جدال حول القرآن... حوار مع كريستوف لوكسنبرغ

 

۞ كريستوف برغمر: سيد لوكسنبرغ، كتابك الذي يحمل عنوان: "قراءة آرامية ـ سريانية للقرآن: مساهمة في تفسير لغة القرآن" سبّب حركة رئيسية في الأوساط الثقافية. الصحف والمجلات في كافة أرجاء العالم نقلت نتائج أبحاثك. وكان هناك بعض الجدالات وردود الفعل العنيفة، تلتها مجموعة كبيرة من المحاضرات والحلقات الدراسية. لقد عبّر الناس من مختلف أنحاء العالم عن آرائهم: باحثين، أشخاص عاديين، مسلمين وغير مسلمين، مع اثر جانبي وهو أنّ البحوث في القرآن وعلى مدى سنين طويلة كانت محصورة في الغرف الدراسية الهادئة وضمن مجموعة محدّدة من العلماء والباحثين الغربيين والعرب، أمّا الآن فهذه البحوث تجتذب اهتمام الرأي العام العالمي مرّةً أخرى، كطائر العنقاء الذي انبعث من الرماد.
كتاب من بين الكتب الأكثر مبيعاً، بالرغم من أنك قد ألّفته باللغة الألمانية ونشرته في ألمانيا، بالإضافة إلى صعوبة قرائته وفهمه. لماذا قرّرت استخدام المناهج والأساليب اللغوية لفحص القرآن؟
● كريستوف لوكسنبرغ: في البداية أودّ أن أقول أنّ الباحثين والعلماء الغربيين كانوا يعرفون تمام المعرفة ومنذ مدّة طويلة أنّ هناك بعض الآيات الغامضة وغير المفهومة في القرآن. وهذا يتوافق مع تفسيرات وتأويلات المفسّرين العرب. على أية حال، كانت هذه الآيات أو العبارات الغامضة هي النقطة التي انطلقت منها خلال عملي هذا.
أمّا المحاولات السابقة في تفسيرها فكانت معتمدة على التخمينات والافتراضات أكثر من كونها مؤسّسة على أرضية فلسفية. لكنّ التخميات لا يمكنها _ولم تكن قط_ أن تكون أساسات صلبة لمنهج علمي متماسك. وأنا أحاول أن أستخدم أساليب فلسفية لتوضيح وتفسير هذه الآيات. والقاموس السيرو- آرامي قد تبيّن أنه أفضل وسيلة لتحقيق ذلك.

۞ قبل أن نتناول موضوع القرآن واللغة القرآنية، أودّ أن أسألك عن سبب توظيفك للغة السيرو- آرامية كأداة لتفسير القرآن وفكّ طلاسمه؟
● لأكثر من ألف سنة كانت اللغة الآرامية هي اللغة الرسمية للتعارف واللغة الثقافية لمنطقة غربي آسيا والتي يطلق عليها اليوم اسم "الشرق الأوسط". كان الإغريق يطلقون على اللغة الآرامية Aramaic المستخدمة هنا اسم "السريانية Syriac"، وقد اشتقوا هذا الاسم من الآشورية Assyria، أو بلاد آشور موطن الآشوريين، لكن مع إسقاط الحرف الأول "الألف A". وخلال القرن الثاني للميلاد، كان الآشوريون المسيحيون يسمّون أنفسهم "بالسريان"، وكانت لغتهم هي السريانية، وذلك لتمييز أنفسهم عن الآشوريين الوثنيين. وقد أصبحت هذه اللغة السريانية هي اللغة المكتوبة والثقافية السائدة خلال العهدين القديم والجديد. وقد أطلق العرب على هذا الشكل من الآرامية اسم السريانية حتى يومنا هذا.

