من هم مؤلّفو القرآن

 

حسب الإسلام، إنّ التشكيك بمقولة أنّ القرآن نزل على رسول الله، وأنه كلام الله نفسه هو كفر واضح. وقد يواجه المسلم الحكم بالموت ببساطة فقط لأنه لوجود بذرة الشك حول أصالة القرآن في نفسه. فالقرآن فوق كل شيء. وليس هناك أي شيء بين خلق الله أكثر قداسةً من القرآن.
خلال مرحلة البحث والتحقيق في كتب التراث، نجد أنّ هناك الكثير من الأشخاص المشاركين في عملية تجميع وتدوين القرآن. وهم غير معروفين بالنسبة لأغلب المسلمين في العالم الإسلامي. وهناك أدلّة غزيرة بين ثنايا صفحات القرآن، والحديث، والسيرة التي تبطل الزعم القائل أنّ الله قد خلق القرآن. وأنا أعتقد أنّ جعل الله هو مؤلّف القرآن هو الكذبة الأساسية التي تمّ فرضها على الجنس البشري لأكثر من ألفية كاملة. وبإمكاننا أن نقول ونحن متأكّدين انه لم يكن محمد هو الوحيد الذي قام بتأليف القرآن. ففي الواقع، إنّ الجزء الأكبر من القرآن ملهم أو مكتوب أو مفبرك على أيدي العديد من الأشخاص غير محمد. ومن أبرزهم:
● أمرؤ القيس: شاعر عربي قديم توفي قبل عدّة عقود من ولادة محمد.
● زيد بن عمرو بن نفيل: قام بالارتداد عن الإسلام ثمّ بشّر للحنيفية.
● لبيد: شاعر عربي.
● حسّان بن ثابت: الشاعر الرسمي لمحمد.
● سلمان الفارسي: أحد أتباع محمد المخلصين ومستشاريه.
● الرّاهب بَحيرا: راهب نسطوري تابع للكنيسة السورية.
● جبر: جار مسيحي لمحمد.
● ابن قمتة: عبد مسيحي.
● خديجة بنت خويلد: زوجة محمد الأولى.
● ورقة بن نوفل: ابن عم خديجة زوجة محمد.
● أبَي بن كعب: أحد كتبة القرآن، كان مقرّبأً جداً من محمد.
● محمد نفسه.

كما أنّ هناك آخرين شاركوا في تأليف القرآن بشكل مباشر أو غير مباشر:
● الصابئة
● عائشة: الطفلة التي تزوّجها محمد.
● عمر بن الخطاب صديق محمد ورفيق دربه والخليفة الثاني بعد أبو بكر.
● عبد الله بن سلام بن الحارث: كان يهودياً ثمّ تحوّل إلى الإسلام.
● مخيريق: حاخام يهودي سابق تحوّل أيضاً إلى الإسلام.

طبعاً، الأشخاص الذين وردت أسمائهم في القائمة هنا ليسوا هم الوحيدين الدين ساهموا بتأليف القرآن، بل قد يكون هناك الكثير من الأفراد والفرق الأخرى المشاركين في بناء القرآن لم أذكرهم. لكن القائمة المذكورة في الأعلى قد تكون كافية لتكوين نظرة شاملة حول المسألة. في هذه الدراسة قمت بدراسة المصادر أعلاه ودورها في النص القرآني.
والآن، لفهم القرآن وكتّابه ومؤلّفوه، علينا قبل كل شيء أنّ نفهم الخلفية الاجتماعية والثقافية التي نشأ فيها محمد، رسول الله.

۞ الأصول الوثنية لمحمد
تلك حقيقة لا تقبل الشك أنّ محمد قد ولد من أبوين وثنيين. والده عبد الله، ووالدته آمنة كانا وثنيين، وكانا يعبدان أصناماً متعدّدة. وطفولته كانت (على الأرجح حتى بلغ سنّ المراهقة) وثنية بالكامل. وسيرى الكثير من المسلمين اليوم صعوبة بالغة في تقبّل هذه الحقيقة. على كل حال، أصل محمد الوثني يؤكّد هشام ابن الكلبي في كتابه "الأصنام" ص 17، حيث ينقل لنا:
((وقد بلغنا أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرها يوماً، فقال: لقد أهديتُ للعُزّى شاةً عفراءَ، وأنا على دين قومي)) [الأصنام، ص19]
ونستنتج من التصريح أعلاه أنّ محمد يعترف بماضيه الوثني _الدين الرسمي لقريش.
مبدئياً، مدح محمد الآلهة الرئيسية الثلاثة (الأصنام) للوثنيين عندما وافق القرشيين في موقف معيّن بأنّ هذه الآلهة كانت شفيعة عند الله. وفي نفس الصفحة ينقل لنا الكلبي:
واللات والعُزّى
ومناة الثالثة الأخرى
فإنّهن الغرانيق العلا
وإنّ شفاعتهنّ لترتجى [الأصنام، ص19]
وكان يطلق على هذه الإلهات الثلاث اسم "بنات الله" وكان يعتقد أنّ لهنّ شفاعةً عند الله. عندما أنزل الله على محمد الآيات التالية مصحّحاً: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى * إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى } [النجم: 19- 23].
