إرهاصات نبوة محمد

 

يحتج المسلمون بالنقلة النوعية التي أحدثها الإسلام في المجتمع البدوي المشرك و الذي كان يعج بكل الموبقات من معاقرة الخمر و الزنا و عبادة الأوثان ، بل ذهبوا لما هو أبعد من ذلك فادعوا أن محمد جاء فعلم قومه النظافة الشخصية و الأخلاق الحميدة بعد أن كانوا - كما يُظهرهم القرأن في الظلمات و أخرجهم هو - أي محمد - إلي النور .
فهل هذا صحيح ؟
هل كان محمد حقاً أول نبي في قومه ؟ أو بمعني أدق ، هل كان محمد أول داعٍ للتوحيد في زمنه ؟
لقد عمدت الكثير من كتب التراث و لا سيما المتأخرة منها إلي طمس سيرة أشخاص بعينهم لأن ظهورهم علي الساحة كان سيخلق عدد لا حصر له من علامات الإستفهام ، إلا أننا رغم ذلك نجد في كتب السيرة و في البخاري ما لم تطاله يد التشويه أو المحو ليكون كافياً جداً لنا كي نتخذ منه مرشداً و دليلاً في بحثنا عن الحقيقة فيما فيما بين السطور .
.
إن الناظر في السيرة الذاتية لأشخاص بعينهم عاصروا محمد أو سبقوه بقليل و في إنتاجهم الأدبي الذي بين يدينا و مقارنته بالقرأن ليصل بما لا يدع مجالأ للشك إلي أن دعوة محمد و قرأنه كانت الحلقة الأخيرة في سلسلة أنبياء مهدوا لمحمد الظهور ، بل و ألهموه الكثير جداً من تعاليمهم و إنتاجهم الأدبي الذي لا يقل بل و يتفوق أحياناً علي قرأن محمد ، هذا إن لم يكن قرأن محمد في كثير من ألفاظه مُقَتبس عن إنتاج هؤلاء .
.
و لنأخذ عمرو بن زيد بن نفيل كمثال قوي و أوضح ما يكون علي أنبياء عاصروا محمد و حذا هو حذوهم مقلداً إياهم في تعاليمهم و منهجم و الفرق بين زيد و محمد هو أن الأول إكتفي بنفسه و لم يكن له تطلعات زعاميةعلي العكس من محمد الذي سرق منه أسس و تعاليم دينه بل حتي إسم هذا الدين .
و أورد هنا - قبل كل شيئ - رأي محمد نفسه في عمرو بن زيد المُعلم الذي نقل محمد عنه و لم يستطع نكران فضله عليه و لعله كان في ذلك مضطراً فلم يكن بوسعه أن يذكره بسوء أمام قومه الذين كانوا يعلمون أن تعاليم زيد لا تختلف عن تعاليم محمد ، فكيف كان لمحمد إذن أن يُكَفِره !!!
.
وعنه يقول ابن كثير :
ذكر شأنه للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : هو أمة وحده يوم القيامة .. يبعث يوم القيامة أمة وحده .. وكان يحيي الموءودة ؛ يقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته : لا تقتلها ، أنا أكفيك مئونتها فيأخذها .. وكان يقول : يا معشر قريش إياكم والزنا ، فإنه يورث الفقر .. فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يحشر ذاك أمة وحده ، بيني وبين عيس ابن مريم – إسناده جيد قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) دخلت الجنة فرأيت لزيد بن عمرو بن نفيل دوحتين " (ابن كثير : البداية والنهاية ، ج2 ، ص 221 ، 224 . ) .
.
يقول عمرو بن زيد :
أسلمت وجهي لمن أسلمت
له الأرض تحمل صخرا ثقالا
دحاها فلما رأها استوت
على الماء ، أرسي عليها الجبالا
وأسلمت وجهي لمن أسلمت
له المزن تحمل عذبا زلالا
إذا هي سيقت إلى بلدة
أطاعت فصبت عليها سجالا
و مما يثير الدهشة و التساؤل أن عمرو بن زيد يقول ( أسلمت ) قبل أن يدعي محمد النبوة و يُسمي دينه الإسلام !
