عيسى ابن الله

 

 ولادة عيسى في القرآن يجد تضارباً في الاقوال يجعل من الصعب الجزم بأن عيسى ليس ابن الله، والسبب في ذلك هو أن محمد كان يسمع من ورقة بن نوفل والعبيد النصارى بمكة، وبقية الفرق النصرانية مثل "الأبيونيين" و "المريميين" قصص وشرائع المسيحية المتداولة في تلك المنطقة في ذلك الوقت، وفي نفس الوقت كان ينادي بوحدانية الله، فاختلط عليه الأمر مع مرور الزمن وأتى بأفكار نصرانية في قرآنه تدعم فكرة أن عيسى ابن الله. ولكي نصل إلى مولد عيسى وأبوته لابد أن نبدأ من نقطة الصفر، وهي: هل يمكن أن يكون لإله الإسلام أبناء؟ ورغم أن القرآن يقول إن الله لم يلد ولم يولد، نجد آيات عديدة تحكي عن غضب الله واحتجاجه عندما قالت الأعراب إن الملائكة بنات الله أو إن لله بنات. فنجد على سبيل المثال:
(ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون) (النحل 57). وكذلك يقول لمحمد (فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون. أم خلقنا الملائكة إناثاً وهم شاهدون) (الصافات 149_ 152). ويقول كذلك (أم له البنات ولكم البنون) (الطور 39). فيبدو من كل هذه الآيات أن احتجاج الله منكب على أنهم وهبوا له البنات واحتفظوا بالبنين، أي الصبيان. فالله قطعاً لا يحب البنات، ولربما قبل بالأمر ولم يحتج لو كانوا قد وهبوا له البنين واحتفظوا بالبنات. وربما يقول البعض إن إله الإسلام الذي خلقته مخيلة رجل الصحراء، شكلته تلك المخيلة في قالب الرجل العربي الصحراوي الذي كان يبتهج ويهلل لميلاد الصبيان الذين يساعدونه في حروبه مع القبائل الأخرى وفي سبي النساء، ويكفهر وجهه إذا بُشر بالانثى. فكما يكون الإنسان يكون إلهه.
فهذا الإله الذي يعترض على أبوة الإناث لا يعترض بصريح الآيات على أبوة الصبيان، فهو مثلاً لم يقل (ألله البنون ولكم البنات)؟ ورغم أنه قال (لم يلد ولم يولد) فهذا لا يعني أنه لم يخلق لنفسه أبناءً ذكوراً دون أن يلدهم. فليس من المستحيل أن يكون له أبناء، على شرط أن يكونوا ذكوراً لأنه لا يحب البنات. ولكي نصل إلى أصل أبوة يسوع أو عيسى (كما يسميه القرآن)، دعونا نبدأ القصة من ميلاد أمه مريم. يقول لنا القرآن:
(إذ قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك مافي بطني محرراً فتقبل مني إنك أنت السميع العليم 35 فلما وضعتها انثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم وأني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم 36 فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتاً حسنا وكفلها زكريا كلما دخل عليها المحراب وجد عندها رزقاً قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب 37) (آل عمران).
فامرأة عمران، أي أم مريم، وهبت مافي بطنها لله محرراً. وكلمة "محرراً" تعني أنه لا يُنتفع به لشيء في الدنيا. أي تكون في خدمة الله فقط ولا تهتم بأمور الدنيا. يقول القرطبي عن هذه الآيات ("محررة" مأخوذة من الحرية التي هي ضد العبودية، وروى خصيف عن عكرمة ومجاهد أن التحرر الخالص لله لا يشوبه شيء من أمر الدنيا. يُقال: باتت فلانة بليلةٍ حُرة إذا لم يصل إليها زوجها أول ليلة، فإذا تمكن منها فهي {باتت} بليلةٍ شيباء. و "تقبلها ربها" قال قوم: التقبل بمعنى التكفل في التربية والقيام بشأنها، وقال الحسن: معنى التقبل أنه ما عذبها ساعةً قط في ليل أو نهار. و "أنبتها نباتاً حسناً" يعني خلقها من غير زيادة أو نقصان، فكانت تنبت في اليوم ما ينبت المولود في عام كامل. وجاء في الخبر أنها كانت في غرفة كان زكريا يصعد إليها بسُلم. وكان يغلق عليها الباب. وكان لا يدخل عليها إلا زكريا، حتى كبرت، فكانت إذا حاضت أخرجها من المحراب إلى منزله فتكون عند خالتها. وكانت خالتها امرأة زكريا في قول الكلبي. وكانت إذا طهرت من حيضتها واغتسلت ردها إلى المحراب. وقال بعضهم كانت لا تحيض وكانت مطهرة من الحيض.)
