لغة الصابئة وكتبهم وممارساتهم

 

1- اللغة الصابئيَّة

هذه اللغة فرع من الفروع الساميَّة قائمة بذاتها. غير أنَّ الكلام عنها يستغرق كتابًا برأسه أو على الأقلّ مقالة طويلة ولهذا لا نذكر عنها هنا شيئًا. إلاَّ أنَّنا نقول إنَّ اللفظ الذي يذكره الإفرنج في كتبهم قد اختلقوه اختلاقًا برمَّته وهو غير لفظ الصابئة. وكذلك قل عن معاني بعض الألفاظ والعبارات فإنَّهم قد وهموا فيها وما ذلك إلاَّ لاستنادهم على اللغة الإرَميَّة بفرعيها فضلُّوا سواء السبيل. وكان يجب عليهم في مثل هذه الأمور أن يتلقّوا المصطلحات والشروح من أصحابها لا من غيرهم. ولولا ضيق المقام لذكرت كثيرًا من هذه الأغلاط. وعلى كلٍّ فإنَّهم معذورون لأنَّ الصابئة لا يبوحون أبدًا بأسرار لغتهم ومعانيها مهما دفعت لهم من الدراهم والدنانير. وممّا يتعلَّق بهذا الباب أنَّ للصابئة لغتين: لغة فصيحة ولغة عامِّيَّة. فالفصيحة هي لغتهم الدينيَّة، والعامِّيَّة هي لغة التكلُّم. وهذهالثانية تختلف عن الأولى كلَّ الاختلاف حتّى إنَّ كثيرين منهم لا يفهمون أبدًا اللغة الفصيحة. وإلى اليوم لم ينبِّه على هذا الأمر أحدٌ. وبحجَّة أقوى: لم يكتب أحد شيئًا عن اللغة العامِّيَّة والسلام.

 

2- كتبُ الصابئة الدينيَّة(*)

يدَّعي المندائيَّة أنَّ لهم كتبًا كثيرة مُنزلة تكاد لا تُحصى على ما يقولونه غير أنَّ النوائب التي انتابتهم والرزايا التي حلَّت بهم وكادت تستأصل شأفتهم، لم تُبقِ عندهم إلاَّ غيضًا من فيض أو قيضًا من بَيض أي ما لا يتجاوز عدُّه الأربعين كتابًا. أمّا الوقوف على هذه الأسفار فيكاد يكون من رابع المستحيلات فإنَّهم يحرصون عليها ولا حرصهم على حياتهم وعرضهم وقناهم كلِّها جمعاء. فكم وكم من وارتُه القبور وقُطعت أعضاؤه ودُقَّت عنقه وأُحرق بالنار وهلك غرقًا ضنٌّا بما في يديه من الكتب الدينيَّة. هذا وتواريخهم في هذا الصدد تسرد وقائع كثيرة تبيانًا لما أبداه المندائيّون من الامتناع وشدَّة العزيمة ممّا يذهل العقول. وقد جاء هذه البلاد جماعات من الإفرنج من ألمان وفرنسيّين وإيطاليان وإنكليز لمشترى بعض هذه الكتب ودفعوا لكتاب واحد خمسة آلاف فرنك ولكتاب آخر ألفين فرجعوا بخفَّي حنين.ومهما يكن من الأمر فإنَّ قلَّة هذه المخطوطات في خزائن كتب بلاد الفرنجة مع ما يبذل هؤلاء الأقوام من الأصفر الرنّان ويتكلَّفون لاستحصاله ما يُريهم الموت الأحمر لا بل وما كان منه بسائر الألوان يُصدَّق كلامنا ولا يعود يطلب منّا برهانًا آخر يدعم هذا البرهان. على أنَّه تعالى قيِّض لي أن أرى من هذه الأسفار ما لا أُصدِّق أنَّ رجلاً آخر رأى بعددها إذ لم أعثر إلى الآن على كلام يوقفني على مثل ما أقوله مع أنَّ أغلب الكتب المؤلَّفة في الصابئيَّة والمطبوعة في بلاد أوربا أو المذكورة أسماؤها في برنامجات خزائن الكتب موجودة عندي. على أنَّ المقام لا يحتمل تفصيلاً فوق ما نورده ولذا نأخذ بذكر بعض هذه الأسفار التي يدَّعي أصحابها أنَّها منزلة وإن لم تكن كذلك.

