من هم مؤلفو القرآن (3)

 

الأشخاص الذين شاركوا بشكل مباشر أو غير مباشر في بناء وتدوين النص القرآني، فقد رأيت بأنه من الجدير التطرّق إلى عدّة شخصيات تاريخية كان لها دور كبير في عملية تطوير وتحويل النص القرآني، وحتى الزيادة فيه وإنزال آيات إضافية وكأنهم هم رسل الله أيضاً _بالإضافة إلى محمد_ كعائشة وعمر بن الخطّاب مثلاً الذي جعل الله ينزّل ثلاثة آيات في القرآن لم تخطر بباله (الله) أو ببال نبيه، هذا بالإضافة إلى ما أجرى من تغييرات وخروقات في الشريعة الإسلامية، باعتبار أنه الشخص الثاني الذي قام بإلغاء بعض الطقوس والشعائر بعد أبي بكر.
كما أن هناك شخصية أخرى جديرة بالذكر أيضاً، سنناقشها في الحلقة التالية، متمثّلة بعبد الله بن أبي سرح الذي قام بتغيير مضمون النصّ القرآني عدّة مرّات، ثمّ ارتدّ عن الإسلام، وطالب محمد برأسه حتى ولو تعلّق بأستار الكعبة، وسنتكلّم عنه لاحقاً.
أمّا الشخصية الأخرى التي أريد التكلّم عنها هنا فهو [الحجّاج بن يوسف الثقفي] ومن لا يعرف من هو الحجّاج؟!!! الذي عمل تعديلات عديدة على النص القرآني وحرّفه بما يتناسب ومصالح الدولة الأموية، وسنتكلّم عنه في الوقت المناسب.

۞ عائشة زوجة محمد الطفلة
كانت الطفلة عائشة من أحب زوجات محمد على قلبه. وقد تزوّجها عندما كانت طفلة في السادسة من عمرها، ومارس الجنس معها عندما أصبحت بالكاد في التاسعة من عمرها. الشباب، الحيوية، الرقة، البراءة شبه الطفولية، والزخم الطفولي، كانت المكوّنات والخصائص التي أخذت عقل محمد والسبب في إعجابه بسذاجة عائشة. وبصفتها عروساً ما زالت في مرحلة الطفولة، كانت عائشة معتمدة بالكامل على نضج محمد. وكأي طفلةٍ أخرى بعمرها آمنت بكل شيء كان يخبرها به محمد حول وحيه المقدّس. ادّعى محمد أنه كان يتلقى الوحي والإلهام من الله عندما كان يقضي وقته مع عائشة. لماذا لم يكن جبريل ينزل عليه بالوحي عندما يقضي وقته من زوجاته الأخريات؟ لم يجاوب على هذا السؤال سوى قلّة قليلة من المؤرّخين الإسلاميين. والسبب الحقيقي هو أنّ جميع زوجات محمد _باستثناء عائشة_ كنّ كبيرات في السن وناضجات، ولهنّ تجارب كثيرة في الحياة ومحنها. وبعضهنّ كان لديهنّ أولاد ناضجين. ولم يكن من السهل على محمد أن يقنع هذه الحاشية من النساء بشأن اتصاله بالله عن طريق جبريل. فهنّ لن يصدقنه بسهولة، ولن يقتنعن بقصصه المختلقة. كما أنه على الأرجح أنهنّ كنّ مجبرات على العيش في حريمه، ومع هذا، لم يتمكنوا، في أعماق عقولهم، أن يصدّقوا الادّعاءات الفارغة لمحمد. لذا فإنّ عائشة بسذاجتها الطفولية وبرائتها أصبحت مصدر الإلهام الإلهي لمحمد!. كان محمد ببساطة يتلاعب بعقل طفلة بمختلف قصص وروايات الأشباح والعفاريت والجن والملائكة والشياطين والشخصيات الأسطورية والخرافية. والحديث التالي مقتبس من كناب صحيح البخاري يؤكّد مذهبنا في أنّ الله كان يتواصل مع محمد عندما يقضي وقته مع عائشة: ((عن عائشة رضي الله عنها: أن نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم كن حزبين: فحزب فيه عائشة وحفصة وسودة، والحزب الآخر أم سلمة وسائر نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان المسلمون قد علموا حب رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة، فإذا كانت عند أحدهم هدية، يريد أن يهديها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرها، حتى إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة، بعث صاحب الهدية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة، فكلم حزب أم سلمة، فقلن لها: كلمي رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلم الناس، فيقول: من أراد أن يهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم هدية، فليهدها إليه حيث كان من بيوت نسائه، فكلمته أم سلمة بما قلن فلم يقل لها شيئا، فسألنها، فقالت: ما قال لي شيئا، فقلن لها: فكلميه، قالت: فكلمته حين دار إليها أيضا فلم يقل لها شيئا، فسألنها فقالت: ما قال لي شيئا، فقلن لها: كلميه حتى يكلمك، فدار إليها فكلمته، فقال لها: (لا تؤذيني في عائشة، فإن الوحي لم يأتني وأنا في ثوب امرأة إلا عائشة). قالت: فقالت: أتوب إلى الله من أذاك يا رسول الله، ثم إنهن دعون فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تقول: إن نساءك ينشدنك الله العدل في بنت أبي بكر، فكلمته فقال: (يا بنية ألا تحبين ما أحب). قالت: بلى، فرجعت إليهن فأخبرتهن، فقلن: ارجعي إليه فأبت أن ترجع، فأرسلن زينب بنت جحش، فأتته فأغلظت، وقالت: إن نساءك ينشدنك الله العدل في بنت ابن أبي قحافة، فرفعت صوتها حتى تناولت عائشة وهي قاعدة فسبتها، حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لينظر إلى عائشة هل تكلم، قال: فتكلمت عائشة ترد على زينب حتى أسكتتها، قالت: فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى عائشة، وقال: (إنها بنت أبي بكر).)) [كتاب الهبة وفضائلها، 2442]
الوحي الإلهي لا يأتِ محمداً إلا وهو مع عائشة:
((حدثنا هشام، عن أبيه قال: كان الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة، قالت عائشة: فاجتمع صواحبي إلى أم سلمة، فقلن: يا أم سلمة، والله إن الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة، وإنا نريد الخير كما تريده عائشة، فمري رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأمر الناس: أن يهدوا إليه حيثما كان، أو حيثما دار، قالت: فذكرت ذلك أم سلمة للنبي صلى الله عليه وسلم، قالت: فأعرض عني، فلما عاد إلي ذكرت له ذلك فأعرض عني، فلما كان في الثالثة ذكرت له فقال: (يا أم سلمة لا تؤذيني في عائشة، فإنه والله ما نزل علي الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها).)) [البخاري، فضائل الصحابة، 3564]
محمد يخبر عائشة أنّ جبريل يلقي عليها السلام:
((أبو سلمة بن عبد الرحمن إن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا عائشة هذا جبريل يقرأ عليك السلام قالت وعليه السلام ورحمة الله وبركاته قالت وهو يرى مالا أرى)) [السابق، 57، 119].
الحديث في الأعلى يخبرنا بوضوح كيف أنّ محمد استغلّ سذاجة وبراءة الطفلة عائشة للادّعاء بأنه يتلقى الوحي الإلهي. في الواقع، قام محمد بفبركة بعض الأجزاء من القرآن بنفسه عندما كان يستلقي بحجر عائشة:
((عن عائشة قالت:كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن ورأسه في حجري وأنا حائض.)) [البخاري، كتاب التوحيد، 7110]
أمّا الحديث التالي فيثبت أنّ القرآن قد تمّ التلاعب به، وتحريقه:
((زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: نسخت الصحف في المصاحف، ففقدت آية من سورة الأحزاب، كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها، فلم أجدها إلا مع خزيمة ابن ثابت الأنصاري، الذي جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادته شهادة رجلين، وهو قوله: {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه}.)) [البخاري، كتاب الجهاد والسير، 2653، 3823، 4506، وانظر: 4402، 4702]
الحديث السابق الذكر يخبرنا أنه قد تمّ تغيير بعض الآيات القرآنية ووضع إحداها مكان الأخرى، وأنّه قد تمّت عملية كتابة القرآن على يد أشخاص بالإضافة إلى محمد وكتّابه الرسميون. لاحظ أنّ خزيمة بن ثابت الأنصاري كما ورد ضمن هذا الحديث أنّه لم يكن من كتبة الوحي الرسميين والمكلّفين من قبل محمد.
