الأصول والجذور السريانيّة والأرامية للقرآن

 

في كتاب "معاني القرآن على ضوء علم اللسان"، للمستشرق كريستوف لوكسنبرغ، يظهر بوضوح ان قواعد القرآن قريبة لقواعد اللغة السريانية ولغتها، اكثر بكثير من القواعد التي وضعها سيباويه الفارسي. بالرغم من ان سيباويه وضع قواعد اللغة العربيةلعدم وجود قواعد مكتوبة لها، الا ان ذلك لايعني على الاطلاق ان اللغة العربية لم يكن لها قواعد شفهية، وهي على الاغلب كانت مقتبسة من اللغة الام : السريانية النبطية. ان تمكن المستشرق لوكسنبرغ من تفسير العديد من المعضلات بفضل استخدامه للقواعد النبطية وللغة النبطية يتوافق تماما مع الجور السريانية للغة العربية، الامر الذي يششير الى سوء الفهم الشائع للقرآن. هنا مقاطع وامثلة من كتاب الباحث.
هناك كلمة بسيطة عجز المفسرون شرقا وغربا عن شرحها حتى الآن وردت في سورة المدّثر الآية 51 وهي (قسْوَرة)، ومفهومها من نص الآيات 49 -51 :
(ما لهم عن التذكرة معرضين / كأنهم حمر مستنفرة / فرت من قسورة )
أجمع المفسرون العرب على أن هذه الكلمة حبشية الأصل لبعدها عن العربية وقـدّروا بأنه لا بد أن المقصود منها الأسـد لفرار الحُمُر (أي الحمير) منه، بعد أن تبيّن لأحد المفسرين بأن الأسد يقال له بالسريانية (أريا)، مما يدل على أن بعضهم كان له إلمام بالسريانية. ثم جاء المفسرون الغربيون فبحثوا في أصل هذا التعبير ولم يجدوا له اشتقاقا من الحبشية، فاستنتجوا بأن معنى الأسد أقرب ما يمكن اشتقاقه من أصل قسـر العربي الذي يعني أرغم وأجبر، وأن المعنى الحقيقي لهذا التعبير ما زال غامضا. إلا أن الرسم القرآني يشير إلى اسم فاعل سرياني على وزن (فعولا) (بقراءة فاعولا fa‘ola ) المشتق منه الوزن العربي فعول وفاعول. والكلمة هي في الواقع سريانية الأصل ويمكن اشتقاقها من أصل قسر وقصر كما تثبته لنا القواميس السريانية، فنجـد هذا التعبير بقلب السـين والواو بكتابة (قوسرا qusra ) بالسين و(قوصرا) بالصاد، وهي كتابة سريانية لا تختلف لفظا عن كتابة (قوسره) qusra و(قوصره) في غيرها من اللهجات الآرامية. ويذكر لسـان العرب بأن أهل البصرة يقولون للمرذول إبن قَوْصَرة qausara (والأصح قوصْرَه qusra أو قوصْرا لفظا والقاصر أو الفاشل معنى) ناسبا إلى أبن دُرَيد قوله: لا أحسَـبُه عربيا ولو نطقوا به قديما، مما يثبت مجددا اختلاط اللغتين العربية والسريانية سابقا. والرسم القرآني قسوره أصحّ سريانيا ويلفظ قاسورا qasora (بلفظ الواو بالإمالة نحو الواو) وليس قَسْوَِرَة qaswara بتشكيل مُصحَف القاهرة. أما المعنى بشهادة المراجع السريانية فهو الحمار الهرم الذي لا يستطيع الحَمل. والمراد بالتعبير القرآني أن هناك احتمالين لفرار الحمر المستنفرة:
أ ) إما الهرب من شيء مرعب كالأسد، وهذا أمر بديهي يبرر الهربَ منه،
ب ) وإما الهرب من شيء غير مفزع، كقولك عن أحد يهرب من خياله! وهذا هو المقصود في النص القرآني الذي يشـبّه استنفار الهاربين من تذكرة القرآن بالحمير الهاربين ليس من نظيرهم فحسب، بل ومن دابة هرمة هالكة ليس فيها ما يدفع إلى الهرب. ويقابل هذا التعبير بالعربية القاصر المثبت للأصل السرياني لفظا واشتقاقا ومعنى (انظر كتاب لوكسنبرغ ص 45 – 47).
