من هم مؤلفو القرآن (2)

 

الأصول الوثنية لمحمد وأثر ثقافة المحيط الذي كان يعيش فيه عليه. ثمّ تناولنا أربعة شخصيات رئيسية كان لها دوراً محورياً في التأثير على القرآن فيما بعد، أو على مؤسّس الإسلام عندما كان لا يزال يافعاً. في هذه المقالة سأتناول أيضاً عدّة شخصيات ساهمت بشكل مباشر أو غير مباشر في تكوين النص القرآني، سأحاول هنا التحدّث بصيغة السرد وأختصر قدر الإمكان الأحاديث كي لا أربك القارئ وأضعه في دوامة من العنعنات ممّا سيعطي المقالة شكلاً ومضموناً مملاً ومضجراً، لكن لمن يريد أن يعود إلى المعلومات ومصدرها فما عليه سوى الرجوع إلى المصادر أو المراجع والتفاسير التي سأوردها في نهاية كل اقتباس.

۞ سلمان الفارسي
كان سلمان في الأصل زرادشتياً مخلصاً من أصفهان ببلاد فارس. ثمّ تحوّل إلى المسيحية. ثمّ بيع كعبد إلى بني قريظة، يهود المدينة. وعندما وصل محمد إلى المدينة قابله سلمان هناك. وبعد حوالي ثلاث سنوات، وبمساعدة المسلمين نال حريته من سيده وتحوّل إلى الإسلام، حيث أصبح رفيق محمد الدائم. وخلال معركة الأحزاب (الخندق) كانت فكرة حفر الخندق فكرته في الأصل. كان مطّلعاً متعمّقاً في كتب الفرس (وبالأخص الزرادشتيين)، واليونان واليهود. وقد مدحه علي بن أبي طالب وجعله مقرّباً منه جداً.
من دون شك، استغلّ محمد موهبة سلمان الاستثنائية بطريقة ذكية لوضع العديد من الآيات القرآنية التي تتناول مواضيع تاريخية متعلّقة بمصر القديمة، الإغريق، الرومان، والفرس. وبما أنّ سلمان كان زرادشتياً سابقاً، فقد تعلّم محمد منه وبالتفصيل الكثير من معتقداته وطقوسه ثمّ أدخلها في القرآن. حيث نلاحظ أن وصف محمد للجنة والنار يشبهان كثيراً الحكايات الزرادشتية. لذا، فتلك الآيات التي تتحدّث عن العقاب في الجحيم والجائزة في الجنة هي من إلهام سلمان الفارسي. ومن الجدير بالملاحظة أنّ سلمان أصبح عضواً مقرّباً جداً من عائلة محمد. فعائشة تقول أنّ محمد اعتاد أن يقضي الكثير من الوقت بصحبته، وكانا يتناقشان في الكثير من الأمور والقضايا الدينية، حتى أنّ عائشة ظنّت أنّ سلمان سيقضى الليل مع محمد.
هؤلاء الذين قرؤوا القرآن عن قرب وبتمعّن وعدّة مرّات سيفاجئون بالطريقة التي أخذ فيها محمد أوصاف الجنّة والنار. فهناك الكثير من الآيات في القرآن التي تتعامل، مرّة بعد مرّة، مع هذه المواضيع بالتحديد، على سبيل المثال، المكافئات الحسية والجسدية للمؤمنين في الجنة، والعقوبات السادية والمقرفة للكافرين في الجحيم. حتى أنّ كلمة جهنّم هي كلمة فارسية، تمّ نقلها إلى القرآن بدون أي تغيير. ومعظم هذه الآيات، بلا أدنى شك، ملهمة من قبل سلمان. وأخيراً، تمّت كتابتها وتسجيلها على يد محمد وأتباعه ونسبها لنفسه، ثمّ الادّعاء أنها جاءته من عند الله عن طريق الوحي جبريل. وأقتبس هنا بعضاً من تلك الآيات.
● الجنة في القرآن:
البقرة: 23. النساء: 31. الأعراف: 42، 34، 44. التوبة: 72. الكهف: 31، 32. مريم: 62، 63. السجدة: 17. فاطر: 33. يس: 41- 50. الدخان: 55، 56. محمد: 6. ق: 31. النجم: 15. الواقعة: 11- 12. الحديد: 21. التحريم: 8. الإنسان: 12, 13, 18, 19,20، 21.
● الجحيم في القرآن:
البقرة: 166. آل عمران: 151، 162. النساء: 55- 56. الأنعام: 40. الأعراف: 38، 179. إبراهيم: 29. الحجر: 44. الإسراء: 8، 18، 97. الكهف: 102. الفرقان: 34. الصافات: 62, 64. الزمر: 71. غافر: 46، 49، 50، 73. الزخرف: 77. ق: 30. الواقعة: 93. الحاقة: 35- 37. المعارج: 11- 16. الجن: 15. المدثر: 27- 29. الإنسان: 7. النبأ: 24.
