جذور ألأسلام النصرانية وأكذوبة -العصر الجاهلي- في التراث الأسلامي

 

يقول الأب جوزيف ضوء الباحث في تاريخ الكنيسة
"يمكن لأحد أن يُنهي حياة الكثيرين كما يمكن أن يهجِّرُهُم من أراضيهم لكن إن دَمَّر تاريخهم فكأنهم لم يكونوا موجودين فيصيرون كالرماد الذي امتزج برمال الصحراء . ولكن ما يثلج القلب من حرقته أنَّ يقصة حياتهم وتاريخ انجازاتهم المطموس ما زال مطبوعا على ورق المخطوطات النادرة والأحجار ألأثرية والنقوش القديمة المكتبشفة ".
قبل أن نتكلم عن انتشار المسيحية في شبه الجزيرة العربية والهلال الخصيب قبل وبعد ألأسلام علينا أن نتوقف قليلا في هذه المقدمة عن ما تم تدوينه من قبل بعض المؤرخين والكتبة وألأدباء العرب , عن فترة ما قبل ظهور ألأسلام .
ماذا يقول المؤرخون العرب عن انتشار المسيحية قبل الأسلام في شبه الجزيرة العربية والهلال الخصيب؟
"من المعروف لدى الباحث المسلم بأنّ هناك الحديث المنسوب الى محمد "الأسلام يهدم ماقبله" دفع أتباعه ،أي الخلفاء والأئمة والعامة على مرّ العصور عن أعتقادهم بأنهم يثبتون دعائم الدين "الحنيف" بأعتقادهم الى عدم التمييز بين الغث والسمين ، فكادوا يقضون على جميع معالم الثقافة والأدب والتاريخ"
يقول جواد علي :إنَّ جميع الخلفاء المسلمين طمّروا كُلِّ ما يخص المسيحية بسبب سوء فهم حديث النبي : " أنّ ألأسلام "يهدم ما قبله " والأصح هو: " ألأسلام يَجُبُّ ما قبله " اي يقطع ويمحو ما كان قبله من الكفر والذنوب "(راجع كتا معجم المعاني ) .
في كُلِّ المعاهد في العالم العربي الممولة بملايين الدولارات ، لايوجد كتاب واحد يدافع عن المسيحية ، فهناك الفكر الأسلامي الذي يقول "كفر الذين قالوا إنَّ عيسى إبن الله ". ويضيف فيقول :"أن الحجاز سُميت حجاز لأنّها حجزت الحضارة المسيحية. فالحجاز تحجز اليمن عن الشام !!!!"
ويضيف جواد علي فيقول :
"كانوا ، المفسرون المسلمين ، ينظرون الى ألأخباريين نظرة سيئة من ألأزدراء وعدم التقدير . فما كان ذلك لروايتهم عن أخبار الجاهلية واشتغالهم بجمع تاريخها والتحدث لسردهم النصرانية ....وان َّ العرب عندهم أخباريين ولم يكن لهم مؤرخين ، فالأخباريين القدماء والمحدثين العرب ليس عندهم علم المخطوطات السريانية واليونانية . وكان بطاركة السريان يكتبون بالسرياني خوفا من الحاكم ".
وحتى يومنا هناك بلدان عربية واسلامية لازالت تمنع اي نبش للآثار ولا تقبل بالأكتشافات الأثرية اوما كتبه الآخرون من الشعوب التي احتلها العرب والمسلمين وخاصة ما دونه رجال الدين الكنيسة ورهبان الأديرة المسيحية عبر 1400 سنة من التاريخ .(1)
الكاتب خليل عبدالكريم في كتابه (قريش من القبيلة الى الدولة المركزية) يقول: ,وهو ينقل ذلك من اراء باحثين انتهوا فيها الى أنَّ الديانتين الساميتين التوحيديّتين بأنتشارهما في القبائل العربية كانتا من أوائل العوامل التي دفعت الى تفسيخ الوثنية العربية لصالح عقيدة التوحيد..ولاشكَّ كانت النصرانية النصيب ألأوفر ذلك لأنها كانت أشدُّ ذيوعا وأكثر أنتشارا من الموسوية(اليهودية).(2)
ويقول غسان المنير كاتب كتاب"يوم قبل وفاة محمد" في مقدمة كتابه:
"من العبث أن يقول المرء اليوم بأن "الإسلام" فكرة دينية محضة وإنها نبتت في فراغ روحي . وثمة كثير من الباحثين كتبوا في نشأة الإسلام، والقرآن، بأن محمدا (عليه السلام) دعا إلى إصلاح مجتمع فاسد متصدع، وذهب بعضهم إلى أنه دعم دعوته بتعاليم إنجيلية في الفقر وعمل البر والإحسان. وما يبرر ضحالة مثل هذه الأبحاث أن كتب السيرة والتاريخ الإسلامي، أغفلت ذكر الكثير من أخبار النصرانية قبيل وإبان ظهور الإسلام "وكل علم ليس في القرطاس ضاع". وعلى سبيل المثال فإن ما قيل في آثار الخطابة بين نصارى العرب في الجاهلية قليل جدا ، وكذلك شأن شعر النصارى. وكأن مؤرخي العرب تعمدوا أن يصوِّروا العرب وكأنهم عاشوا شبه عزلة عن المسيحية فلم يعرفوا منها شيئا .