عندما بلغ محمد سنّ الرشد وبدأ بحضور الاجتماع السنوي للشعراء العرب في سوق عكاظ، أضحى شديد الإعجاب والتأثّر بأفكار وفصاحة وشاعرية وإنسانية وطريقة تفكير العديد من أولئك الشعراء. حيث أنه في تلك الفترة بالذات بدأ بالتشكيك بديانته الوثنية والتبشير بمفهومه الجديد عن الإله الواحد، الخالق _وهذا المفهوم مشابه للمفهوم اليهودي والمسيحي في ذلك الوقت. ومع ذلك، كان متحيّراً بشأن أي إله سيتخذه رباً له. الله، الإله (إله القمر، ويشير إلى ذلك رمز الهلال الإسلامي الموجود على قباب المساجد) حيث أنه في ذلك الزمن كان هو إله الوثنيين الأعلى. عيبهم الوحيد كان أنهم وبالإضافة إلى الله كانوا يعبدونه، كشفعاء عند الله، الأعظم والأعلى، آلهة وإلهات أخرى مثل: هبل، اللات، العزى، مناة... إلخ. لذلك، وأثناء بدايات تشكّل مفهومه عن الخالق ، كان الله يخرج من حيّز عقله. بالإضافة إلى أنه في ذلك الوقت بالذات كان السحرة والمشعوذون والعرّافون وحتى عبدة الشيطان يقسمون بالله. وهكذا، وجد محمد أنه من المناسب جداً جعل (الله) إلهاً له "إيلاه".
خلال تلك الفترة الوثنية كان أهل اليمن يعبدون إلهاً آخر كانوا يطلقون عليه اسم "الرحمن". وقد تبنّى محمد لفترة معينة اسم "الرحمن" اسماً لإلهه. بنفس الوقت، كان الرحمن أيضاً كلمة يهودية "رحمانة" التي كانت تعتمد تسميةً للإله خلال الحقبة التلمودية [تاريخ القرآن: تيودور نولدكه، ص 53]. لقد اعتقد محمد بذكاء أنّه وباستعمال الكلمة "الرحمن" سيكون قادراً على جذب الانتباه إلى عقيدته الجديدة، اليهود والوثنيين في نفس الوقت. لاحظوا من فضلكم أنّ الله لم يذكر في أي مكانٍٍ من القرآن أنّ له تسعاً وتسعين اسماً إضافياً، ومن ضمنهم "الرحمن".
لذلك، عندما أعلن نفسه رسولاً للرحمن، شعر المكيّون بدورهم أيضاً بالضياع والارتباك. لم يكن المكيون يعرفون أي "رحماناً" آخر غير الرحمن في اليمامة (بعض الكتاب يقولون أنّ الرحمن كان في اليمن). وللتحقق من ادّعاء محمد أرسل القرشيّون وفد إلى يهود المدينة، حيث أنهم اعتقدوا أنّ الرحمن كان فعلاً إلهاً في اليمن أو اليمامة. حيث يقول المؤرّخ الإسلامي ابن سعد في طبقاته:
((بعثت قريش النضر بن الحارث بن علقمة وعقبة بن أبي معيط وغيرهما إلى يهود يثرب وقالوا لهم سلوهم عن محمد فقدموا المدينة فقالوا أتيناكم لأمر حدث فينا منا غلام يتيم حقير يقول قولا عظيما يزعم أنه رسول الرحمن ولا نعرف الرحمن إلا رحمان اليمامة قالوا صفوا لنا صفته فوصفوا لهم قالوا فمن تبعه منكم قالوا سفلتنا فضحك حبر منهم وقال هذا النبي الذي نجد نعته ونجد قومه أشد الناس له عداوة)) [الطبقات الكبرى، ابن سعد، ص 189- 190]
عندما نقرأ، بعقل غير متحيّز، السور الخمسين الأولى (حسب الترتيب الزمني) من القرآن نلاحظ التشويش والارتباك الذي وقع فيه محمد بين الرب، الله، والرحمن. لم يكن محمد متأكّداً أي من هؤلاء الثلاثة سيتخذه إلهاً له. هنا سنعرض السور الخمسين التي توضّح لنا نظرة محمد إلى الله:
الرب الواحد: القلم، الليل، الفجر، الشرح، العاديات، الكوثر، الفيل، الناس، القدر، قريش، القيامة (11 سورة)
الرحمن، الرّبّ: الرحمن، يس (سورتان)
الرحمن، الله، الرّبّ: طه (سورة واحدة)
الله، الرّبّ: المزّمّل، القدر، المدثر، التكوير، الأعلى، النجم، البروج، ق، ص، الأعراف، الجن، الفرقان، فاطر، الواقعة، الشعراء، النمل، القصص، الإسراء (18 سورة).
وهذا يعرض تذبذب محمد وتشوّشه وجهله المبدئي بأمور إلهه (إيلاه).
ويؤكّد القرآن أيضاً أنه عندما بدأ بالتبشير بإيمانه الجديد، كان محمد ضائعاً، مرتبكاً ولم يكن يعرف الكثير عن الأمور الدينية. حيث يقول القرآن هنا:
كان محمد ضالاً، فهداه الله {وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى} [الضحى: 7]
ويرد ابن كثير في شرحه تفسيراً غريباً لهذه الآية لا يتجاوز عن كونه مجرّد ميثة أو حكاية خيالية من خيالات الأطفال. لكنه يرد تفسيراً آخر على لسان قتادة ((وقال قتادة في قوله ( ألم يجدك يتيما فآوى ووجدك ضالا فهدى ووجدك عائلا فأغنى ) قال كانت هذه منازل رسول الله قبل أن يبعثه الله عز وجل)) أي أنه كان يتيماً فآواه جدّه ثم عمّه من بعده، وكان ضالاً أي وثنياً على دين قومه حسب الاعتبارات الإسلامية، فهداه الرب إلى الإسلام.
كان محمد في الماضي طائشاً {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآَنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ} [يوسف: 3]، وما يؤكّد الطرح في الآيتان السابقتان ما جاء في الآية التالية، وهذا إقرار مباشر من الرب بأنّ محمداً لم يكن يعرف الإيمان ولا الكتاب وكان "ضالاً" {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} [الشورى: 52]. إذن كيف تعلّم محمد أسس وقواعد ديانته الجديدة؟ اقرأ التالي لتعرف.