l وأوَّل هذه الكتب الكنزا ربّا أو السِدرا ربّا أو سِدرا دْآدم ومعناها الخزانة العظمى أو الكتاب العظيم أو كتاب آدم. وقد يكتفون بقولهم: »السدرا« بوجه الإطلاق. وهو اليوم مطبوع على الحجر وقد نشره الأديب هـ. بترمنّ بنصِّه الصابئ في ليبسك وهو قسمان: قسم يمينيّ وقسم شماليّ. فإذا أمسكته من القسم اليمينيّ يكون القسم الشماليّ مقلوبًا أي أعلاه أسفله. وبالعكس. وإذا أمسكته من القسم الشماليّ يغدو القسم الآخر مقلوبًا كما تقدَّم شرحه. أمّا عهد كتابة أصله فقد تباينت فيه الآراء واشتبكت. وكثرت فيه المذاهب واحتدمت. فمنهم مَن قال بأنَّه أقدم من النصرانيَّة. وهو وهمٌ ظاهر. ومنهم من ذهب إلى أنَّه من عهد يوحنّا الحصور وهو أيضًا وهْمٌ. ومنهم من صرَّح بكونه من المئين الأولى من النصرانيَّة. وهذا يردُّه أيضًا شواهد كثيرة من الكتاب نفسه. ومنهم غير ذلك. هذا وإنّي قد وجدتُ في السفر المذكور نصوصًا كثيرة تؤيِّد أنَّه لم يُكتب قبل سنة 708 للمسيح. أمّا ذكر هذه الأدلَّة فلعلَّنا نذكرها في مقالة خصوصيَّة نسمِّيها »بالآداب المندائيَّة اللغويَّة« (La littérature mandaïte) هذا وأغلب كلام »السدرا« يدور على أمور دينيَّة منها ترجع إلى المعتقد والدين. ومنها ترجع إلى القيام بسنن الدين ومنها مخاطبات أُلبست لباس النبوءة. غير أنَّ هذا الثوب الذي بيدو ثخينًا في عيون الصابئة هو في عيون المنتقدين الجهابذة شفّافًا يشفُّ عمّا وراءه من الأكاذيب والأقوال المختلفة الموضوعة المنافية للأصول العقليَّة وللنقول العلميَّة.

l والكتاب الثاني اسمه: دْرفشا دْيهْيَى أو سدرا دْيهيى أي تعليم يحيى أو كتاب يحيى. وهو كتاب أحدث من السابق ذكره. وقد أُودع نصائح كثيرة وحكمًا جليلة إلاَّ أنَّها معقودة العُرى بنواصي فِرًى عديدة تذهب بما في هذا السفر من حلى الآداب وروائع الزواجر.

l والكتاب الثالث القْلَستا أي كتاب الفرح أو الطرب أو المديح وهو سِفر خاصّ بسُنن الزواج والاصطباغ الذي يجري في الزواج. وأظنُّ أنَّ ما نشره حضرة الدكتور الفاضل أوتنك (Dr J. Euting) ليس من القلستا بشيء بل قد وهم في ترجمته بهذا العنوان ليس إلاَّ. وقد فسَّر المستشرقون لفظة القلستا بغير ما فسَّرناه اعتمادًا على نصوص اللغة الإرميَّة وأصولها لكن هذا مردود عند الصابئة.

l والكتاب الرابع سِدرا دْنِشماثا أي كتاب النفوس وهو يحوي السنن التي يقوم بها المندائيَّة في الاصطباغ الجاري في أيّام الآحاد والأعياد وصلاة النزاع وخروج النفس من الجسد ثمَّ خروجها من »أردا دْتِيفل« أي الأرض إلى »آلما دَنهورا« أي عالم النور وفيه غير ذلك من الصلوات.