واقع الأمر أن كتب التاريخ والتراث لم تصور لنا بدقة وضع اليهودية والبدع النصرانية في إبان ظهور الإسلام. ويقينا لا يمكن فهم اتصال نبي العرب محمد عليه السلام باليهودية والبدع النصرانية دون رسم لوحة للحياة اليهودية والنصرانية في الجزيرة العربية. ومن هنا مبلغ الحاحي أن أبحث في الظروف اليهودية والنصرانية لنشأة الإسلام ، إسهاما مني في تظهير الصورة المطلوبة..... لايمكن فهم ألأسلام دون دراسة معمّقة للديانات السابقة للأسلام, وطالما كُتب التراث لا تُعطي الا القليل من التفاصيل عن النصرانية واليهودية ... "يقينا انّ ذلك يقتضي دراسة معمّقة وشاملة وبدون ذلك لايمكن فهم الأسلام وظروف نشأته وسيّما وأنَّ القرآن نظرية خاصة جامعة في الأديان الموحّدة...واذا أغفلنا ذلك فكيف نُفسِّر للقارئ أنّ في ألأسلام قاسما مشتركا يجمع بين الديانات كُلَّها ".
ولقد انكشف مبلغ حرج بعض الباحثين عند الخوض في شعر نصارى العرب في الجاهلية ، وذلك أن كثيرا من آيات القرآن الكريم جاءت في الكثير منها مطابقة لبعض أبياتهم ، ومشابهة لها في النص غالبا. والمُرجّح أن ابتعاد الباحثين عن ولوج هذا المدخل سببه الخوف من أن المقابلات والمقارنات بين القرآن والمصادر البشرية تقود إلى تقرير واقع ما. وهذا الواقع بنظر المتدينين قد يكون شتيمة وكفرا. كما أن المتعصبين من المسلمين لا يقبلون أن يكون القرآن الكريم خاضعا للبحث التاريخي. أو أن يكون له أي مصدر غير الله مباشرة. فالقرآن عندهم يعتمد كليا على اللوح المحفوظ" .... ـ وكلمة الله لا تكون فاعلة إلا إذا كانت مفهومة. وحتى تكون مفهومة يجب أن تكون هي نفسها كلمة البشر. فلماذا الخوف إذا من مقابلة كلام الله مع كلام البشر. ثم إن الخطاب القرآني نفسه يؤكد هذه الحقيقة: "إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخزون للأذقان سجدا (السراء ـ 107). وكذلك: "الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك"(النساء 162 ) ."(3)
أمّا الدكتور طه حسين ,عميد ألأدب العربي يقول :
"يجب أن يتعوَّد الباحث درس تاريخ ألأمم القديمة التي قدّر لها أن تقوم بشيء من جلال ألأعمال , وما أعترض حياتها من الصعاب والمحن والوان الخطوب والصروف, ليفهم تاريخ ألأمة العربية على وجهه ويرُدُ كُلِّ شيء الى أصله (جذوره) . واذا كان هناك شيء يؤخذ به الذين كتبوا تاريخ العرب وآدابهم فلم يوفِّقوا الى الحق فيه, فهو انهم لم يلمّوا الماما كافيا بتاريخ هذه ألأمم القديمة , أو لم يخطر لهم أن يقارنوا بين الأمة العربية والأمم التي خلت من قبلها, وانّما نظروا الى هذه الأمّة العربية كأنّها أمَّةٌ فذَّة لم تعرف أحدا ولم يعرفها أحدٌ, لم يشبهُها أحد, لم تؤثر في أحد ولم يؤثر فيها أحد, قبل قيام الحضارة العربية وأنبساط سلطانها على العالم القديم. والحق أنّهم لو درسوا تاريخ هذه ألأمم القديمة وقارنوا بينه وبين تاريخ العرب لتغيّر رأيهم في ألأمة العربية, ولتغيَّر بذلك تاريخ العرب أنفسهم, ولستُ أذكر من هذه ألأمم القديمة الاّ أُمّتين ألأمَّة اليونانية والأمّة الرومانية" .