حرصاً على الاختصار وعدم الإطالة لم أذكر هنا المراجع والإشارات التاريخية في القرآن والتي استلهمها محمد من دون شك من سلمان. حاولوا الرجوع إلى القصص القرآنية والتمعّن فيها، وستجدون أنها من صنع إنسان، ولا يمكن أن تكون من صنع إله.

۞ الراهب بَحيرا
كان بحيرا راهباً مسيحياً نسطورياً عاش في الشام بسوريا. وكان اسمه المسيحي الأصلي "سيرجيوس" أو "جورجيوس". ويُعْتَقَدُ أنه قد نفي من الكنيسة السورية لأنها أهانها. وليكفّر عن إساءته للكنيسة رحل في مهمّة تبشيرية إلى جزيرة العرب. حيث قابل محمد في مكّة, وأصبح رفيقه ولا يفارقه. وكان له الكثير من المحادثات السرية مع محمد حيث كان يسرد له العديد من القصص والحقائق المسيحية. وهناك العديد من الآيات في القرآن المتعلّقة بالمسيحية قد تكون مأخوذة عن بحيرا الكاهن. وببساطة قام محمد بإعادة صياغتها وكتابتها ووضعها في قرآنه.
ويعتقد أنّ الآيات القرآنية التي تتكلّم عن ألواح داؤود مستلهمة من بحيرا. ونوردها هنا كما جاءت في القرآن:
{إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا} [النساء: 163]
{وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا} [الإسراء: 55]
{وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} [الأنبياء: 105]
في الواقع، جاء في معجم الإسلام [ص 698] أنّ آخر آية في الأعلى (الأنبياء: 105) مقتبسة أو ملطوشة بشكل مباشر من "الزبور xxxvii.29".
هنا بعض الآيات التي من الممكن أن تكون مأخوذة مباشرةً عن بحيرا: البقرة: 101، 113، 139. آل عمران: 23، 78. النساء: 51، 111. المائدة: 14، 66. يونس: 94- 95. القصص: 53. العنكبوت: 46. الحديد: 27.
ليس من الواضح السبب الذي طرد به بحيرا من كنيسته في سوريا. هل يمكن أن يكون أنه كانت لديه أفكاره الهرطقية الخاصة بشأن الديانة المسيحية، وخصوصاً الكنيسة النسطورية؟ أم أنه تورّط بعمل إجرامي ما؟ لا أحد يعلم السبب الحقيقي. على كل حال، كان لمحمد ثروة معلوماتية طائلة حول المسيحية (مزيّفة أو حقيقية) استمدّها من هذا الراهب، وهذا ما ساعده ليخلق قرآناً انتقائياً.
ومن المهم الملاحظة أنّ القرآن نفسه يذكر أنّ محمد كان في الواقع قد تعلّم على يد غريب، لكنّ الله قام بإنكار الحقيقة عن طريق الإشارة إلى أنّ لغة محمد ولغة الغريب كانتا مختلفتين تماماً! وهذا غير صحيح على الإطلاق، ونلاحظ أنّ محمد خلال رحلته إلى الشام في سوريا قابل الراهب بحيرا، ولم يواجه أية صعوبة في التواصل معه. وفي ختام هذه الفقرة أذكر الآية التي تزعم أنّ محمد قد تلقى علمه على يد شخص غريب.
{وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} [النحل 103]

۞ جَبر: جار محمد المسيحي
يخبرنا معجم الإسلام [ص 223] أنّ جبر كان من "أهل الكتاب"، وكان مطّلعاً على كلٍ من التوراة والإنجيل، وكان محمد يستمع إليه وهو يقرأ هذه الكتب عندما كان يمرّ من أمام منزله. يمكن أن يكون محمد قد تعلّم من جبر العديد من هذه السور والآيات المتعلّقة بالتقاليد والعادات والمعتقدات المسيحية واليهودية. وعلى الأرجح، الآيات التي تتحدّث عن أساطير داؤود والملك سليمان يمكن أن تكون مفبركة على يد جبر. وبعض هذه الآيات أوردها هنا (وأنصح بالرجوع إلى القرآن للاطلاع على كامل الآية):
{وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ} [البقرة: 251]
{وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا} [النساء: 163. الإسراء: 55]
{وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} [الأنبياء: 78- 79- 80- 105]
{وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ * وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ * وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} [النمل: 15- 16- 17]
{وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [سبأ: 10- 11]
{إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ * وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآَتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ} [ص: 18- 20]
{فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ * يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} [ص: 25- 26]

۞ ابن قمتة: العبد المسيحي
كان ابن قمتة عبداً مسيحياً عاش حياته في مكّة. وقد تعلّم محمد الكثير عن الإنجيل المسيحي المشكوك بصحته (ككتاب بارنابا) منه ذاك العبد. فسورة مريم (سورة 19) بأكملها، وبالأخص الآيات التي تصف عملية ولادة المسيح على الأرجح أنها مكتوبة بيد ابن قمتة، العبد المسيحي لمحمد. وأقتبس هنا من مقالة ألفونس مينغانا "رسالة القرآن" [ص 103]، الذي اعتمد بدوره على كتاب الواقدي:
((ويقال أنّ الواقدي وهو مؤرّخ قديم يقول أنّ عبد الله بن سعد بن أبي سرح، والعبد المسيحي ابن قمتة، غيروا شيئاً ما في القرآن. وقد تراجع ابن أبي سرح وقال: كان العبد المسيحي يلقّنه (أي محمد)، كنت أنا من يدوّن القرآن وقد غيّرت فيه أي شيء أريده))
لاحظوا رجاءً أنّ عبد الله بن سعد بن أبي سرح كان أحد كتبة الوحي المؤتمنين من قبل محمد. وعندما هاجر محمد إلى المدينة كان بصحبته عبد الله. وحينما كان محمد يدخل في غيبوبة الوحي كان يملي على عبد الله بأن يكتب ما يمليه عليه جبريل. وعندما كان عبد الله يجري على لثغ محمد بعض التعديلات، لم يكن محمد يعترض. كما ويقال أنّ عبد الله بن سعد بن أبي سرح قد اعترف بلسانه أنه قد حرّف بالقرآن أثناء تدوينه، فعندما كان محمد يملي عليه " السميع العليم" كان عبد الله يحرّفها ويكتبها "العليم الحكيم"، وكان يطلب محمد من عبد الله أن يعيد على مسامعه قراءة ما دوّنه، وكان يقرأ عليه عبد الله ما كتبه، ولم يكتشف محمد التغيّرات التي كان يجريها عبد الله. وهنا أمثلة عن آيات أخذها محمد.
{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون: 12- 14]
عندما أدخل عبد الله بعض التغييرات والتحويرات على الآية السابقة، وافقه محمد ولم يعترض أو يكتشف الأمر فوراً. وقاد هذا عبد الله لأن يشك في ادّعاءات محمد ومزاعمه بأنه يتلقى رسالة إلهية من الله، فارتد عن الإسلام وهاجر من المدينة إلى مكّة. ثمّ ادّعى هو نفسه أنّه كتب بعض الآيات القرآنية، وأنه قد ألهمه الله إياها.
غضب محمد من عمل عبد الله وطلب المساعدة والنجدة من الله. وقد أنزل الله الآية التالية تدين أي شخص يدّعي أنه ملهم من الله غير محمد: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آَيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} [الأنعام: 93]
عندما احتلّ محمد مكّة قام بطلب ثمانية أو عشرة رجال، وأربع نساء حسب ما ورد في كتاب طبقات ابن سعد [ص 165] يجب قتلهم حتى ولو تعلّقوا بأستار الكعبة. وكان عبد الله واحداً منهم.
حتى أنّ هناك بعض الأحاديث تؤكّد أنّ هناك شخص مسيحي ساهم في كتابة القرآن، وذلك الشخص على الأرجح هو ابن قمتة. ((عن أنس رضي الله عنه قال: كان رجل نصرانيا فأسلم، وقرأ البقرة وآل عمران، فكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم، فعاد نصرانيا، فكان يقول: ما يدري محمد إلا ما كتبت له، فأماته الله فدفنوه، فأصبح وقد لفظته الأرض، فقالوا: هذا فعل محمد وأصحابه لما هرب منهم، نبشوا عن صاحبنا فألقوه، فحفروا له فأعمقوا، فأصبح وقد لفظته الأرض، فقالوا: هذا فعل محمد وأصحابه، نبشوا عن صاحبنا لما هرب منهم فألقوه، فحفروا له وأعمقوا له في الأرض ما استطاعوا، فأصبح وقد لفظته الأرض، فعلموا: أنه ليس من الناس فألقوه.)) [صحيح البخاري، كتاب المناقب، 3421]
من هو هذا الشخص؟ وما هي خلفيته؟...!!!!!!!!!