الحديث التالي يبين لنا الدور الحيوي الذي لعبته عائشة في تدوين القرآن، أو على الأقل بعد أن مات محمد قامت بالتلاعب وبتغيير بعض الآيات القرآنية، ومثال ذلك ما فعلته في سورة البقرة 238:
((عن أبي يونس مولى عائشة؛ أنه قال: أمرتني عائشة أن أكتب لها مصفحا. وقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذني: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} [2/البقرة/ الآية 238]. فلما بلغتها آذنتها. فأملت علي: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر. وقوموا لله قانتين. قالت عائشة: سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم.)) [مسلم،كتاب المساجد ومواضع الصلاة، 207]
ونفهم من كتاب صحيح البخاري أنّ سورة البقرة وسورة النساء قد تمّ تأليفهما بحضور عائشة نفسها. كما أنها تكشف في مكان آخر أنّ الآيات الأولى كانت تتناول موضوع الجنة والنار، وهذا يناقض ما قاله البعض من المؤرّخين المسلمين أنّ أوّل السور كانت هي سورة "العلق". كما أنّ هذه الأحاديث تعلمنا أنّه كان هناك أكثر من نسخة واحدة من القرآن، واحتفظت عائشة بنسخة خاصة بها كانت تختلف اختلافاً جذرياً عن باقي النسخ. فهل من الممكن أن تكون عائشة قد أضافت أو حذفت بعض الآيات من نسختها من القرآن؟!!
الحديث التالي يبيّن كيف أنّ بعض الآيات قد تغيّرت بشكل ذكي لأغراض خاصة ((يوسف بن ماهك قال: إني عند عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها إذ جاءها عراقي فقال: أي الكفن خير؟ قالت: ويحك وما يضرك. قال: يا أم المؤمنين أريني مصحفك، قالت: لم؟ قال: لعلي أؤلف القرآن عليه، فإنه يقرأ غير مؤلف، قالت: وما يضرك أيه قرأت قبل، إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبدا، لقد نزل بمكة على محمد صلى الله عليه وسلم وإني لجارية ألعب: {بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر}. وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده، قال: فأخرجت له المصحف، فأملت عليه آي السورة.)) [البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب تأليف القرآن، 4707]
{إنّ الله وملائكته يصلّون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلّموا تسليما} [سورة الأحزاب 56] أمّا قراءة هذه الآية في مصحف أمّ المؤمنين عائشة فقد وردت على النحو التالي {إنّ الله وملائكته يصّلون على النبي والذين يصلون الصفوف الأولى} [السجستاني: كتاب المصاحف: مصحف عائشة زوج الرسول صلعم] كيف حدث هذا الفرق الجذري وهذا الاختلاف الصارخ بين القراءتين؟ إذا سلمنا أنّ الله يصلي على النبي، فمن هم الذين يصلون في الصفوف الأولى؟

۞ محمّد بن عبد الله
لا نشكّ أنّ محمد قد كتب بنفسه عدّة آيات قرآنية. وبالرّغم من أنه كان إنساناً أمياً لا يقرأ ولا يكتب _كما جاء في القرآن_ كان لا بدّ له من يلجأ إلى العديد من الكتّاب ليسجّلوا أفكاره الخاصّة. فعندما يقرأ أي إنسانٍ في القرآن بحذر وببصيرة فإنه لن يفشل في اكتشاف تلك الآيات التي من الواضح أنّ محمد هو نفسه الذي يتحدّث في هذه الآيات وليس الله. هنا أورد بعضاً من تلك الآيات:
{قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} [الأنعام: 104]. فعبارة "وما أنا عليكم بحفيظ" من الواضح أنها ليست كلام الله، بل ورد هنا ضمير المتكلّم وهو محمد.
{أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} [الأنعام: 114]. العبارة "أفغير الله أبتغي" هي من دون أدنى شك كلام محمد نفسه، ولم ينطق بها الله.
ومن الأمثلة التي تلفت الانتباه ما جاء في سورة الفاتحة. وهي تتألف من سبع آيات، تدعى بالمثاني السبع، حيث نلاحظ أنّ كلماتها لا يمكن أن تكون كلمات الله، فمن الواضح من محتواها أنها كلمات محمد، ذلك أنها تتألف من حمدٍ لله، وثناء عليه، وتضرّع لعونه. وما كان الله ليقول لنفسه "الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين" ومثل هذه المشكلة ما كانت لتكون لو أنّ سورة الفاتحة سبقت بـ "قل" على نحو ما نجده في الكثير من السور كسورة الإخلاص، أو الفلق، أو الناس. وهذا أكبر دليل جاء في أمّ القرآن "الفاتحة" أنّ محمد شارك في تأليف القرآن.
