كشف المستور وراء تجاهل الحنفاء قبل ظهور دعوة النبي محمد

 

إن الباحث في تاريخ العرب قبل الإسلام لابد أن يلاحظ معالم فكرية قد تجاهلها الكثير من الكُتاب , أو لم يعطوها حقها وكشفها بالتحليل العلمي لكيفية مسار الحركة الاجتماعية والمعالم الفكرية المتشعبة التي سبقت الدعوة المحمدية .وهذه المعالم الفكرية قد تجاهلها الباحثين إما عن قصد , أو عن غير قصد , وكأن الدعوة المحمدية ظهرت في ظروف اجتماعية واعتقادية وأخلاقية كانت كلها سلبية ومذمومة , مما جعلهم يوصمونها بالمجتمع " الجاهلي ", أي لم تكن فيه أية معالم ايجابية , مما يضخم حجم الدعوة المحمدية ويلقي عليها نوعا من القداسة عند إظهارها بأنها تصدت ولوحدها لمعتقدات مجتمع " جاهلي " مفكك , متصارع وليس فيه أية معالم ايجابية , وأفكار حنيفية ودعوات للتجديد , ومحاولات للخروج من المنظومة الفكرية والمعتقدية التي كانت سائدة في مجتمع شبه الجزيرة العربية .
وحينما كانت الكتابات تأتي عن غير قصد في تقييم المنظومة الاعتقادية قبل الدعوة المحمدية , كانت تقوم بإهمال أو تصغير الى الصفر دور الدعوات الحنيفية المتعددة السابقة التي نادت بالتغيير وتمردت على المعتقدات الدينية والأخلاقية التي كانت سائدة عند العرب آنذاك .
وقد تجلت هذه الدعوات في الشعر – لما للشعر من أهمية قوية ودعائية – كما تجلت أيضا في السلوك التمردي الرافض لعبادة الأصنام المشخصة , وكان أصحابها يدعون الناس جهارا في الأسواق , داعين للتغيير , قائلين أن عبادة الأصنام هي غبن وجنوح واعوجاج يجب تعديله , والعودة الى عبادة اله واحد أحد غير مُشخص .
إن تجاهل الحنفاء والتنكر لدورهم في التحضير للدعوة المحمدية من جانب بعض الباحثين ينطلق من التصور الخوارقي , الإعجازي السحري الذي يخلق شيء من لا شيء, أي يُوجد شيء من العدم . فيظهرون الدعوة المحمدية وكأنها دعوة جديدة , كل الجِدّة , والتي جاءت بشكل خارق , ولم تسبقها أية دعوة مماثلة لتغيير المجتمع المفكك الأوصال , المتصارع , المتوحش , المليء بقطاع الطرق ,الذي تسود فيه العصبية القبلية , الأسوٍد في كل شيء . وهذا يعني إلباس الدعوة المحمدية الجديدة , ثوب القداسة , الشيء الخارق , المعجزة الفريدة , الغير مسبوقة والتي تخرج عن أن تكون من تخطيط , أو الإبداع الهادف للتغيير . إن هذا تناسي ونكران فاضح مقصود لدور الحنفاء وأفكارهم وأخلاقهم الايجابية الرافضة بشدة لمعتقدات وأخلاقيات مجتمع شبه جزيرة العرب آنذاك .وفي الجانب الآخر فإن إنكار دور الحنفاء يحتم تجاهل الترابط الشديد الصلة بين الحنفاء والدعوة المحمدية بوصفها دعوة حنيفية – في المبتدأ والخبر - أكثر وضوحا في الدعوة للتوحيد .
من هنا لا يمكن تقييم الدعوة المحمدية بوضعها في مكان منفصل عما سبقتها من دعوات مماثلة من نفس المبتدأ , أي الدعوة للتوحيد ورفض جعل الأصنام وسطاء بين البشر وبين الإله الأوحد , ونفس الخبر , أي الإيمان بطقوس مثل الصلاة والصوم والطواف حول الكعبة وتقديم القرابين ونشر الاعتقاد بحياة أُخروية , فيها العقاب – النار- للرافض والمتمرد , والثواب – الجنة – للمطيع .