۞ الصابئة
يقول سانت كلير تسدل في كتابه [مصادر الإسلام, ص 236- 237] أنّ الصائبة كانوا يقطنون سوريا [ويطلق عليهم أيضاً تسمية المندائيون، هي من أقدم الديانات الموحدة. كانت منتشرة في بلاد الرافدين و فلسطين ما قبل المسيحية و لا يزال بعض من أتباعها موجودين في العراق، كما يسمون بالمندائيين أو الصابئة المندائيين حيث اشتقت كلمة المندائيين من الجذر (مندا) و الذي يعني بلغتهم المندائية المعرفة أو العلم]. وهم أتباع شيت وإدريس. وكانوا يصومون ثلاثين يوماً كل سنة من المساء وحتى طلوع الشمس، حيث يقيمون أعياداً وصلواتاً من أجل الموتى بلا كلل أو ملل. وبكل بساطة قام محمد بنسخ نظامهم الصيامي (وغيّر أسلوب الصيام فجعله من شروق الشمس حتى غروبها) وأبقى على احتفالات العيد والصلوات من أجل الموتى بنفس الصيغة التي كانت عليها في الأصل عند الصابئة. لذلك فأحكام الصيام التي وردت في سورة البقرة، الآيات 183- 187 مأخوذة ومحرّفة من الكتاب المقدّس للصابئة. ولنقارن تلك الآيات مع ما جاء في كتابهم المقدّس { صُوُمُوا الصّوْمَ العَظِيْمَ وَلا تَقْطَعُوهُ إِلَى أَنْ تُغَادِرَ أَجْسَادَكُمْ، صُوُمْوا صَوْمَاً كَثِيرَاً لا عَنْ مَآكَلِ وَمَشْرَبِ هَذِهِ الدُنْيا .. صُوُمُوا صَوْمَ العَقْلِ وَالقَلْبِ وَالضّمِير}
في الواقع، قام القرآن نفسه بالتأكيد على أنّ نظام الصيام هو نسخة مأخوذة عن عقيدة سابقة. طبعاً، لكنه بقي متحفّظاً بشأن ذكر وتحديد الكتاب المقدّس الذي أخذ منه محمد هذا الطقس. وهنا أورد الآية التي تثبت أنّ طقس الصيام مأخوذ عن ديانة سابقة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183].
كان للصابئة كتاباً مقدّساً يسمّى "كنزا ربا" [ويقال أنه يطلق على كتابهم اسم صحف شيت]. وقد حدّدوا في اليوم سبع صلوات اختار منها محمد خمسة حسب الأوقات التي يقسم إليها اليوم. كما أنّهم كانوا يبجّلون الكعبة. [في الحقيقة كانوا يبجّلون الكثير من الأنبياء مثل: آدم والد شيت "شيتل"، نوح وولده سام، زكريا وابنه يحيى وكانوا يطلقون عليه اسم يهيا يوهنا. والنبي إبراهيم] ومن المرجّح أنّ محمد كان قد عرف بعض الشيء عن كتاب الصابئة المقدّس من الراهب بحيرا المثقف والمطّلع، وسلمان الفارسي العارف بالديانات، لأنّ كلاهما كان قضى فترة زمنية طويلة أثناء إقامتهما في سوريا، وكانا مطّلعين على المصادر والطقوس والشعائر والمذاهب الدينية للصائبة أو المندائيين. وكل ما في الأمر أنّ محمداً قام بدمج تلك الأفكار والشعائر في القرآن وعبّر عنها ككلام منزّل من عند الله.
ورد في معجم الإسلام عن الصابئة [ص 551] أنهم كانوا يعبدون النجوم بشكل سري لكنهم كانوا يصرّحون على العلن بأنهم مسيحيين معمدانيين. وتقول مصادر أخرى أنّهم كانوا على دين صابئ بن شيت بن آدم. أمّا البعض الآخر فيذهب أنّ أنهم كانوا على دين النبي نوح. ويورد البعض أنّ أصل تسمية صابئة مشتقة من الجذر (صبأ) والذي يعني باللغة المندائية اصطبغ، تعمّد، غطّ، أو غطس في الماء وهي من أهم شعائرهم الدينية، وعلى الأرجح هذا هو المذهب الأدق حيث أنه يتناسب مع معتقداتهم الدينية. أمّا قبلتهم فقد كانت نحو الجنوب، من حيث تهبّ الريح.
من دون شك، بعد أنّ اطّلع محمد على تعاليم وطقوس الصابئة، كان قد تأثر بعمق بديانتهم ومعتقدهم وقام بدمج بعض طقوسهم وأفكارهم في الإسلام. قد اعتبرهم كمؤمنين حقيقيين بالله. في الواقع، ورد في معجم الإسلام [ص 551] بأنّ العرب كانوا يطلقون على محمد لعب "الصابئ" أو الذي ارتدّ عن دين قريش. وقد أشار القرآن ثلاث إليهم ثلاث مرّات:
{إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 62]
{الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [المائدة: 69]
{إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [الحج: 17]
لاحظ أنّ الآيات السابقة تتضمن ذكر اليهود، المسيحيين، إلى جانب الصابئة، وبأنهم جميعهم يؤمنون بالله واليوم الآخر وسيدخلون الجنة.

