منكر ونكير: ملكان أم شيطانان ساديان؟!!

 

شعر بضربة قاسية على رأسه فاستيقظ مرعوباً وهو يصرخ من شدة الألم... وبعد أن استوعب وضعه وأدرك ما حوله، عرف أنه تحت الأرض.
مسح عينيه جيداً وحاول أن يمعن النظر... فرأى أمامه كائنان رهيبان أزرقان أسودان، عينيهما كالنحاس، يلوحان بمزربة هائلة، ثم خاطباه بصوت يشبه قصف الرعد:
_ أقعد.
فاستوى، ثم سأل:
_ من أنتما؟
_ أنا منكر... وأنا نكير، فرع المخابرات الإلهية، رقم 999...
_ وما الذي تريدانه مني؟
_ أخبرنا بما خرجت به من دنياك
_ المعذرة، لكني ضائع بعض الشيء، عما تتكلمان بالضبط؟...
_ أخبرنا عما سألناك به
_ وماذا سألتماني؟!!
_ قلت: أخبرنا عما سألناك به
_ لا أعرف عما تتكلمان، حقاً !!!
_ حسناً، جئنا نسألك عن اسمك ودينك ومن إلهك ومن هو نبيك ووووو...
_ طيب، وحدة وحدة، وهل كانت هذه الضربة ضرورية، فما زلت أشعر بالدوار بسببها؟
_ اخرس وجاوبنا.
_ حسناً، اسمي هو .... وديني الإسلام، وربي هو الله، ونبيي هو محمد...
_ أخبرنا ما تقوله في هذا الرجل؟
_أي رجل؟!!!
_ الرجل الذي كان فيكم
_ من هو؟! اعذرني يا سيدي، لكني مشوش بعض الشيء بسبب الضربة، ما شاء الله فمزربتك مثل....، كما أن صوتك قوي وجهوري بعض الشيء، لذلك أشعر ببعض الفزع.. فلا تؤاخذني...
فيهدر صوت أحدهما...
_ قلت لك اخرس وجاوبني. ما هو قولك في هذا الرجل الذي كان فيكم: محمد.
_ آه لماذا لم تقل ذلك من قبل؟ أشهد أن لا إله إلا الله وأنه عبده ورسوله، أرسله الله بالحق
_ هذا هو قولك إذن..
_ نعم، والحمد لله أنه أرشدني وهداني إلى دين الحق، وجعلني في جنته جنة الخلد، في الحقيقة أنا متشوق لذلك....
ينظر إليه الملكان بنظرهما الذي يشبه البرق الخاطف نظرة ازدراء، ثم يستديران قليلاً ويتشاوران... يحاول المرحوم أن يصغي السمع عله يلتقط بعض ما يقولانه... إلا أنهما يستديران إليه ويشرع أحدهما بالكلام...
_ حسناً لا تستعجل الأمور، وانظر على يسارك. فنظر، فشاهد الجحيم المستعر، ووصله لطشة من لهيبها. فصرخ: بالله عليكما، أستحلفكما بالله، أنا كنت مؤمناً وإنساناً صالحاً، عاملت الناس بالحسنى، وأحسنت إلى جيراني، وكنت أقيم الصلاة، ولم أتخل عن فريضة، حتى أني حججت إلى بيت الله مرتين. أرجوكما أوقفا ذلك.
فضحك الشيطانان ضحكة مدوية مليئة باللذة والنشوة أشبه بدوي الرعد.
_ أيها الحشرة قل لنا: ما دينك؟ ومن إلهك؟ ومن نبيك، وما كتابك؟ وإلا....
ثم يظهر ورائهما شياطين أخرى وجوههم سوداء ومقطبة، وأنيابهما بارزة كصياصي البقر، وشم من حوله رائحة كريهة كرائحة الجيف. فصرخ الميت وهو يبكي بحرقة:
_ أقسم بالله يا سادتي أنا عبد مؤمن، لقد أخبرتكما بالحقيقة، والله يعرف ذلك، أقسم لكما بأغلى ما عندي... بالله عليكما، لماذا تعاملونني هكذا وأنا العبد المؤمن؟؟
_ لقد ترددت أيها النذل في إجابتك، لا بارك الله فيك، لماذا لم تخبرنا من فورك بتلك المعلومات. ثم لدعاه قليلاً بنار جهنم. فصرخ:
_ أرجوكما، يا إلهي، لقد تلكأت من هول المفاجأة ونسيت نفسي، فأصواتكما مخيفة، ورأسي ما زال يؤلمني من شدة الضربة و....