فالحنفاء كفئة اجتماعية وفكرية لها حضورها في شبه جزيرة العرب قبل ظهور دعوة محمد , بل وأثناء مراحلها الأولى , وهذه الحركة الحنيفية الغير منظمة إن دلت على شيء , فإنما تدل على أن الباحث الدقيق الموضوعي ، والذي يتحلى بالنظرة الشمولية لظروف شبه الجزيرة العربية قبل دعوة محمد الحنيفية , لا يمكن أن يتجاهل هذه الفئة لما لها من حضور فكري له فروعه وانعكاساته, والتي كان لها أثرٌ كبيرٌ في التهيئة الفكرية والنفسية للدعوة المحمدية بوصفها دعوة حنيفية أكثر شمولية ونضوجا لا يمكن فصلها عما كان يطرحه الحنفاء قبلها .

جذور الحنيفية 
الحنيفية هي مجموعة من الأفكار كانت عند مجموعة من عقلاء العرب سمت نفوسهم عن عبادة الأوثان ولم يجنحوا الى اليهودية أو النصرانية ,وإنما قالوا بوحدانية الله , ويعرف هؤلاء بالأحناف أو الحنفاء ,أو المتحنفين , نسبة الى ملة " ابراهيم حنيفا وما كان من المشركين " .
من هنا كانت الوحدانية هي جوهر الدعوة التي نادى بها الحنفاء , وهي دعوة تعود جذورها الى إبراهيم , الذي عاب على قومه عبادة الأصنام , ودعاهم الى عبادة اله واحد , وحيد لا شريك له , غير مُشخص , يَرى ولا يُرى , يحيي ويميت , يتحكم في حركة الكواكب والنجوم و ويأتي بالشمس من المشرق ويُسيرها الى المغرب .
ولكن , كيف توصل إبراهيم إلى هذه الأفكار ؟ هل مشاهداته في الكون ومراقباته لحركة الشمس والقمر هي التي جعلته يفكر باله واحد , أم كانت رؤيا في المنام , أم أن " الرب " أرسل له مرسالا , أو مَلًكاً على شكل وحي, أعلمه بوجوده ودعاه الى التمرد على طقوس قومه وعباداتهم ؟.
وللإجابة على السؤال , نُورد هذه الآية من القرآن , فهي الأقرب لتوضيح الغرض المرجو : " فلما جن عليه الليل رأى كوكبا , قال هذا ربي , فلما أفل قال لا أُحب الآفلين , فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي , فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين . فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي , هذا أكبر , فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون . إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين " سورة الأنعام آية 76-79 .
ماذا نستنتج من هذه الآية ؟ تعددت مشاهدات إبراهيم , بينما كان قومه غارقون في عبادتهم لآلهة متعددة ومُشخصة في العديد من الأصنام , فقال لابد أن أعبد إلها آخر, واحدا , وحيدا , فنظر الى السماء فرأى القمر منيرا يملأ بنوره سطح الأرض , فأعجبه ذلك , فداخله الاعتقاد أن القمر هو الإله الذي يجب أن يُعبد , فباشر في عبادته , وشيئا فشيئا بدأ يداخله الشك بأن هذا ليس الإله الذي يركن الإنسان إليه وذلك لما رأى أن القمر يتغير في شكله وحجمه , فقال لا يمكن أن يكون الإله على هذه الصفة المتغيرة , فانتقل بتفكيره الى الشمس , فهي أكبر , ولها نور يضيء الأرض ,ولها حرارة تنشر الدفء ، فعبدها ، وشيئا فشيئا بدأ يفكر في أن الإله يجب أن يكون دائم الوجود في كل الأوقات، وهذه الشمس تغيب , فقال : لا بد أن يكون هناك إله كبير في الأعالي يرانا ولا نراه . 