وكيف تصرّف محمد عندما أراد الناس معرفة كيفية نزول الوحي عليه؟ هناك حديث من كتاب صحيح البخاري يرينا كيف أنّ عمر اعتاد على أن يغطّي محمد بعباءة، حيث كان محمد يغطّ بالنوم تحتها. بعض الأشخاص كانوا فضوليين ومهتمّين بمعرفة ما الذي يحدث فعلاً، وكانوا يسترقون النظر عبر الغطاء، وهذا ما رأوه: ((أخبرنا صفوان بن يعلى بن أمية، عن أبيه، أن رجلاً أتى النبي صلى اللّه عليه وسلم وهو بالجِعْرَانةِ وعليه أثر خَلُوق ، أو قال صفرةٍ وعليه جُبَّة، فقال: يارسول اللّه، كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟ فأنزل اللّه تبارك وتعالى على النبي صلى اللّه عليه وسلم الوحي فلما سُرِّيَ عنه قال: "أين السائل عن العمرة؟" قال: "اغسل عنك أثر الخلوق" أو قال: "أثر الصفرة" "واخلع الجبة عنك، واصنع في عمرتك ما صنعت في حجتك".)) [أبو داؤود، كتاب المناسك، 1819]
((أخبرني عطاء: أن صفوان بن يعلى بن أمية أخبره: أن يعلى كان يقول: ليتني أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ينزل عليه[الوحي أو جبريل]، فقال فبينا النبي صلى الله عليه وسلم بالجعرانة، وعليه ثوب قد أظل به، معه ناس من أصحابه، إذ جاءه أعرابي عليه جبة، متضمخ بطيب، فقال: يا رسول الله، كيف ترى في رجل أحرم بعمرة في جبة بعد ما تضمخ بالطيب؟ فأشار عمر إلى يعلى بيده: أن تعال، فجاء يعلى فأدخل رأسه، فإذا النبي صلى الله عليه وسلم محمر الوجه، يغط كذلك ساعة، ثم سري عنه، فقال: (أين الذي يسألني عن العمرة آنفاً). فالتمس الرجل فأتي به، فقال: (أما الطيب الذي بك فأغسله ثلاث مرات، وأما الجبة فانزعها، ثم اصنع في عمرتك كما تصنع في حجك).)) [البخاري، كتاب المغازي، 4074]
وورد في صحيح مسلم، كتاب الحج 1180((فنظرت إليه له غطيط. (قال وأحسبه قال) كغطيط البكر.))
هكذا كان الله يرسل الوحي لنبيه، وهو يغطّ في النوم.

۞ عمر بن الخطاب
والآن الصحابي الجليل ورفيق الرسول وأحد المبشّرين بالجنّة الملقّب بالفاروق، والذي كان له دوراً كبيراً في عملية تشكيل النواة الأولى للإسلام.
● مكانة عمر وفضله
((إنّ الله جعل الحقّ عند لسان عمر وقلبه)) [الترمذي، مناقب رسول الله، 3765]
((لو كان نبيّ بعدي لكان عمر بن الخطاب)) [السابق، 3769]
ممّا لا شكّ فيه أنّ عمر بن الخطّاب كان أحد الصحابة المقرّبين من النبي، ويعدّ ثاني أكثر شخصية لها تأثير كبير على مجرى الإسلام، والشكل الذي انتهى إليه. وبإمكاننا أن نلاحظ أنه كان له حظوة كبيرة عند محمد، لدرجة أنه قال أنّ الحق عند لسانه وقلبه، ولدرجة أبعد من ذلك، أنه اعتبره بمثابة النبي بعده، لو كان هناك نبي.