l والكتاب الخامس: الديونان. بنونين. والبعض يسمِّيه: »الديوان«. وهذه اللفظة معنى تلك. وهو سِفرٌ يُذكر فيه قصص بعض الروحانيّين مع صورهم وهو عندهم من أنفس الكتب المنزلة ولا يكاد يُفتح لأحدٍ واليوم لا يوجد منه إلاَّ نسخة واحدة. ونَدْر هذا الكتاب حادثٌ من صعوبة رسم الصور والتماثيل التي فيه إذ يُطلب لها مهارة دقيقة.

l والكتاب السادس: تْرِسَّر ألفي شْيالا أي اثنا عشر ألف سؤال ويراد بذلك الأسئلة التي ألقاها بعض الروحانيّين على »ملكا دنهورا« قبل خلق العالم وبعده في ما يخصُّ الأمور الدينيَّة وفرائض الأساقفة والكهنة والشمامسة والمؤمنين إلى غير ذلك من الفوائد المهمَّة. ويوجد من هذا الكتاب نسخة ناقصة في باريس في المكتبة الوطنيَّة.

l والكتاب السابع: أسفر مَلْوا شي والعامَّة من المندائيَّة تسمِّيه: أصفر مَلواشا. ومعناه سِفر البروج وقد توسَّعوا بلفظة »مَلواشا« حتّى أطلقوها على وقت علَق المرأة بالولد وتعلُّق هذا الوقت بالبروج. وهو كتاب يستشيرونه في تسمية الوليد حينما يذكر أبوه أو القيِّم بأمره للكاهن الساعة التي وُلد بها الطفل واليوم والشهر فحينئذٍ يبحث الكاهن في هذا السفر عن الساعة التي حُبلت به أمُّه. وبالتالي عن الاسم اللائق به. وفي هذا الكتاب أمور كثيرة ترجع إلى علم الفلك وإلى علم التنجيم وفيه أيضًا صلوات كثيرة ورُقًى عديدة تُتلى لكي تكون التمائم فعّالة في مَن تُكتب لأجله من طرد الأمراض والأوصاب وإبعاد النوائب والنوازل وهو قديم الوضع والتأليف وأغلب رُقاه تشبه الرُقى التي كان يستعملها قدماء الكلدان. وقد عرف هذا الكتاب إبرهيم الحاقلانيّ إذ قال عنه في كتابه المرسوم , Romae, 1660, p. 355.pars altera , etc.:De origine nom. Papae ما معرَّبه: »أسفر مَلوا شي مجموعة في علم التنجيم وقد قُسمت فيه الكرة الزرقاء إلى 24 جزءًا متساويًا اثنا عشر منها ذكور واثنا عشر منها إناث. ويُتَّخذ للنظر في أيّام ولادة الولدان«.

l والكتاب الثامن: كْداوا كَدَفياتا أي كتاب العوذ. وفيه أنواع العُوّذ تُقرأ أو تُكتب بموجب ظروف الزمان وأحوال أهل البيت وهو غريب في بابه لما يُذكر فيه من أنواع الروحانيّين والجنّ والأرواح النجسة الشرّيرة.

l والكتاب التاسع: الإنيانيّ أي الأناشيد أو الأغاني. ويُراد بذلك الصلوات الدينيَّة التي تُتلى في أربعة أوقات النهار وفي الليل وكذلك صلوات خصوصيَّة باليوم الفلانيّ من كلِّ أسبوع. وفيه ذكر السنن المتَّبعة في دفن موتى المندائيَّة إلى غير ذلك من الفوائد الجليلة عندهم وهو كتاب يضنُّون به كلَّ الضنّ.

l والكتاب العاشر: قْماها دهِيفل زِيوا أي عودة هيفل زيوا وهو عبارة عن دَرْج كبير فيه أكثر من ألف ومائتي سطر وهي عبارة عن تعزيمات شتّى يحملها متديِّنو الصابئة ويزعمون أنَّ من يلبس هذا الحجاب لا يؤثِّر فيه سلاح نار أو سلاح بتّار. وهذا الدرج لا يُكتب لأحد ما لم يكن المندائيّ المُستكتب قد أظهر علامات الصلاح والتقى بما لا مزيد عليه. وفي آخر الدرج الأصليّ الذي يُنسخ عليه والمحفوظ عند أسقفهم قرأت هذه العبارة: »إزدهَر إزدهَر إزدهر لكلِّ أنش لا تكْدف« ومعناها: تحفَّظ ثمَّ تحفَّظ ثمَّ أقول لك تحفَّظ من أن تكتب (ألقماها) لكلِّ من كان أو لكلِّ أحد«. وهم يحرصون عليها كلَّ الحرص حتّى أنَّه لا يجوز لهم أن يدَعوا من لم يكن من دينهم أن »يمسّ« هذا الدرح خوفًا من أن يتنجَّس أو يفقد مفاعيله. وإذا فُقد منهم فكلُّ ما يبذلونه من البيضاء والصفراء في جانب استحصاله لا يُعدّ شيئًا مذكورًا.