إن هذا استنتاج عقلي ذاتي خالص دون " وحي " أو مرسال إلهي . فهو من عَرف واستنتج فكرة الله أولا , ولم يكن الله هو من اتصل بإبراهيم أولا , وأعلمه بوجوده . ففكرة الإله أو الرب كانت موجودة في أذهان البشر , ولكنهم كانوا يشخصونه , أو يتخذون من الأصنام واسطة بينهم وبين الله أو الرب , وما كان من إبراهيم بتفكيره واستنتاجاته إلا أن نزع فكرة التشخيص عن الإله التي كانت سائدة عند قومه في بلاد ما بين النهرين .
ولما تركزت عنده هذه القناعة جاهر قومه بإيمانه الجديد بإله واحد ورفضه لعباداتهم , فساموه سوء العذاب وطردوه من البلاد . 
لقد كانت لدى إبراهيم القناعة فقط بأن لا يسجد لصنم , ولم يكن لديه أية فكرة عن كيفية تأدية الطقوس والعبادات التي يقبلها الإله الواحد الأحد , ولو قلنا أنه كان يسجد , فان حالة السجود هي التي كانت متبعة لعبادة الأصنام أيضا , ولو قلنا أنه كان يتجه الى قٍبلة , فلأي قٍبلة كان يتجه , حيث لم يكن هناك , لا أقصى ولا كعبة .وان قلنا أنه كان ينظر الى السماء , فهذا شيء طبيعي , لأن الإله لن يكون في محيط الرؤيا على الأرض, بل في الأعالي , حيث الأعالي مسكن الآلهة عند كل المؤمنين بالأديان الكتابية .
ولكن , كيف وصلت هذه الأفكار إلى عرب شبه الجزيرة ؟ لقد حدثت أحداث في العراق والشام – لسنا بصدد ذكرها في هذا المبحث - اضطرت الكثير من اليهود والنصارى الى النزوح إلى شبه الجزيرة العربية واليمن , مما أدى الى التعرف على معتقداتهم وآرائهم في التاريخ ونشأة الكون ووجود الإنسان . 
كما كان للرحلات التجارية الدورية المتكررة إلى الشام واليمن أثرٌ كبيرٌ في تعرف العرب على جملة من المعتقدات الدينية الكتابية وغير الكتابية – معتقدات عَبدة النار والكواكب والنجوم _ مما أدى الى مزاحمتها واختلاطها وترك تأثيرها على معتقدات العرب التي كان يسودها عبادة الأصنام والأوثان في شبه الجزيرة العربية . 
إن تنوع الديانات وتجاورها في شبه جزيرة العرب قد ترك أثره في العديد من الناس الذين لم تقنعهم عبادة الأصنام , فهجروا عبادة الأصنام والأوثان وساحوا في البلدان يبحثون عن مُعتقد يركن إليه تفكيرهم فتواصلوا مع اليهود والنصارى وقرأوا كتبهم , ولكنهم لم يركنوا إليهم في الاعتقاد , فعادوا للبحث عن دين جديد فقادهم تساؤلهم وبحثهم إلى المنطلق الأول في الاعتقاد , وهو إبراهيم فساروا على نهجه . وقد أُطلق على من رجعوا في معتقدهم الى إبراهيم اسم الحنفاء . 

من هم الحنفاء ؟ 
إن كلمة حنيف في اللغة العبرية والسريانية تعني نجساً أو مرتداً , وفي العربية ، فان حنيف تعني المائل . وقد وُصِم بها العرب الذين هجروا عبادة الأصنام وارتدوا ومالوا عن دين أسلافهم , وكان هؤلاء زاهدون لهم آراء توحيدية , كما أن الكثير منهم لم يركنوا الى اليهودية ولا النصرانية , وبقوا على توجههم الرافض للكثير من المعتقدات والطقوس والأخلاقيات التي كانت سائدة .