۞ خديجة، ورقة، وعبيد الله
لم تتناول كتب السيرة المحمدية ديانة أو عقيدة خديجة بالتفصيل، زوجة محمد الأولى. على كل حال، من الصعب الجزم أنّ خديجة كانت مشركة 100 %. لكنها على الأرجح كانت متأثرة بشكل عميق بابن عمّها ورقة بن نوفل الذي _كما سبق وقلنا_ كان يهودياً أول الأمر، ثمّ اعتنق المسيحية. حيث أنه أصبح مسيحياً مخلصاً ويقال أنه ترجم الإنجيل إلى اللغة العربية. كما أنّ معرفته العميقة واطلاعه الواسع على الديانة المسيحية السائدة، بالإضافة إلى اليهودية، كان له أثره العميق على خديجة ومحمد. لذلك فمن المعقول الاعتقاد أنّ خديجة أيضاً كانت مسيحية، على الأقل داخلياً. إلا أننا لا نجد ولو إشارة واحدة في أيّ من كتب السيرة إلى أنّ خديجة كانت تعبد أياً من الأصنام أو أنها حضرت أي طقس ديني وثني. وبدلاً من ذلك، نلاحظ أنّ محمداً كان وثنياً عندما تزوّج من خديجة. كانت خديجة لمدّة 25 عاماً هي السند الوحيد لمحمد عاطفياً ومادياً. ومن المحتمل أنّ خديجة أثرت على محمد وشجّعته على تغيير دينه الوثني إلى المسيحية. وقد اعتاد كلٌ من ورقة وخديجة على مناقشة الكثير من القضايا والمسائل المسيحية واليهودية مع محمد ممّا جعله يفكّر مليّاً ويعيد التفكير بديانته التي فطر عليها، الوثنية.
وتخبرنا الأحاديث أنّ ورقة اعتاد على قراءة الإنجيل باللغة العربية على مسامع محمد. وهذا يؤكّد أنّ الترجمة العربية للإنجيل كانت متوفرة أيام محمد:
((عن عائشة أنها قالت: أول ما بدىء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه - وهو التعبد - الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ، قال: (ما أنا بقارىء). قال: (فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت ما أنا بقارىء، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارىء، فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني فقال: {اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم}. فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقال: (زملوني زملوني). فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: (لقد خشيت على نفسي). فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، ابن عم خديجة، وكان امرءاً تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي، فقالت له خديجة: يا بن عم، اسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة: يا بن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى، فقاله له ورقة: هذا الناموس الذي نزل الله به على موسى، يا ليتني فيها جذع، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أومخرجي هم). قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا. ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي.)) [صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي، 3212، 4670، 4672، 4674، 6581]
((عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت:..... ورقة بن نوفل بن أسد ابن عبد العزى بن قصي، وهو ابن عم خديجة أخي أبيها، وكان امرأ تنصَّر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي، فيكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب)) [البخاري، كتاب التعبير، 6581]
لاحظ هنا أنّ ورقة كان يكتب الإنجيل، حتى أنه كانت له نسخة مترجمة خاصة به. كما أننا نلاحظ أنّ ورقة كان يعرف القراءة والكتابة باللغة العبرية.
المعلومات التي وردت في الأعلى لا تترك أي مجال للشك أنّ ورقة، بالإضافة إلى خديجة كان المساهم الأكبر في عملية بناء النص القرآني، وخصوصاً الآيات التي تتعلّق بالديانتين: اليهودية والمسيحية.
ثمّ هناك عبيد الله، حفيد عبد المطّلب وان عم محمد نفسه. وبما أنّ عبيد الله كان حنيفياً، لابد وأن يكون محمد قد تعلّم الكثير من الأمور الجيّدة عن العقيدة الحنيفية منه. يزعم المؤرّخون الإسلاميون أنّ عبيد الله تحوّل إلى ديانة محمد وهاجر إلى أثيوبيا، ثمّ ترك الإسلام مرةً أخرى واعتنق الديانة المسيحية وتوفي في الحبشة وهو مسيحي. لذلك نحن نقف أمام مساهم حنيفي – مسيحي آخر شارك في تأليف المادّة القرآنية هو عبيد الله. وبعد وفاة كلٍ من ورقة وخديجة وعبيد الله قام محمد بإدخال كل ما سمعه أو تعلّمه منهم.
