تفسير سورة الاخلاص استنادا إلى الآرامية/السريانية

 

"قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ"
هي سورة مكيّة، وترتيبها حسب التسلسل الزمني لسور القرآن (21)، وترتيبها في المصحف العثماني برقم (112).
سُمّيت "سورة الإخلاص"، وفق ابن كثير، "لأنها خالصة لله تعالى، ولأن اللافظ بها قد أخلص التوحيد لله عزّ وجلّ".
وسُميت، حسب إفادات رواة الأثر وتفاسير السلف، بأكثر من أسم؛ فهي "سورة النجاة" (لأنها تنجي من النار)، وهي "سورة المعرفة" (لأنها تعين على معرفة الخالق)، وهي " سورة المحضر" (لأن الملائكة تحضر لسماعها إذا قُرئت)، وهي "سورة الممانعة"، فقد روى ابن عباس أن الله عز وجل قال لنبيه حين عرج به "أعطيتك سورة الإخلاص وهي من ذخائر كنوز عرشي، وهي المانعة تمنع عذاب القبر ولفحات النيران".
إذاً، نحن أمام واحدة من أعظم سور القرآن وجاءت، حسب مسجّلي السيرة، "جواباً للمشركين الذين سألوا النبيّ عليه السلام أن ينسب لهم الرب تبارك وتعالى"، و"ردأ على رهط من اليهود سألوا النبي (ص) أن يصف لهم ربّه" وفقا لرواية أخرى.
فكيف تعامل المفسرون، طيلة 1400 عام، مع هذه السورة ذات الأهمية الاستثنائية، وما هي اقتراحاتهم المختلفة في تفسيرها؟
سنتابع بعض قراءات الرواة والمفسرين والباحثين في مفردات السورة بالتفصيل:
1- "قُلْ":
يفسّر القرطبي كلمة "قُلْ" بأنها تعني "الأمر بالقول"،
ويرى البعض أن "قُلْ" تعني "يقول الله تعالى"،
وحسب الشيخ الشعراوي فإن "قُلْ" تعني "ايقاظ همّة الرسول بالتبليغ"،
فيما يذهب الباحث الاسلامي نبيل الكرخي الى تأويل كلمة "قُلْ" على ضوء أن "القرآن الكريم هو كلام الله سبحانه وليس للنبي سوى تبليغه، فليس له دور في انتاجه وتشكيله".
2- "هُوَ":
بعض العلماء، ومنهم فخر الدين الرازي، من اعتبر الضمير المنفصل "هُوَ" الوارد في السورة أسماً من اسماء الله الحسنى.
وضمير "هو"، بالنسبة للعلامة الطاهر ابن عاشور (في التحرير والتنوير) هو "ضمير الشأن لإفادة الاهتمام بالجملة التي بعده".
أما الطبري فيفسر مفردة "هوَ" في السورة بأنها "جواب لكلام قوم قالوا له (للنبي) ما الذي تعبد؟".
3- "الله أحَد":
يعرّف القرطبي مفردة "أحَد" بـ "الذي لا شبيه له ولا ولد ولا شريك ولا صاحبة".
وينوّه الطبري إلى اختلاف أهل العربية في تفسير كلمة "أحد" من حيث سياقها في السورة؛ ويوجز هذا الاختلاف بقوله " يرى البعض أن (أحد) عبارة عن رافع له (لله تعالى) وهو عماد بمنزلة الهاء في قوله "إنه أنا العزيز الحكيم"، وقال آخر منهم بل هو مرفوع، وإن كان نكرة بالاستئناف، كقوله: هذا بعلي شيخ.
فيما يقول علي بن أبي طالب في "نهج البلاغة": "هو الله أحد بلا تأويل عدد" (أيْ لا تأويل لها).
4- "الله الصمد":
عن ابن عباس ومجاهد وبن جبير والضحاك، قالوا: "الصمد: الذي لا جوف له".
عن الضحاك، قال: "الصمد: الذي لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب".
عن عكرمة، قال: "الصمد: الذي لا يخرج منه شيء".
عن الأعمش وشقيق وأبي وائل، قالوا: "الصمد: هو السيد الذي قد كمل سؤدده، والشريف الذي كمل في شرفه..".