_ اخرس، وسد حنكك، أصلاً نحنا كنا منعرف أنك رح تتخاذل، صايرلك تحكي والله... انقبر وسكوت حتى يوم البعث، وهنيك الحساب العسير، لسه ما شفت شي...
_ ولكن يا سادة، لقد وعدني الله بالجنة، وأنا عملت حسناً، وأستحق الجنة.
_ تستحق الجنة، آه؟ هيا لنرحل عنه، فنحن لا نجلس عند عبد تلقن شهادته.
_ ولكن ماذا عني أنا؟!!
_ ابق حيث أنت حتى يوم القيامة، وسننظر بأمرك حينها...
***********************
عزيزي القارئ، لا تضحك، أقسم لك أن هذه ليست نكتة، أو مزحة، بل كل ما جاء في هذه القصة موجود في كتب التراث الصفراء المتراكمة على رفوف المكتبات العربية المغبرة وبشكل مفتت ومتناثر، وأنا لم آت بهذا الكلام من عندي، بل وجدته وجمعته من بين صفحات تلك الكتب.
الفنانة عفاف شعيب كانت على إحدى القنوات الفضائية العربية تروي بداية قصتها مع الحجاب، وعندما سألتها مذيعة البرنامج صفاء أبو السعود عن الذي دفعها لارتداء الحجاب، أخبرتها أنها في إحدى المرات تمت دعوتها إلى إحدى البرامج التي تقيمها الشيخات ضمن حملة تحجيب الممثلات، وقالت بأنها شعرت بالفزع والرعب الشديد عندما سمعت المضيفة الشيخة تتكلم عن عذاب القبر وأهواله، وعندما أدركت المضيفة الشيخة أن الفنانة غير محجبة فقد رشت بعض البهارات والفلفل، وزادت من العيار قليلاً.
لا شك أن مسألة الحياة بعد الموت تكاد تكون موجودة عند أغلب الأديان المعروفة، والتي تتمحور حول فكرة أن الحياة لا تنتهي بالموت، بل ينتقل الإنسان بعد الموت إلى حالة أخرى من الوجود قد تكون قد أفضل أو أسوأ وذلك بناءً على أعماله في الدنيا. إلا أن الإسلام يتميز عن باقي الديانات [السماوية والأرضية وتحت الأرضية وما بين بين] في وصفه لأحداث ما بعد الموت والإسهاب في وصف أهوال القبر، وكتب التراث مملوءة بهذه الأخبار التي تصل حد التكرار الممل، إذ يتم إعادة الأحاديث نفسها مراراً وتكراراً مع إجراء بعض التغيرات الطفيفة في نسقها العام، إلا أن الفكرة تبقى هي نفسها، وهي التأكيد على عذاب القبر وأهواله، وما ينتظر الناس بعد الموت، وسؤال منكر ونكير وفظائعهما، ثم تكفير أو لعن من ينكر هذه الأمور.
من بين الأمور الكثيرة التي لفتت انتباهي إلى هذا الموضوع هو ما خرج علينا به الشيخ الزنداني _الذي اكتشف العلاج المزعوم لمرض الإيدز_ وهو من نفس عصابة زغلول النجار، عندما انتشر في العالم الإسلامي تسجيل لأصوات أناس يتعذبون تحت الأرض حسب ادعاءات الشيوخ المسلمين. وبحكم أني كنت أعيش ضمن جو قروي مغلق تستفحل فيه الخرافة والجهل والتعصب الديني الأعمى، فقد انتبهت إلى انشغال الشارع العام بهذه المسألة، ولعجبي فقد تفاجأت جداً عندما بدأ بمناقشتها بعض أساتذة الجامعة الحاملين لأعلى الشهادات، ثم أخذوا بتحليل الظاهرة من منظور علمي وديني ودنيوي وزئبقي، والاستشهاد بكلام الشيخ الأحمر.