يجب ألا ننسى هنا أن نذكر مساهمان آخران على نفس الدرجة من الأهمية في بناء النص القرآني. هما: عبد الله بن سلام بن مخيريق. فحسب ما ورد في كتاب الطبقات لابن سعد [ص 239] أنّ عبد الله بن سلام بن الحارث كان يهودياً من بني قريظة تحوّل إلى الإسلام عندما وصل محمد إلى المدينة. مخيريق أيضاً كان حاخاماً يهودياً من بني ثعلبة، وقد تحوّل إلى الإسلام. كان عبد الله بن سلام ضليعاً في التوراة، ومن دون شك كانت له مساهماته في القرآن وخصوصاً المواد المتعلّقة بالديانة اليهودية، القوانين اليهودية.
هنا أورد بعض المواد من القرآن والتي قد نسخها محمد وتبنّاها من المسيحيين، اليهود، الآراميين، الهندوس، والمجوس.
● مفهوم التيمّم الذي ورد في سورة النساء: 43 منسوخ من الكتاب النقدّس اليهودي "التلمود".
● نفخ الروح أو الحياة في الطير جاء في الآيات: البقرة: 260. آل عمران: 49. المائدة: 110. وهي منقولة عن كتب قبطية.
● مفهوم الحوريات الذي ورد ذكره في سورة الدخان: 54 تعلّمه محمد من غرباء في مكّة، وعلى الأرجح كانوا رهباناً آراميين.
● هاروت وماروت الذين ذكرا في سورة البقرة: 102 هما اسمان علمان سريانيان تعلّمهما محمد من مصادر آرامية.
● إنّ فكرة أنّ عرش الله يقبع فوق الماء التي وردت في سورة هود: 7 فكرة مقتبسة عن التراث اليهودي، وهي موجودة بحرفيتها في التوراة: سفر التكوين.
● فكرة "مالك" خازن النار الذي ذكر في الزخرف: 77 مقتبسة عن التراث اليهودي أيضاً.
● السماوات السبع كما جاء ذكرها في الآيات البقرة: 29. فصّلت: 12 مأخوذة عن كتاب الهندوس المقدّس السنسكريتي.
● مريم التي وضعت مولودها تحت جذع الشجرة [مريم: 23] هذه الفكرة مأخوذة بحرفيتها من الإنجيل.
● يسوع الصغير يتكلّم في المهد [آل عمران: 46. مريم: 30، 31، 33] مأخوذة من الإنجيل أيضاً.
● الآيات التي تصف الجنة والجحيم (وهي آيات كثيرة ذكرناها من قبل) مأخوذة من التراث الهندوسي والزرادشتي.
● يسوع لم يصلب، بل رفعه الله إليه [آل عمران: 33. النساء: 157- 158] منسوخة من كتاب بارنابا.
● أسطورة يوسف [سورة يوسف] مأخوذة كلها من كتاب المدراش اليهودي.
● الملك سليمان وأساطيره الخيالية [ الأنبياء: 78، 82. النمل: 17- 19، 22- 23] مأخوذة كلها من كتاب الهاغاده اليهودي.
● اللوح المحفوظ، وأنّ القرآن مدوّن عليها منذ الأزل [الزخرف: 4. البروج: 21- 22] وهذا بالضبط ما ورد في التلمود من قول أنه (التلمود) كان محفوظاً في ألواحٍ بالسماء.
● ملاك الموت: عزرائيل أو ملك الموت [الأنعام: 61. الأعراف: 37. السجدة: 11] مفهوم مأخوذ عن كتاب التوراة وكتاب المجوس المقدّس.
ومع ذلك يؤكّد القرآن نفسه وبعناد ومن دون تعقل أنّ كفّار أو مشركي مكّة عرفوا أنّ محمداً قد نسخ وأخذ جلّ المادة القرآنية من مصادر مختلفة، وخصوصاً من الكتابات اليهودية المقدّسة، وهذا هو سبب تحذير الله للمشركين بأن يتهموا محمداً بالتقليد أو النسخ من مصادر أخرى في الآية التالية
{فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ } [القصص: 48]. لمزيد من الأمثلة عن الآيات المنتحلة في القرآن على يد محمد بإمكانك _عزيزي القارئ_ أن تعود إلى ملحق المراجع.
جار محمد كان النضر بن الحارث أيضاً. وقد اعتاد هو أيضاً أن يكتب قصائد شبيهة بآيات القرآن. كما أنه كان قاصّاً وروائياً بارعاً وخصوصاً للروايات والأساطير الشعبية الميثولوجية. وعندما كان محمد يجمع الناس يقصّ عليهم قصصاً من القرآن، كان النضر بن الحارث يقول أنه يعرف قصصاً أفضل من قصص محمد. وبفضل قصص النضر وأسلوبه الروائي الأخاذ، رأى محمد أنّ جمهوره بدأ يقل تدريجياً. وقد اعتبر محمد تصرّف النضر بأنه مقرف ومهين، فانتقم منه بأن أخذه أسيراً في معركة بدر، ثم قطع رأسه ليتخلّص منه مرة وإلى الأبد.