هنا يضع الكاتب وعميد ألأدب العربي, طه حسين, يده على حقيقة طالما يخفيها القسم ألأكبر من المؤرخين العرب وعلمائهم, وهي الرجوع الى الجذور التاريخية للحضارات السابقة (ومنها بالطبع جذور الديانات السابقة ) للحضارة العربية ليكون أساس اي حضارة تليها. وأحب أن أُضيف الى ما قاله طه حسين أمراً اخر كان على الباحثين وعلماء الدين والمؤرخين العرب والمسلمين أن يركّزوا في بحوثم في الديانات السابقة للأسلام ليفهموا ويعرفوا الأسلام بشكل أفضل مما يعرفوه ويفهموه اليوم .
ويضيف طه حسين قائلا (في ص78) من كتابه أعلاه:
"وليس من اليسير بل قُل ليس من الممكن أن نُصدّق أنَّ القران كان جديدا كُلّهِ على العرب, فلو كان كذلك لما فهموه ولا وعوه ولا آمن به بعضهم وناهضه وجادل فيه بعضهم ألآخر" ويقول في مكان اخر من نفس الكتاب: "أنَّ قراءة القرآن بتعمُّق يظهر لنا أنَّ جزءً كبيرا من اياته قد نزلت بحسب المفهوم ألأسلامي في الجدال والخصام والحوار في الدين.....فلم يكن القوم الذين كانوا يتجادلون ويحاورون ويخاصمون محمد بالجُهّال والغباوة والغلظة والخشونة, وانَّما كانوا أصحاب علم وذكاء وأصحاب عواطف رقيقة وعيش فيه لين ونعمة" .(4)
ويقول العلاّمة بولس فغالي :
"حين نقرا الكتاب المقدس, ونبدأ بالعهد القديم, نطرح السؤال على نفوسنا : ماهو الكتاب المقدس ؟ نقول هو كتاب جوهري في حياة المؤمن, هو كتاب ليس كسائر الكتب . فالديانة اليهودية ولِدت منه والديانة المسيحية تجذَّرت فيه والعالم ألأسلامي استقى الكثير من نصوصه, هكذا حينما نقرا الكتاب المقدس نعود الى جذورنا, نعود الى اساس حضارة هي جزء من حضارتنا, فالكتاب المقدس هو موضع أُصولنا وتاريخنا.....وهكذا فعندما نريد أن نعرف مسيرة ايمان أجدادنا علينا أن لاننسى تاريخهم الطويل ومسيرتهم في الرحلة ألأيمانية, مثال على ذلك ابراهيم ".أي علينا العودة الى الجذور ألأصلية لكي نصل الى ما نحن عليه اليوم .(5)
ويؤيد هذا القول الكاتب موسى الحريري اذ يقول:
"أنّنا لانفهم من تعاليم القرآن شيئا ان غابت عنا تعاليم "ألأنجيل العبراني"(كتاب منحول كان متداول بين اليهود المتنصرين وسوف نتكلم عنه في المقالات القادمة) .