۞ على غرار العربية، إنّ السيرو- آرامية هي لغة سامية. لذلك فكلا اللغتين متقاربتين. هل هذا ينطبق أيضاً على طريقة كتابة كل منهما؟ ما هو الفرق بين اللغة السيرو- آرامية المكتوبة والعربية؟
● هناك الكثير من الجذور المشتركة بين اللغتين السيرو- آرامية والعربية المكتوبة، كما في نظامهما اللفظي، فهما لغتين شقيقتين. أمّا الشيء المميّز فيهما فهو ما يُعْرَفُ "بالميزة ثلاثية الجوانب Trilaterality"، ومعنى ذلك أنّ جذر الكلمة في كلٍ منهما يتألّف من ثلاثة حروف ساكنة، وتلك الحروف الثلاثة الساكنة يمكن أن تتوسّع وتمتدّ. وهذه الخاصية هي التي تربط اللغات السامية ببعضها البعض. خُذ على سبيل المثال كلمة (كَتَبَ) وهي تحمل معنى فعل الكتابة في كلا اللغتين، وقد جاءت من الجذر الثلاثي (كـ ـتـ ـب).
هذا الجذر المؤلّف من الحروف الساكنة مكتوبٌ أيضاً عادةً. على أيّة حال، إنّ الذي يعرف باسم "الحروف شبه الصوتية أو نصف صوتية = ساكنة" كانت تستعمل أيضاً mater lectionis، أي كحروف صوتية. وذلك لأنّها الأحرف الصوتية لم تكن مكتوبة. النقطة هنا هي أنّ الأحرف الصوتية لم تكن مكتوبة في المخطوطات المبكّرة للقرآن. بل تمّت إضافتها فيما بعد.
إنّ فهم المخطوطة العربية جعل الأمر أكثر صعوبةً من خلال واقع أنّ الحروف الساكنة غامضة ومبهمة. فالأبجدية العربية تحتوي فعلياً على 15 حرفاً مقابل الآرامية التي تحتوي على 22 حرفاً. أمّا العربية اليوم فإنّها تحتوي 28 حرفاً مستخدماً، لكن فقط ستة حروف واضحة وغير غامضة. أمّا الأحرف الاثنين والعشرين الباقية فإنّ لها معنيين أو أكثر.
مثال، دعنا نرجع إلى الجذر الثلاثي (ك ت ب). وبسبب غموض الشكل المكتوب، فإني أستطيع أن أقرأ هذه الكلمة على الشكل التالي: (كَتَبَ) والتي تعني فعل الكتابة، لكن بإمكاني أيضاً أن أقرأ هذا الجذر بشكل آخر (كَبَتَ) بمعنى القمع والكبت.
هناك رابط أو علاقة ما بين السيرو- آرامية المكتوبة والعربية المكتوبة، لكنه مجرّد رابط جزئي. فبخلاف السريانية، إنّ مظهر العديد من الأحرف في المخطوطة العربية تختصر إلى حرف مماثل. لكن عندما تتميّز هذه الإشارة بعلامات (التي تعرَف باسم علامات التشكيل التي توضع فوق الحروف) تصبح جليّة وواضحة. إذ أنها تمثّل أكثر من خمسة حروف مختلفة. حيث يمكن للحرف الواحد أن يُقرَأ بطرف مختلفة وذلك اعتماداً على موضع الحركة، أي أنها فوقه أم تحته. على أيّة حال، المقصود هو أنّ هذه الحركات لم تكن موجودة في الكتابة العربية المبكّرة. بل لقد تطوّرت في مراحل لاحقة، وخلقت نظاماً كاملاً جعل من الإشارات والعلامات الغامضة حركات جليّة وواضحة. أمّا في النّصّ السيرو- آرامي، من ناحية أخرى، لم يكن هناك سوى حرفين متشابهين يتمّ التمييز بينهما عن طريق نقطتين: حرف الدال، وحرف الراء. أمّا حرف الدال فهناك نقطة واحدة تحته، وحرف الراء نقطة واحدة فوقه. لذلك فاللغة السيرو- آرامية أكثر وضوحاً وسهولةً من اللغة القرآنية العربية.

۞ دعنا نعود بالزمن إلى الشرق الأوسط خلال القرن السابع الميلادي. ما هو الدور الذي لعبته اللغة والمخطوطة السيرو- آرامية في ذلك الوقت؟ هل كانت هذه اللغة لغة تجارية خاصّة بالعمل، أو أنها لغة عالمية ثقافية سائدة، وذلك لمقارنتها مع الفارسية في الهند خلال الفترة الممتدّة بين القرن السابع عشر والتاسع عشر للميلاد، أو مع اللغة الإنكليزية اليوم التي تشكّل أساس التواصل بين الناس الذين يتكلّمونها مهما اختلفت لغاتهم الأم وتنوّعت؟
● هذا محتمل جداً. كان هناك أيضاً عرب استخدموا اللغة الآرامية في حياتهم اليومية، على سبيل المثال الأنباط. وفي تدمر (بالميرا) أيضاً، المدينة الأصلية للعرب الآراميين، فاللغة الآرامية كانت لغة محكيّة ومكتوبة. لذلك يفترض أنّ العرب المثقّفين في سوريا وما حولها كانوا يتكلّمونها. أمّا في الشرق الأقصى، كانت اللغة الفارسية هي اللغة السائدة، أمّا في المدن السورية فكانت الإغريقية. لم يتمّ بعد تحديد ماهية التأثيرات التي خلّفتها هذه اللغات على الحجاز، وهو جزء من شبه الجزيرة العربية والذي يسمّى في الوقت الحالي "السعودية" حيث كان نفوذ محمد. ولكن إذا كانت لغة القرآن هي لغة أهل الحجاز، عندها يمكننا افتراض وجود تأثير آرامي كبير.
في النهاية، نلاحظ حتى أنّ اسم "مكّة" آرامي، والذي يعني الجوف أو الفجوة. فهي تقع في أسفل الوادي بين هضبتين. ويشير ذلك إلى أنها مستوطنة آرامية. وكان النبي تاجراً حتى أنه بلغت أسفاره مدينة دمشق. ويفترض أنه على الأقل قد تعلّم جميع هذه اللغات. فمن المستبعد أن يكون هناك تاجر يسافر بشكل مستمرّ إلى بلد آخر ولا يعرف على الأقل بعض الكلمات المستخدمة في ذاك البلد. لذا من المحتمل أنه قد فهم بعض الكلمات من هذه اللغة. من ناحية أخرى، التراث الإسلامي يرفض فكرة أن يكون محمد يعرف الكتابة بهذه اللغة. فهم يؤكّدون بشكلٍ واضح أنّ محمد كان أمّياً. إلا أنّ هناك آية في القرآن جاء فيها {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ} [العنكبوت: 48] لذا أفترض أنّ معنى هذه الآية هو أنّ محمد كان يقرأ ويكتب.