وهناك كتب كثيرة لا يُمكن إيراد أسمائها في هذه المقالة اللهمَّ إلاَّ أن يُرصد لها نبذة مخصوصة تتمَّة للفائدة.

 

3- أخلاقهم وآدابهم

أخلاق(*) أهل هذه البدعة في منتهى الوداعة. وهم يمتازون بعدَّة فضائل منها العفَّة. ولذا تراهم يفرقون عن غيرهم من سيمائهم فإنَّ ملامح وجوههم تنطق بحسن آدابهم، وبشاشتهم تُترجم عن نقاء سرائرهم، ولسانهم يُفصح عمّا في ضمائرهم. ومن فضائلهم أيضًا محبَّة بعضٍ لبعض وهي فيهم على نوع لا يُشاهد إلاَّ في الرهبان. وذلك إنَّهم إذا احتاج الواحد منهم إلى دراهم ولم يكن له شيء نقَدَه إخوانه في الدين كلٌّ حسب حاله. وإذا أُودع السجن واحدٌ منهم ذهبوا زرافات إليه وبذلوا ما في الوسع لإطلاق سراحه. وكذا قُلْ عن سائر الفضائل. لكن منذ أن اختلطوا اختلاطًا عظيمًا بسائر الأقوام من أهل البادية وغيرهم إندفعوا إلى الكذب والسرقة وغير ذلك من المعايب، لكنَّ هذا أيضًا في أفراد منهم لا في جميعهم.

 

4- الزواج عندهم(*)

قد ذكر حضرة الفاضل نيقولا السيوفيّ في كتابه عن زواج الصابئة أمورًا تُضحك الثكلى ممّا لا يُصدِّق عاقل إن ما رواهُ يوجد عند أمَّة من أُمم الأرض. ولهذا يحسن بنا ههنا أن نورد الحقيقة على ما شاهدناه عيانًا لا على ما سمعناه وقد تحرَّينا الاختصار بقدر ما في الإمكان.

إذا أراد الشاب المندائيّ التأهُّل(34) بعث رجلاً كامل السنّ أو امرأة كاملة السنّ إلى بيت الابنة التي علقها الشاب ليتجسَّس بأسلوب لطيف قبول الأبوين. فإذا تحقَّق الرسول أن ليس هناك ما يمنع الطلب ينفذ الشابّ في اليوم الثاني باسمه وباسم أهله كنزفريَّة (أي أساقفة) أو رجلاً أو رجلين من الصلحاء العقلاء ليخطبوا الابنة خطبةً بموجب الأصول المرعيَّة ويتَّفق الفريقان على تعيين الصداق. وهذا يختلف بين ال 500 فرنك وبين الألف. وربَّما زاد أو نقص عن هذا المبلغ. هذا إذا كان الطرفان صالحين ليس في أقاربهما شائبة في الجسم أو في العرض وإلاَّ فالمبلغ قد يزيد زيادة فاحشة تعويضًا عن الشائبة. ومن المندائيَّة من لا يقبل المهر أبدًا إذا كان ثريٌّا وبذلك أيضًا إشارة إلى أنَّ مناقب كريمته لا تثمَّن بمال.

وفي اليوم الثاني »في أيِّ وقت(35) كان ينقد الخطِّيب المبلغ الذي تمَّ الاتِّفاق عليه لوالد الخطِّيبة. وإذا لم يكن عنده ما يدفعه يكتب بذلك وثيقة يختمها جماعة من الشهود »سواء كانوا من أساقفة أو كهنة أو غيرهم من العوام«.