ج ) يشير لوكسنبرغ إلى أن المفسرين العرب فهموا كلمة قسورة qaswara qasora / بمعنى الأسد بينما المقصود منه الحمار الهرم بالسريانية، وقرأوا الرسم القرآني (وانظر إلى حمارك) (سورة البقرة، 259 ) بمعنى الحمار عربيا، بينما المقصود منه سريانيا صفة لبني آدم. وتوضيحا لهذا التعبير نأخذ عن لوكسنبرغ (ص 176 – 183) الآية المذكورة كمثال عن المنهج رقم 2 و 4 (وموضوع الآية أن الله أمات إنسانا لا يؤمن بالقيامة ثم بعثه بعد مائة عام فقال له) :
(وانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر ألى حمارك
ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما)
قبل الوصول إلى كلمة (حمارك) يتساءل لوكسنبرغ عما عساه القرآن يقصده بالإشارة إلى هذا الإنسان الذي بُعث بعد ممات مائة عام إلى طعامه وشرابه، مع أنه ليس هناك أي صلة بالطعام أو الشراب. ولما لم يمكن فهم هذين التعبيرين عربيا بغير مفهوم الأكل والشرب، يرى الباحث شرحهما بمفهوم سرياني يوافق النص القرآني. ولما كانت الألف الوسطى مضافة غالبا في المصاحف اللاحقة، يقرأ لوكسنبرغ سريانيا طعما بشرح المراجع السريانية التي تعطي 1) معنى العقل والفهم ومشيرا إلى التعبير (السرياني الآصل) الشائع في الدارجة القائل (حكي بلا طعمه) بمعنى بلا فهم، و 2) معنى الحال والشأن والأمر. ولما كان هذا المعنى مطابقا للتعبير السرياني التابع (شـربا sharba ) (بغير معنى الشراب العربي)، يرى لوكسنبرغ بأن هذين اللفظين مرادفان بدليل الفعل التابع لهما بصيغة المفرد المذكر (لم يتسنّه)، وناسبا هذا الفعل أيضا إلى أصله السرياني (إشتني) eshtni الذي يعني تغيّر طبقا لشرح الطبري، فيكون المفهوم: (أنظر إلى حالك وأمرك، لم يتغيّر ).
ويشـرح لوكسنبرغ بأنه علينا أن نفهم الرسم (حمارك) بقراءة سريانية (جمارك) gamárika أي كمالك (ومنها بالعربية كلمة الجمر أي اكتمال النار في الفحم)، فيقرأ لوكسنبرغ الآية كالآتي: (وانظر إلى كمالك)، مما يعطي معنى منطقيا إلى ما سبق بخلاف القراءة التي درجت منذ تنقيط القرآن بمعنى الحمار الذي ليس له أي مكان في هذا النص. ودليـل ذلـك أنّ تعـالى يُردِف قائلا :
(ولنجعلك آية للناس) وليس (لنجعل حمارك آية للناس). ويشير لوكسنبرغ أخيرا إلى أن قراءة (ننشزها) خاطئة والمفروض قراءتها (ننشرها) داعما هذه القراءة العربية بدليل مرادفها السرياني (فشط) pshat الذي يعني عدا نشـر وبسط : أصلح وعدّل، فيكون معنى الآية بقراءتها العربية والسريانية:
(أنظر إلى حالك وأمرك لم يتغيّر وانظر إلى كمالك
ولنجعلك آية للناس أنظر إلى العظام كيف نصلحها ثم نكسوها لحما)..