وهكذا كان إبراهيم مرتدا عن دين آبائه , وكان الحنفاء مرتدين عن دين آبائهم الذين عبدوا آلهة مُشخصة على شكل أصنام , وجنحوا نحو البحث عن اله جديد , لا يكون في حجر ولا شجرة ولا صخرة مُشكلة , مُشخصة . كما جنحوا عن أخلاقيات قومهم في وأد البنات وفي ذبح القرابين على النُصب, وأكل آلهتهم عند المجاعة . لقد كانوا ذوو عقول مستنيرة تتساءل , وترفض كل ما هو غير معقول , وتقبل ما هو مفيد للمجتمع , وما يتقبله العقل المستنير في زمانهم ، ولو كان يتعارض مع معتقدات وأخلاقيات آبائهم التي كانت سائدة آنذاك .
ان الحنفاء جماعة ذو عقول مستنيرة متفتحة تفكر في كل شيء وتميل بالقبول الى المعقولية ، سخرت من عبادة الأصنام، وثارت عليها وعلى المُثل الأخلاقية التي كانت سائدة في ذلك الزمن، ودعت إلى إصلاحات واسعة في الحياة وإلى محاربة الأمراض الاجتماعية العديدة التي كانت متفشية في ذلك العهد، دعاها إلى ذلك ما رأته في قومها من عدم معقولية عبادة الأصنام ومن إسفاف في شرب الخمر ولعب الميسر ووأد البنات وما شاكل ذلك من أمور مضرة، فرفعت صوتها كما يرفع المصلحون صوتهم في كل زمن ينادون بالإصلاح، وقد أثارت دعوتهم هذه المحافظين وأصحاب الجاه والنفوذ وسدنة الأوثان شأن كل دعوة إصلاحية. 
ويجوز ان يكون من بين هؤلاء من مال إلى النصرانية، غير أننا لا نستطيع ان نقول أنهم كانوا نصارى أو يهوداً، بالمعنى الشامل للكلمة ، إنما نستطيع ان نشبه دعوة هؤلاء بدعوة الذين دعوا إلى عبادة الإله رب السماء "ذو سموى" أو عبادة الرحمن في اليمن، متأثرين بمبادئ التوحيد التي حملتها اليهودية والنصرانية إلى اليمن . ولكنهم لم يكونوا أنفسهم يهوداً أو نصارى، إنما هم أصحاب ديانة من ديانات التوحيد . 
ولا يعني قولنا هذا ان الحنفاء كانوا على رأي واحد ودين واحد كالذي يفهم مثلاً من قولنا يهودي ونصراني ويهود ونصارى، بمعنى أنهم كانوا طائفة معينة تسير على شريعة ثابتة كالذي ذهب "شلرنكر" اليه إنما كان أولئك الأحناف نفراً من قبائل متفرقة لم تجمع بينهم رابطة ، بل كان هناك تفاوت في الوضوح الاعتقادي بينهم , وقد اتفقت فكرتهم في رفض الكثير من الأخلاقيات والمعتقدات والطقوس السائدة ، وفي الدعوة إلى الإصلاح الديني والاجتماعي ، وأهمها رفض تعددية الآلهة . وهذا المعنى واضح في كل الأخبار التي ذكرت الحنفاء.
وعن هؤلاء العرب الأحناف يقول الدكتور جوستاف لوبون في كتابه: «حضارة العرب» ما نصه: «لقد وجد بين العرب في جزيرة العرب من يعبد إلها واحداً وسمى هؤلاء بالحنفاء ، وكان محمد صلى الله عليه وسلم- يحب هذا الاسم وليست عقيدة التوحيد التي هي من أهم مبادئ القرآن الكريم، كل ما عند الحنفاء بل قالوا ايضا، كما قال القرآن الكريم فيما بعد ان على الإنسان ان يسلم بقضاء الله وقدره تسليم ابراهيم حينما رأى ذبح أبنه اسماعيل ولذا لم يكن من الخطأ إخبار محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن بوجود مسلمين قبل ظهوره».