هنا أسرد بعض الآيات المنتقاة من القرآن والتي تخبرنا بأنّ الوثنيين أو المشركين كانوا مدركين تماماً أنّ محمداً كان يقصّ عليهم قصصاً وأساطير شعبية قديمة كانوا قد سمعوها من قبل، وقد صرّحوا بذلك وقالوا أنّ محمداً لم يسرد عليهم سوى قصص وأساطير الأولين. كل ما فعله هو أنه انتقى ما كان قد سمعه من مصادره وزعم أنّ الله قد أوحى غليه بها.
{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} [الأنفال: 31] تخبرنا هذه الآية أنّ الكفار أو المشركين يعتبرون القرآن مجرّد كتاب لأساطير القدماء.
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} [النحل: 24]
{نَحْنُ وَآَبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} [المؤمنون: 83] المشركون وأسلافهم قد سمعوا هذه القصص والأساطير من قبل.
{وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفرقان: 5]
{وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآَبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} [النمل: 68] نلاحظ أنّ المشركين في هذه الآية يصرّون على أنّ القرآن ما هو إلا أساطير الأولين.
{وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آَمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} [الأحقاف: 17]
{إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} [القلم: 15] يقول المشركون أنّ قصص محمد ما هي إلا أساطير الأولين.

۞ أُبَيْ بن كعب
كان أبَي بن كعب السكرتير والمرافق الرسمي لمحمد، وهو أحد الستة الذين قاموا بجمع القرآن. أمّا الخمسة الآخرون حسب ما وردت أسماؤهم في طبقات ابن سعد [ج1، ص 457] فهم: معاذ بن جبل، أبو الدرداء، زيد بن ثابت، سعد بن عبيد، أبو زيد.
كان أبَي بن كعب يعرف أيضاً "أبا المنذر". وقد شهد بيعة العقبة الثانية مع أنصار آخرين من المدينة وكان أحد الأنصار الأوائل الذين دخلوا الإسلام. كان محمد يثق به ثقةً كبيرة وكان أبي منقذه في الكثير من المواقف. عندما كان محمد ينسى بعض الآيات القرآنية أو أنه كان يبحث عن تفسيرات وتبريرات لبعض الآيات فكان يطلب عون أبي. هذا الاعتماد الكلي لمحمد على أبي يعكس لنا حقيقة أنّ أبي بن كعب هو الكاتب الحقيقي لإملاءات محمد، وأنه كان يكتب كل ما يحلو له، بالطبع بموافقة محمد. بعد أن استقر في المدينة، حيث كانت هناك جالية يهودية مزدهرة، كانت لديه معرفة عميقة بالكتابات اليهودية المقدسة والقوانين اليهودية. وعلى الأرجح، أنه كان الكاتب الفعلي لمعظم السور المدنية التي لها علاقة بالبنود القانونية والشرعية الإسلامية. هذه السور المدنية لا تتميّز بالطابع الشعري الإيقاعي الذي تتميّز به معظم السور المكّيّة. وسبب ذلك أنّ أبَي بن كعب لم يكن شاعراً بمعنى الكلمة، بل سياسياً وكاتباً. في الواقع، قام بوضع نسخته الخاصة من القرآن والتي رفض تسليمها عندما طلب عثمان بن عفان في زمن خلافته جمع جميع المسخ الأخرى من القرآن وحرقها، باستثناء مصحف حفصة. أبَي بن كعب وابن مسعود رفضا تسليم مصحفيهما، واحتفظ كل منهما بنسخته في مكان سري.