عذاب القبر
من المتعارف عليه أن الإسلام يؤكد على موضوع الحياة بعد الموت ويسميها بالحياة الأخرى أو الآخرة، وأن هناك عذاباً مبدئياً فور موت الإنسان ينتظره في تلك الحياة، وتورد لنا كتب التراث أحاديث عن محمد تشير إلى أنه كان يسمع أصوات الموتى وهم يتعذبون في قبورهم، وكان يخبر صحابته بذلك.
عن هلال بن علي ابن أبي ميمونة قال: بينما رسول الله صلعم وبلال يمشيان بالبقيع قال رسول الله: يا بلال، هل تسمع ما أسمع؟ قال: لا والله يا رسول الله. فقال: ألا تسمع أهل القبور يعذبون فيها؟.
يتضح من هذا الحديث أن محمد كان يسمع عذابات الأموات، إلا انه لم يميز بين هوية المعذبين، هل هم المسلمون أم المشركون فقط، أم الناس أجمعين؟. حتى أنه أسهب في شرح ما يحدث بعد الموت في القبر، من انفضاض الناس من حول الميت، ثم مجيء الملكان لمسائلته والتحقيق معه، والعديد من القصص التي نقلتها لنا كتب السلف المهترئة.
عن أبي هريرة‘ عن النبي قال: إن الميت يسمع خفق نعالهم إذا ولوا مدبرين، فإن كان مؤمناً كانت الصلاة عن رأسه وكان الصوم عن يمينه، وكانت الزكاة عن يساره، وكان فعل الخيرات من الصدقة والصلاة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس عن رجليه، فيؤتى من قبل رأسه فتقول الصلاة ما قبلي مدخل، ويؤتى من عن يمينه فيقول الصوم ما قبلي مدخل، ويؤتى من عن يساره فتقول الزكاة ما قبلي مدخل، ويؤتى من قبل رجليه فيقول فعل الخيرات ما قبلي مدخل. فيقال له: أقعد. فيقعد، وتمثل له الشمس قد دنت للغروب. فيقال له: ما تقول في هذا الرجل الذي كان فيكم وما تشهد به. فيقول: دعوني أصلي. فيقولون: إنك ستفعل ولكن أخبرنا عما نسألك عنه. وعما تسألوني عنه؟. فيقولون: أخبرنا عما نسألك عنه. قال: وعما تسألوني؟. فيقولون: أخبرنا ما تقول في هذا الرجل الذي كان فيكم وما تشهد به عليه. فيقول: محمداً اشهد أنه عبد الله، وأنه جاء بالحق من عند الله. فيقال له: على ذلك حييت، وعلى ذلك مت، وعلى ذلك تبعث إن شاء الله. ثم يفتح له باب من قبل النار، فيقال له: أنظر إلى منزلك وإلى ما أعد الله لك لو عصيت، فيزداد غبطةً وسروراً، ثم يفتح له باب من قبل الجنة، فيقال له: أنظر إلى منزلك وإلى ما أعد الله لك فيزداد غبطةً وسروراً. وذلك قول الله تبارك وتعالى {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة} [سورة إبراهيم، 27]... وقال أبو الحكم عن أبي هريرة: يقال له أرقد رقدة العروس الذي لا يوقظه إلا أعز أهله إليه وأحب أهله إليه... وإذا كان كافراً أتى من قبل رأسه فلا يوجد شيء، ويؤتى عن عينيه فلا يوجد شيء، ثم يؤتى عن يساره فلا يوجد شيء، ثم يؤتى من قبل رجليه فلا يوجد شيء. فيقال له: أقعد، فيقعد خائفاً مرعوباً. فيقال له: ما تقول في هذا الرجل الذي كان فيكم وماذا تشهد به عليه؟ فيقول: أي رجل؟!! فيقولون: الرجل الذي كان فيكم. فلا يهتدي له. فيقولون: محمد. فيقول: سمعت الناس قالوا، فقلت كما قالوا. فيقولون: على ذلك حييت، وعلى ذلك مت، وعلى ذلك مت عن شاء الله. ثم يفتح له باب من قبل الجنة، فيقال له: أنظر إلى منزلك وإلى ما أعد الله لك لو كنت أطعته. فيزداد حسرةً وثبورا. ثم يضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه. وذلك قوله تبارك وتعالى {فإن له معيشةً ضنكا، ونحشره يوم القيامة أعمى} [سورة طه، 124]. [مستدرك الحاكم، كتاب الجنائز، 1403]
وتجمع اغلب التفاسير نقلاً عن محمد أن الآية رقم 27 من سورة إبراهيم قد نزلت في عذاب القبر.