كمثال آخر عن المنهج رقم 4 نذكر عن كتاب لوكسنبرغ (ص 102 - 121) تفسير الآية 24 من سورة مريم :
(فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتـك سـريا)
يشير لوكسنبرغ في بداية شرحه إلى السيوطي (1445 – 1505 م) الذي يذكر عن أبي القاسم في كتابه "لغات القرآن" وعن الكرماني في كتابه "العجائب" بأن تحت كلمة نبطية (وهي لغة الأنباط السريانية أو مزيج من العربية والسريانية) تعني البطن (بمعناها السرياني جنين). ولم يأبه المستشرقون لهذا الشرح معتبرين بأن "تحت" في اللغات الآرامية والعبرية والسريانية والحبشية لا تختلف عن معناها العربي بشيء. ولم يرد في تفسير الطبري أي شك عن معنى تحت ما خلا التساؤل عمّا إذا كان الذي نادى مريم من تحتها جبريل أم عيسى (عليه السلام)، بينما اختلف أهل التأويل في تفسير سريا، فاعتبره الطبري جدول ماء، داعما ذلك بقوله تعالى : (فكلي واشربي) (الآية 26). وأيد المفسرون الغربيون هذا المفهوم بالإشارة إلى مقطع من إنجيل منحول منسوب إلى متى ورد فيه بأن عيسى (عليه السلام) لدى هربه مع أمه مريم إلى مصر طلب من النخلة، حيث لجآ للاستراحة أثناء عبورهما الصحراء، أن تفتح جذورها لتخرج ماءا وتروي ظمأ أمه. واعتبر المفسرون الغربيون هذه الرواية مطابقة لما ورد في القرآن إثباتا لكلمة سـريا بمعنى الجدول. ويرى لوكسنبرغ بأن المفسرين شرقا وغربا قد أخفقوا في محاولاتهم لتوضيح هذه الأية لاعتمادهم على مجرّد اللغة العربية اللاحقة من ناحية ولاستشهادهم بنص بعيد عن مفهوم النص القرآني من ناحية أخرى.
وفي شرحه المفصل لكلمة "تحت" يشير لوكسنبرغ إلى أن لا أصل لها في العربية وأنها مشتقة من الفعل السرياني (نحِت) nhet (بلفظ نحِث nheth وبمعنى نزل وانحدر) المشتق منه الفعل العربي نحت المفهوم منه نحت الحجر وغيره لتسويته أو صقله، والمراد منه سريانيا تنزيل ما زاد منه، ومنه النحاتة أي ما نزل من كسارة لدى النحت. وقد ورد هذا التعبير بالمعنى المجازي في بيت للشاعرة الخرنق، أخت الشاعر طرفة (حوالي 538 - 564)، ونصه :
الخالطين نحيتهم بنُضارهم وذوي الغنى منهم بذي الفقر
يلاحظ لوكسنبرغ بأن لسان العرب أخطأ بشرحه معنى النحيت بالدخيل على قوم لعدم فهمه أصل فعل نحت السرياني بمعناه المجازي، مع أن تعبير النُضار (أي الأشراف) يوضح المعنى المناقض للنحيت الذي يعني بالسريانية الوضيع الأصل، القليل الحسب والنسب، كما يتضح هذا النقيض من خلط ذوي الغنى منهم بذي الفقر.
وتمهيدا لقراءة الرسم الفرآني (تحتها وتحتك) بمعنى البطن (أي الجنين) المنسوب إلى النبطية بحسب السيوطي نقلا عن أبي القاسم والكرماني، ينفي لوكسنبرغ هذا المفهوم، إلا أنه يرى له علاقة بالمقصود به إذا قرأنا بدلا من (تحتك) نحتك بلفظ نُحاتكِ بمعنى وضعك أو توليدك بالسريانية. وإثباتا لهذا المعنى يشرح لوكسنبرغ بأنه علينا أن نفهم حرف من ليس بمعنى ظرف المكان العربي (من تحتها) بل بمفهوم ظرف الزمان السرياني (من نُحاته)ا nuhatiha أي حال وضعها. ويثبت هذا المعنى السرياني لحرف من قولك في الدارجة: (من وصلتي قلتلّه) أي حال وصولي قلت له.