ويمكننا ملاحظة هذه الحظوة التي تمتّع بها عمر عند استقراء الأحاديث التالية:
((عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (رأيتني دخلت الجنة، فإذا أنا بالرميصاء، امرأة أبي طلحة، وسمعت خشفة، فقلت: من هذا؟ فقال: هذا بلال، ورأيت قصرا بفنائه جارية، فقلت: لمن هذا؟ فقالوا: لعمر، فأردت أن أدخله فأنظر إليه، فذكرت غيرتك). فقال عمر: بأبي وأمي يا رسول الله، أعليك أغار.)) [صحيح البخاري، كتاب فضائل الصحابة، 3476، 4921، 6621]
نلاحظ هنا أنّ محمد لم يجد قصر عمر في الجنّة، بل أنه لم يدخله خشيةً من أن يثير الغيرة في نفس عمر على قصره الوهمي. إلا أنّ عمر يردّ على النبي بكلام مبتذل ويقسم بأمه وأبيه بأنه لن يغار من نبي الله. ونلاحظ في هذه النسخة من الحديث بعض الشك في نفس عمر، أو أنه لم يصدّق هذا الكلام حرفياً. أمّا عندما يحدّثنا أبو هريرة بنفس الحديث فإنه ينقل لنا نسخة مغايرة بعض الشيء، فتكون التالية:
((أبا هريرة رضي الله عنه قال: بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال: (بينا أنا نائم رأيتني في الجنة، فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر، فقلت: لمن هذا القصر، قالوا: لعمر، فذكرت غيرته، فوليت مدبرا). فبكى عمر وقال: أعليك أغار يا رسول الله.)) [السابق، 3477، 3070]
هنا نلاحظ أنّ النبي أخبر الجمع بمنامه، وبأنه رأى قصر عمر في الجنة، ولم يدخله احتراماً لمشاعر عمر، بما أنه يعرف غيرته، فولّى النبي مدبراً دون أن ينظر القصر. إلا أنّ الاختلاف المثير للانتباه هو موقف عمر من هذا الخبر أمام الملأ. فنرى في نسخة أبو هريرة من الحديث أنّ عمر بكى وأخبر النبي بأنه ليس من الوارد أن يغار منه، ونلاحظ هنا علامات التصديق والانفعال، حيث يصوّر لنا أبو هريرة عمر على أنه شخصية منفعلة وعلى قدر محدود من الذكاء. إذ أنّ مشاعره تأخذه كالأطفال الصغار ويبكي عندما يسمع خبراً مفرحاً كهذا.
في الحديث التالي نلاحظ كيف أنّ يقرّ بعبقرية عمر وذكائه وعلمه.
((عن حمزة، عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (بينا أنا نائم، شربت - يعني - اللبن حتى أنظر إلى الري يجري في ظفري، أو في أظفاري، ثم ناولت عمر). فقالوا: يا رسول الله، فما أولته؟ قال: (العلم).)) [السابق، 3478]
أمّا الحديث التالي فهو حديث مثير للانتباه:
((عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لقد كان فيما كان قبلكم من الأمم ناس محدثون، فإن يك في أمتي أحد فإنه عمر).)) [السابق، 3486] في هذا الحديث نلاحظ أنّ النبي يقول أنّه كان هناك قبل الإسلام أمم وكان لهم أناسُ يتحدّثون مثل الأنبياء، لكنهم ليسوا أنبياء، وعمر بن الخطّاب هو ذاك المحدّث في أمّة محمد. ونرى هنا أنّ محمد صعّد من حكمة عمر ابن الخطاب حتى ساواها بحكمته وحكمة الأنبياء، وهو لا يختلف عنهم سوى أنّه لا يتمتّع بصفة النبوّة، سنرى في مقالات لاحقة مقدار الحكمة التي كانت لدى عمر. ولكن ما يهمّنا هنا، هل كان محمد يعتمد على رأي عمر ويشاركه أفكاره، حتى أنه كان يستمدّ منها، عندما كانت تواجهه مسائل صعبة مستصعبة؟
والحديث التالي قد يساعدنا في استيضاح الفكرة هنا، واعتماد النبي على آراء أصحابه، وخصوصاً عمر وأبي بكر ((أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بينما راع في غنمه عدا الذئب فأخذ منها شاة، فطلبها حتى استنقذها، فالتفت إليه الذئب، فقال له: من لها يوم السبع، ليس لها راع غيري). فقال الناس: سبحان الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (فإني أؤمن به وأبو بكر وعمر). وما ثم أبو بكر وعمر.)) [السابق، 3487، 2199] ما الحكمة هنا من التصريح بأنه إيمانه بهذه المسألة يتفق مع إيمان أبي بكر وعمر بها؟ لماذا حشرها في هذه المسألة؟ هل هناك مسائل أخرى اتفق معهما فيها؟ أليس النبي هو الذي حجّته ظاهرة بائنة ولا تحتاج لشهادة أحد، إذاً لماذا أبو بكر وعمر؟!