الذي كان القس (يقصد ورقة بن نوفل) يعمل على نقله من لغته العبرانية الى اللغة العربية, كما أننا لا نفهم من قصص الأنبياء ألأقدمين, ولا من تعاليم التوراة والأنجيل, الواردة في القران ان لم نردها الى أصلها(جذورها)" .(6)
ونحن نتسائل بدورنا
هل ألأسلام نشأ دون وجود اثراً يُذكر للديانتين السماويّتين قبل بروز ألأسلام ؟
ماعلاقة النصرانية بالأسلام وعلاقة القران بالكتاب المقدس وغيرها من الكتب ؟
لماذا العرب المسلمون لايقبلون بالبحوث النقدية وتاريخية النصوص القرانية ولا يقبلون بدراسة مقارنة للديانات الكتابية السابقة للأسلام؟
أين هم العرب من جذورهم التاريخية قبل ألأسلام؟ ولماذا يقطعون جذورهم النصرانية ويتحاشون ذكرها بينما يركزون على العصر الجاهلي كون العرب فيه كانوا يعبدون ألأصنام في حين الحقيقة مشوَّهة حيث كان هناك أكثر من 45 قبيلة عربية نصرانية ؟(7)
(راجع كتاب الديانات في شبه الجزيرة العربية للمؤلف لويس شيخ، حيث كانت النصرانية منتشرة في كُلِّ أنحاء الهلال الخصيب والجزيرة العربية حتى في الحجاز)
أسئلة وجيهة ويحتاج المسلم البسيط الحصول على ألأجابات من شيوخ وعلماء الدين المسلمين وخاصة أذا عرفنا من خلال "السيرة الحلبية لأبن هشام ج1ص25" عن ورقة بن نوفل الذي سأل رسول الأسلام قائلا له:"ماذا ترى "أشارة الى ما يراه في الوحي: فأخبره (الرسول) ما رأى.فقال ورقة بن نوفل للرسول :"هذا هو الناموس الذي أُنزل على موسى" أي أنّ ما أوحي الى الرسول هو موجود في العهد القديم (التوراة) الذي كتبه موسى. راجع ايضا سورة البقرة 2:40,41"وسورة المائدة5:43,44" حيث تؤكدان على وجوب الأعتراف بالكتاب المقدس بعهديه.
يقول أحد الكتّاب :"يبدوأنَّ العلاقة بين ألأسلام والوحي السابق لم تكن موضوع دراسة المسلمين ألأولين, ولا أعرف سببا لذلك فمن البديهي أن يسأل المرء: ان لم يكن القرآن قد نسخ أوامر التوراة وألأنجيل فهل تلك ألأوامر تضلُّ ملزمة للمسلم؟.
الكثيرون من شيوخ وعلماء الدين المسلمين يصنّفون اليهود والمسيحيين بالكُفار والمشركين وينسون أو يتناسون جذورهم النصرانية . في الحقيقة عندما يُقطع شعب ما من جذوره التاريخية فهوشعب ميت مثل الشجرة التي تُقطع من جذورها, هذا ما يخبرنا به علماء الأجتماع وعلماء النفس واليوم حان الوقت للعرب المسلمين الى العودة الى جذورهم ليستقوا من نبع الماء الصافي ليلتحقوا بالحضارة المسيحية التي شعّت الى العالم كُلَه بمبادئها السماوية السامية.
انَّ ألأيمان بالكتاب المنزل دون حريّة الأنسان في البحث عن الحقيقة فهو تعصُّب يُجرح كرامة ألأنسان وحُرِّيَتهُ,فالله لا يسلب حريّة ألأنسان ويترك ألأنسان يتدبَّر في التاريخ أمرهُ.
في محاضرة لأحد المختصين في الشؤون الأسلامية يقول :
"إنّ غالبية المناطق التي احتلها المسلمون في الغرب كانت مسيحية وحتى المناطق التي انطلق منها ألأسلام !!!!!.
نعم الديانة اليهودية والمسيحية لم تكن طارئة على الديانة ألأسلامية بل كانت موجودة بحسب النصوص القرانية ( أكثر من 117 آية) ، لا بل هناك أدلة على تأثيرهما على الديانة ألأسلامية التي لا يمكن أغفالها
(راجع سلسلة مقالات الكاتب المنشورة بعنوان "ألأسلام ألأول كان طائفة "نصرانية " )
-------------------------------------------------------------------------------------------------(1)
الخوري جوزيف ضو باحث في المخطوطات التاريخية
قناة المنار برنامج اجراس المشرق
راجع المفصل في تاريخ العرب قبل الأسلام د جواد علي الفصل ألأول ص 89 دار ألأحياء للتراث العربي .
(2)
الكاتب خليل عبدالكريم في كتابه (قريش من القبيلة الى الدولة المركزية)
(3)
غسان المنير كاتب كتاب"يوم قبل وفاة محمد"
(4)
الدكتور طه حسين في كتابه " في الشعر الجاهلي"
(5)
العلامة بولس الفغالي عالم في الكتاب المقدس واللغات الشرقية
(6)
موسى الحريري كاتب كتاب "القس والنبي "