وتوضيحا لشرحه تعبير النُحات بمعنى الوضع أو التوليد، يلاحظ لوكسنبرغ بأن هذا المفهوم لم يرد في المراجع السريانية، وإنما ورد مرادف له وهو (نفَل) nfal أي هبط وسقط في مرجع آرامي آخر بمعنى الوضع أو التوليد غير الطبيعي أو الفائق الطبيعة بخلاف الولادة الطبيعية. ولما لم يرد في القرآن سوى وَلَدَ ووَضَعَ للتعبير عن التوليد أو الولادة الطبيعية، ينبّه لوكسنبرغ إلى أهمية تعبير النُحات الذي لم يرد في القرآن إلا في هذه الآية تعبيرا عن ولادة عيسى (عليه السلام) غير الطبيعية أو الفائقة الطبيعة مميزا إياه عن ولادة أي مخلوق آخر، والمعنى الحقيقي للنُحات هو التنزيل، وربما كان المراد به تنزيله من العُلا. ويرى لوكسنبرغ في هذا المقطع من سورة مريم وبالأخص في هذا التعبير أصطلاحا لاهوتيا ذا أهمية قصوى بالنسبة إلى تاريخ الأديان.
استنادا إلى ما سبق يكون مفهوم المقطع المذكور:
فناداها حال وضعها ألا تحزني قد جعل ربك وضعك سـريا !
لإيضاح معنى سريا المختلف عليه، يباشر لوكسنبرغ بنقض ما حاول المفسرون شرقا وغربا فهمه بمعنى جدول الماء، مشيرا إلى أن استناد الغربيين إلى المقطع المذكور من إنجيل منحول منسوب إلى متى لا يأخذ بعين الاعتبار النص القرآني. فإن أمر الطفل عيسى (عليه السلام) النخلة بتفجير الماء لإرواء ظمأ أمه، بحسب هذا الانجيل، فالسبب يعود إلى انقطاع الماء في الصحراء المجاورة. أما في النص القرآني فالوضع يختلف تماما. فهتاف مريم (يليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا) (الآية 23 ) لم يأت عن خوف منها من الموت عطشا، بل بالأحرى عن يأسها لاتهامها بصورة غير مباشرة بالحمل الحرام كما يتضح ذلك من الآية 28: (يأخت هرون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا)، ولنبذها لهذا السبب من بيت أهلها وفقا للآية 16: (واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا).
ويشرح لوكسنبرغ فعل انتبذت بمعنى طُرِدت من (قبل) أهلها بصيغة المجهول وفقا للنحو السرياني الذي يجيز استعمال المجهول مع ذكر الفاعل بخلاف النحو العربي الذي وُضعت قواعده فيما بعد عن يد أعاجم لم يلمّوا بأصول لغة القرآن. ويشير لوكسنبرغ إلى مقاطع أخرى في القرآن ورد فيها الفعل المجهول مع ذكر الفاعل بواسطة حرف مِن، منبّها إلى أن القرآن لا يخضع لقواعد العربية اللاحقة وأنه على الباحث أن يأخذ بعين الاعتبار قواعد السريانية التي تفتح لنا أبعادا جديدة لفهم لغة القرآن وإدراك معانيه.
ثم يردف لوكسنبرغ في شرحه لِما اتهمت به مريم بأنه لا يعقل أن يكون أول كلام وجهه اليها ابنها حال ولادته للتخفيف عن يأسها عبارة عن جدول ماء جعله ربها تحتها. إنما المنتظر أن يكون في كلامه لها عزاء يناقض اتهامها بالحرام لإزالة هذا العار عنها. ولما كان نقيض ابن الحرام (وفقا للكلام الذى ما زال دارجا) ابن الحلال، يثبت لوكسنبرغ بالمراجع السريانية بأن الرسم القرآني
(سـريا) sariyya يلفظ سريانيا شـريا shary، وهو عبارة عن صفة فعلية مشتقة من فعل شـرا shra (أي حلّ) وتعني الحلال. وعليه وجب قراءة الآية كما يلي :
(فناداها من نُحاتِها ألا تحزني قد جعل ربك نُحاتكِ شـريا )
كما وجب فهمها وفقا للعربية المعاصرة كالتالي :
(فناداها حال وضعها ألا تحزني قد جعل ربك وضعَكِ حلالا ).
