في هذا المبحث المنطلقات العقائديّة وإن كنّا نذكر للإفادة أنّ عديد الباحثين المعترف بهم يعتبرون بولس هو المؤسّس الحقيقيّ للمسيحيّة، فيقول
Geza Vermes من كبار المختصّين العالميّين في مخطوطات البحر الميّت: " يرى عديد الأكاديميّين من مرجعيّات مختلفة أنّه [أي بولس] هو الذي أنشأ المسيحيّة وجميع مؤسّساتها، وذهب القاموس الجاد والرصين Oxford Dictionary of the Christian Church إلى القول: بولس هو منشئ كلّ النظام العقائدي والكنسي في رسائله" انظرْ: 

Geza Vermes, Enquête sur L’identité de Jésus, Nouvelles interprétation, Bayard, Paris, 2003, p63

الكتاب الأصلي في طبعته الثالثة سنة 2000 بعنوان:
The Changing Faces of Jesus

2- لاحظ عديد الباحثين "صعوبة" ربط مدينة الناصرة بهذا اللفظ اليوناني منذ بداية القرن العشرين وحتّى يومنا هذا، انظرْ مثلا:

Charles Guignebert, Jesus, La renaissance du livre, 2éme éd., Paris,1933, p90 et passim 

3- الترجمة السبعينيّة هي ترجمة مشهورة لأسفار العهد القديم، ترجمها إلى اليونانيّة 72 حبرا يهوديّا، كما تقول الأسطورة، في عهد بطليموس في القرن الثالث قبل الميلاد. 


4-
Pierre Desjardins, Jesus, Nouvelle Enquête, Dorval Editions, France, 2010, p44

5- من الوصايا التي ينبغي أن يقوم بها صاحب النذر نقرأ في التوراة، سفر العدد: (اذا اعتزل رجل او امراة لينذر نذر النذير لينتذر للرب فعن الخمر والمسكر ينعزل ولا يشرب خل الخمر ولا خل المسكر ولا يشرب من نقيع العنب ولا يأكل عنبا رطبا ولا يابسا) وكلمة نقيع أو عصير (المسكر) مذكورة بالعبريّة:
משרת وترجمتها الحرفيّة: مِيشْرةْ، وهذا يذكّرنا بقول القرآن في حديثه عن الخمر والميسر حيث نرجّح أنّ كلمة ميسر تعريب لكلمة "ميشرة" خاصّة أنّها ترد في النصّ التوراتي والقرآني دائما مقرونة بالخمر، وليس كما ذهب المفسّرون إلى أنّها تعني "القمار" ربّما لعدم فهمهم لهذه الكلمة فأوجدوا لها التخريجات اللازمة.

6- شمشون كان "نذيرا" أيضا وقد أطال شعره أثناء نذره حتّى ضُرب به المثل في الأسطورة المعروفة.

7- يوسفيوس فلافيوس في القرن الأوّل الميلادي يذكر 45 اسم مدينة وقرية في الجليل ولا ذكر للناصرة، والتلمود يذكر 63 اسم قرية ومدينة من منطقة الجليل ولا ذكر للناصرة. الخ…

8-
James Tabor, La Véritable Histoire de Jesus, Une enquête scientifique et historique…., éd.Robert Laffont, Paris, 2007, p127

9-
Ibid., Cahier photo, p5

10- إنجيل متّى يربط هذه التسمية بمدينة الناصرة وبوضوح في (2،23) قائلا: "وأتى [يوسف أبو يسوع بالتبنّي] وسكن في مدينة يقال لها ناصرة. [
Ναζαρέθ=Nazareth ] لكي يتمّ ما قيل بالانبياء أنّه سيدعى ناصوريّا [Ναζωραῖος= Nazōraios]" لم يقل الأنبياء من قبل هذا الكلام فمتّى اخترع من عنده اسم مدينة الناصرة واخترع آية من العهد القديم (حسب ما وصلنا) تدعّم وجهة نظره، مثلما أشار إلى ذلك Mordillat و Prieur في ( Jesus contre Jesus, éd. Seuil, Paris, 2008, p28) وقد حاول المفسّرون أن يجدوا هذه الآية الوهميّة التي ذكرها متّى فقالوا هي موجودة في سفر إشعياء (11،1) والآية تقول: (ويخرج قضيب من جذع يسى وينبت فرع [فرع= נצר=نصر] من أصوله) لكن المشكلة أنّ اللفظة تصبح حينها لا علاقة لها بالناصرة كما يزعم متّى.

وإنجيل مرقس يقدّم إلينا إشارة أو صدى لأصل التسمية (ربّما) حيث يذكر في (1، 24) أنّ رجلا به روح نجسة قابل يسوع فقال له: "ما لنا ولك يا يسوع الناصاراني.[
Ναζαρηνός = Nazarēnos] أتيت لتهلكنا.انا أعرفك من أنت: قدوس الله" فكلمة "قدّوس الله" توحي بأنّ هذا الرجل صاحب الروح النجسة يفسّر معنى كلمة "ناصراني" حيث أنّ النذير (נזיר=نزير) هو أيضا قدّوس الله.

11- ربّما تمّ إيجاد مدينة باسم الناصرة بداية من القرن الثاني الميلادي، لتوافق الأناجيل، حين جاء الحُجّاج يبحثون عنها، انظرْ:

Gérard Mordillat et Jérome Prieur, Jesus contre Jesus, éd.Seuil, Paris, 2008, p28 والراجح عندي أنّه تمّ اختيار الموقع في القرن الرابع الميلادي حين اعتنقت روما المسيحيّة.