القرطبي: "السيّد الّذي يُصمَد إِلَيْه في النَّوَازل والحوائج"
الطبري: "المعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له"
5- "لم يلد ولم يولد":
اختلف أهل التأويل في معنى ذلك؛
فمنهم من قال أن "لم يلد" تعني "ليس بفان"
قَال الْبَيْهَقِيّ، "ليس له ولد ولا والد ولا صاحبة"
روى التِّرْمِذِي عن أُبيّ بن كعب قوله "لَمْ يَلِد وَلَمْ يُولَد، ِلأَنه ليس شيء يولد إِلَّا سيَموت، وليس شيء يموت إِلا سَيُورَث، وأَنَّ اللَّه تعالى لا يَموت ولا يُورَث".
6- "ولم يكن له كفواً أحد":
عن ابن عباس: "ليس كمثله شيء"
عن ابن جريج: "ليس له مثل"
عن مجاهد: " ليس له صاحبة"
لا غضاضة في ما رأى الرواة والمفسرون وذوو المعرفة في تفسير وتعليل مفردات السورة التي وردت في أولاً وخامساً وسادساً (قل، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد) على ما اعترى تلك القراءات والتفسيرات من تباينات واختلافات لا تمسّ معاني ومرامي الآيات ولا تنأى بها عن الفحوى والجوهر.
ولكن، وبما يتصل بـ ثانيا وثالثا ورابعا ( هو، الله أحَد، الله الصّمد) فإن لنا رأي آخر وقراءة مختلفة عما اقترحه الرواة والمفسرون وذلك استنادا إلى معاني المفردات باللغة الآرامية/السريانية التي وردت مفردات منها (كما هي) في سياق آيات وسور القرآن الكريم باقرار بعض الرواة من الصحابة والتابعين، وبتأكيد فقهاء اللغتين، العربية والسريانية، المعاصرين.
تعامل المفسرون مع مفردة "هُوَ" الواردة في سياق سورة الاخلاص باعتبارها مجرّد "ضمير منفصل"، ليس إلا.
ولكن، وبالعودة إلى اللغة الآرامية نجد أن كلمة "ܗܰܘ"، والتي تلفظ (هَوْ) تعني "ذلك، أو أل التعريف" بخلاف كلمة "ܗܳܘܳ" التي تلفظ (هُوٌّ) والتي تعني بالعربية ضمير الغائب باللغة العربية "هُوَ".
وبالاستئناس بهذا المعنى للمفردة بات بالإمكان الاستيضاح حول الالتباس الذي اعترى قراءة المفردة الواردة في سياق السورة باعتبارها مجرد ضمير مفرد غائب. فيصبح معنى الآية كالتالي:
(قُلْ، ذلك الله أحد) أي (في ردّ النبي على المشركين) الله الذي تريدون مني أن أصفه لكم هو أحد.
وسيكتمل معنى الآية ويتضح في حال استبعدنا اقتراحات المفسرين وتأويلاتهم المختلفة لكلمة "أحَدْ"، حيث اعتبرها البعض بمعنى "واحد" وتعامل معها البعض الآخر على أنها "لا شريك له ولا صاحبة"!، وعدنا إلى اللغة الآرامية للبحث عن معناها الصائب بدقة.
بنقل الأحرف الثلاثة التي تكوّن كلمة أحَدْ" إلى قاموس المعاني السرياني سنجد أنها وردت هكذا "ܐܰܚܰܕ"، تلفظ (أحَدْ) وتعني "الأول".
وبهذا، وباعتماد المعنى السرياني للمفردة، تصبح قراءة معنى الآية على النحو التالي: (قُلْ، ذلك الله هُوَ الأوّل).
ونأتي إلى المفردة الأخرى "الصَمَد" التي التبست على المفسرين فزوّدونا بقراءات وتفسيرات متباينة حدَّ التناقض، تتراوح بين "من لا جوفَ له" و"السيّد الذي كَمل سؤددُه"، مروراً بـ "الذي لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب".
كلمة صَمَد، وهي آرامية/سريانية، تُكتب "ܨܡܰܕ"، وتلفظ (صَمَدْ)، تعني "الجامع أو الرابط أو الواثق".
وعليه، صار بالإمكان قراءة معاني الآيتين المتتاليتين في السورة على النحو الآتي: (قُلْ ذلك الله هوالأول، الله الجامع).
مع الأخذ بالاعتبار المعاني المستنتجة للمفردات الملتبسة، وبالإبقاء على المفردات التي وردت في السورة كما هي، تصبح قراءة معاني مجمل سورة الإخلاص هكذا:
(قُلْ، ذلك الله هُوَ الأوَّل والجامِع، لمْ يَلِدْ ولَمْ يولَدْ، ولمْ يكُنْ لهُ كفْواً أحَدْ).