۞ كيف تمّ تداول هذه اللغة، اجتماعياً وسياسياً، في مكّة القرن السابع للميلاد؟
● كانت مكّة نقطة التقاء هامّة جداً على طريق التجارة بين سوريا وجنوب شبه الجزيرة العربية. الأنباط الآراميين الذين كانت عاصمتهم البتراء التي تقع في الأردن في الوقت الحالي، كانوا تجّاراً نشطين جداً. طبعاً، كأي مركز تجاري كان هناك العديد من الغرباء في مكّة أيضاً، وخصوصاً من الآراميين. حتى أنّ العرب أنفسهم كانوا بدو بشكل رئيسي، أي أنهم لم يستقرّوا في مكان معيّن. وهذا ما يشير إليه اسمهم "العرب"، وهو إشارة إلى الناس الذين يعيشون حياةً بدوية. نحن لا نعرف شيئاً عن اللغة التي تحدّث بها محمد. كلّ ما وصلنا منه هو مداولاته وحواراته اللاحقة والمعروفة "بالأحاديث". وقد تمّ جمعها وتدوينها خلال العصور الوسطى، ثمّ توثيقها بإرجاعها إلى الأشخاص الذين بدورهم أقاموا معرفتهم وأرجعوها إلى مرجعيات سابقة فعلت نفس الشيء. لذلك فالحديث لا يعتبر الحديث أصيلاً وصحيحاً إلا إذا كان متبوعاً بسلسلة طويلة غير قابلة للكسر من المرجعيات إلى أن تصل إلى النبي نفسه.
وبالرغم من أنّه قد تمّ توثيق الأحاديث بطريقة ذكية في ذلك الوقت، إلا أنّه يجب فحصها وتدقيقها وتقييمها بشكل نقدي صارم في الوقت الحالي. العديد من المسلمين في الواقع قاموا بذلك على مرّ القرون. البخاري، الباحث الإسلامي الأهم في مجال الأحاديث، جمع حوالي 60000 حديث في القرن التاسع. إلا أنه صنّف فقط 2000 حديث باعتبارها أحاديث صحيحة. ولاحقاً تمّ التشكيك في الكثير منها. ومع ذلك، وبالرغم من التشكيك بالكثير من الأحاديث إلا أنها مازالت تعتبر امتداداً هاماً للقرآن حتى الوقت الحالي، بالرغم من أنها التصريحات المنطوقة الوحيدة التي وصلتنا من محمد، وهذه التصريحات المنطوقة قد تمّ جمعها في مرحلة متأخرّة، وليس من قبل معاصري النبي. لذلك من غير المحتمل أن نتأكّد من عمر تلك الأحاديث أو أصلها _بخلاف النصوص القرآنية المتوفرة لدينا في الوقت الحالي، والتي يعود تاريخها إلى أوائل القرن الثامن الميلادي.

۞ ما طبيعة العلاقة التي كانت قائمة بين العربية والسيرو- آرامية خلال زمن النبي وما بعده؟
● عندما جاء الإسلام كانت اللغة السريانية لبعض الوقت هي اللغة الرسمية، لذلك كانت اللغة السيرو- آرامية موجودة جنباً إلى جنب مع العربية. ثمّ تطوّر النصّ العربي، متّخذاً النبطية كنموذج له. وبالرغم من أنّ العربية كانت مستخدمة مسبقاً في الكتابة خلال القرن الأول للهجرة، والذي يمثّل بداية التقويم الإسلامي، تمّ استبدال السريانية كلغة مكتوبة رسمية بشكل نهائي في عهد الخليفة عبد الملك بن مروان. وكان ذلك بعد مضيّ حوالي سبعين على موت النبي.

۞ ما هي المصادر التاريخية للغة العربية؟
● كان هناك اعتقاد شائع مازال حتى الوقت الحالي يرى أنّ اللغة العربية هي من أقدم اللغات السامية، ويقال أنها كانت محكيّة قبل 2000 أو 3000 سنة قبل المسيح. لذلك لم تقم أية محاولة علمية جادّة لتحليل وشرح اللغة العربية من ناحية اللغات السامية المتأخّرة. فالسّمات الغامضة للغة العربية القرآنية تمّ تقصّيها وبحثها من جهة واحدة وهي جهة اللغة العربية ذاتها.
التراث العربي يشير أيضاً إلى الشعر العربي الذي يفترض أنه تراث قبل إسلامي، ولذلك فهو أقدم من اللغة القرآنية المكتوبة للقرآن. على أيّة حال، إنّ قِدَم هذا التراث الشعري مشكوك فيه من قبل طه حسين على سبيل المثال، وهو كاتب مصري مشهور جداً.
أمّا فكرته فكانت أنّه لم يكن هناك أي دليل مكتوب أو مدوّن مهما كان نوعه على الشعر العربي القديم، إلا أنه تمّت صياغته خلال الفترة العربية. وقد فسّر هذا الأمر من واقع أنّ هذا الشعر قد تمّ جمعه خلال القرن التاسع للميلاد. لذا يقول طه حسين أنّه يجب على الباحث أن يسمح بالتساؤل كيف، ومن قبل من، تمّ جمع كل هذا التراث الشعري في القرن التاسع، وبشكل مفاجئ.
لكن في ذلك الوقت سبّب فيه هذا التساؤل الكثير من الاضطرابات في مصر. وكان على طه حسين أن يسحب كلامه ويتراجع عن أفكاره بشكل علني، بما أنه وطبقاً للتراث العربي فالشعر العربي القديم متطابق بشكل كبير مع لغة القرآن.

