نزول عيسى عليه السلام في القرآن الكريم

 

﴿وَقَولِهِم إِنّا قَتَلنَا المَسيحَ عيسَى ابنَ مَريَمَ رَسولَ اللَّهِ وَما قَتَلوهُ وَما صَلَبوهُ وَلكِن شُبِّهَ لَهُم وَإِنَّ الَّذينَ اختَلَفوا فيهِ لَفي شَكٍّ مِنهُ ما لَهُم بِهِ مِن عِلمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلوهُ يَقينًا۝بَل رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيهِ وَكانَ اللَّهُ عَزيزًا حَكيمًا۝وَإِن مِن أَهلِ الكِتابِ إِلّا لَيُؤمِنَنَّ بِهِ قَبلَ مَوتِهِ وَيَومَ القِيامَةِ يَكونُ عَلَيهِم شَهيدًا﴾
1- (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ) إشارة إلى انتصارهم لنبوءة المسيح المخلص لليهود (المسيح الدجال) بتأكيدهم قتل عيسى عليه السلام ، فحين أدرك اليهود أن مجيء المسيح عيسى ابن مريم يكذب نبوءة المسيح المخلص لليهود ، الذي سيأتي ويجعل اليهود أسيادا للأرض ويجعل غير اليهود عبيدا لليهود ، سعوا لإثبات موت عيسى على أداة الصلب لينطبق عليه ما جاء في سفر التثنية مفاده أنه ملعون كل من علّق على خشبة ،وبالتالي يكون عيسى ليس هو المسيح الحقيقي .
-( وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ۚ ) وهذه إشارة قرءانية إلى أن اليهود حاولوا صلب عيسى عليه السلام وفق المعنى القرءاني للصلب ، فالصلب عقوبة رادعة وقاسية جداً والدليل من القرءان الكريم : ((إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض )) فكلمة (يصلبوا) نراها ترد وسط عقوبات قاسية جداً ...فهي تثبيت الجاني على أداة الصلب وتركه معلّقا عليها إلى أن تُزهَق نفسه وهنا يكون قد صُلِب، و قول فرعون : (و لأصلبنكم في جذوع النخل ) فاختيار الطاغية فرعون عقوبة الصلب دليل انها عقوبة قاسية جداً ، فهي لا تعني مجرّد تثبيت السحرة على جذوع النخل وانما تثبيتهم على جذوع النخل وتركهم معلّقين عليها إلى أن تُزهَق أنفسهم وهنا يكونوا قد صُلِبوا .
في الجملة القرآنية : (( وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ )) كلمة (( وَمَا قَتَلُوهُ )) تنفي مقتل عيسى على أيد اليهود بشكل عام ، وتأتي كلمة ( وَمَا صَلَبُوه ) كعطف بيان وتخصيص على كلمة (( وَمَا قَتَلُوهُ )) لأن القتل يأخذ عدة أشكال من بينها الصلب ، وهذا يعني أن الصلب هو الوسيلة التي اختارها اليهود لابطال نبوة عيسى عليه السلام بتثبيت جسد عيسى عليه السلام على أداة الصلب ليموت عليها ويكون ملعونا موافقة لما في جاء في كتبهم.
3- والجملة (( وَلكِن شُبِّهَ لَهُم )) أي شُبِّه لهم أنه مات على أداة الصلب ،وأصبح ملعوناً، ولكنه لم يمت، والدليل إننا نرى الكلمة ( شُبِّهَ ) ترد بصيغة المبني للمجهول ، بمعنى وجود عوامل متداخلة متشابكة جعلتهم يتوهمون بموته على أداة الصلب والعباراتان (( وَلكِن شُبِّهَ لَهُم ) ( وَما قَتَلوهُ يَقينًا ) تؤكدان تثبيت عيسى عليه السلام على أداة الصلب ، لو فرضنا أنه لم يُثبَّت على أداة الصلب وانما قُتِلَ ذبحاً أو رمياً ، فكيف نفهم قوله ( وَلكِن شُبِّهَ لَهُم ), ( وَما قَتَلوهُ يَقينًا ) ؟؟..فلا يوجد أحد يشك بموت انسان حين يُذبَح أو يُسقَط رميا على الارض!!. في حين أنه يمكن التوهم بموت الموضوع على أداة الصلب ويكون في حقيقته لم يمت وانما أُغمِيَ عليه وفقد وعيه بسبب الجوع والعطش.
الجملة القرءانية : ((بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا )) هي رد من الله تعالى على مزاعم اليهود الذين قالوا أن عيسى عليه السلام مات قتيلا على أداة الصلب ((وَقَولِهِم إِنّا قَتَلنَا المَسيحَ عيسَى ابنَ مَريَمَ رَسولَ اللَّهِ )) بدليل حرف (بل ) في الجملة (( بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ۚ)) الذي يفيد الإضراب عما قبله ،أي عيسى لم يمت على أداة الصلب كما زعم اليهود ، وانما الله تعالى- بقدرته المطلقة -رفعه إليه إنقاذا من مكر اليهود الذين أرادوا بموته على أداة الصلب الانتصار لنبوءة المسيح المخلص لليهود ...وختام الآية ( وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ) يعني أن الله تعالى بمقتضى عزته لم يسمح لليهود بأن يحققوا مرادهم بأن يموت عيسى -كلمة الله وروح منه - قتيلا على أداة الصلب ويكون ملعوناً ، فالله هو العزيز الذي لا يُقهَر ولا تُغلَب كلمته .
((وَإِن مِن أَهلِ الكِتابِ إِلّا لَيُؤمِنَنَّ بِهِ قَبلَ مَوتِه)) : نلاحظ صيغة (وان من الا) التي تفيد العموم وعدم الاستثناء (وان من شيء إلا يسبح بحمده) فتعني أن كل أهل الكتاب بلا استثناء سيؤمنون بعيسى عليه السلام حين رؤيته ، بمعنى سيتيقّنون- حين رؤيتهم لعيسى- أن عيسى عليه السلام لم يمت قتيلا على أداة الصلب ، وانما رُفِعَ إلى الله عزوجل ، فاليهود سيتيقّنون بأن عيسى الذي نزل هو المسيح الحق وأن المسيح المخلص لليهود -الذي تمهّد دولة إسرائيل مجيئه- هو مسيح مزيّف، .وسيتيقّن النصارى أن المسيح لم يمت على أداة الصلب من أجل خطايانا وانما رُفِعَ إلى الله عزوجل.
وليس المقصود بالإيمان ( لَيُؤمِنَنَّ بِهِ ) بأن يصبح جميع أهل الكتاب مسلمين ، فكلمة : (( لَيُؤمِنَنَّ بِهِ )) في الجملة : (( وَإِن مِن أَهلِ الكِتابِ إِلّا لَيُؤمِنَنَّ بِهِ قَبلَ مَوتِه))التي جاءت بالصيغة الفعلية فعل المضارع مع صفة (( أَهلِ الكِتاب)) تفيد تفاعل أهل الكتاب في تيقّنهم بعيسى عليه السلام حين رؤيته .


{وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۖ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ }
6- الجملة القرءانية : (( وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ )) معناها أن اليهود مكروا بعيسى عليه السلام بتثبيت جسده على أداة الصلب ليموت عليه (( وَمَكَرُوا )) , وان الله تعالى بمقتضى عزّته قضى بانقاذ عيسى من الموت على أداة الصلب (( وَمَكَرَ اللَّهُ ۖ )) , والله هو خير الماكرين أي الغالب على أمره (( وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ )) ..ثم تاتي الجملة : { إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ } كبيان وتفصيل لماهية المكر الإلهي ضد مكر اليهود وهو : ((إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ )) فهذه البشارات أوحاها الله لعيسى وهو مثبّت على أداة الصلب.
السياق المحيط بالجملة القرءانية: ((إِنِّي مُتَوَفِّيكَ )) قرينة تنفي بالمطلق الإستيفاء بمعنى الموت ، لأن لو استرد الله نفس عيسى -وهو موضوع على أداة الصلب - من باب الموت ، لمات على أداة الصلب ولحقق الله مراد اليهود ,وهذا محال لان الله تعالى يقول ((وَما قَتَلوهُ وَما صَلَبوهُ)),فالجملة (( وَما صَلَبوهُ)) تعني نفي موت عيسى على اداة الصلب ونحن بيّنا سابقا أن الصلب ليس مجرد وضع على أداة الصلب..انما الصلب هو الموت على أداة الصلب بعد أن وُضِعَ عليه .
الجملة القرءانية : ((إِنِّي مُتَوَفِّيكَ )) تعني إستيفاء نفس عيسى استيفاء مؤقتاً , لينزل مرة أخرى في اخر الزمان .. وقد ورد في القرءان الوفاة بمعنى الاستيفاء المؤقت ، قال تعالى : (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ) وعيسى متوفى مؤقتاً منذ أكثر من ألفين سنة ...
وكذلك الجملة القرءانية (( وَرَافِعُكَ إِلَيَّ )) المعطوفة على البشارة الأولى ، والتي جاءت في سياق الرد الإلهي على مكر اليهود ، تعني رفع جسد عيسى عليه السلام الموضوع على أداة الصلب إلى الله تعالى انقاذاً من مكر اليهود بعيسى الذين أرادوا وضع جسده على اداة الصلب ليموت عليه ويكون ملعونا ..فالرفع يتعلق بجسد المسيح لإنقاذه من الموت على اداة الصلب ..