۞ امرؤ القيس
كان الشعر بالنسبة للعرب القدماء شغفاً. فقد كان للشعراء مكانة رفيعة في المجتمع، كما أنّ كلمات العديد من الشعراء البارعين كانت تعتبر في المرتبة الثانية بعد كلمات الله. ففي أرض صحراوية، خالية من الترفيه وكافة أساليب الرخاء الطبيعي، كان العرب القدماء يجدون العزاء، والسلام، والهدوء، والعاطفة الهيّاجة للحرب والانتقام من خلال كلمات شعرائهم. حيث أنّ الشعراء كانوا بمثابة الغذاء العقلي والفكري لأقوامهم. فقط سبعة من هؤلاء الشعراء كانت قصائدهم تعلّق بشكلٍ دائم على جدران الكعبة، كانت تلك القصائد تعرف باسم "المعلّقات".
ورد في "قاموس الإسلام" [ص 460] أنّ تلك القصائد كانت تعرف أيضاً باسم "المذهّبات"، لأنها كانت مكتوبة بماء الذهب. أمّا كتّاب تلك القصائد هم: زهير، طَرَفَة، امرؤ القيس، عمرو بن كلثوم، الحارث، عنترة، ولبيد.
ومن بين هؤلاء الشعراء الخالدين كان أشهرهم "امرؤ القيس"، الذي يعتبر "ملك" أو أسطورة الشعر العربي من دون منازع. كان امرؤ القيس أميراً، كما أنّ والده كان ملكاً عشائرياً عربياً. وبسبب ولعه العاطفي بالحب والشعر كان قد أرهق أباه وأتعبه، فطرده والده من قصره. فيما بعد، عاش حياة عزلة يرعى الغنم والخراف مكرّساً جلّ حياته للشعر. في النهاية، أصبح شاعراً جوّالاً يهيم على وجهه وقضى حياةً كئيبةً عندما كادت قبيلته أن تفنى في حرب عشائرية. سافر في الأرجاء حتى وصل في النهاية إلى مدينة القسطنطينية. ويقال أنّه قتل على يد حاكم المدينة لأنه أسر قلب أميرة رومانية بحبّه وشعره وقصائده. مات خلال الفترة ما بين عامي 530- 540 بعد الميلاد، قبل ولادة محمد. أمّا قصائده منقطعة النظير كانت تتردّد على شفاه جميع العرب، ومن المؤكّد أنّ محمد قد حفظ الكثير من أعماله الخالدة. ويقال أنّ محمد قد مدح امرؤ القيس وقال عنه أنه أعظم الشعراء العرب. إذن ليس هناك أدنى شك أنه متأثراً بأشعار امرؤ القيس ومتحمّساً بتقليد أشعاره في المراحل الأولى من عملية تأليف القرآن.
يدرج مؤرّخو القرآن عادةً سورة العلق كأوّل سورة نزلت من الله إلى محمد. على أية حال، دراسة منتظّمة للقرآن قد تكشف أنّ القضية ليست كذلك. في الحقيقة، ورد في معجم الإسلام [ص 485] استشهاد بالمصادر الإسلامية، أنّ الآيات المبكّرة (قبل نزول الوحي الأول لسورة العلق) على الأرجح هو كالتالي:
السورة رقم 99 (سورة الزلزلة).
السورة رقم 103 (سورة العصر).
السورة رقم 100 (سورة العاديات).
السورة رقم 1 (سورة الفاتحة).
هذه السور قصيرة، ومغرقة في روحانيتها، وساحرة. وقد يكون من المفيد إلقاء نظرة متفحّصة على اثنين من هذه السور القصيرة:
■ سورة الزلزلة 99
{إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (2) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (3) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (4) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (5) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (6) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8) }
■ سورة العصر 103
{وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)}
قام سانت كلير تسدل كاتب المقالة الشهيرة [مصادر الإسلام، ص 235- 236]ٍ من خلال المقارنة بين فقرتين من المعلقات السبع، وجد تشابهاً وتماثلاً كبيراً مع آيات في القرآن.
{اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} [القمر: 1]
{وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى} [الضحى: 1- 2]
ويقول تسدل معلّقاً على الآية الأولى: ((قال المؤرّخون إنه جرت العادة سابقاً بين العرب أنه إذا نبغ بينهم رجلٌ فصيحٌ بليغ، وألّف قصيدة بديعة غرّاء علّقها على الكعبة، وأنّ هذا هو سبب تسمية "المعلّقات السبع" بهذا الاسم، لأنها علّقت على الكعبة... ومن الحكايات المتداولة في عصرنا الحاضر أنّه لمّا كانت فاطمة بنت محمد تتلو الآية الأولى من سورة القمر سمعتها بنت امرئ القيس، فقالت لها: هذه قطعة من قصائد أبي، أخذها أبوك وادّعى أنّ الله أنزلها عليه.)) [نسخة إلكترونية، ص12]
لذلك، فالعلاقة بين امرؤ القيس وبعض الآيات القرآنية المبكّرة واضحة جداً. ويتابع تسدل في التعليق على هذه الصلة: ((من الواضح وجود مشابهة بين هذه الأبيات وبين آيات القرآن. فإذا ثبت أنّ هذه الأبيات هي لامرئ القيس حقيقةً، فحينئذٍ يصعب على المسلم توضيح كيفية ورودها في القرآن، لأنه يتعذّر على الإنسان أن يصدّق أنّ أبيات وثني كانت مسطورة في اللوح المحفوظ قبل إنشاء العالم.