۞ إذا تتبّع الإنسان التراث الإسلامي الذي ذكرته، فالتصنيف المكتوب للقرآن يرجع إلى الخليفة "عثمان"، وهو أمر معترف به من قبل جميع المسلمين كخليفة محمد الثالث وكأمير للمؤمنين. ويقال أنه جمع، فحص، ورتّب القرآن الحالي عن أجزاء متفرّقة ومختلفة من القرآن الأصلي الذي كان موجوداً في القرن السابع، وبعد سنوات قليلة من وفاة النبي.
● هذا ما يقوله لنا التراث الإسلامي. ولكن ليس هناك أي شكل من أشكال الكتابات القرآنية موجود بين أيدينا يعود إلى فترة الإسلام المبكّر. على الأقل لم نجد أياً منها حتى الوقت الحالي. لذا فالرّد على مثل هذا التصريح يجب أن يكون إشارة استفهام كبيرة. خصوصاً عندما يكتشف الباحث أنّه لم يتمّ الاحتفاظ ولا بأيّ نسخة من القرآن الأصلي حتى بالرغم من أنّ الشكل المكتوب من القرآن معروض كأول كتاب في العربية. ليس هناك أيّة نصوص عربية أقدم باستثناء بعض المخطوطات. وبوضع القرآن جانباً، إنّ أقدم كتاب مكتوب باللغة العربية يعود في تاريخه إلى القرن الثامن الميلادي. وهو كتاب السيرة النبوية لابن هشام، وكتاب كليلة ودمنة لابن المقفّع.
لذلك لن يجدي التساؤل سواءً العرب لم يقرأ أو لم يكتبوا بين المرحلة التي جاء بها القرآن والمرحلة التي تمّ فيها تدوين أوّل كتاب في الأدب العربي. من هم هؤلاء العرب؟ وما هي الخلفية الثقافية لهؤلاء الكتبة والناسخين الذين كتبوا القرآن؟ هناك عدد من النقوش العربية تعود إلى فترة أقدم من الكتابة العربية القرآنية، إلى الأزمان ما قبل الإسلامية. لكنّ العربية كانت تستخدم هناك، وهي بالتأكيد عربية، مختلطة مع كلمات آرامية، كما في حالة، على سبيل المثال، نقش نيمارا المشهور والذي يعود تاريخه إلى عام 328 قبل الميلاد، ووجد على مسافة 120 كلم جنوب شرق مدينة دمشق. حتى أنّ هناك نقوش أخرى أقدم تمّ اكتشافها، توحي إلى اللغة العربية. بالإضافة إلى النقوش العربية هناك مخطوطات ورسائل أقلّ مكتوبة على ورق البردي منذ زمن محمد وأتباعه المعاصرين له. النقطة الرئيسية هنا هي أنه لا يوجد أيّة كتب. ورغم ذلك كان الناس زمن النبي يتكلّمون المستوى الكلاسيكي العالي للقرآن, وهذا على الأقل موجود في كافة المصادر التراثية العربية. إنّ الشعر العربي القديم المذكور أعلاه يمكن تقديمه كدليل على ذلك. وهو بالطبع مكتوب بشكل كلاسيكي، لكنه لا يمكن أن يؤكّد ما إذا كانت هذه العربية الكلاسيكية محكية أم لا. بالإضافة إلى أننا نعرف أنّ الشعر هو شكل فني. لذلك ربّما كان هناك شعراء أتقنوا اللغة العربية الكلاسيكية بشكل جيد، وأنّ قصائدهم قد انتقلت من مصدر إلى آخر حتى وصلت إلى الزمن الحاضر. المهم أنّ ذلك لا يثبت أنّ هذه اللغات كانت مستخدمة أيضاً في الحياة اليومية. أنا أميل للاعتقاد بأنّ العربية الكلاسيكية لم يكن محكيّة، إلا أنّ الناس في عصر النبي استخدموا لهجات مختلفة.

۞ بالنسبة للمسلمين المؤمنين إنّ اللغة العربية هي لغة مقدّسة، إنها لغة القرآن، كما أنها لغة الله. إنهم مقتنعون أنّ الله تكلّم العربية أو على الأقل أنّ وحيه نزل بالعربية. إذاً ما هي العلاقة بين الأصل المقدّس للغة وتدوينها، وفي هذه الحالة، النصّ العربي؟
● لا أحد يزعم أنّ الله كتب بنفسه. كل ما قيل هو أنّه أنزل أو أوحى. وأنّ هذا الوحي من الناحية المبدئية كان شفوياً، وأنّ النبيّ أعلنه بشكل شفوي. إلا أنّ السامعين أو المستمعين هم الذين دوّنوه.
عند هذه النقطة، كانت اليد الإنسانية تعمل. لم يكن النبي هو الذي دوّن الوحي، بل معاصروه، والكتبة المتأخّرون. لذلك فالنصّ المدوّن ليس له نفس أهمية الكلام المنطوق. إنّ التأكيد هنا على "اللغة المنطوقة" بدل "الكلمات المكتوبة". طبعاً اكتسب الكتابات بعض الأهمية القدسية لاحقاً، وخصوصاً عندما تطوّرت أكثر من الناحية الخطّيّة. إنّ التمثيل التصويري أو الرمزي غير مسموح في الإسلام، لذلك استخدم النص أو المخطوط _وعبارات معيّنة من القرآن_ من أجل تزيين وتجميل الأبنية المقدّسة. في الصوفيّة اكتسب الرموز معاني باطنية إضافية، أهمية قدسية تقريباً. ومع ذلك فالنص لا يعطينا إلا صورة للغة العربية. سواءً أكانت هذه الصورة المكتوبة محكية بنفس الطريقة فعلاً، كما نفعل نحن اليوم، فهي مجهولة. اعتمد الناس التراث الشفوي المنطوق كبرهان قائم. إلا أنه ولأنّ الناس اعتمدوا التراث الشفوي مراراً وتكراراً، فإننا لا يمكننا الافتراض أنّ هناك نصّ موثوق متعلّق بالقرآن، لأنّ التراث الشفوي تبيّن أنه مشكوك به وخصوصاً عندما تمّ تدوين شيء ما مختلف ضمن القرآن. وتلك هي القضية دائماً عندما لا يمكن تقديم أي تفسير "للآيات الغامضة" في القرآن من خلال مراجعة التراث الشفوي. لذا فليس فقط هذه الأقسام بل كامل التراث هو الذي يجب أن يشكّك فيه.