7- ونزول عيسى عليه السلام في اخر الزمان ، لا يتعارض مع ختم النبوة ، فالنبوة تتعلّق بشخص حامل الرسالة وليس بالرسالة , فمثلا الله عزّ وجل في كتابه لم يأمرنا أن نطيع محمد النبي وانما أمرنا أن نطيع محمد الرسول..لان صفة النبوة ترتبط بشخص محمد عليه السلام والشخص يموت , في حين أن صفة الرسالة مرتبطة بنصوص الوحي ...و عيسى الذي سينزل في آخر الزمان هو ذاته المرفوع إلى الله تعالى ((بل رفعه الله إليه )) فلن يُخلَق من جديد ويصبح نبياً وينزل .


﴿إِذ قالَ اللَّهُ يا عيسى إِنّي مُتَوَفّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذينَ كَفَروا وَجاعِلُ الَّذينَ اتَّبَعوكَ فَوقَ الَّذينَ كَفَروا إِلى يَومِ القِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرجِعُكُم فَأَحكُمُ بَينَكُم فيما كُنتُم فيهِ تَختَلِفونَ﴾
8- هذه الآية الكريمة -والتي جاءت في سياق الرد الإلهي على مكر اليهود- هي خطاب ذات خصوصية من الله عزّ وجل لعيسى عليه السلام { إِذ قالَ اللَّهُ يا عيسى } وهذا يقتضي أن الجمل القرآنية : (( إِنّي مُتَوَفّيك )) و (( وَرافِعُكَ إِلَيَّ )) (( وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذينَ كَفَروا )) (( وَجاعِلُ الَّذينَ اتَّبَعوكَ فَوقَ الَّذينَ كَفَروا إِلى يَومِ القِيامَة)) التي تخاطب ذات عيسى عليه السلام حصرا..ً هي معجزات لعيسى عليه السلام فاعلها الله عزّ وجل ّ .
فلو كان المقصود من الإستيفاء هو إستيفاء نفس عيسى من باب الموت والرفع هو رفع الدرجات ، لما كان هناك أي خصوصية ، ولما كان هناك أي معنى للخطاب الخصوصي ، فالوفاة من باب الموت يحدث للجميع ، ورفع الدرجات ممكن لأي مؤمن ....فما مع حدث مع عيسى هي معجزات خارقة للمألوف والعادة ، فعيسى متوفى مؤقتا منذ ألفين سنة ، وجسده مرفوع إلى الله تعالى ...وأتباعه غالبون على الذين كفروا حتى يوم القيامة ..
9 °انكار رفع عيسى عليه السلام الى الله تعالى ونزوله ، يعني إقرار ضمني أن عيسى عليه السلام الذي هو كلمة الله وروح منه مات على الصليب وأصبح ملعونا ، وبالتالي صِدْق نبوءة المسيح الدجال والإساءة لله تعالى بأنه فشل وعجز عن نصرة عيسى عليه السلام كلمة الله وروح منه من الموت على الصليب ..فتلك الإساءة سلب لصفة (العزيز) الثابتة لله تعالى..وفي الانجيل المحرف يقول المسيح : (الهي الهي لماذا تركتني ؟؟)) 
ومن هنا نفهم قوله تعالى
(وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ ۚ هَٰذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ ۖ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ)
[سورة الزخرف 61 - 62]
فالشيطان الذي يأمرنا بالقول على الله ما لا نعلم ، يزين انكار رفع عيسى عليه السلام الى الله تعالى في نفوس منكري نزول عيسى ، ليدفعهم الى تبني معتقد خطير أن الله تعالى فشل وعجز عن نصرة عيسى عليه السلام كلمة الله وروح منه من الموت على الصليب ..(ولا يصدنكم الشيطان أنه لكم عدو مبين )