الـخــلاصــة:
لم يُعرض في هذا الملخّص إلا نماذج يسيرة عما غمض في القرآن توضيحا للمنهج الذي اتبعه الباحث في دراسته التي تزيد عن 300 صفحة. ويقول المؤلف في المقدمة بأن هذه الدراسة لا تشكل سوى جزءا من أبحاث واسعة حول لغة القرآن يأمل نشر نتائجها فيما بعد. وبذكره الأبحاث اللغوية التي نشـأت في الغـرب منذ منتصف القرن التاسع عشـر، يشـير لوكسنبرغ إلى أن هذه الأبحاث اقتصرت على شرح اشتقاق عـدد محدود من الألفـاظ غير العربية في القرآن دون تغيير معانيها، بينما تبيّنت من هذه الدراسة مفاهيم جديدة بعيدة كل البعد عما سبق تفسيره لألفاظ ومقاطع غير يسيرة في نص القرآن. ومن جملة هذه المفاهيم التي أصبحت جزءا لا يتجزأ من العقائد الاسلامية بخصوص الجنة تفسير لوكسنبرغ الجديد لما أجمع التقليد الاسلامي على تسميته بـ "حوريات الجنة". وفي تحليل لغوي معمّق للآيات المنسوبة لها، يشرح لوكسنبرغ على 40 صفحة (221-260) بأن أهل التفسير شرقا وغربا قد أخطأوا في فهمهم التعابير القرآنية اعتمادا على عربية ما بعد سيبويه. ويبيّن لوكسنبرغ لغويا وموضوعيا بأن هذه التعابير ترجع إلى نصوص سريانية معروفة بالـ "ميامر" ألفها أفرام السرياني (306 – 373 م) في القرن الرابع ميلادي عن الجنة. وخلاصة الشرح أن لفظة حـور صفة سريانية للعنب الأبيض وأن عين صفة اسمية تعبر عن صفاء وبريق الحجارة الكريمة التي ينعت بها القرآن نصاعة العنب الأبيض إذ يشبهه باللؤلؤ المكنون. ولما نعت القرآن (الولدان المخلدون) بنفس التعبير، تبيّن كذلك بأن المراد بالولـدان وفقا للمرادف السرياني (يلـدا yalda ) : الثمار، فتوجّب قراءة مجلدون بدلا من (مخلدون)، أي أن ثمار الجنة تؤكل باردة (مجلّدة) بخلاف أهل الجحيم (الآكلون من شجر من زقوم … فشربون عليه من الحميم) (سورة الواقعة، الآية 52، 54 ).
ويستنتج لوكسنبرغ من تحليله اللغوي بأن "اللسان الذي أنزل به القرآن" لا يمكن فهمه إلا بالرجوع إلى لغة القرآن الأساسية ضمن مفهومها التاريخي والتي يكمُن سـرُ فهمها في انسجام عناصر من اللغتين العربية والسريانية.
معاني القرآن على ضوء علم اللسان
كتاب للمستشرق كريستوف لوكسنبرغ
وفي موضوع من ترجمة سهام جقيريم وكريستوف كلار تعاد الاشارة الى الكتاب اعلاه من جديد ويقدم فيه مثال اخر بالذات على الخمار, يقول ىالمقال:
في الكتاب الصادر مؤخرا 2007 :"النزاع حول القرآن : حوار لكسنبرغ مواقف وخلافات"، يسلّط لكسنبرغ الضوء على مقطع يشرّع الحجاب الإسلامي، وهو محلّ نزاع سياسيّ واجتماعي في ألمانيا وأوروبا. قراءة فيلولوجية للنص من شأنها إعطاء مفاهيم جديدة وموضوعية للجدل : يعود المشرّعون الإسلاميون إلى سورة النور الآية31 "وليضربن بخمورهن على جيوبهن"، ويرون فيها دعوة واضحة إلى فرض الحجاب الإسلامي على النساء المسلمات. لنبدء بتحليل كلمة "خمورهنّ" في كتابه "التفسير" يطرح الطبري المعنى : "خمورهن من المفرد "خمر" كلّ ما يكسو شعر، عنق وأذني المرأة" هذا التفسير لا علاقة له بالمعنى الأصلي للجذع "خمر" . الجذع "خمر" يعني بالآرامي "تخمّر (العجين) الخمر(الشراب) (يعود لكسنبرغ الى Siegmund Fraenkel, Die aramäischen Fremdwörter im Arabischen, Leiden 1886) يشير المعجم الآرامي أنّ الكلمة باللغة العربية تعني "غطّى" ستر"، وفي "لسان العرب" يعود المعنى إلى الآرامي "العجين جعل فيه الخميرة"، الخمر شربه، "غطّى، ستر"، يشير هنا ابن منظور إلى حديث منسوب للرسول: خمروا آنيتكم "أي غطّوها"، كلّ ما يغطّى هو مخمّر. مقصد الحديث أنّ الخمار هو ما يغطّي الإناء حتى يسرع عملية التخمير(عجين، شراب الخ) إذا كان الخمار خرقة من القماش يغطّى به الإناء، فكيف انزلق المعنى إلى الحجاب النسائي؟ بالنسبة للآية 219 من سورة البقرة يعود الطبري للمعنى المتداول لخمر: كل ما يخمر محرّم لأنّ الخمر "يحجب" العقل. فمعنى الخمار حجاب، وهذا التفسير لا صحّة له. وفاء المترجمين لمفسّري القرآن ساقهم إلى هذا الخطأ اللغوي. أمّا إذا قرأنا "جمورهن" مكان "خمورهنّ" فعندها يستوي المعنى المقصود.