۞ من وجهة نظر خبير وباحث في مجال اللغويات، ما هي الأسباب التي أدّت إلى التشكيك في التراث؟
● إنّ السبب الرئيسي يكمن في المخطوطة العربية نفسها. يبدو أنه كان يفهمها فقط المبتدئون. ولإيجاد الأسباب وراء ما نبحث عنه علينا أن نعود إلى علامات التنوين أو التشكيل في اللغة العربية المكتوبة. من المعروف أنّ هذه العلامات قد تمّ إضافتها لاحقاً. وفكرتي هنا هي أنّ القرّاء (كما يمكن تسميتهم) لم يعد لديهم فهم وإدراك كامل للنصّ القرآني، أي أنهم ببساطة لم يعودوا يتقنونها. لذلك فهؤلاء القرّاء قرّروا وحاولوا تفسير النصّ القرآني بالاعتماد على فهمهم المعاصر لتلك الفترة للغة العربية. ففي زمانهم كانت الآرامية قد اختفت بشكلٍ كامل بكل معنى الكلمة من إدراكهم. لذلك، بشكل شعوري أو لا شعوري، تجاهلوا العلاقة اللغوية/ اللسانية التاريخية المشتركة بين العربية والآرامية. ومع ذلك كانت كان هذا ضروري جداً لفهم النص. ففي النهاية، إنّ النظام المكتوب المستخدم في القرآن قائم على الآرامية. وهناك مصدر آخر محتمل للأخطاء ضمن نظام النص العربي نفسه. كما ذكرت مسبقاً، هناك فقط ستة أحرف من الأبجدية تتّصف بعدم الغموض والوضوح، أمّا الاثنان والعشرون البقية فهي تحتاج إلى توضيح وتفسير.
إنّ خطر إساءة الفهم كانت كبيرةً جداً، والقراءات الخاطئة المتكرّرة يمكن أن تكون أيضاً توضّح بهذه الطريقة. لذا من الممكن الافتراض أنّ الناس الذي كتبوا في الأصل القرآن قرؤوه وفهموه بشكل صحيح بدون العلامات وإشارات التنوين، لكنّ القرّاء اللاحقين والمفكّرين، الذين حاولوا التأسيس لطريقة واضحة لقراءة القرآن وأضافوا علامات التنوين من أجل هذا الغرض، افتقروا إلى المعرفة الثقافية – التاريخية. ولهذا السبب لم يتمكّنوا من تفسير العديد من الآيات وكانوا ببساطة مخطئين بالطريقة التي أسّسوا وفقها هذه العلامات.
لذلك ليس القرآن هو المخطئ، بل البشر الذين قرؤوا النص. هذه الفكرة أيضاً مدعومة بالحقيقة التاريخية التي تقول أنّه كانت هناك مقاومة كبيرة لإضافة العلامات. إنّ معرفة أنّ القرآن أصلاً مكتوب من دون تلك الإشارات ما زالت موجودة حتى الوقت الحاضر. إنّ حقيقة أنّ المسلمين المؤمنين اعتبروا القرآن على أنه كتاب مقدّس وذلك يعني أنّ الناس كانوا مقتنعين لوقت طويل أنّه ليس من الممكن أن يكمّل بإشارات تنوين إضافية. وهذا هو السبب لكي يقول أي أحد أنّ هذه العلامات تمّت إضافتها بيد بشرية. فهي لم تكن موجودة في القرآن الأصلي.