ومن هذه الآيات يبدأ التخبط في قصة ميلاد عيسى بن مريم. فمريم التي وهبتها أمها إلى الله خالصةّ لخدمته ولا يُستفاد بها لشيء في الدنيا، كان من المتوقع أن تكون راهبةً بتولاً لا تتزوج، فكيف عرفت أمها أن سيكون لها ذرية فقالت (وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان)؟ فأمها كانت تعرف أنها منذورة إلى الله ولن تتزوج، فلا بد أن الله قد أوحى لأم مريم أنه قد تقبل مريم واصطفاها لنفسه وأنه سوف يضع في بطنها ذريته، لذلك طلبت منه أن يعيذ ذريتها. ثم نعرف من سياق القصة أن زكريا وضعها في غرفة في المحراب لا يصل إليها إلا بسلم وكان يُغلق عليها الباب ولا يخرجها إلا عندما تحيض، إذا كانت تحيض، فلم يكن هناك أي فرصة لمريم أن تنجب من رجل عادي وبالتالي لم يكن هناك أي سبب يجعل أمها تطلب من الله أن يعيذ ذرية مريم من الشيطان.
ثم يقول لنا القرآن (واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً 16 فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشراً سويا 17 قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا 18 قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاماً زكيا )19 (مريم)
مريم التي كانت تعيش في غرفة بالمحراب لا يراها إلا زكريا العجوز، لماذا انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً وجعلت بينها وبينهم حجاباً؟ هل كان المكان الشرقي أكثر أماناً من غرفتها بالمحراب؟ أم هل كانت على موعد مع أحد؟ وإذا كانت على موعد، فلا بد أن يكون الموعد مع روح الله لأنها لم تكن ترى أي إنسان آخر غير زكريا. وهل كان يصعب على روح الله أن تأتيها في غرفتها في المحراب؟ فقد كان الملاك يحضر لها الفواكة كل يوم في الغرفة. ولكن يبدو أن مريم عرفت أن الله سوف يضع روحه فيها وخشيت إن حملت وهي في المحراب، أن يتهموا زكريا بها، ولذلك انتبذت مكاناً شرقياً لتبعد التهمة عن زكريا. فليس هناك أي تفسير آخر لهروبها من المحراب وانتباذ مكانٍ قصي من أهلها لأن أهلها لم يكونوا يزورونها في غرفتها في المحراب.
ثم نأتي إلى مسألة روح الله التي أرسلها إلى مريم، فما هي روح الله التي تمثلت لها في هيئة رجل؟ يقول بعضهم إن الروح هو جبريل. لماذا تمثل لها جبريل في هيئة رجل ليخبرها أن الله قد قرر أن يهبها غلاماً زكياً؟ نحن نعرف أن الله إذا أراد أن يفعل شيئاً إنما يقول له "كن" فيكون. فلم يكن هناك أي داعٍ ليرسل جبريل في هيئة رجل ليخبرها بذلك القرار، أو كان من الممكن أن يرسله على هيئة امرأة عجوز حتى لا تفزع مريم منها، إذ كانت المهمة هي إعلام مريم أن الله سوف يهب لها غلاماً زكياً، والمرأة المسنة كان يمكنها إبلاغ مريم تلك الرسالة دون أن تخيفها كما أخافها جبريل الرجل فاستعاذت بالله منه. فلا بد أن تلك الروح هي روح الله، أي الله نفسه قد أتى مريم وفي هيئة رجل ليمنحها جسدياً ذلك الغلام الزكي. والدليل على ذلك نجده في القرآن نفسه الذي يقول:
(ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين) ( التحريم 12). فإذا نستطيع أن نقول إن روح الله أتت مريم التي كانت قد أحصنت فرجها، في هيئة رجل ونفخ ذلك الرجل في فرجها نفخةً جعلتها تحبل بعيسى. فالقرآن لا يقول (فنفخ جبريل أو نفخ روح الله في فرجها) إنما يقول (فنفخنا فيه) أي نفخ هو نفسه وليس رسوله الذي أرسله ليخبر مريم. ولا يكتفي القرآن بإخبارنا مرة واحدة بما حدث، فكررها مرة أخرى في سورة الأنبياء وقال (والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين (الأنبياء 91). فكون روح الله تمثلت في هيئة رجل ونفخ ذلك الرجل بعض روح الله في فرج مريم البتول، يعني أن عيسى جزء أو بعض من روح الله. فلو لم يكن المقصود من النفخ هو الأبوة الفعلية، لماذا لم ينفخ الرجل في أنفها أو فمها أو حتى على بطنها ثم يقول الله للابن "كن" فيكون في بطنها؟ فالنفخ في الفرج المقصود منه توكيد أن حمل مريم لم يختلف عن حمل أي امرأة أخرى، ونتج من مجامعة رجل للمرأة في فرجها، وبالتالي فعيسى لا يختلف عن بقية الناس، وهذا ما أراد القرآن توكيده من أن عيسى بشر ورسول الله.