ولست أرى مخرجاً لعلماء الإسلام من هذا الإشكال إلا أن يقيموا الدليل على أنّ امرؤ القيس هو الذي اقتبس هذه الآيات من القرآن، أو أنها ليست من نظم امرؤ القيس الذي توفي قبل محمد بثلاثين سنة)). [نفس المصدر، ص 13]
في الواقع، إنّ كلمة "الله" موجودة بين أبيات المعلّقات السبعة، وضمن قصائد ديوان لبيد. لذا عندما يزعم المسلمون أنّ القرآن هو كلام الله، هل يقصدون أنّه نسخة أبيات شعرية من قصائد أمرؤ القيس؟
ينبغي علينا الآن أن نتعرّض الآن بشكل مختصر إلى مساهمة زيد بن عمرو بن نفيل في تدوين القرآن.

۞ زيد بن عمرو بن نفيل
خلال فترة حياة محمد، كانت تتشكّل حركة دينية جديدة لمواجهة الوثنية، بقيادة مجموعة من المفكّرين الأحرار. رفضت هذه الجماعة آلهة الوثنية، ولتحقيق حاجتهم الروحية كانوا يبحثون عن ديانة جديدة. كانوا يعرَفون باسم "الحنفاء" أو "المتحنّفين".
ورد في معجم الإسلام [ص 161- 162] أنّ المعنى الأصلي لكلمة "الحنيف": المنحرف أو الضال، بمعنى آخر هو المرتد عن دينه إلى دين آخر.
أمّا المعنى الآخر لكلمة "الحنيفية" فهو: 1) أي أحد متحمّس للإسلام. 2) متشّدد في إيمانه. 3) أو على ملّة النبي إبراهيم.
يقول سانت كلير تسدل في كتابه "مصادر الإسلام": ((وأصل كلمة "حنيف" في اللغة العبرية والسريانية تعني: نجس أو مرتد. لأنّ عَبَدَة الأصنام من العرب أطلقوا على زيد وأصحابه لقب "حنفاء" ليصفوهم بالارتداد، لأنهم تركوا ديانة أسلافهم عََبَدَة الأصنام)) [ص 70- 71].
استعمل محمّد فيما بعد كلمة "حنيف" للدلالة أولاً على ديانة إبراهيم، ثمّ ثانياً إلى أيّ شخص مخلص لدين الإسلام. لذلك، من المفترض أن يكون المسلمون حنفاء، وبشكلٍ أكثر دقة، أتباع زياد!
في نفس المقالة وضمن نفس الصفحة يقول تسدل: ((فاستحسن محمد والعرب الحنفاء أن يختصّوا بهذا اللقب، وفسّروا هذا اللقب تفسيراً حسناً وصبغوه بمعنى مناسب)) [نفس المصدر، ص 71].
وحسب رواية ابن إسحاق [ص 99] أشهر هؤلاء الحنفاء المرتدّين في مكّة خلال الفترة التي عاش فيها محمد هم:
● ورقة بن نوفل: حيث أنه أصبح فيما بعد مسيحياً.
● عبيد الله بن جحش: أصبح مسيحياً بعد أن هاجر إلى الحبشة. كانت زوجته أم حبيبة بنت أبي سفيان، وقد تزوّجها محمد فيما بعد.
● عثمان بن الحويرث: رحل فيما بعد إلى الإمبراطورية البيزنطية، وأصبح مسيحياً.
● زيد بن عمر بن نفيل: ترك ديانته الأصلية الوثنية، ويقال أنه عبد إله إبراهيم.
كان ورقة ابن عم خديجة، زوجة محمد الأولى. ويقترح بعض الكتّاب أنّه كان يهودياً قبل أن يعتنق المسيحية. عبيد الله كان حفيد عبد المطّلب وعثمان بن الحويرث كان له موقع عالي وهام في المحكمة البيرنطية في سوريا.
فقط زيد بن عمرو بقي حنيفياً متشدّداً. وقد اعتاد على القول: "أنا أعبد ربّ إبراهيم"، إلا أنه قد عاتب شعبه على ضلالهم وانحرافهم عن طريق الحق. [ابن إسحاق، ص 287]
حسب ما ورد في مقالة تسدل كان زيد دائماً يتعبّد داخل غار بالقرب من مكّة، وليس هناك شكّ أنّ محمداً قد تأثر بزيد، وأنه قد أعجب بطريقته حتى أنه كان يذهب إلى نفس الغار طلباً للهدوء والعزلة والعبادة (([أفادنا ابن هشام في سيرته ج2، ص80- 81 أنّ خطّاباً (عم زيد) طرده من مكّة وألزمه أن يقيم على جبل حراء أمام تلك المدينة، ولم يأذن له بالدّخول إلى مكّة. وكذلك نستفيد من هذا الكتاب أنّ محمّداً كان معتاداً أن يقيم في غار جبل حراء في صيف كل سنة للتحنّث حسب عادة العرب. فالأرجح أنه كان يجتمع بزيد بن عمرو، لأنه أحد أقربائه. وأقوال ابن إسحاق تؤيّد هذا القول، لأنه قال أنه لمّا كان محمد في ذات هذا الغار ((جاءه جبريل بما جاءه من كرامة الله وهو بحراء في شهر رمضان... كان رسول الله يجاور في حراء من كل سنةٍ شهراً))] [مصادر الإسلام، ص 70].
وينقل لنا ابن إسحاق أنّ زيد بن عمرو عندما كان يقابل القبلة كان يستعيذ بالذي كان يستعيذ به النبي إبراهيم. [ابن إسحاق، ص 99- 100]
كما أنّ زيد كان يمقت قتل الحيوانات من أجل تقديم الأضاحي للأصنام، وأدان الممارسات والطقوس الوثنية لوأد الإناث المولودات (وأظنّ أنّ عادة وأد البنات كانت عادة نادرة جداً، هذا إذا لم تكن حالة وحيدة هي التي تمّ ذكرها في القرآن والحديث: هذه الكتب تتحدّث عن تلك الممارسات الوثنية بشكلٍ مبهم ومن دون أي ذكر محدّد لعملية الوأد).