وقد جعل الإسلام الإيمان بمسألة عذاب القبر من المحاور الأساسية للإسلام، حتى أنه لا يقبل إسلام أي إنسان لم يؤمن بعذاب القبر، وقد صرح بذلك وبشكل صريح حجة الإسلام الغزالي في كتابه: "إحياء علوم الدين: بيان الدواء الذي يستجلب الخوف" (( ...واعلم أن كل من أنكر عذاب القبر فهو مبتدع محجوب عن نور الله تعالى، وعن نور القرآن وعن نور الإيمان. بل الصحيح عند ذوي الأبصار ما صحت به الأخبار: وهو أن القبر إما حفرة من حفر النار، أو روضة من رياض الجنة، وانه قد يفتح إلى قبر المعذب سبعون باباً من الجحيم، كما وردت به الأخبار، فلا تفارقه روحه إلا وقد نزل به البلاء إن كان قد شقي بسوء الخاتمة...))
من المعروف جيداً وعند كافة الأديان والعقائد أن روح الميت تفارقه عند وفاته، حتى في الإسلام. فالروح تخرج من جسد الميت بعد موته ويؤكد الإسلام أن تذهب إلى أجل غير مسمى، وهذا واضح تماماً في القرآن. أما بالنسبة لحجة الإسلام فالأمر مختلف تماماً، إذ أنه يعتقد أن الروح تعود إلى الجسد، وتبقى فيه أثناء عذاب الميت في القبر.
إلا أن بعض المصادر الإسلامية تنقل لنا أخباراً وأحاديث أكثر تطرفاً وجموحاً ورعباً، وكأن الإنسان لا يكفيه عذاب الجحيم الذي توعد الله به، بل يجب أن يكون هناك عذاب لا يختلف في شدته عن العذاب الأخير (( عن النبي صلعم: إن العبد الكفار إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه معهم المسوح حتى يجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: يا أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط الله وغضبه. قال: فتفرق في جسده، فتخرج فينقطع معها العروق والعصب كما تنزع السفود من الصوف المبلول فيأخذوها. فإذا أخذوها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في تلك المسوح فيخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون، فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا فيستفتحون فلا يفتح له. ثم قرأ رسول الله {لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط} [سورة الأعراف، 40]. قال:فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتاب عبدي في سجين في الأرض السفلى، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى. قال: فتطرح روحه طرحاً، ثم قرأ رسول الله {ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الرياح في مكان سحيق}. قال: فتعاد روحه في جسده ويأتيه الملكان فيجلسانه ويقولان له: من ربك؟ فيقول: هاها لا أدري. فيقولان له: وما دينك؟ فيقول: هاها لا أدري. قال: فينادي منادٍ من السماء: افرشوا له من النار وألبسوه من النار وافتحوا له باباً إلى النار. قال: فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى تختلف عليه أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه وقبيح الثياب منتن الريح فيقول: أبشر بالذي يسوءك، هذا يومك الذي كنت توعد. فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالشر. فيقول: أنا عملك الخبيث. فيقول: رب لا تقم الساعة، رب لا تقم الساعة)). [أورده البخاري ومسلم، رواه الإمام أحمد في مسنده، ورد في مصنف ابن أبي شيبه: كتاب الجنائز]
بغض النظر عن السلوك غير المبرر لهذا الإله التوراتي الغاضب والناقم، فليس هناك أي شيء يبرر صعود الملائكة بالروح الخبيثة إلى السماء، ثم رفض هذا الله [الغفور] استقبالها، وطرحها طرحاً ليتلقاها طير، أو تسقط في وادٍ عميق، ثم فتح عليها أبواب الجحيم ليقليها، و بعد ذلك يحضر الملكان الشيطانان ليسألاه عن دينه ونبيه. فما حاجتهم لذلك بعد كل هذا، أم أن الله لم يتأكد مما في قلب عبده، وقام بذلك بغرض التأكد والتيقن لا أكثر.