أمّا الحديث التالي فلعلّه يجيب على تساؤلنا هنا: ويوضّح لنا الدور الذي لعبه عمر في نشأة وتطوير الإسلام ((عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (بينا أنا نائم، رأيت الناس عرضوا علي وعليهم قمص، فمنها ما يبلغ الثدي، ومنها ما يبلغ دون ذلك، وعرض علي عمر وعليه قميص اجتره). قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: (الدين).)) [السابق، 3488] لماذا عمر هو الذي قدّم القميص (أو الدين) كما أوّله النبي؟ هل هو مصدر الدين، أم النبي نفسه؟
((ابن عباس يقول: وضع عمر على سريره، فتكنفه الناس يدعون ويصلون قبل أن يرفع، وأنا فيهم، فلم يرعني إلا رجل آخذ منكبي، فإذا علي بن أبي طالب، فترحم على عمر وقال: ما خلفت أحدا أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمله منك، وايم الله، إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك، وحسبت: إني كنت كثيرا أسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر).)) [السابق، 3482] نستشفّ من هذا الحديث مدى الصداقة والصحبة التي كانت تربط بين هذا الثلاثي، إذ أنّ النبي لم يكن ليفارق صاحبيه، وكانوا معاً أغلب الأوقات. وخصوصاً تلك العلاقة التي ربطت بين النبي وعمر ((عبد الله بن هشام قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب)) [السابق، 3471] ما طبيعة هذه العلاقة التي كانت تربط النبي بصاحبه عمر؟ وهل كانت علاقة صمّاء كالحائط، أم أنها كانت علاقة تفاعل وتبادل للأفكار والأحاديث؟

● آراء حول دور عمر في تدوين النص القرآني
أورد الشيخان في صحيحهما الحديث التالي: ((عن عمر بن الخطّاب قال: سمعت هشام بن حكين بن حزام يقرأ سورة الفرقان في حياة الرسول صلعم، فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرؤها على حروف كثيرة، لم يقرأنيها رسول الله صلعم، فكدّت اساوره في الصلاة، فانتظرته حتى سلّم فلببته، فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ قال: أقرأنيها رسول الله صلعم، فقلت له: كذبت، فولله إنّ رسول الله صلعم لهو أقراني هذه السورة التي سمعتك، فانطلقت به إلى رسول الله صلعم أفوده، فقلت: يا رسول الله، إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرأنيها، وإنك أقرأتني سورة الفرقان، فقال: (يا هشام اقرأها)، فقرأها القراءة التي سمعته، فقال رسول الله صلعم: (هكذا أنزلت). ثم قال: (اقرأ يا عمر)، فقرأتها التي أقرأنيها، فقال رسول الله صلعم: (هكذا أنزلت). ثمّ قال رسول الله صلعم: (إنّ القرآن أنزل على سبعة حروف، فاقرأوا ما تيسّر منه))) [صحيح البخاري، كتاب فضائل الصحابة، 4754. صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، 270]
من المعلوم تماماً _وللقاصي والداني_ أنّ عمر بن الخطاب كان له الدور الكبير في تأليف وترسيخ النص القرآني، فما قال من رأي إلا ونزلت فيه آية، ومن المعلوم أنه اقترح على محمد نزول ثلاث آيات على الأقل لم تكن لتخطر على بال ومحمد أو ربه، إذ أنّه ما كان على عمر إلا أن يقترح ومحمد ينزّل الوحي.
يورد السيوطي في كتابه [تاريخ الخلفاء] حديثاً أخرجه ابن مردويه ((عن مجاهد قال: كان عمر يرى الرأي فينزل به القرآن.))
قال عمر: وافقت ربي في ثلاث: في مقام إبراهيم، وفي الحجاب، وفي أسارى بدر)) [صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، 2399]
أمّا ابن عساكر فينقل عن علي أنه قال: ((إنّ في القرآن لرأياً من رأي عمر..))