ومن سمات الحنفاء الكفر بالأصنام والاعتقاد بواحدية المعبود ، وإعراض عن عادات قومهم، وثورة على عقائدهم، ودعوة الى الاصلاح المعتقدي، ورفض التعددية الصنمية، وقد مهدوا له بدعوتهم تلك التي أشاعوها بين بني قومهم فجلبت عليهم السخط والغضب الشديد، مما حمل أكثرهم، وهم في الغالب من مكة وأطرافها، على الفرار من بلدتهم إلى أطرافها المنعزلة الآمنة وغيرها من الأماكن الخالية، ليكونوا في أمان من إيذاء قومهم لهم، فلا يزعجهم مزعج، ولا ينغص حياتهم هناك منغص.
كان الحنفاء من القارئين الكاتبين، وعرف عنهم قراءة الكتب والصحف والزبور ومجلة لقمان. يريدون بذلك الكتب المقدسة. ومنهم من يعرف العبرانية أو لغة بني ارم. 
للوقوف على الحالة الدينية في جزيرة العرب قبيل الإسلام وإبان ظهوره.
يؤكد أهل الأخبار ان بعض أولئك الحنفاء كانوا يسيرون على سنة ابراهيم وشريعته، وان بعضاً آخر منهم كان يلتمس كلماته ويسأل عنها، وانهم في سبيل ذلك تحملوا المشاق والأسفار والصعاب. وقد جعلوا وجهة أكثرهم أعالي الحجاز وبلاد الشام وأعالي العراق. اي المواضع التي كانت غالبية أهلها على النصرانية يومئذ، وجعلوا أكثر كلامهم وسؤالهم مع الرهبان. وقد أضافوا إليهم الأحبار أحياناً،. وذكروا ان الرهبان والأحبار أشاروا عليهم بوجوب البحث والتأمل، فليس عندهم ما يأملونه ويرجونه من دين إبراهيم وإسماعيل، ولذلك لم يدخلوا في يهودية ولا نصرانية، بل ظلوا ينتظرون ظهور دين جديد ، ومنهم من مات وهو على هذه العقيدة. مات معتقّداً بدين ابراهيم الحنيف التوحيديً.
أما كيف كانت شريعة إبراهيم، وعلى أي نهج سار الحنفاء، وهل كان لهم كتاب أو كتب أو نحو ذلك ? فأسئلة لم يجب عنها أهل الأخبار إجابة صريحة واضحة ، ولم يذكروا ماذا كانت تحوي صحف إبراهيم , ولم نعرف عنها أكثر من الاسم : شريعة ابراهيم، شريعة التوحيد.
لقد كانت العديد من قبائل شبه الجزيرة العربية تدين بالنصرانية أو اليهودية أو عبادة الأصنام التي . ان هذه المنظومة الاعتقادية التي كانت منتشرة في شبه الجزيرة العربية كانت من الصلابة بحيث لا تستطيع دعوة رجل واحد أن تكسرها , لهذا كان لا بد من التهيئة الفكرية والنفسية للتغيير , وهذا ما قام به الحنفاء الموحدين, دعاة التغيير والتمرد على ما كان سائدا .