هذا في الخطبة. وأمّا في الزواج فتكون الرسوم على الوجه الآتي: لكن عليك قبل كلِّ شيء أن تعلم أنَّه لا يُعقد زواج ما لم يكن بحضور واحد من الكنزفريه وإلاَّ فلا. وإذا لم يُوجد في ذلك البلد واحد من هؤلاء الأساقفة يُسافر العروسان إلى البلد القريب اثنان من الأساقفة عوضًا عن واحد. ويكون دائمًا مع الكنزفرا عاقدِ الملاك اثنان من القسوس. وأغلب ما يكون يوم العقد نهار الأحد »وقد يكون في غير هذا اليوم من أيّام الأسبوع« بخلاف ما ذكره المرحوم نيقولا السيوفيّ. وفي اليوم المعيَّن يأتي العروسان النهر فيقدِّم أحد الترامدة (أي القسوس) ويُعمِّد »هو وحده« العروس مرَّتين وبعدها يتقدَّم الخطّيب ويتعمَّد كذلك. وبعد الاصطباغ ينزعان رَستتهما أي الحُلَّة الدينيَّة ويلبسان لباس العرس. ومن النهر يذهبان »إلى بيت الابن« لا إلى بيت الترميدا وفيه قد أُعدَّت الحجَلة وفي داخلها كُلَّة فتدخلها العروس. وأمّا الخطِّيب فيذهب إلى صريفة(36) من عمل المندائيَّة أنفسهم ويقف حول الخطِّيب اثنان من »الترامدة« وفي صدر الصريفة يقوم الكنزفرا ويقرأ مع الترمدة صلوات كثيرة تدوم زهاء ثلاث ساعات. وبعد أن ينتهي خدَمة الدين من تلاوة الصلوات يبعث الكنزفرا والدته وأخته (أو من يقوم مقامهما من النساء الفاضلات التقيّات البعيدات عن الكذب) إلى العروس ليتحقَّقن بكارتها فإذا تثبَّت النساء بتوليَّتها هلهلن وإن لم تُهلهلنَ عُرف أنَّها على الخلاف وفي مثل هذه الحالة الأخيرة يُخيَّر الخطِّيب في فسخ الخطبة أو في تتمَّة عقدها لكن لا تُعامل حينئذٍ العروس إلاَّ معاملة الثَيب يعني لا يستطيع أن يُزوِّجها إلاَّ كنزفرا خصوصيّ للثيّبات. ومن مميَّزات هذا الأسقف أنَّه لا يجوز له أن يتولَّى الذبح ولا أن يعمِّد أحدًا من أبناء طائفته واسم هذا الكنزفرا: بَسَّكْ (؟؟؟؟؟).

وأمّا إذا كانت العروس بِكرًا فتُتمَّم سُنَّة الزواج أي يُعيَّن حينئذٍ واحدٌ من الحضور يقوم بمنزلة الوكيل عن العروس. والمألوف في هذه الظروف أن يقوم بهذه الوظيفة أب الابنة إذا كان في قيد الحياة وإلاَّ فواحد من أقارب أحد الطرفين. ثمَّ بعد ذلك يضع الكنزفرا ثلاث مرّات يدَ هذا الوكيل في يد الخطِّيب ويقول له: »أتُعطي ابنتك الفلانيَّة لفلان ابن فلان«؟ وبعد الجواب بالقبول يلتفت إلى الخطِّيب ويقول له: »أتقبل فلانة ابنة فلان امرأة لك«. وبعد الجواب بالقبول يقول الكنزفرا للوكيل: »بأيِّ مبلغ أعطيتَ ابنتك«؟ فيقول الوكيل: »بألف زوزي ودينار(37). ثمَّ يقول له الكنزفرا: »وأنت ماذا أعطيته؟« فيجيب الوكيل: »أعطيتُه حِمل جملٍ من الثياب الحريريَّة وحملاً آخر من ثياب الكتّان وعشرة مثاقيل زعفران«. وبعد هذه المحاورة ينزع الأب أو الوكيل ثيابه الدينيَّة التي ذكرنا عنها أنَّها تسمَّى عندهم »رسته« (ولِبسها واجب على كلِّ من يُباشر أمرًا دينيٌّا مهما كان طفيفًا) وبعد ذلك »يبقى الأب بين الجمع الحاضر« أو يخرج إن أحبَّ.