۞ في القرون الماضية قام المفكّرون العرب أيضاً بالتأسيس لفكرة أنّ هناك تفاوتات واختلافات مهمّة بين نسخ القرآن العديدة؟
● هذا صحيح. إنّ الفروقات الكبيرة موجودة في النسخ المختلفة من القرآن حتى يومنا هذا. في جامعة الكويت هناك عمل ضخم مؤلّف من ثمانية مجلّدات عن هذه الانحرافات. لكنّ هذه الفروقات ليست مأخوذة بالحسبان عند تفسير القرآن. في الوقت الحاضر نلاحظ أنّ نسخة القاهرة هي النسخة السائدة والمشرّعة كالنسخة القانونية. فالمسلمون يقرؤون ويتعلّمون القرآن اعتماداً على هذه النسخة. يبدو أنّ هذه النسخة من القرآن تتوافق مع تلك التي أخرجها الطبري _من كبار مفسّري القرآن الإسلاميين_ في نهاية القرن التاسع وبداية القرن العاشر الميلاديين.
هذا هو العمر الحقيقي للتراث الشفوي منذ أن وجد. فالطبري نفسه يعتبر بين المسلمين على أنه أهمّ مفسّر ومعلّق للقرآن. بالرغم من أنه حتى لم يعلّق على القرآن نفسه، وبدلاً من ذلك، قام بجمع وتقييم التعليقات المتعلّقة بالقرآن. إنّ طريقته المدرسية تتوافق تماماً مع طريقة البخاري، الذي ولد في إقليم بخارى واكتسب سمعةً بأنه أكثر العلماء شهرةً في العصور الوسطى. إنّ الذي نطلق عليه في هذه الطريقة اسم "مرجعيات" هي التي يتمّ سؤالها أولاً، وهؤلاء أشخاص بارزين بسبب سمعتهم، كفاءتهم، مصداقيتهم، وأثرهم... إلخ، إلى الذين وصلتهم أقوال النبي من قبل "المرجعيات" السابقة. يسمّى الطبري سلاسل كاملة من أولئك الذين سلّموا التراث وقال أنّ هذه أو تلك الآية يجب أن تفهَم بهذه الشكل أو ذاك. على كل حال، باستخدام هذه الطريقة بدأ يرسم الطبري أربعين سلسلة في بعض الأحيان من السلاسل المرجعية ليشرح آية واحدة فقط. يمكن أن يقودنا هذا الأسلوب إلى تفسيرات مختلفة لكنه أيضاً قد يفيد في إيصالنا إلى أخرى مماثلة. بهذه الطريقة يتبع الطبري الأسلوب المؤسّس على النقل الشفوي ولا يضيف بدوره شيئاً جديداً لقراءة هذه التفسيرات، مع أنه يقيّمها ويطرح رأيه في أي منها يراه صحيحاً.
[أودّ هنا أن أنبّه القارئ العزيز بالرجوع إلى البحث الهام جداً الذي يقوم به الأستاذ نبيل فيّاض في الوقت الحالي بالبحث في مسألة الفروقات بين المصاحف، ويمكن الرجوع إلى أبحاثه في موقع "الأوان" بعنوان: فروقات المصاحف. وأنصحك عزيزي القارئ بالرجوع إلى كتاب "المصاحف" للسجستاني إذا أردت التعمّق أكثر في هذه المسألة. المترجم]

۞ من المؤكّد أنّ الطّبري كان أحد أشهر العلماء القروسطيين. فقد سافر عبر العالم العربي والإسلامي، وتحدّث مع الكثير من الناس، وخلّف وراءه مجموعة أعمال تذكارية بالغة الأهمية. أمّا المادّة القرآنية التي خلّفها فتصل إلى أكثر من 3000 صفحة. ما أهمية هذا العمل في الوقت الحاضر؟
● لقد قام فعلاً ببحث مضنِ لاكتشاف الحقيقة. لكنّ ذلك كان يتمّ بالإشارة إلى التراث الشفوي المنقول أكثر من التراث المكتوب والمدوّن. فهو لم يذكر مصدراً مكتوباً واحداً في أي عمل من أعماله. فمرجعه المدوّن الوحيد كان _كما ذكرت سابقاً_ إلى تراث شعري عربي قديم مشكوك فيه. وقد اعتمد على ذلك في تفسير الكلمة الغامضة والتعبير المبهم في القرآن.
على كل حال، إذا أمعنت النظر يتبيّن لك أنّ الشعر العربي القديم لا يستخدم إلا التعبيرات القرآنية اللاحقة حتى أنه يفهمها بشكل خاطئ ومغلوط. ولكن إذا كان تعبير الطبري المفهوم بشكلٍ خاطئ مأخوذ كدليل على صحّة أسلوب معيّن في القراءة، فإنّ ذلك يعتبر تفكير حشوي. كما أنّ الطبري يذكر معلّقين آخرين على القرآن، لكنهم يصبحون غير قابلين للتتبّع. لذلك فإنّ تعليقاته تبقى أيضاً من المصادر الأكثر أهمية من هؤلاء الآخرين. يمكن لأحدنا أن يفترض أنّ الطبري على الأرجح جمع كل شيء عن المادّة والمعرفة القرآنية التي وجدت في عصره.

۞ أنت نفسك تقترح طريقة أخرى في قراءة النص القرآني. ما هي الطريقة العلمية أو المدرسية التي استخدمتها في توضيح ما يطلق عليه تسمية "الآيات الغامضة"، الكلمات المبهمة، في القرآن؟
● وظيفة اللغة هي التعبير عن شيء ما. لذا من خلال شكل مدوّن أحاول أن أعيد بناء لغة تجعل من النص شيئاً منطقياً ومفهوماً. لذلك فأنا أستعمل أولاً المعرفة التي تتعلّق باللغة القرآنية التي تتعامل مع الأمور الروحية، والأمور التوراتية أيضاً. لذلك من الواضح أنّ ذلك يجب أن يستلزم تطابق السياق مع المعنى. لذلك فالمهمّة الأولية هي إيجاد تماسك منطقي في النص. وإذا كانت العربية لا تقدّم مثل هذا التماسك، عندها أحاول مع اللغة الآرامية. وحتى إنّ كان الكلمة تلفظ بنفس الشكل، وحتى مع المترادفات، فأحاول التأكّد ما إذا كانت العربية أم الآرامية هي التي تقدّم تفسيراً أفضل.
ولذلك عليك أن تعرف الآرامية معرفة جيدة. ومن خلال معرفة النسخة السيرو_ آرامية من الكتاب المقدّس فقط تكون عملية إعادة البناء هذه ممكنة. ففي النهاية، وصلتنا هذه الأداة بشكل موثوق، وليس هناك أيّة مشاكل حول قراءتها وفهمها. بالإضافة إلى أنّ الجهاز العلمي الموثوق كالقواميس يقدّم قاعدة صلبة وموثوقة لهذه المغامرة الخطيرة.