ومن المتابعين من الباحثين قد لاحظ تجاهل دور الحنفاء في التحضير للدعوة المحمدية , ومنهم الدكتور جواد علي حيث يتساءل :
" وبذا يمكننا أن نقول بأثر الحنفية على الإسلام وتعاليمه ولكن يبقي السؤال هو السؤال ! ما السبب وراء إخفاء مثل هذه الحقائق عن عقليتنا العربية ويكتفي أهل النص بقضايا الشارع الخلفي : كسنن الوضوء والحيض والنفاس والخلوة والحجاب ويحجبون عنا أصول هذه العقائد والأعراف فبأي نص نؤمن ؟؟ 
وجوابا على هذه التساؤلات نقول : أن الكثير من كُتاب السيرة قد درجوا على إتباع الإسلوب النقلي والسردي ككل متجانس لتأريخ الأحداث التي أحاطت بظهور الدعوة المحمدية للإسلام , والنظر لكل حدث بصورة منعزلة عما سبقه وعما تبعه من نتائج . وكان الأجدر للباحثين أن ينظروا الى التاريخ كصيرورة متحركة متسلسلة الأحداث والنتائج , وذلك بتوضيح الكوامن الايجابية فيما قبل , والتي بقيت في الناتج الجديد , وذكر المظاهر السلبية التي كانت فيما قبل , والتي زالت ولم تظهر في المجتمع الجديد . أي النظر الى التاريخ بطريقة جدلية يتم فيها دراسة العناصر الموضوعية والاجتماعية والفكرية المتواجدة في وحدة زمانية مكانية وتفاعلها المتبادل , وما ينتج عن ذلك من وحدة جديدة .
كما أن هناك غايات شخصية أو حزبية أو سلطوية دعمت وباركت هذا التوجه النقلي والسردي للتاريخ , واعتماد إسلوب نقل التراث ككتلة واحدة , وليس فلسفة التراث , أي بتبيان السلبي ونقده وتوضيح الايجابي وترسيخه , واعتباره أساسا ايجابيا داعما للتفكير التجديدي والتطويري.
وبهذه الطريقة فان دراسة التاريخ بطريقة تطورية تخلق لدى الدارس حافزا للتجديد والتطوير والنظر للمستقبل بنظرة ملؤها الأمل بمجتمع أفضل , وليس بتقديس الماضي بجعله المثل الأعلى الذي يجب أن نبذل الغالي والنفيس للرجوع اليه . 
ان اتباع الإسلوب النقلي في التفكير يضع الجيل الحاضر في محنة وجود , وهي وجود جسمه وحاجاته ومتطلباته في زمن ، وعقله في زمن آخر لا يمت للحاضر بصلة , ويعيش في حالة انفصال وغيبوبة ، بل وصدمة حضارية .
إن تجاهل دور الحنفاء لحد الإنكار له بُعد مقصود في تضخيم الدعوة التوحيدية لمحمد بشكل خاص , وإلباسها ثوب القداسة , والخوارقية , إن لم يكن الأسطورية , وتبيان أن النبي محمد هو الذي تصدى ولوحده وكسر هذه الكومة من المعتقدات المتشعبة والمتعددة , وهذه الكومة من الأخلاق , وأرسى النظام بدل الفوضى , وأرسى التوحيد بدل التعددية , وأرسى السلام والحب بدل الكراهية والحروب القَبَلية , ونشر منظومة فكرية واعتقادية جديدة كل الجٍدّة لا تمت لما قبلها بأية صلة , بل ومسحت كل ما قبلها الذي أطلق عليه اسم المجتمع الجاهلي .

فمثلا ان تسمية مجتمع ما قبل الدعوة المحمدية ب" الجاهلي " لم تكن في محلها ,فكلمة مجتمع " جاهلي " تدخل في روع القارئ مفهوم اللا تنظيم , الفوضى , اللا أمان ، وانعدام أي قانون أو عُرف تنظيمي اجتماعي بين الناس . ولكن المجتمع المكي كان مجتمعا تغلب عليه السمة التجارية , والمجتمع التجاري لا بد أن يكون به بعض التنظيم الذي يمنح التاجر حرية في حركته ، وأمان على امواله وتجارته . 