ذات مرّة رأت ابنة أبو بكر "أمينة" العجوز زيد بن عمرو داخل الكعبة. وينقل ابن إسحاق لنا ذلك الخبر ((هشام، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: رأيت زيد بن عمرو بن نفيل قائما، مسندا ظهره إلى الكعبة، يقول: يا معاشر قريش، والله ما منكم على دين إبراهيم غيري. ثم تابع يقول: يا الله، لو عرفت كيف تريد أن أعبدك فسأعبدك، لكني لا أعرف. ثم تمدّد وأسند رأسه على راحتي يديه)) [ابن إسحاق، ص 99- 100]
إنّ السجلاّت التاريخية لا تذكر بوضوح ما الذي حدث لزيد بن عمرو بن نفيل بالضبط. على أيّة حال، كتب ابن إسحاق أنّ والد الخليفة عمر، الخطّاب، (أي أنّ عمر بن الخطّاب كان ابن عمّ زيد) كان يضايق زيد ويضطهده بشدّة، وفي النهاية مات مقتولاً. أمّا من الذي قتل زيد، فقد بقي ذلك لغزاً. ويعلّق هنا ابن إسحاق: (( أنّ خطّاباً طرده من مكّة وألزمه أن يقيم على جبل حراء أمام تلك المدينة، وكان زيد يزور مكة سرّاً... ثم غادر زيد مكّة ساعياً وراء دين إبراهيم _حيث طاف أرجاء سوريا. ثمّ عاد إلى مكّة لكنه قتل)). [ابن إسحاق، ص 102]
إذن كما رأينا في الأعلى، فبسبب موقفه الثابت على مبادئ الحنيفية، وبسبب تعليقاته الساخرة من الوثنية، قامت قريش بنفيه من مكّة وحُرّم عليه البقاء فيها. كان شخصاً منبوذاً، مقاطَعاً ومزدرىً بشدّة من قبل القرشيين. وجب عليه العيش في الغار في جبل حراء، مقابل المدينة. محمد الذي كان شخصاً يائساً وكئيباً في ذلك الوقت، اعتاد على زيارة زيد في ذلك الغار.
ونلاحظ أنّ ابن إسحاق نقل لنا أخبار محمد وكيف أنّ جبريل كان ينزل عليه في ذلك الغار. وعندما نضع باعتبارنا حقيقة أنّ محمد قد اعترف أنّ جبريل، في عدّة مناسبات، قابل محمد في شكل بشري، ويبدو الأمر شبيهاً عندما كان محمد يزور زيد بن عمرو ليتعلّم منه الدين الحنيفي الجديد، وعلى الأرجح أنه كان يظنّ أنّ زيد ما هو إلا الملك جبريل ذاته. كما أنه من المرجّح أنّ زيد بن عمرو قد اهتمّ بتعليم محمد كيفية القراءة والكتابة، وقصائده _أو بالأحرى آياته_ التي أصبحت فيما بعد آيات قرآنية.
يذكر ابن إسحاق في سيرته [ص 105] أنّ محمداً اعتاد الصلاة في غار حراء كل سنة ولمدّة شهر كامل لممارسة "التحنّث"، وهو عبارة عن طقس وثني (وذلك دليل على خلفية محمد الوثنية). والتحنّث هو التبرّر أو الولاء الديني، حسب لغة قريش. ويؤكّد البخاري في صحيحه أنّ محمد قد زار زيد في معتزله في غار حراء. وأنه قد عرض عليه لحماً من حيوان تم التضحية به للأصنام.
((عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح، قبل أن ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم الوحي، فقدمت إلى النبي صلى الله عليه وسلم سفرة، فأبى أن يأكل منها، ثم قال زيد: إني لست آكل مما تذبحون على أنصابكم، ولا آكل إلا ما ذكر اسم الله عليه. وأن زيد بن عمرو كان يعيب على قريش ذبائحهم، ويقول: الشاة خلقها الله، وأنزل لها من السماء الماء، وأنبت لها من الأرض، ثم تذبحونها على غير اسم الله. إنكارا لذلك وإعظاما له.)) [صحيح البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب حديث زيد بن عمرو بن نفيل، 3614]
((عن ابن عمر: أن زيد بن عمرو بن نفيل خرج إلى الشام، يسأل عن الدين ويتبعه، فلقي عالما من اليهود فسأله عن دينهم، فقال: إني لعلي أن أدين دينكم فأخبرني، فقال: لا تكون على ديننا، حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله، قال زيد: ما أفر إلا من غضب الله، ولا أحمل من غضب الله شيئا أبدا، وأنى أستطيعه؟ فهل تدلني على غيره؟ قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفا، قال زيد: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم، لم يكن يهوديا ولا نصرانيا ولا يعبد إلا الله. فخرج زيد فلقي عالما من النصارى فذكر مثله، فقال: لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله، قال: ما أفر إلا من لعنة الله، ولا أحمل من لعنة الله، ولا من غضبه شيئا أبدا، وأنى أستطيع؟ فهل تدلني على غيره؟ قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفا، قال: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم لم يكن يهوديا ولا نصرانيا، ولا يعبد إلا الله. فلما رأى زيد قولهم في إبراهيم عليه السلام خرج، فلما برز رفع يديه، فقال: اللهم إني أشهد أني على دين إبراهيم)) [السابق، 3615]
((عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: رأيت زيد بن عمرو بن نفيل قائما، مسندا ظهره إلى الكعبة، يقول: يا معاشر قريش، والله ما منكم على دين إبراهيم غيري. وكان يحيي الموءودة، يقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته: لا تقتلها، أنا أكفيكها مؤونتها، فيأخذها، فإذا ترعرعت، قال لأبيها: إن شئت دفعتها إليك، وإن شئت كفيتك مؤونتها.)) [السابق، 3616]