يعود هنا لكسنبرغ إلى الأدب الآرامي السرياني ما بين ألقرن الرابع والسابع ميلادي (فترة زاهرة)، ليشير إلى استعمال الجذع "كمر"، وحرف الـ "ك" يحلّ أحيانا مكان "ج" كما هو سائد في الدارجة عند بعض البدو ويعني"حزم"، من هنا اشتقّ "كمر" كمرة "كمارة"(حزم’ حزمة’ حزام") هذه الكلمة موجودة حتى الآن ومتداولة عند بعض عرب الشرق الأوسط. بالآرامي يقال ڨمر بمعنى حزم، أحاط، أدار / كمر بمعنى حزم، العشب أو الحزام. النتيجة بالآرامية: جمار، كمار، ڨمار مفارقات صوتية لمعنى متشارك: حزام. من هنا يسوق المصطلح القرآني "جمور وليس خمور".
سنضع الآن الآية القرآنية أمامنا ونعيد القراءة: "وليضربن بجمورهنّ على جيوبهنّ" : كلمة "ضرب" تؤكّد معنى الحزام، لأن العرب تقول "شدّ الأحزمة وضرب الأحزمة" على الجيوب أي على الوسط. وليس كما زعم تغطية الرأس وأعلى الجسد، الرقبة، الخ…
من أين تأتي الإشارة الرمزية إلى الأحزمة في حين أنها لا تخصّ تقاليد إسلامية مضبوطة؟ الرجوع إلى التفسير التاريخي من شأنه توضيح الرمز. يعود الرمز إلى الزهّاد والرهبان. وهناك إشارة في "اللسان" إلى أنّ الرسول محمّد فرض على الرجال لبس الأحزمة عند الصلاة ثم منعهم من ذلك في ما بعد. روي أنّ عائشة قد ذكرت أنّ نساء المدينة اللاتي اعتنقن الإسلام نزعن أحزمتهنّ وحولنها إلى "خمور". اعتقد المفسّرون أنّ تحت هذا المصطلح الملغز "خمور" يوجد معنى الحجاب. في حين أنّ الإشارة هنا إلى "الحزام" الذي تحمله النساء حول وسطهنّ (لأنّ الحزام لا يتحوّل إلى حجاب!). ممّا يؤكّد مرّة أخرى أنّ المأزق الذي مرّوا به قبل أن يقدّموا معنى الحجاب هو مأزق لغويّ وقعوا فيه نتيجة قراءة خاطئة للكلمة. كلام عائشة يحتوي شيئا من الحقيقة التاريخية: تحمل النساء في زمن الرسول أحزمة. من هنا نفهم أنّ النساء دُعين إلى نزع الحجاب وتعويضه بالجمور، أي الأحزمة وليس العكس …هذا ما وصل إليه الباحث في معنى كلمة خمار.
ودون الدخول في مراحل البحث أشير هنا إلى مصطلح آخر : "حوريات الجنّة"، تعني "عنب أبيض"( اقرأ: روجناهم حوريات وليس زوجناهم حوريات).