يمكننا ملاحظة أنّ العديد من السور المدنية كتبها في الحقيقة أبي بن كعب وبمساعدة كتاب آخرين لمحمد. ومن الجدير الملاحظة أيضاً أنّه بالرغم من أنّه يُزعَم أنّ جبريل قد جاء بالآيات القرآنية كلها إلى محمد، إلا أنّ الأحاديث تفيد أنّ محمداً لم يراه سوى مرتين: ((عن مسروق قال: "كنت متكئا عند عائشة، فقالت: يا أبا عائشة، ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد عظم الفرية على الله: من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم الفرية على الله، والله يقول: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير وما لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب} [الأنعام: 103] وكنت متكئا فجلست فقلت: يا أم المؤمنين، انظريني ولا تعجلني، أليس الله تعالى يقول: {ولقد رآه نزلة أخرى ولقد رآه بالأفق المبين}؟ قالت: أنا والله أول من سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا، قال: إنما ذلك جبريل، ما رأيته في الصورة التي خلق فيها غير هاتين المرتين رأيته منهبطا من السماء سادا عظم خلقه ما بين السماء والأرض، ومن زعم أن محمد كتم شيئا مما أنزل الله عليه فقد أعظم الفرية على الله، يقول الله: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك}، ومن زعم أنه يعلم ما في غد فقد أعظم الفرية على الله، والله يقول: {لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله}". هذا حديث حسن صحيح. ومسروق بن الأجدع يكنى أبا عائشة.)) [الترمذي، أبواب تفسيرات القرآن، 5063]
طبعاً، هذا الحديث يبدو مربكاً ومتناقضاً في الآن معاً إذا استدعينا إلى ذاكرتنا حديثاً آخر يزعم فيه محمد أن جبريل زاره عدّة مرّات بشكلّ بشري. إذاً، ما الذي يمنعه من القول أنّ جميع كتبة القرآن، ومن ضمنهم أبي بن كعب، كانوا في الواقع، هم جبريل المزعوم بأشكال مختلفة؟

۞ رجلٌ أعمى يصحّح القرآن وكلام الله
في النهاية، وكدليل أخير على أنّ محمد غيّر وأضاف وحذف آيات من القرآن حسب ما تطلّبته المواقف أو حسب متطلّبات الناس. والدليل هنا هو قصّة ابن أم مكتوم، الرجل العجوز الأعمى من مكّة. حيث أنه قد طلب من محمّد تصحيح آية وتغييرها لإعفاء الأعمى من فريضة الجهاد. هذا الرجل الأعمى كان يستمع إلى قصص محمد ووصاياه وأراد أن يناقش معه بعض القضايا والمسائل المتعلّقة بالإسلام. على أية حال، تجاهله محمد في بداية الأمر، إلا أنه فيما ندم على إهماله للشخص الأعمى. لذلك قام الله بتقريع محمد ومعاتبته في سورة "عبس" وهي السورة رقم 80 في ترتيب القرآن الحالي، أمّا ترتيبها الزمني الحقيقي فهو 24، أو "عَبَسَ". ثمّ تحوّل ابن أم مكتوم إلى الإسلام، وأصبح من الصحابة المقرّبين لمحمد. وعندما تحدّث محمد عن تفضيل أولئك الذين يشاركون في الجهاد المقدّس، كان هذا الرجل الأعمى ممانعاً للمشاركة في مثل هذا القتال وأراد استثناءً أو تبريراً يعفيه من القتال. وخلال فترة كتابة الآية رقم 95 من سورة النساء {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} نسي محمّد أمر الرجل الأعمى ولم يتذكّره. لذلك ذكّره ابن أم مكتوم بحالته ووضعه الصحي. من فوره، قام محمد بتغيير كلامه، أو آيته. والحديث التالي يوضّح لنا الطريقة التي غيّر فيها ابن أم مكتوم عقل محمد.
طلب محمد زيد ليكتب الوحي الذي أنزِل عليه ((عن زيد بن ثابت قال: كنت إلى جنب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فغشيته السكينة فوقعت فخذ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على فخذي، فما وجدت ثقل شيء أثقل من فخذ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، ثم سُرِّيَ عنه فقال: "اكْتُبْ" فكتبت في كتفٍ: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل اللّه} إلى آخر الآية، فقام ابن أمِّ مكتوم وكان رجلاً أعمى لما سمع فضيلة المجاهدين فقال: يا رسول اللّه، فكيف بمن لا يستطيع الجهاد من المؤمنين؟ فلما قضى كلامه غشيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم السكينة فوقعت فخذه على فخذي، ووجدت من ثقلها في المرة الثانية كما وجدت في المرة الأولى، ثم سري عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال: "اقرأ يا زيد" فقرأت {لا يستوي القاعدون من المؤمنين} فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: {غير أولي الضرر} الآية كلها، قال زيد: فأنزلها اللّه وحدها فألحقتها، والذي نفسي بيده لكأني أنظر إلى ملحقها عند صدعٍ في كتفٍ)) [أبو داؤود، كتاب الجهاد، 2507. البخاري 6، 60، 117]
وهنا نفس الحادثة بتعبير آخر كما ورد في صحيح البخاري أيضاً، كتاب فضائل القرآن ((عن البراء قال: لما نزلت: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله}. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ادع لنا زيدا، وليجئ باللوح والدواة والكتف، أو: الكتف والدواة). ثم قال: (اكتب: {لا يستوي القاعدون}). وخلف ظهر النبي صلى الله عليه وسلم عمرو بن أم مكتوم الأعمى، قال: يا رسول الله فما تأمرني، فإني رجل ضرير البصر؟ فنزلت مكانها: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله غير أولي الضرر}.)) [4704]