الحديث الأول يخبرنا شيئاً عن وثنية محمد، حيث أنه في البداية كان قد تناول لحم الضحية التي قدمها قومه الوثنيون إلى الأصنام. (ويؤكّد هذا الكلام هشام بن الكلبي) لكنّ زيد بن عمرو رفض وبعناد أكل لحم أي حيوان تمّت التضحية به لأجل الأصنام. وقد تعلّم محمد من زيد عادة الامتناع عن أكل لحوم الأضاحي المقدّمة للأصنام (أو اللحم الحرام). أمّا الأحاديث الباقية فهي تخالف بوضوح الحديث الأول حول مسألة تناول محمد للحم الحرام. على كل حال، إذا أمعنا النظر في هذه الأحاديث فسنلاحظ مباشرة أنّ محمد قلّد زيد في عادة اللحم الحلال، كما أنه أخذ من زيد فكرة إلهه. وبعد كل ذلك، هل بإمكاننا أن نتوصّل إلى نتيجة أنّ فكرة الإسلام قد جاءت من عند زيد؟ في السيرة النبوية لابن إسحاق [ص 102] نجد العديد من المقاطع الشعرية التي ألّفها زيد متشابهة مع الكثير من الآيات القرآنية. لذلك، أليس ذلك كافياً لنقول أنّه بعد حادثة القتل الغامضة والطارئة والمبهمة التي راح ضحيّتها زيد، أنّ محمد أخذ عباءته، فلسفته، شعره، حماسه لنشر الحنيفية؟ [سأفرد ملحقاً خاصاً للأبيات الشعرية الخاصة بزيد والآيات القرآنية التي تماثلها]
كتب ابن إسحاق في سيرته [طبقات ابن سعد، ج1، ص 185] أنه عندما بدأ محمد بنشر عقيدته (الإسلام)، وقد سأل في أحد الأيام شخص ما عن معنى كلمات زيد بن عمرو، فأجاب محمد ((فقد رأيته في الجنة يسحب ذيولاً)) وهذا يؤكّد أنّ محمد اعترف بفضل ومساهمة زيد تجاه مفهوم الإسلام عن الحنيفية.
المقتطفات التالية هي من كتاب "الطبقات الكبرى" لابن سعد حيث نراه يثبت أنّ محمد قد حصل على فكرة الإسلام من زيد بن عمرو [ج1، ص 185]
((قال زيد بن عمرو بن نفيل شاممت النصرانية واليهودية فكرهتهما فكنت بالشام وما والاه حتى أتيت راهبا في صومعة فوقفت عليه فذكرت له اغترابي عن قومي وكراهتي عبادة الأوثان واليهودية والنصرانية فقال لي أراك تريد دين إبراهيم يا أخا أهل مكة انك لتطلب دينا ما يؤخذ اليوم به وهو دين أبيك إبراهيم كان حنيفا لم يكن يهوديا ولا نصرانيا كان يصلي ويسجد إلى هذا البيت الذي ببلادك فالحق ببلدك فإن نبيا يبعث من قومك في بلدك يأتي بدين إبراهيم بالحنيفية وهو أكرم الخلق على الله))
من الواضح جيداً أنّ زيد قد كتب بعض السور القرآنية بنفسه (على الأرجح حوالي ثلاثين سورة، بدون تسلسل تاريخي أو زمني) ومن ضمنها تلك السور التي تتناول حنيفية النبي إبراهيم:
{قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [البقرة: 135]
{مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [آل عمران: 67]
{فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [آل عمران: 95]
{وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} [النساء: 125]
{حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 79]
{مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 161]
{إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل: 160]
{وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يونس: 105]
{حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ} [الحج: 31]
{مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} [البيّنة: 5]
{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا} [الروم: 30]
كما ذكرت سابقاً، زيد بن عمرو كان ضدّ الشعائر والطقوس والآلهة الوثنية قلباً وقالباً، كما أنه عارض ممارساتها في وأد البنات. وقد ذكر القرآن هذه الممارسات النادرة التي كان يمارسها القرشيون ضمن ثلاث آيات:
{وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ} [النحل: 58]
{وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا} [الإسراء: 31]
{وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} [التكوير: 8- 9]
من الواضح أنّ الآيات الواردة في الأعلى قد استلهمها محمد بشكل أو بآخر عن زيد بن عمرو بن نفيل، والأرجح أنّ زيد كتبها بنفسه أيضاً. فيما بعد، عندما مات زيد، قام محمد ببساطة بوضعها في قرآنه وزعم أنها من عند الله... وتؤكّد الأمثلة السابقة أنّ محمد قد نسخ قصص ومفاهيم وأسلوب زيد بن عمرو في تدوين القرآن.

۞ لَبيد
كان لبيد شاعراً مخضرماً، وكان له الأثر الكبير على محمد الذي قدّره حق قدره وأعجب به جداً. وسنتعرّض هنا للكلام عن مساهمة لبيد في تدوين القرآن.
هو لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب العامري. ويخبرنا معجم الإسلام [ص 282] أنّ لبيد قد توفي في الكوفة بالعراق وكان عمره قد بلغ أكثر من 157عاماً. وكما قلنا سابقاً، كان لبيد أحد الشعراء السبعة الخالدين الذين كتبوا المعلّقات. ويدّعي المؤرّخون الإسلاميون أنّ لبيد قد اعتنق الإسلام عندما قرأ الآية الأولى من سورة البقرة، حين رآها معلّقة على جدار الكعبة، ويقال أنه سحب معلّقته واعتنق الإسلام. وهذا الادّعاء طبعاً لا يمكن أن يكون صحيحاً، حيث أنّ الآية الأولى من سورة البقرة تقول {ألم} هذه الرسالة الملغّزة التي ادّعى محمد أنها نزلت إليه من عند الله ولا أحد يعرف ما القصد منها سوى الله. أمّا البيت الشعري الذي قاله لبيد فقد كان: ((ألا كل شيء، ماخلا الله، باطل)). وقد قال محمد نفس الشيء للبيد _الشاعر الحقيقي.