12-
Gys-Devic, Cahier C.E.R, n°214, Paris, 2001, p82-84 

13-
Ibid.

14- لوقا يذكر التسمية الصحيحة في (6،15) ويستعمل كلمة
ζηλωτην= zēlōtēn=المتعصّب.

15-
Cahier C.E.R, n°214, op.cit

16- وربّما من جذر نصر=
נָצַר (بتفخيم الصاد) يعني "راقب" و "حرس" و"حفظ" وأترجمها إلى العربيّة "نطر" والجمع "نواطير" كقول المتنبّي: نامتْ نواطير مصر عن ثعالبها. وربّما تعود على الجذر العبري أيضا נֵ֫צֶר =نصر (بتليين الصاد) وتعني فرع.

17-
Edouard-Marie Gallez, Le Messie et son prophète, Aux origines de L’Islam…, Studio Arabica, t1, éd. de Paris, 2005, p274-275, réf : Pline L’Ancien, Histoire Naturelle, Livre 5, ch. 19

18-
Ibid. p274, réf : Epiphane, Panarion, 29,6 (PG 41, 400B)

19- مثل القدّيس أبيفانوس وسنأتي على ذكره.

20-
Jean-Pierre Lémonon, Les Judéo-chrétiens : des témoins oubliés, Cahiers Evangile, n°135, 2006, p34

21-
Ibid. p23, réf. : Origène, Homélies sur saint Luc 17,4

22-
Ibid. réf. : Origène, Contre Celse 5,61

23-
Ibid. p24, réf. : Eusèbe de Césarée, H.E 3,27,4

24-
Ibid. p28, réf. : Tertullien, Contre Marcion 4,8,1

25-
Ibid. p30

26-
Gallez, Le messie et son prophète, op.cit, p277, réf : Augustin, lettre sur les hérésies à Quodvultdeus, 9 et 10, in Œuvres complètes, t.25, 1870, p218

27-
Ibid. p278, réf : Augustin, Lettre 116, 16

28-
Ibid. réf. : Jérôme, Commentaire sur St Matthieu, 12, 13

29-
Lémonon, Cahiers Evangile, op.cit, p31

30- كان الاختلاف حول ماهيّة المسيح كبيرا جدّا قبل القرن الرابع الميلادي، وانبثقتْ مذاهب شتّى، وللاطّلاع على أهمّ الاختلافات انظرْ مثلا:

Frédéric Lenoir, Comment Jésus est devenu Dieu, éd. Fayard, Paris, 2010, p127-175

31-
Daniel Marguerat, le déchirement: Juifs et chrétiens au premier siècle, Labor et fides, Genève, 1996, texte: Martinus C. De Boer, p195

32- في إشارة إلى الشيطان، أو إلى رمز سقوط بني إسرائيل بسببه.

33- التلمود البابلي، سنهدرين، 67أ

34- سنهدرين، 43أ

35-
Gallez, Le messie et son prophète, op.cit, p286 

وتجدر الإشارة إلى أنّ نسخة قديمة من هذه الصلاة لا تذكر اسم النوصريم وتكتفي فقط بكلمة الهراطقة، انظر صفحة 287

36- المطهّر بن طاهر المقدسي، كتاب البدء والتاريخ، مكتبة الثقّافة الدينيّة، مصر، ج2، ص145 (هذا الكتاب منسوب لأحمد بن سهل البلخي الذي توفّي سنة 322 هجري، بيد أنّ المؤلّف الصحيح هو المقدسي، كما أشار الثعالبي في كتاب الدرر، حيث أنّ تأليف الكتاب كان سنة 355 هجري، انظرْ تحقيق وطبعة كليمان هوار، باريس، 1899)

37- محمّد بن المبارك، منتهى الطلب في أشعار العرب، تحقيق: محمّد نبيل طريفي، دار صادر، بيروت، 1999، ج4، ص45

38- جواد علي، المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ط2، 1993، ج6، ص584

39- المصدر السابق

40- مادة "نصر".

41- المفصّل، مصدر سابق، ص583

42-
Alphonse Mingana, Syriac Influence on the Style of the Kur an, Bulletin of the John Rylands Library, v. 11,University press, Manchester, 1927, p96

43- يرى
De Blois أنّ أصل كلمة "نصرايا" السريانيّة مشتقّة من الجملة التي كُتبت أثناء صلب يسوع، إذ جاء في إنجيل يوحنّا (19،19): "يسوع "النصوراي"= Ναζωραῖος ملك اليهود". انظرْ:

Francois de Blois, Nasran and hanif, studies on the religious vocabulary of Christianity and of Islam, School of Oriental and African Studies, Bulletin of SOAS, 65, 1 (2002), p8

ويشير
De Blois إلى أنّ اللفظة ليست منتشرة في الكتابات السريانيّة ويستعملها أحيانا أعداء المسيحيّين. 

44- جمع أرثر جفري الكلمات الأجنبيّة في القرآن، وإن كنت أتحفّظ على بعض منها، انظرْ:

Arthur Jeffery, The Foreign Vocabulary of the Qur’an, Oriental Institute, Baroda, India, 1938 


45-
François de Blois, Nasran and hanif, op.cit, p13-15

46-
Gallez, Le messie et son prophète, op.cit, p80

47-
Ibid. p81

48- تاريخ الأقباط، المعروف بالقول الإبريزي للعلاّمة المقريزي، دراسة وتحقيق: عبد المجيد دياب، دار الفضيلة، القاهرة، 1995، ص 56-57

49-
Aline Pourkier, L hérésiologie chez Épiphane de Salamine, Christianisme antique v.4, Editions Beauchesne, Paris, 1992, p113

50-
Ibid. note 170