المرجع اليهودي المسيحي للقرآن:
ما هي مراجع القرآن؟ سؤال يعود إليه الكاتب بعد العبور بالغة السريانية ليقدّم جوابا تفرضه الترجمة: القرآن يعني حرفيا "مجمع فصول" Lektinaire, Lectionnaire بحيث هو مقاطع مختارة من الكتب المقدسة التي سبق أن ترجمت إلى اللغة العامية "القرشية" (لغة مركّبة نتاج اختلاط العربية والسريانية) لتقرأ بلغة مفهومة. لكسنبرغ يستند إلى سورة يوسف: تلك آيات الكتاب المبين (أي تلك آيات الكتابة مبينة) إنّا أنزلناه قرآنا عربيا لعلّكم تعقلون (أي تفهمون لكسنبرغ، ص 80) /في سورة فصلت : (تنزيل من الرحمان الرحيم1 كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون2) لكسنبرغ يقرأ : "كتابة ترجمت في مفاصل عربية": "إنّ علينا جمعه وقرآنه17فإذا قرأته فاتبع قرآنه18ثم إنّ علينا بيانه19"(القيامة).
افتراض أنّ القرآن مختارات و"مجمع فصول" من الكتب والأناشيد القدسية يعني أنّه لا يزعم منذ الأصل أن يكون سوى كتاب قدسيّ يتضمّن مفاصل مختارة من الكتابات السماوية (العهدين الحديث والقديم) وليس بكتابة مستقلّة في حدّ ذاتها. ولهذا نجد في القرآن إشارات متعدّدة إلى لكتابات السابقة بدونها يبدو للقارئ أنّ الكتاب مغلق بسبع عقل"ص79 الكتاب الأصل كما ذكره القرآن هو "أمّ الكتاب" (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هنّ أمّ الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله….سورة آل عمران: "أي منها من هو مطابق للكتاب الأوّل وأخرى متشابهة من حيث المعنى. هذا يعني أنّ الكتاب الأوّل هو الكتاب المقدس"ص 83.
يبدو من هنا أنّ الرسول محمد "ليس إلا مذكِّرا" من جهة و"مترجما" من جهة أخرى. شخص محمد كما يظهر من خلال مؤلفي السير يمثّل هو الآخر موضع شكّ. لنذكر أنّ اسم محمد لم يظهر في القرآن إلا مرّتين، ومكة ويثرب وقريش مرّة واحدة، فكلّ ما سرد عن الحياة والمحيط الذي عاش فيه محمد يسند إلى زمن لاحق. من هنا ، تاريخ ظهور الإسلام مشكوك فيه للغاية. مثلا: مكان منطلق الغزوات يثرب: يذكر المؤرّخون المسلمون وجود ثلاث قبائل يهودية في المدينة تبايع معهم محمد ثم أطردهم منها شرّ طرد، في حين أنّه لا توجد أيّ مصادر يهودية أو غيرها تشير إلى وجود يهود في المنطقة. هل يكون موقع هذه الأحداث شمال الجزيرة العربية؟ هذا ممكن خاصة وأنّ الإشارة في الآيات الشيطانية إلى ثلاثة من الآلهة النسائية قد وجد آثارها في منحوتة أردنية سورية، في حين لا توجد أيّ آثار في منطقة الحجاز. من الممكن أن يكون محمد اسما منسوبا وأنّ بعض النصوص القرآنية سبقته.
سأكتفي هنا بذكر أهمّ ما جاء به لكسنبرغ في أطروحة شيقة، وكتابة في بعض الأحيان عسيرة الفهم لطول الجمل وكثافة الأفكار. يقول الكاتب في حواره مع "كرستوف برغمر" إنّه يخشى استعمال أبحاثه من قبل أهل السياسة والإعلام، وأنّ القصد الأوّل هو البحث الموضوعيّ في النصوص القرآنية. أمّا مشروع دار النشر فإنه يسير في منهج مخالف، أعني تبسيط الأطروحة حتى تصل أكبر عدد ممكن والتعريف بها خارج حدود ألمانيا.