أثر الحنفاء على معتقدات العرب في شبه الجزيرة العربية :
الحنفاء موحدون وعلى ملة ابراهيم ,ولم يكونوا من قبيلة واحدة , ولم يظهروا في زمن واحد , بل كانوا من قبائل متعددة ومنتشرة في شبه الجزيرة من اليمن الى حدود الشام والعراق . ولم يوجد الحنفاء في جيل واحد أو جيلين , بل وجد حنفاء على مدى عدة أجيال قبل الدعوة الحنيفية للنبي محمد .ومنهم من مات قبل الدعوة ومنهم من عاصرها .لهذا كان لهم أثرٌ كبيرٌ في التهيئة الفكرية والأخلاقية لدعوة محمد النبي . ومن آثار هذه التهيئة ,تقبل العرب لفكرة عبادة الاله الواحد الأحد.وتقبل العرب لوجود من يدين بالنصرانية أو اليهودية ومجاورته .وهذا ما قلل الاهتمام بالأصنام وعبادتها وتقديسها .
ان المتفحص للمنظومة الاعتقادية للإسلام يجد أنها لم تضف شيئا جديدا لم يكن معروفا من قبل , بل ان معظم قصص الأقوام الغابرة وآلية تكوين الأرض والسماء التي ذكرها القرآن وردت في التوراة وأشعار أمية بن الصلت , كما أن عادات الحج والطواف وتقصير الشعر والذبح والصيام والتوريث للأبناء والدية على القاتل , لأهل المقتول , والختان والطهارة واحترام الكعبة وكسوتها والمحرمات كشرب الخمر والمقامرة , كانت معروفة ويلتزم بها البعض وخاصة الحنفاء الذين أعلنوا التمرد على مجتمعهم ودعوا الى التوحيد .
كما كانت جملة من المفاهيم والمسميات معروفة , مثل مفهوم الله وكثير من أسمائه والجنة وجهنم والحساب بعد الموت والقضاء والقدر .
فما هو الجديد في الدعوة المحمدية ؟ الجديد تركز على فكرة التوحيد – التي سبق اليها الحنفاء - وإزالة الوسائط بين العابد والمعبود " الله " , سواء كانت أصنام أو نصب وطقوسها المرتبطة بها , كما كان لها توجه لنفي كل ما سبق الدعوة المحمدية من أديان وإزاحة الأديان السابقة كاليهودية والنصرانية بمعاذير متعددة . 
فهل كانت دعوة النبي محمد مختلفة عما دعى إليه الحنفاء ؟ 
فدعوة النبي محمد جمعت كل ما نادى به الحنفاء في كل واحد . من هنا فان دعوة النبي محمد هي دعوة حنيفية تتميز بالشمول والوضوح في دعوتها التوحيدية الهادفة الى إلغاء التعددية وإرساء عبادة الله الواحد الأحد . وكان أقرب الحنفاء لهذه الدعوة أمية بن أبي الصلت الذي كان أوضح الحنفاء وأكثرهم شمولية , وظهرت هذه السمة لأمية من خلال أشعاره الدينية التي كان النبي محمد يحب أن يستمع اليها كلما تصادف مع من يعرف هذه الأشعار . 

ما هو الفرق بين الحنيفية والإسلام ؟ 
ان المتتبع والمتفحص لسيرة الحنفاء يستطيع أن يدرك أنهم جماعة أو أفراد حملوا راية التوحيد ودعوا لأخلاق جديدة , ومن أول عقائدهم رفض تشخيص الرب , الله , المعبود . وتقديس الكعبة وجعلها قبلتهم , قبل أن يتخذ منها المسلمون قبلة لهم , حيث تغيرت القبلة من بيت المقدس الى الكعبة في السنة الثانية للهجرة .
من هنا كانوا مسلمون قبل الاسلام , بل مسلمون بلا وحي , فقد كانوا بشكل أو بآخر على الاسلام , ولم يقل أي منهم أن معتقده هذا جاء اليه من وحي أو رؤيا . ولما جاء الإسلام لم يرفض ما قاله الحنفاء , ولم يرفض أخلاقهم وكثير منهم قال عنهم النبي محمد ، لو أدركوا دعوته لأسلموا . وكثير منهم أدركها وأسلم .
فالإسلام جمع كل ما قاله الحنفاء في نظام اعتقادي واحد مضيفا له كلمة مسلم , بقوله أن ابراهيم حنيفا مسلما , كما ورد في الآية : " مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا [ سورة آل عمران: 67 (. 