*****************************
منكر ونكير: ملكان أم شيطانان
كما أسلفت سابقاً، من المعلوم أن الإيمان بعذاب القبر هو من الأسس الرئيسية في العقيدة الإسلامية، ومن ضمن المعتقدات الهامة التي تنطوي في هذا الباب هو الإيمان بمنكر ونكير، وهما الملاكان اللذان يأتيان الميت بعد انفضاض أصحابه من حوله ويسألانه عن أمور دينه لامتحانه. يقول الغزالي في كتابه ((لا يقبل إيمان عبد لا يؤمن بما اخبره بعد الموت: وأوله سؤال منكر ونكير، وهما شخصان مهيبان هائلان يقعدان العبد في قبره سوياً ذا روح وجسد ويسألانه عن التوحيد والرسالة ويقولان له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ وهما فتانا القبر. وسؤالهما أول فتنة بعد الموت)) [أحياء علوم الدين].
وأجمعت كافة التفاسير أن معنى عبارة "فتانا القبر" هما منكر ونكير، وفي حديث الكسوف ((وأنكم تفتنون في القبور)) أي مسائلة منكر ونكير، والفتنة تعني الامتحان أو الاختبار [صحيح البخاري، كتاب العلم].
ثم يقول الغزالي في مكان آخر (( ...وإنما تختلف أصناف العذاب باختلاف الأوقات، فيكون سؤال منكر ونكير عند الوضع في القبر والتعذيب بعده، ثم المناقشة في الحساب والافتضاح على ملأ من الأشهاد في القيامة، ثم بعد ذلك خطر الصراط وهول الزبانية)).
هل هذه هي القيامة التي يريدها المسلمون لأنفسهم، حيث الفضيحة والذل على الملأ.
وبإمكاننا ملاحظة أنه لم يرد أي شيء عن هذين الملكين في القرآن، أو بالأحرى لم يتم ذكر اسميهما بشكل صريح، وتمت معرفة أخبارهما من خلال أحاديث وسنة النبي التي وردت في كتب التاريخ الإسلامية. وهناك الكثير من الأحاديث التي تتحدث عنهما وتصفهما وأعمالهما.
عن أبي هريرة، قال رسول الله ((إذا قبر الميت أتاه ملكان أسودان أزرقان. يقال لأحدهما المنكر والآخر النكير، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول ما كان يقول: وهو عبد الله ورسوله. أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله. ويقولان: قد كنا نعلم أنك نقول هذا. ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعاً في سبعين، ثم ينور له فيه. ثم يقال له: نم. فيقول: أرجع إلى أهلي فأخبرهم؟ فيقولان: نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه. حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك. وإن كان منافقاً قال: سمعت الناس يقولون فقلت مثلهم: لا أدري. فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول ذلك. فيقال للأرض: التئمي عليه. فتختلف أضلاعه. فلا يزال فيها معذباً حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك)).
وورد أيضاً في تفسير البغوي للآية 27 من سورة إبراهيم: روي عن البراء بن عازب أن رسول الله ذكر قبض روح المؤمن، وقال: فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه في قبره فيقولان له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد. فينتهرانه [!!!] ويقولان له ثانية: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ وهي آخر فتنة تعرض على المؤمن، فيثبته الله عز وجل، فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم. فينادي منادٍ من السماء: أن صدق عبدي.
إذن المسألة هنا مسألة تعجيز وتضليل، فإذا كانا يعلمان هما وإلههما الذي يعلم كل شيء بأنه سيقول هذا الكلام فلماذا كل هذا السيناريو وهذه الديباجة التي لا معنى لها؟
أما في كتاب "الجواهر الحسان في تفسير القرآن، ص 382" للثعالبي فقد أورد رواية مشابهة على لسان أبو سعيد الخدري إذ يقول: أنه [أبو سعيد] وابن مسعود وابن عباس وأبو هريرة كنا في جنازة مع النبي. فقال: يا أيها الناس إن هذه الأمة تبتلي في قبورها. فإذا الإنسان دفن وتفرق عنه أصحابه جاءه ملك بيده مطراق فأعقده. فقال: ما تقول في هذا الرجل؟... [ثم الكثير من التكرار الذي لا لزوم لذكره].
وحتى إن تمكن العبد من إجابتهم إجابات صحيحة، فإنه لن ينفد بجلده بسهولة.