حتى ولو قبلنا فكرة أنّ لبيد أصبح مسلماً بعد أن قرأ آية محمد، عندها من الواضح أنّ لبيد كان بالطبع هو الذي ساعد محمد في تأليف وبناء بعض آيات النص القرآني، التي أصبحت فيما بعد رسائل نزلت من الله على نبيه. تلك الآيات التي كتبها لبيد بالنيابة عن محمد كانت تلك الآيات التي تتعامل مع مسألة التقوى، الحثّ على أعمال الخير، وبعض القصص و الطقوس والأساطير العربية... إلخ.
وفي الأحاديث نلاحظ وجود أدلة وإشارات إلى لبيد، هنا بعض الأمثلة:
● صحيح البخاري:
((عن أبي هريرة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((أصدق كلمة قالها الشاعر، كلمة لبيد: * ألا كل شيء، ماخلا الله، باطل * وكاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم)) [5، 58، 181]
● صحيح مسلم:
((عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال "أشعر كلمة تكلمت بها العرب كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل")) [28، 5604]
أعتقد أنّ محمداً، في البداية، أراد أن يبلغ الشهرة كشاعر عن طريق تقليد أسلوب وألفاظ وإيقاعات شعراء عصره المخضرمين. إلا أنّ أميته حالت دون ذلك، وكانت عقبة في طريقه الذي أراده لنفسه، حتى قابل زيد بن عمرو بن نفيل والشاعر لبيد _معلّماه ومرشداه اللذان سيغيّران مسار حياته بالكامل.
في البداية، وقبل أن يتزوّج من خديجة، من المحتمل أنّ محمد كان يحلم بأن يصبح شاعراً مخضرماً. وكان يكنّ الكثير من الإعجاب والتقدير للشخصيات الثلاثة التي مرّت معنا، الشاعران امرؤ القيس ولبيد، وزيد بن نفيل ذو النزعة الإنسانية بلغة اليوم. وبعد زواجه بخديجة، قابل الكثير من الشخصيات من معارف زوجته والتي كان لها اطلاعات واسعة على أمور دينية أخرى غير الوثنية، وقد بدّل رأيه. الآن، بدأ يفكّر بنظام عقائدي جديد. في الحقيقة، ورد في القرآن أنّ القرشيون قد اعتقدوا أنّ محمد كان يحاول أن يصبح شاعراً ويكتب قصائد، لكنّ الله أحبط اعتقاداتهم وظنونهم الخاطئة.
هنا نورد بعض الآيات التي تثبت الناحية الشاعرية عند محمد: {أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ} [الطور: 30]
اعتقد الناس أنّ محمداً كان شاعراً حالماً، وأرادوه أن يقرأ عليهم بعض الأبيات الشعرية التي ألّفها، أو أن يريهم معجزة من المعجزات التي من المفترض أنّ الله قد أمدّه بها كما أمدّ باقي الأنبياء من قبله: {بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآَيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ} [الأنبياء: 5]
لم يكتب محمد أي شعر، فمعجزته الوحيدة والواضحة هي القرآن: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآَنٌ مُبِينٌ} [يس: 69]
محمد ليس شاعراً مجنوناً، ما هو إلا رسول قد جاء بالحق وليثب رسالة الأنبياء الذين جاؤوا قبله: {وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آَلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ * بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ} [الصافات: 36- 37]
القرآن ليس كلام محمد، ولا هو كلام كاهن:{ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُون * وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ} [الحاقة 41- 42]


۞ حسّان بن ثابت
كان حسّان بن ثابت هو شاعر محمد الرسمي. وقد ألّف ديواناً كاملاً، مختارات أدبية وميثولوجية من الشعر العربي القديم. وعندما هاجر محمد إلى المدينة جعل من حسّان بن ثابت شاعره الخاص. ومع ذلك، كان لحسّان خصائصه وميّزاته الخاصّة. ومع أنه كان الشاعر الشخصي لمحمد، إلا أنه كان يكنّ كرهاً عميقاً للمسلمين. في كتاب "سيرة رسول الله" يقول البروفيسور ألفريد غيلايوم: ((لم يكن حسّان بن ثابت يحب هذا التزايد المطّرد في أعداد المسلمين. وكان يعتبر المسلمين المشرّدين كمصدر إزعاج تام. لم يستضف أياً من المهاجرين في بيته، كما أنه لم يؤاخي أياً منهم)).
على الأرجح أنّ حسّان شاعراً مأجوراً عند محمد. وكان يتقاضى أجره جرّاء إعداد قصائد حسب المواصفات المحمدية. وهذا ما تؤكّده الأحاديث التي نورد بعضها هنا.
● طلب محمد من حسّان أن يقرأ الشعر في المسجد ((عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة؛ أن عمر مر بحسان وهو ينشد الشعر في المسجد. فلحظ إليه. فقال: قد كنت أنشد، وفيه من هو خير منك. ثم التفت إلى أبي هريرة. فقال: أنشدك الله! أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "أجب عني. اللهم! أيده بروح القدس"؟ قال: اللهم! نعم.)) [صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل حسّان بن ثابت، 2485]. نستنتج من هذا الحديث بما لا يدع مجالاً للشك أنّ حسّان كان معتاداً على إلقاء الشعر في المسجد. ألا يمكن أن تكون قصائده إحدى الآيات القرآنية؟!!