ما هو الفرق بين النبي محمد والحنفاء ؟ 
من خلال متابعة سيرة الحنفاء بما فيهم النبي محمد نجد أنهم موحدون لله , وتابعين لملة ابراهيم, ومتمردون ومرتدون عن دين قومهم ,عن عبادة الأصنام , وهم مصلحون دعوا الى أخلاق جديدة على المستوى الفردي والاجتماعي .إلا أن النبي محمد اختلف عن الحنفاء في ثلاثة أمور وهي :

الأمر الأول : ان الحنفاء على اختلاف انتماءهم القبلي وتباعد الجغرافيا ووجودهم الزماني لم يقل أي منهم أن ايمانه بالحنيفية والتوحيد والتزامه بهذه الأخلاق – لم يقل- أنها جاءته عن طريق وحي أو رؤيا , بينما نجد النبي محمد يقول بأن هناك صلة ما بينه وبين السماء , تتم عن طريق الوحي المتجسد ، أو الرؤيا ، أو الإعلام السريع الخفي بما يشبه الإيحاء . عن بُعد .
الأمر الثاني : ان الحنفاء على اختلاف انتماءهم القبلي وتباعد الجغرافيا ووجودهم الزماني كانوا على ملة ابراهيم السمحة , الهادئة ,بينما نرى النبي محمد يعترف بذلك في بداية دعوته , الا أنه بعد ازدياد عدد أتباعه , لجأ الى العنف في نشر دعوته , وظهر هذا تحت مسميات الدعوة للاسلام والجهاد والغزو ، أي نشر العقيدة الاسلامية بحد السيف .فقاتل قبيلته وقتل منهم وقطع طريق التجارة عليهم . وهذا ما جعل أمية بن أبي الصلت يتراجع عن التقاء النبي محمد في آخر لحظة , رغم أنه كان عاقد العزم على لقاءه وتأييده .ولكن لما رآه وقد انتهج اسلوب العنف والقتل في دعوته غضب غضبا شديدا مما جعله يجذع أنف ناقته ويغير طريقه الى الطائف .

فدعوة النبي محمد انتشرت في شبه جزيرة العرب بالقوة وليس بالإقناع وفي هذا يقول حسان ابن ثابت شعرا : 
دعى المصطفى بمكة دهرا لم يُجب وقد لان منه جانبا وخطاب
فلما دعى والسيف صلت بكفه له أسلموا واستسلموا وأنابوا

وهذا ما يفسر ظهور حركات ارتدادية بعد وفاة النبي .

الأمر الثالث : الاختلاف في التسمية ، فالحنفاء على اختلاف ظهورهم الزماني , كانوا موحدين وعلى ملة ابراهيم , والتي تميزهم عن الأديان الأخرى . الا أن النبي محمد في دعوته أضاف الاسلام لحنيفية إبراهيم ، كما ورد في الآية : " ما كان ابراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفيا مسلما " . وفي نفس الوقت نفى هذه التسميه عن ابراهيم , ليقول : وأمرت وأنا أول المسلمين" , وفي هذا عودة الى التخصص في التسمية , بأن يكون هو أول المسلمين , ثم من اتبعه من بعده .
وهنا يقع المتبصر في مشكلة , ماذا تعني الحنيفية وماذا يعني الإسلام . ومن الأشمل , وهل هناك أسبقية , وهل هناك ترجيحية ؟ أي أن تكون مسلما , أو تكون حنيفيا , أم هما الإثنان واحد ؟ 
أما اذا كان النبي يعني بأول المسلمين , أنه المسلم الأول في هذا الزمان !!! , بينما ابراهيم كان حنيفا ومسلما في زمانه . فلا مشكلة , وبهذا الطرح يكون الحنفاء الذين اتبعوا ملة ابراهيم مسلمون قبل الإسلام , بل مسلمون بلا وحي .