يروى عن محمد أنه إذا كان قد فرغ من دفن الميت قام على قبره هو وأصحابه وسأل له التثبيت وأمرهم أن يسألوا له التثبيت. وقد أورد الطبراني في معجمه من حديث أبي إمامة عن النبي ((إذا مات أحد من إخوانكم فسويتم التراب على قبره فليقم أحدكم على رأس قبره، ثم ليقل: يا فلان، فإنه يسمعه ولا يجيب، ثم يقول: يا فلان بن فلانة، فإنه يستوي قاعداً، ثم يقول: يا فلان بن فلانة، فإنه يقول: أرشدنا يرحمك الله، ولكن لا تشعرون. ثم يقول: أذكر ما خرجت عليه من الدنيا: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وأنك رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمدٍ نبياً، وبالقرآن إماماً، فإن منكراً ونكيراً يأخذ كل واحد منهما بيد صاحبه ويقول: انطلق بنا ما نقعد عند من لقن حجته، فيكون الله حجيجه دونهما)) [زاد المعاد، ابن قيم الجوزية]
إذن لماذا أنزلهما أصلاً ؟!!!!
وما لزوم ضربة المزربة أو المطرقة، ونهرهما للميت؟!!!

الرعب الحقيقي
بإمكاننا أن نلاحظ في بعض الصفحات من كتب التراث أنها تنقل إلينا أخباراً مرعبة جداً عن أهوال القبر وما يحدث بعد الموت من عذابات ومسائلات وتحقيقات، ثم تعذيب من جديد، وكأنها سيناريوهات مخصصة لأفلام الرعب.
عن أنس بن مالك، عن رسول الله قال: إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه يسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان يقعدانه، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال له: أنظر إلى مقعدك من النار، قد بدلك الله به مقعداً من الجنة، فيراها جميعاً... أما الكافر والمنافق... فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس، فيقال له: لا دريت ولا تليت. ويضرب على رأسه بمطارق من حديد ضربة، فيصيح صيحةً يسمعها من يليه غير الثقلين.
إلا أن هناك حديثاً أورده صاحب كتاب "الجواهر الحسان" أكثر فظاعةً من الحديث السابق إذ يقول: أن رسول الله قال لعمر: كيف بك يا عمر إذا جاءك منكر ونكير إذا مت وانطلق بك قومك فقاسوا ثلاثة أذرع وشبر ثم غسلوك وكفنوك وحنطوك ثم احتملوك فوضعوك فيه ثم أهالوا عليك التراب فإذا انصرفوا عنك أتاك فتانا القبر أصواتهما كالرعد القاصف وأبصارهما كالبرق الخاطف، يجران شعورهما معهما مزربة لو اجتمع عليها أهل الأرض لم يقلبوها. [الجواهر الحسان، ص382]
وقد ورد الحديث نفسه ولكن بصيغة مختلفة بعض الشيء في كتاب الدرر المنثور، إذ قال على لسان عمر: قال لي رسول الله صلعم: يا عمر، كيف أنت إذا كنت في أربع أذرع من الأرض في ذراعين ورأيت منكراً ونكيراً. فقلت: يا رسول الله ، وما منكر ونكير؟!! قال: فتانا القبر، يبحثان القبر بأنيابهما ويطنان في أشعارهما، أصواتها كالرعد القاصف وأبصارهما كالبرق الخاطف، معهما مزربة لو اجتمع عليها منى لم يطيقوا رفعها، وهي أيسر عليهما من عصاي هذه _وبيده عصا_ فامتحناك، فإن تعاييت أو تلويت ضرباك بها ضربة تصير بها رماداً. قلت: يا رسول الله وأنا على حالي هذه؟ قال: نعم. قال: إذن أكفيكهما.
هل يحتاج الأمر إلى كل هذا التهويل والترهيب من اجل إجبار الناس على اتباع الذين.
وورد في كتاب الدرر المنثور في موضع آخر ((ثم يأتيه عند ذلك ملكان فظان غليظان يسميان منكراً ونكيراً، ومعهما عصا من حديد لو اجتمع عليها الجن والإنس ما أقلوها وهي عليهما يسير. فيقولان له: اقعد بإذن الله. فإذا هو مستو قاعداً، فينظر عند ذلك إلى خلق كريه فظيع ينسيه ما كان قد رأى عند موته... فيقولا له: من ربك؟ فيقول: الله. فيقولان: فما دينك؟ فيقول: الإسلام. ثم ينتهرانه عند ذلك انتهارة شديدة، ثم يقولان: فمن نبيك؟ فيقول: محمد صلى الله عليه وسلم. ويعرق عند ذلك عرقاً يبتل من تحته التراب، ويصير ذلك العرق أطيب من ريح المسك، وينادى عند ذلك من السماء نداءً خفياً: صدق عبدي، فلينفعه صدقه)).