۞ ما هي الأجزاء من القرآن التي أجريت عليها أبحاثك؟
● يخبرنا التراث الإسلامي أنّ قسم من القرآن نزل في مكّة والقسم الآخر نول في المدينة. و السور التي نزلت في مكّة فتسمّى "بالسّور المكّيّة"، أمّا السور الأخرى فتسمّى "بالسور المدنية". المهم هنا أنّ الجزء الأكبر من هذه السور جاء من مكّة. إنها تتعامل مع الدين والأمور الروحانية بشكل رئيسي. أمّا السور المدنية فإنها على العكس، سياسية. والسبب وراء ذلك هو بالتأكيد حقيقة أنّ النبي قد طُرِد أولاً من قبل شعب مكّة وكان لا بدّ له من أن يهاجر إلى المدينة. وهذا ما يعرف باسم "الهجرة"، أي رحيل النبي عن مكّة عام 622 للميلاد، وهو يشكّل بداية التقويم الهجري الإسلامي. على كل حال، كان محمد ينوي دائماً الرجوع إلى مدينته الأم.
ثمّ حدثت بعد ذلك عدّة اشتباكات عسكرية بين النبي ومؤيّديه وبين المكّيين. ومفهومٌ أنّ هذه التوضيحات للواقع السياسي أيضاً تمّ التعبير عنها في السور المدنية. والمهم أني دقّقت بشكل رئيسي السور المكّيّة. بدأت أولاً في قراءة القرآن ببطء وانتظام عام 1993، وبالتدريج بدأت تتشكّل عندي بصائر محدّدة عن تعقيد النص وتركيبه. استغرق ذلك وقتاً طويلاً، بما أنّ فهم القرآن كان صعباً لأنّ اللغة المكتوبة لها شكلها الخاص في العربية أكثر من اللغة اليومية المحكية. تيودور نولدكه، المستشرق والفيلسوف الألماني الأعظم في القرن التاسع عشر، صرّح بشكل تهكّمي أنّ شعور العرب الصّحّي باللغة منعهم من تقليد أسلوب اللغة العربية القرآنية. في الأسلوب القرآني هناك لغة محدّدة تجد لها شكلاً تعبيرياً خاصاً بها.

۞ ما أهمية القرآن بالنسبة لك بصفتك متخصّصاً في علم اللغويات أو اللسانيات؟
● أنا أعتقد أنّ القرآن هو أول محاولة في التعبير الذاتي باللغة العربية. ففي ذلك الوقت، لم يكن هناك أي نموذج للغة المكتوبة. لذلك نرى أنّ بادئي هذه اللغة العربية المكتوبة استدعوا عناصر اللغة التي كانوا يستخدمونها في الحوار المتحضّر، ويمكننا الافتراض أنّ هذه اللغة كانت الآرامية، وليست العربية. فالعربية القرآنية يمكن أن تظهر كمزيج من العربية والآرامية. وسأذهب لأبعد من ذلك لأقول أنّها كتجربة مشابهة الإسبيرانتو Esperanto [اللغة المعتمدة كلغة عالمية]، لكنّ الهدف كان هو نفسه. وعلى غرار مبتكري الإسبيرانتو، أراد كتبة القرآن أن يخلقوا لغة مشتركة مفهومة ومقبولة لأكبر عدد ممكن من الناس. تمّ دمج اللهجات أيضاً والاعتراف بها في مرحلة مبكّرة من قبل المفكّرين والمعلّقين والمفسّرين العرب.
برأيي الشخصي أرى أنّ ما كانوا يؤمنون به على أنه لهجة كان في الحقيقة مزيج من العناصر العربية والآرامية، والتي كانت مكتملة بالكلمات الأخرى المستعارة من _على سبيل المثال_ الفارسية أو اليونانية. والمهم هنا أنّ هذه الكلمات المستعارة لم تظهر إلا نادراً في القرآن، بينما يظهر خلط العناصر العربية والآرامية بشكل طاغٍ وحاسم في لغته.