ومريم التي لم تخرج من غرفتها بالمحراب منذ أن كانت طفلة صغيرة ولم تختلط بأي إنسان آخر غير زكريا العجوز، وزكريا حتماً لم يجلس إليها ليحدثها عن الجنس وكيف يجامع الرجل المرأة فتحبل منه، كان رد الفعل من جانبها عندما علمت أن سيكون لها غلام أن قالت (أنّى يكون لي غلامٌ ولم يمسسني بشرٌ ولم أك بغيا) (مريم 20). كيف عرفت تلك الفتاة التي تربت في غرفة مغلقة لا يُوصل إليها إلا بسلم، أن هناك نساء بغايا يمارسن الجنس مع من يدفع لهن من الرجال ويمكن أن يحبلن منهم؟ ونلاحظ هنا أنها لم تقل "لم يمسسني رجلٌ" وإنما قالت "لم يمسسني بشر"، وطبعاً لو مستها امرأة أخرى، والمرأة بشر، فمن المستحيل أن تحبل. فهل كانت تقصد أنها تتوقع أن يمسها رجلٌ غير بشري؟ 
ونستطيع أن نستنتج من القصة حتى الآن أن مريم تسللت من غرفتها إلى مكان شرقي وحدث اللقاء بينها وبين روح الله وحبلت بعيسى. فلابد أن مريم رجعت إلى غرفتها بالمحراب بعد ذلك وظلت بها إلى أن اكتمل الحمل إلى الشهر التاسع، إذا كان جنينها بشراً مثل بقية الأجنة. أو أن يكون جنينها غير بشري وحدث الحمل والولادة في نفس اليوم. والقرآن لا يوضح لنا الذي حدث بعد اللقاء، ولكنه يقول لنا: (فحملته فانتبذت به مكاناً قصياً. فجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت ياليتني متُ قبل هذا وكنت نسياً منسيا) (مريم 22-23). 
فيبدو أن مريم لم ترجع إلى غرفتها ولم يفتقدها زكريا في المحراب، وكان لابد أن يفتقدها لو غابت تسعة أشهر عن غرفتها، ولو رجعت وظلت بغرفتها تسعة أشهر لظهر عليها الحمل ولعرف زكريا أنها لم تعد بتولا وربما اتهموا زكريا باغتصابها. فالظاهر أنها حملت بالجنين وانتبذت في نفس الوقت مكانا قصياً وجاءها المخاض إلى جذع النخلة في نفس اليوم. فلا يمكن أن يكون هذا الجنين بشراً بأي حال من الأحوال ويتم حمله وولادته في نفس الوقت. فلا بد أنه كان جنيناً غير بشري، والأب هو روح الله.
وللتوكيد على أن عيسى لا بد أن يكون ابن الله، فقد أخبرنا القرآن أن الله أختار مريم له شخصياً، (يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين) (آل عمران 43). فإذاً الله قد اصطفى مريم من دون نساء العالمين وطهرها من الحيض وجعلها صفيته ونفخ في فرجها حتى حبلت، فهل ترك القرآن أي شكٍ في عقل القاريء المحايد من أن الحمل نتج عن اتصال بين روح الله وفرج مريم؟
وعندما قال أهل الكتاب إن عيسى ابن الله، قال لهم القرآن :
(يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروحٌ منه) ( النساء 171). فكون عيسى كان رسول الله لا يمنع من أن يكون ابنه في نفس الوقت ورسوله. والأفضل أن يرسل الإله أو الإنسان ابنه لينفذ له مهمة صعبة. فالله في هذه الآية لا ينكر أن عيسى ابنه وإنما يقول إنه كلمته التي ألقاها إلى مريم، وقد رأينا كيف ألقاها بالنفخ في فرجها، ويقول كذلك إنه روحٌ منه، أي جزء منه.
فمن سياق قصة القرآن يتضح أن عيسى هو فعلاً ابن الله من الناحية البايولوجية. فمحاولة مفسري القرآن الاحتماء وراء جبريل وأن الله لم يلد ولم يولد، لا ترد شبهة أن الله قد نفخ في فرج مريم ابنه عيسى.