إلا أنّ هناك خبراً يلفت الانتباه إلى دور عمر وأهمية رأيه حتى يرد في القرآن إذ أخرج بن عمر مرفوعاً ((ما قال الناس في شيء وقال فيه عمر، إلا جاء القرآن بنحو ما قال عمر)) وهذا الخبر من الأهمية أنه يخبرنا عن مكانة عمر بالنسبة للناس إذ أنه كان يعرف جيداً حاجات الناس وأمانيهم، فما كان يراه متوافقاً مع المنظومة الدينية الجديدة التي كان يلعب دوراً أساسياً في تأسيسها وترسيخها فإنه يوافق عليه ويعرضه على محمد ليقولبه كنص قرآني منزل، وسنتبين هذا الأمر من خلال ثلاث آيات أوحاها "عمر" لمحمد وليس "جبريل".
أخرج الشيخان عن عمر أنه قال: ((وافقت ربي في ثلاث، قلت يا رسول الله لو اتخذنا مقام إبراهيم مصلى، فنزلت. وقلت: يا رسول الله يدخل على نسائك البر والفاجر فلو أمرتهن يتحجّبن، فنزلت آية الحجاب، واجتمع نساء النبي في الغيرة، فقلت عسى ربي أن يطلّقكنّ وأن يبدله أزواجاً خيراً منكن... فنزلت كذلك))
لنبدأ من عند الحادثة الأولى عند يقترح عمر على محمد اتخاذ مقام إبراهيم كمصلى لهم، ولكن قيل أنّ محمد رفض في بادئ الأمر على أساس أنه لم يؤمر بذلك، لكن سرعان ما نزلت الآية التي عرف بها عمر قبل محمد {واتخِذوا من مقام إبراهيم مصلى} [البقرة 125] [تفسير الطبري، تفسير البغوي، ابن كثير]
الحادثة الثانية هي عندما قدم محمد إلى المدينة فكانت نساؤه _وغيرهنّ من النساء_ يخرجن في الليل لقضاء حاجتهنّ في العراء، وكان هناك رجال يجلسون الليل للغزل. {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الأحزاب 56]
ويورد ابن كثير التفسير التالي ((قال السدي في قوله تعالى....كان ناس من فساق أهل المدينة يخرجون بالليل حين يختلط الظلام إلى طرق المدينة يتعرضون للنساء وكانت مساكن أهل المدينة ضيقة فإذا كان الليل خرج النساء إلى الطرق يقضين حاجتهن فكان أولئك الفساق يبتغون ذلك منهن, فإذا رأوا المرأة عليها جلباب قالوا هذه حرة فكفوا عنها, وإذا رأوا المرأة ليس عليها جلباب قالوا هذه أمة فوثبوا عليها, وقال مجاهد يتجلببن فيعلم أنهن حرائر فلا يتعرض لهن فاسق بأذى ولا ريبة.))
ومن هنا نصل إلى الدور الذي لعبه عمر في فرض الحجاب إذ أنّ كتب التراث تورد لنا الخبر التالي عن عمر أنه هو الذي اقترح على محمد أن يفرض الحجاب على نسائه، إلا أنّ محمداً قد رفض في البداية، لكن عمر كان قد رأى سودة زوجة محمد وهي ذاهبة ليلاً إلى صعيد لقضاء الحاجة، فقال لها: "لقد عرفتك يا سودة"، فجاء الأمر بالحجاب. [تاريخ عمر، 26]
إلا أنّ هناك رواية تقول أنّ عمراً كان يشارك محمد وعائشة طعامهما، فلمست يده يد عائشة، فقال عمر: "لو أطاعَ فيكنَ، ما رأتكنّ عين" ففرض الحجاب. [تاريخ عمر: 27-28، ابن أبي الحديد المعتزلي 6/231]
أمّا الحادثة الثالثة فهي عندما نشب خلاف بين نساء النبي بسبب الغيرة، فجاء عمر بن الخطاب وعاتبهنّ ثمّ هدّدهنّ عسى الله يبدلنه زوجات أفضل منهنّ، فنزلت الآية:{ عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن} [سورة التحريم 5]
يورد ابن كثير تفسيره لهذه الآية على النحو التالي: ((وقال البخاري: حدثنا عمر بن عون, حدثنا هشيم عن حميد عن أنس قال: قال عمر: اجتمع نساء النبي صلى الله عليه وسلم في الغيرة عليه, فقلت لهن {عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن} فنزلت هذه الاَية, وقد تقدم أنه وافق القرآن في أماكن: منها في نزول الحجاب, ومنها في أسارى بدر, ومنها قوله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى, فأنزل الله تعالى: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا الأنصاري, حدثنا حميد عن أنس قال: قال عمر بن الخطاب: بلغني شيء كان بين أمهات المؤمنين وبين النبي صلى الله عليه وسلم فاستقريتهن أقول: لتكفن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ليبدلنه الله أزواجاً خيراً منكن, حتى أتيت على آخر أمهات المؤمنين فقالت: يا عمر أما في رسول الله ما يعظ نساءه حتى تعظهن, فأمسكت فأنزل الله عز وجل {عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكاراً} وهذه المرأة التي ردته عما كان فيه من وعظ النساء هي أم سلمة كما ثبت ذلك في صحيح البخاري.))