لما كل هذا اللف والدوران، طالما أن الله شهد على صدق عبده الصالح، فذلك يعني أنه كان يعلم بصدقه، فلماذا يرسل له عصاباته كل تضربه بمزربتها وتخيفه بخلقتها الكريهة والمريعة، أم أن الأمر لمجرد التعقيد والتهويل.
وأخرج الطبراني في "الأوسط" وابن مردويه في الدرر المنثورعن أبي هريرة قال: شهدنا جنازة مع رسول الله صلعم فلما فرغ من دفنها وانصرف الناس قال: إنه الآن يسمع خفق نعالكم، أتاه منكر ونكير عيناهما مثل قدور النحاس، وأنيابهما مثل صياصي البقر، وأصواتهما مثل الرعد، فيجلسانه ويسألانه ما كان يعبد؟ ومن نبيه؟. فإن كان ممّن يعبد الله، قال: كنت أعبد الله، ونبيي محمد صلعم جاءنا بالبينات والهدى فآمنا به واتبعناه. فذلك قوله: [ثم يذكر الآية 27 من سورة إبراهيم]. فيقال له: على اليقين حييت، وعليه مت، وعليه تبعث. ثم يفتح له باب إلى الجنة ويوسع له في حفرته. وإن كان من أهل الشك قال: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته. فيقال له: على الشك حييت، وعليه مت، وعليه تبعث. ثم يفتح له باب إلى النار ويسلط عليه عقارب وتنانين لو نفخ احدهم في الدنيا ما أنبتت شيئاً، تنهشه وتؤمر الأرض فتنضم عله حتى تختلف أضلاعه.
ما الغاية من خلق مثل هذين الشيطانين الساديين والمتلاعبين إذا كان الله يعلم كل شيء، وإذا كان رحيماً ورؤوفاً بعباده. أم أنه بحاجة للتسلية فيرسلهما على شكل عصابة تقوم بإذلال وإهانة البشر الذين خلقهم على أحسن تقويم وفضلهم على سائر الحيوانات. ما الغاية من كل ذلك؟ ألا يستطيع أن يحاسب المرء فور وفاته ويدخله الجنة أو النار، أم أن السادية من صفات هذا الإله التوراتي الذي يعشق تعذيب وإهانة من يخالفون أوامره.
أم أن هذا كله نتاج سدنة الفقهاء والعقل الفقهي الذي حاول بشتى الوسائل على مر التاريخ الإسلامي قمع عقول الناس ولجمهم عن طريق قصص وروايات خرافية عن الجن والشياطين والغيلان وقصص عذاب القبر والملائكة سود الوجوه _ولاحظوا المفارقة هنا أن الكتب تصف الملائكة الذين من المفترض أن يكونوا حسني الخلقة بأنهم سود الوجوه ومخيفون، ألا ينطبق ذلك على الأوصاف الإسلامية للشياطين.
ألا تشبه هذه القصص أفلام الرعب Horror Movies ؟ هل فعلاً الإله بحاجة لاتباع هذه التصرفات والحركات غير المبررة، وهو القادر _على افتراض أنه قادر على كل شيء_ أن ينهي الأمر فوراً وبسرعة. أخيراً أقول أنني أفضل أن تحرق جثتي بعد الموت على أن أدفن في الأرض وأواجه العصابات المقدسة التي سلطها ذلك الإله فوق رؤوس عباده، ألا يكفينا الذي فينا؟!!!
والعقل ولي التوفيق

*************************
المراجع والمصادر
1) صحيح البخاري ومسلم، مسند الإمام أحمد، مصنف ابن أبي شيبه
2) تفسير ابن كثير، تفسير البغوي، الدرر المنثور
3) الجواهر الحسان في تفسير القرآن، الثعالبي
4) إحياء علوم الدين، الغزالي
5) زاد المعاد في هدى خير العباد، عبد الله بن قيم الجوزية