ثم إن الأرض دحاها ( و الأرض بعد ذلك دحاها ) و أرسي عليها جبالاً ( و جعلنا في الأرض رواسي أن تميد بكم ) و لا تفوتنا أيضا تعبيرات كاستوت علي الماء ( الرحمن علي العرش استوي ) و ( كان عرشه علي الماء )
و لن نغفل بالتأكيد ألفاظ من مثل ( سبعاً شداداً ، بناها ، أمد ، زينها بنور ، دُجاها ، أنهار من العذب الزلال ، سيق المجرمون ، سلاسلها ، حر النار ، دار صدق ، فليسوا ميتين فيستريحوا ، ويلاً ، لهم ما يشتهون ، المتقون .. إلخ )
فإذا قارنا بين الإنتاج الأدبي لزيد بن عمرو و ذاك الذي لمحمد للاحظنا أن عمرو قد سلك مسلك القصيدة النمطية ذات الوزن و القافية و هو مما لا شك فيه صنفاً أدبياً أصعب من رجز محمد أو سجع الكهان الذي سماه قرأن و الذي يسمح بمساحة أكبر من حرية إختيار الوزن و القافية ، رغم أن القرأن لا يخلو من تحري الوزن و القافية في كثير منه و الذي يكون من نتيجته الحشو و الإطناب بل و غياب المعني كتكراره لعبارة فبأي ألاء ربكما تكذبان و قوله : فاكهة و أبا و التي ليس لها معني .
.
و الأن لنستمع لترتيل لبعض أبيات من قصيدة أمية بن أبي الصلت ( إله العالمين ) بصوت مقرئ للقرأن رغم أنه لا يرتلها كما يرتلون القرأن و لاحظ أن أمية بن الصلت كتب قصيدته قبل أن يفكر محمد في إدعاء النبوة و أحب أن ألفت النظر إلي أنه من الأهمية بمكان أن نتعمق في الأفكار التي تشي بها القصيدة و التي هي كلها و بلا إستثاء من العقائد الإسلامية لنقف متعجبين متسائلين : أي جديد إذن أتي به محمد !!!
وإستمع للأبيات و قل لي بعدها أي فرق تجد بينها و بين القرأن و أي سكينة و روحانية تشعر بها بعد سماعها !
.
إله العالمين وكل أرض ورب الراسيات من الجبال
بناها وابتني سبعا شدادا
بلا عمد يرين ولا حبال
وســـــواها وزينهـا بنور من الشمس المضيئة الهلال
ومن شهب تلألأت في دجاها مـــــراميها أشـد من النصال
وشـق الأرض فأنجبت عيونا وأنهارا من العذب الزلال
وبارك في نواحيها وزكي بها ما كان من حرث ومال

يحتاج الله دائما لمساعدين يتممون أحكامه الناقصة و يعدلونها و يجتهدون لتفسير طلاسمه و هم في ذلك يختلفون كل منهم حسب رؤيته الشخصية و تكوينه النفسي و مقدار ثقافته و سعة افقه .
فالله لم يُرسي حكما واحدا كامل و لم يُشرع قانونا محترما بلغة القانون , فلم يُعًرف الجريمة و لا ظروفها و تجاهل تماما استثاءات تطبيق الحد او العقاب .
و يتفوق عليه بلا شك جميع القوانين الوضعية لأي دولة في كونها واضحة صريحة لا تحتمل التأويل فليس من الوارد أن يفهما قاضي علي خلاف ما يفهما به أخر 
و النص القرأني نصا جامدا في ذاته و من هنا تنبع عدم جودته بل و قصوره إذا تم الاستغناء عن التفاسير التي حاولت ان تجعل منه نصا قابل الي حد ما للتطبيق العملي و لكن و كما ذكرت ان الاختلاف في الرؤية و في التفسير يخلق هوة بين كيفية تطبيق النص يتراوح طرفيها بين اقصي اليسار المتطرف ( و انظر اراء و احكام ابن حنبل ) و اقصي اليمين ( ابي حنيفة علي سيبل المثال )
ففي جريمة السرقة يقول القرأن : والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم 
و كما نري فلم يُعرف القرأن جريمة السرقة و لا شروطها و لا حالات الاستثناء من العقاب كما فعل القانون الفرنسي الوضعي و الذي لا يحتاج لمفسرين يفسرونه فيجتهدون و يختلفون , فيقول معرفا السرقة : كل من اختلس شيئا غير مملوك له فهو سارق".