۞ هل التنوّع التاريخي – اللساني الذي يميّز القرآن له أي اعتبار في أبحاثك؟
● إنّ الأبحاث الغربية في القرآن تعتمد في المرتبة الأولى على التراث العربي. لذلك حاول الباحثون أنّ يفحصوا القرآن بموجب ذلك التراث. ما وراء ذلك كان بالطبع كان إنجازاً أحرزوه عندما اكتشفوا أنّ العديد من الاستعارات اللغوية مستخدمة في القرآن. حتى أنّ هناك تشكيلات من هذه الكلمات المستعارة، وتمّ اشتقاق عدد كبير منها بشكل صحيح. لكن هناك أيضاً بعض الكلمات التي قرِأت بشكل خاطئ، مغلوط، ويتطلّب إعادة تفسيرها من جديد. والنقطة الهامّة هنا هي أنه للبدء مع الناس الذين يبتغون تفسيرات اشتقاقية من الكلمات المستعارة التي ميّزوها، فهم لم يشكّكوا في معنى الآيات في النص والتي تمّ تفسيرها بموجب التراث. حتى أنهم لن يتخيّلوا أنّ اللغة المستخدمة في القرآن يمكن أن تكون أي شيء غير اللغة العربية القديمة الثابتة.
أمّا إذا بقيت آية ما غامضة حتى مع التفسيرات الجديدة للكلمات، فذلك كان عذراً لعدم القدرة على تدبّر العربية القديّمة التي لم يعد فهمها ممكناً في الزمن الحاضر. لذلك لم يدرك أحد أنّ هذه العربية كانت مؤسّسة على اللغة الآرامية. فالناس لم يميّزوا العناصر الآرامية أو اعتقدوا أنّ آثارها لم تكن على هذه الدرجة من الأهمية. لقد أرادوا أن يبيّنوا مهما كان الثمن أنّ لغة القرآن هي لغة عربية كلاسيكية بحتة. إلا أنه كان هناك بعض الشكوك. كل شيء كان لا بدّ وأن يبدو عربياً أصيلاً. كانت الأمنية المطلقة لهم هي أنّ يروا الشكل الكلاسيكي للغة العربية في القرآن الذي يخفي الطبقة الآرامية الموجودة في النص. آمل أن يكون بحثي قد جعل الناس واعين للعلاقة بين هاتين اللغتين، وأنّ تكرّس الدراسات السامية مرّةً أخرى انتباهاً أكثر إلى الآرامية لكي تكون أقدر على التحرّي ليس فقط الصّلة اللغوية بل والثقافية بين اللغتين. أستطيع أن أتخيّل أنّ هذا سيقودنا حتماً في المستقبل على بعض النتائج المدهشة.

۞ برأيك، ما هي نسبة الكلمات الآرامية في القرآن؟
● من الناحية الكمّيّة، حوالي 30 % من القرآن سيكون مختلفاً. لكنّ هذه الصورة لا تخبرنا الشيء الكثير. سيكون هناك بعض التغيّرات النوعية. وأقصد بالنوعية أنّ معظم المضمون الثيولوجي للقرآن يجب أن يعاد التفكير فيه. وهذا طبعاً سيقودنا إلى نتائج مدهشة مختلفة تماماً. إنّ الشرط المسبق هو استعداد علماء الدين المسلمين لقراءة القرآن بعيون جديدة، ويعني ذلك فهم القرآن كما هو مفهوم في الأصل، وليس كما تمّ تفسيره لاحقاً. أنا أجري هنا تمييز واضح بين النصّ القرآني وبين التفسيرات القرآنية اللاحقة، بما أنّ النص القرآني هو شيء مختلف عن التفسيرات اللاحقة.

۞ هناك الكثير من المقالات التي تتناول طريقتك في قراءة القرآن والتي أشعلت شعلة ردود الفعل العنيفة في بعض البلدان. في الباكستان تمّ سحب كافة أعداد صحيفة لأنها نشرت مقالة حول بحثك. ما هي تجربتك حتى هذه اللحظة مع ردود أفعال المسلمين حول نتائج بحوثك؟
● تجربتي حتى هذه اللحظة تقول أنّ المسلمين المخلصين سيكونون مستعدّين دائماً لتقبّل هذه التفسيرات الجديدة. هذا فيما يتعلّق بالآيات التي تختلف تفسيراتها الجديدة عن التفسيرات التراثية الإسلامية. ففي النهاية، أنا لا أمضي بعيداً في التصريح بأنّ محمد أو القرآن لم يكن موجوداً. إنّ وجود القرآن هو حقيقة تاريخية. إنه الآن سؤال حول رؤية هذه الحقيقة التاريخية في سياقها التاريخي، والذي يعني أيضاً رؤيتها م الناحية التاريخية وإخضاع النص إلى الفحص الدقيق الصارم من وجهة النظر تلك. أمّا من الناحية النقدية فإنه لا يعني أنني أريد التقليل من قيمة القرآن والاستخفاف به. أنا أريد فقط أن أفهمه بشكل صحيح على أساس النتائج التاريخية – اللغوية.
ما يخرج به الناس من تفسيراتي فذلك أمر لا يعنيني. هذا يعتمد على كلياً على علماء الدين المسلمين. في العديد من الآيات نلاحظ أنّ القرآن ثابت ومتماسك، وانه أيضاً كلام الله. أنا لا أدّعي أبداً أنه ليس كلام الله. كما أني أقول أنّ الباحث يجب أن يصل إلى نتيجة مفادها أنّه في سياق مسار التاريخ طرأ على هذا الكلام الإلهي بعض التغييرات _خصوصاً من خلال القراءات المغلوطة وعلامات التنوين التي تمّ وضعها في غير أماكنها.
لذلك ليس كلام الله هو الذي تغيّر بالذات، بل التفسيرات الخاطئة التي قام بها البشر.


حوار مأخوذ باختصار من كتاب كريستوف برغمر: "جدال حول القرآن: نقاش لوكسنبرغ" ترجمة عن النص الإنكليزي ((Dispute about the Koran: The Luxenberg Debate)). العنوان الأصلي للكتاب باللغة الألمانية:
Christoph Burgmer, Streit um den Koran. Die Luxenberg Debatte: Standpunkte und Hinterdründe. Pp. 14 – 34. © Verlag Hans Schiler, Berlin 2004