● أمر محمد الشاعر حسّان بهجاء المشركين والوثنيين ((البراء بن عازب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لحسان بن ثابت "اهجهم، أو هاجهم، وجبريل معك".)) [السابق، 2486] يؤكّد هذا الحديث أنّ حسّان قد اعتاد على إعداد قصائد حسب طلب محمد _بنفس الطريقة التي أنزل بها الله القرآن عن طريق جبريل.
● هجاء حسان بن ثابت للمشركين ما عدا محمد ((عن عائشة رضي الله عنها قالت: استأذن حسان بن ثابت رسول الله صلى الله عليه وسلم في هجاء المشركين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فكيف بنسبي). فقال حسان: لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين.)) [صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب هجاء المشركين، 5798]... ((وعن هشام بن عروة، عن أبيه قال: ذهبت أسب حسان عند عائشة، فقالت: لا تسبه، فإنه كان ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.)) [السابق] وهذا دليل آخر على أنّ حسّان بن ثابت كان شاعراً مأجوراً، حتى أنه له مساهماته في بناء النص القرآني.
● منح أبو طلحة أغلى ممتلكاته لأقربائه. بمعنى آخر، حسّان بن ثابت وأبي بن كعب: ((عن أنس قال: لما نزلت {لن تنالوا البرَّ حتَّى تنفقوا مما تحبون} قال: أبو طلحة يا رسول اللّه، أرى ربنا يسألنا من أموالنا فإِني أشهدك أني قد جعلت أرضي بأريحاء له، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "اجعلها في قرابتك" فقسمها بين حسان بن ثابت وأبيّ بن كعب.)) [صحيح مسلم، 5، 2186]. هكذا كان محمد يكافئ حسّان بن ثابت جرّاء تأليف آيات قرآنية لمحمد (من خلال أشعاره، وبمساعدة جبريل)
● بعد أن أصيب حسّان بن ثابت بالعمى كان يقضي جلّ وقته في منزل عائشة. كانت عائشة تقدّره أيضاً، حيث أنه كان معتاداً عن كتابة نقد هجائي بالنيابة عن محمد: ((عن مسروق. قال: دخلت على عائشة وعندها حسان بن ثابت ينشدها شعرا. يشبب بأبيات له. فقال: حصان رزان ما تزن بريبة * وتصبح غرثى من لحوم الغوافل، فقالت له عائشة: لكنك لست كذلك. قال مسروق فقلت لها: لم تأذنين له يدخل عليك؟ وقد قال الله: والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم [24 /النور /11]. فقالت: فأي عذاب أشد من العمى؟ إنه كان ينافح، أو يهاجي عن رسول الله صلى الله عليه)) [السابق، 31، 6077]. وهكذا أنقذ الشاعر حسّان محمداً وقرآنه.
● هنا نورد حديثاً آخر من صحيح مسلم يزعم أنّ قصائد حسّان بن ثابت جاءت من مصدر إلهي أو قدسي (روح القدس) كما أنها تشبه بعض الآيات القرآنية: ((عن عائشة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "اهجو قريشا. فإنه أشد عليهم من رشق بالنبل" فأرسل إلى ابن رواحة فقال "اهجهم" فهجاهم فلم يرض. فأرسل إلى كعب بن مالك. ثم أرسل إلى حسان بن ثابت. فلما دخل عليه، قال حسان: قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه. ثم أدلع لسانه فجعل يحركه. فقال: والذي بعثك بالحق! لأفرينهم بلساني فري الأديم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تعجل. فإن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها. وإن لي فيهم نسبا. حتى يلخص لك نسبي" فأتاه حسان. ثم رجع فقال: يا رسول الله! قد لخص لي نسبك. والذي بعثك بالحق! لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين. قالت عائشة: فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لحسان "إن روح القدس لا يزال يؤيدك، ما نافحت عن الله ورسوله". وقالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "هجاهم حسان فشفى واشتفى".)). [فضائل الصحابة، باب فضائل حسان بن ثابت، 2490]
وقال حسان:
هـجوت محمدا فـأجبت عنه * وعند الله في ذاك الجـزاءُ
هـجــوت محمـداً بــراً تقيــاً * رسـول الله شيمته الوفــاءُ
فـإن أبـي ووالده وعرضـي * لـعرض محمد منكم وقـاءُ
ثكـلت بنيتـي إن لـم تـروهـا * تثـير النقـع من كنفي كـداءُ
يبـاريـن الأعنـّة مصعــدات * على أكتافها الأسل الظماءُ
تـظـل جـيـادنــا مــتمطّـرات * تلطمهـن بـالـخمـر النـساءُ
فإن أعرضتـمُ عنا اعتمرنا * وكان الفتح وانكشف الغطاءُ
وإلا فـاصبروا لضراب يوم * يعـــزّ اللّــه فيــه مـن يشاءُ
وقــال الله: قـد أرسلت عبداً * يقـول الحــق ليس بــه خفاءُ
وقــال الله: قد يسرت جنداً * هم الأنصار عرضتها اللقاءُ
لنـــا في كل يــوم من معد * سبــاب أو قــتال أو هــجاءُ
فمن يهجو رسول الله منك * ويمــدحــه وينصـره سواءُ
وجبريل رســول الله فينــا * وروح القدس ليس لـه كفاءُ
كافأ محمد شاعره المرتزق بإهدائه فتاةً شابة جميلة "سيرين"، تمّ إهداءها لمحمد مع مارية القبطية من قِبَل حاكم الإسكندرية. احتفظ محمد بمارية لنفسه، لأنها كانت أجمل من تلك الفتاة الأخرى، وتبرّع بسيرين لحسّان بن ثابت كمحظية. ونقرأ في سيرة ابن إسحاق أنّ مارية وسيرين كانتا أختين [ابن إسحاق، ص 652].