و كما نري فالقانون الفرنسي قد عرًف فعل السرقة بحيازة السارق لما هو ليس ملكا له بلا استثناء و ايا كانت صلة السارق بمن سرقه و لا اظن ان قاضيا اسلاميا سيقطع يد اب سرق ابنه في وجود حديث مثل ( انت و مالك لابيك ) و هو حديث صحيح يقول فيه الشوكاني : أن الرجل مشارك لولده في ماله، فيجوز له الأكل منه، سواء أذن الولد أو لم يأذن. ويجوز له أيضا أن يتصرف به كما يتصرف بماله ما دام محتاجاً ولم يكن ذلك على وجه السرف والسفه، 
اذن فالمسألة عائمة هنا و كل قاضي سيحكم فيها بفهمه الخاص و درجة اطلاعه علي الاحاديث و عمله بها و هو ليس مُلزما بنص بعينه بل ما تتحكم فيه هنا هي العاطفة التي تجعله يطوع النص ليتناسب مع هواه و رؤيته , اما القانون الفرنسي السابق ذكره فسوف يُعاقب الاب السارق بجريمة السرقة لانه لا في المسروق و فيما يملك ملكية خاصة للاب .
و لست بصدد مناقشة الروابط الاسرية هنا فالأب الذي يسرق ابنه لا يستحق ان يحمل ذلك اللقب و قد يحدث ان يسرق الاب احد ابناءه لينفق علي نزواته او كي يُعطي ابنا اخر و المتضرر هنا هو الابن المسروق وحده و الذي لن تنصفه الاية ( وو السارق و السارقة فاقطعوا ايديهما ) لن جريمة السرقة لم تتم من الاساس .
أما عن شروط تنفيذ حد السرقة في الإسلام فلم يذكر القرأن أي شروط تقيذ هذا التنفيذ مما يكرس لقطع يد السارق علي وجه العموم و بل أي ضوابط بل قال محمد في ذلك ( تقطع اليد في ربع دينار فصاعداً) 
و كقاعدة قانونية فإن العقاب لابد و ان يتناسب مع الجرم و يالها من مهزلة أن يجتمع رجلان في ساحة قطع الأيدي سرق أحدهما عشرة الاف دينار بينما سرق الاخر ربع دينار !!!
و قد يكون السارق مريضا بداء السرقة و في هذا يقول القانون الفرنسي مستثنيا حالات بعينها من العقاب و حسب نص المادتين 239 و 240 من قانون العقوبات:
أن السرقة لا يعاقب عليها إذا وجد عذر محل فلا عقاب إذا كان السارق مريضا نفسيا بشهادة طبيبه العالج .
و كما هو واضح فإن القرأن لم يستثني أي حالة سرقة من العقاب و ترك البت في المسألة مرة اخري للمفسرين و ارائهم و عواطفهم و اهوائهم الشخصية مما يُكرس لوقوع ظلم , فقد ييأخذ قاض في الشام بالأية ( ليس علي المريض حرج ) و يترك عقاب السارق معتمدا في ذلك علي كونه لم يكن مدركا لجريمته وقت ارتكابها في حين قد يعمل قاض اخر في اليمن في الرواية التي تقول : أن امرأة مخزومية شريفة سرقت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، فأراد أسامة بن زيد أن يشفع فيها فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقال : أتشفع في حد من حدود الله ، إنما أهلك الذين من قبلكم كانوا إذا سرق فيهم الغني تركوه وإذا سرق فيهم الوضيع أقاموا عليه الحد وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ) البخاري (أحاديث الأنبياء/3216)
و من الواضح أن الشريفة لن تسرق لحاجة و إنما لكونها مريضة بداء السرقة و مما يُعزز أن الاسلام لم يلقي بالا لاستثناء المريض بداء السرقة من العقاب أن المجتمع الاسلمي في ذلك الوقت لم يكون يعرف ما يُسمي بالمريض بداء السرقة بل إن المريض النفسي عندهم هو المجنون الفاقد لعقله بالكلية و الغير مدرك لما حوله و إلا لكنا رأينا تشخيصا لمحمد نفسه يكشف عن كونه كان مريضا بصرع الفص الدماغي !
سقول قائل : بل كان هناك استثناءات و عمر كان قد ألغي تطبيق حد السرقة في عام اشتدت فيه الفاقه علي الناس , و هنا أسأل : هل كان إلغاء عمر لتطبيق حد السرقة في ذالك العام بنص قرأني أم محض اجتهاد منه ؟
ماذا لو انه لم يفعل ؟ 
اليس ما قام به عمر لخير دليل علي أن الله في حاجة لمعانين له ؟
أليس في هذا دليلا علي أن النص القرأني ليس كاملا في ذاته و أن به خللا يستوجب التدخل البشري لرأبه ؟
كم من النصوص الالهية الجامدة و التي تحتاج لكثير تأويل و بها ما بها من غموض يوقع في اللبس و لم يتدخل عمر في الفصل فيه ؟
ألم يكن عمر رجلا مثلكم أم كان شريكا لله في الحكم ؟
أم تراه كان يوحي إليه كمحمد فلا ينطق عن الهوي !!!