وإذا تمَّ هذا يُشرع بسُنَّة بركة الاقتران. وأوَّل شيء يأتيه الكنزفرا هو صلوات يُصلِّيها في فناء الدار ومعه الترميدان والخطِّيب. ثمَّ يذهب الموكب إلى حجلة العروس فيتَّكئ الخطِّيب وظهره على الكُلَّة التي فيها العروس وكذلك تفعل العروس من عندها بحيث يكون العروسان ظهرًا لظهر فيتلو حينئذٍ الكنزفرا صلواتٍ أخرى وفي أثنائها ينقر ثلاث نقراتٍ رأس العروسين الواحد بالآخر وهو يقول كلَّ مرَّة: »أنا ششْبان هِيدُوي (ana cheuchban hidoï) أي أنا عرَّاب كلِّ واحد منكم«. وبعد أن ينتهي من تلاوة هذه الصلوات يذهب الحضور إلى محلٍّ آخر وهو عبارة عن مُشبَّكٍ من القصب وهناك يتلو الكنزفرا صلوات أُخرى على رأس الخطِّيب وبذلك تتمُّ سُنَّة الزواج عندهم.

وفي ذلك المشبَّك تُهيَّأ سبع طرائن (مفردها عندهم طريانة وهو نوع من الإناء المتَّخذ من الطين الحُرّ) عليها خبز وسمك وبصل وجوز ولوز وربُّما كان عليها غير ذلك. وبعد أن يفرغ المدعوّون من تناول الطعام يتأبَّط أب العروس خُبزتين ويأخذ بيده إبريق ماء ملفوفًا بنسيج أبيض فيخرج بذلك إلى خارجٍ وفي أثناء خروجه يُسقِط الخبزتين اللتين كان قد تأبَّطهما بحيث تقعان خارجًا عن المشبَّك. ثمَّ يعود بالإبريق وحده فيأخذه منه أحد الترميدَين فيشمِّر الخطِّيب ساعدَه ويسكب الترميد ماء على يديه مرَّاتٍ عديدة ثمَّ يناولُه الترميد جوزًا وزبيبًا لأنَّ المتزوِّج يكون إلى ذلك الوقت صائمًا. أمّا الذي يُطعم العروس فهو أبوها ويقول لها حين يُناولها الطعام: »أُخلّلْ تاها لا أَخلِتْ لَبْر منّي« ومعناه: »كُلي من هذا ولا تأكلي من غيره«. ثمَّ بعد هذا يقرأ الكنزفرا صلواتٍ فوق رأس الخطِّيب ويكون هذا وقتئذٍ جالسًا أمامه وبعد تلاوة الصلوات يمرُّ مركنتَه أي عصاهُ ثلاث مرّات وبذلك يُشير إلى أنَّ العروسين أصبحا من هذه الهنيهة نجسَين فيذهب الخطِّيب إلى ماء جارٍ فيغتسل فيه. وكذلك تفعل العروس غير أنَّها تغتسل في الدار ويبقى العروسان نجسين إلى مدَّة سبعة أيّام وفي أثناء ذلك لا يأكلان ولا يشربان مع أحد من أهل البيت ولا يلمسهما أحدٌ وتُسمّى هذه الحالة عندهم: »صُرتا« (sorta). وبعد انقضاء المدَّة يتعمَّدان في النهر وبذلك يتطهَّران فيأكلان ويشربان مع أهل البيت. وإذا مات في مطاوي هذه الأيّام أحد العروسين فالميْتُ يُعتبر »نجسًا« ويتطهَّر من نجاسته في المطراتي. لكن لا يُعدُّ أبدًا خارجًا عن عداد المندائيَّة كما صرَّح بذلك المرحوم نيقولا السيوفيّ. وأمّا ما ذكره من التفصيل بعد نقر رأس العروسين فهو من الأمور المصوغة الموضوعة ليس لها من الحقيقة أدنى نصيب(38). ولعلَّه ذكرها ليُضحك قرّاءه أو ليُعظِّم حجم كتابه وربُّك فوق كلِّ ذي علمٍ عليم.