أمّا عن اختلاف القراءات بين ما يسمى بمصحف عمر _كما سماه السجستاني_ وبين القرآن الشرعي فحدّث ولا حرج.
بغضّ النظر عن حقيقة أن الفاتحة كانت سورة من سور القرآن أم انها مجرّد ابتهال ابتدعه محمد ليبدأ فيه القرآن، نلاحظ أنّ عمراً كانت يقرأ فاتحة القرآن بشكل مختلف تماماً عن الشكل الذي نقرأوها فيه في القرآن الشرعي الموجود في يومنا هذا. فالسجستاني يورد في كتابه "المصاحف" قراءة عمر {صراط الذين أنعمت عليهم * غير المغضوب عليهم * وغير الضالين} أمّا في النسخة العثمانية من القرآن فهي تقرأ {غير المغضوب عليهم ولا الضالين}
وقد سمع بعض الصحابة عمراً وهو يقرأ في صلاة الصبح سورة آل عمران {ألم * الله لا إله إلا هو الحيّ القيّام} في حين أنها جاءت في القرآن الحالي {الحيّ القيّوم}
{في جنّاتٍ يتساءلون * يا فلان * ما سَلَكَكَ في سقر} في حين انها جاءت في القرآن الحالي {في جنّاتٍ يتساءلون * عن المجرمينَ * ما سَلَكَكُم في سقر} [المدّثر 40-42] من هو هذا "الفلان" الذي قصده عمر في آيته؟ وكيف حدث الاختلاف في القراءة إذ أنّ الفرق شاسع بين صيغة المفرد التي وردت في قراءة عمر، وصيغة الجمع التي وردت في مصحف عثمان؟ أين الحقيقة؟!!!!

في الختام، من الواضح جيداً كيف أنّ عمراً كان يتصرّف بالقرآن كيفما يشاء، وينزّل فيه السور التي يريدها ويشرّعها حسب رغبته، وما على محمد إلا الاقتناع ثم الامتثال لرغبة عمر. أما بالنسبة لقراءة عمر المختلفة للقرآن تماماً عن قراءة غيره، فهذه الفكرة تعيدنا إلى الحديث الذي ورد في أول الفقرة، إذ أنّ محمداً كان قد أقرأه قراءة مختلفة عن ذلك الرجل الذي قابله عمر في المسجد ثم استدعاه أمام محمد. إلا أنّ "النبي" لم يقدّم جواباً شافياً ومقنعاً _إذ حاول ان يجد لهذه السهوة تصريفة من عنده_ لعمر الذي كان حاد الذكاء ولا تفوته مثل هذه الفائتة، إذ لا بد وأنه قد تسائل في سره: لماذا لم يخبرني محمد أن هناك قراءة أخرى لهذه الآية عندما أقرأني إياها، بدل أن يضعني في مثل هذا الموقف الحرج؟!!! ولابد أنّ ذكاء عمر قاده للاستنتاج أنّ هذه الآيات القرآنية ليست سوى صناعة بشرية من عقل محمد _وسنرى في المقالة التالية أنّ هذه هي نفس النتيجة التي توصّل إليها عبد الله بن أبي سرح_ لذلك فرض أرادته على محمد وأقنعه بالآيات التي رآها أنها مناسبة لينزلها في قرآنه، والبرهان على مأخذنا هو الدور الذي لعبه عمر في إقناع محمد بضرورة وضع أذان للمسلمين وضرورة الاستئذان قبل الدخول غلى بيوت المسلمين، وفرض صلاة التراويح [ابن هشام، 1/508-509. السيرة الحلبية 2/229. أخبار عمر. تفسير الطبري. تاريخ عمر]