أثر خديجة على محمد

 

حتى الآن لم تمنح خديجة حقها في الاهتمام والدراسة على الدور الذي لعبته في نشأة الإسلام. فتأثير ها على محمد لا يمكن المغالاة في التأكيد عليه. إذ علينا اعتبار خديجة بأنها شريكة محمد في صنع الإسلام وصياغته. فمن دونها، ربما، ما كان للإسلام وجود أصلاً.
نحن نعلم أنّ خديجة كانت مولعة بزوجها الشاب وتعشقه. وليس هناك أي رواية تخبرنا بأنّ محمداً قد تابع أو استمر في عمله بعد زواجه من خديجة. فبعد الزواج، يبدو أنّ تجارة خديجة قد كسدت وهبطت إلى الحضيض. وعند موتها، كان وضع العائلة انحدر إلى ما دون خط الفقر.
محمد لم يكن يعتني بالأولاد أيضاً. بل كان منطويا، مكتئباً ومعزولاً عن العالم، كان يقضي معظم وقته منعزلاً، منسحباً إلى عالمه الخيالي متأملاً فيه.
نقرأ بكلمات فاكنين نفسه: ((لتجنّب هذا الألم الذي لا يحتمل، فإنّ بعض المرضى الذين يعانون من إضطراب الشخصية النرجسية NPD ينسحبون اجتماعياً ويخلقون لأنفسهم حالة مزيّفة من التواضع وعدم التكبّر لإخفاء غرورهم. والاضطرابات المزاجية والاكتئابية هي استجابات شائعة للعزلة ومشاعر العار وانعدام التوافق والانسجام)) [1]
كان محمد في معظم الأحيان يأخذ لنفسه طعاماً يكفيه عدة أيام، ولا يعود إلا بعد انتهاء الطعام ليتزوّد بالمزيد من المؤونة ويعود إلى كهفه.
خديجة كانت تبقى في المنزل. إذ لم تكن تعتني بأولادها التسعة فقط، بل كانت تعتني بزوجها الشاب أيضاً الذي كان يتصرف كالمولد الصغير غير المسؤول. لكنها لم تكن تشتكي. بل كانت سعيدة بتضحيتها... لكن لماذا؟
هذا السؤال في غاية الأهمية، فهو إن دلّ على شيء فإنه يدلّ على أنّ خديجة كان لديها اضطرابها الخاص في شخصيتها. كانت تعاني ممّا نطلق عليه اليوم اسم "العلاقة الترابطية الاعتمادية" codependent [وهي علاقة حب غير صحية تتمثل في أنك تقدر حبك للطرف الآخر أكثر ممّا ينبغي وبشكلٍ مبالغٍ فيه]، أو النرجسية المعكوسة reversed narcissism. هذه القطعة من اللغز بالغة الأهمية وستساعدنا على فهم سبب وقوفها بجانب زوجها عندما أخبرها عن هلوساته الغريبة، وبدلاً من استدعاء كاهن لطرد الأرواح شجّعته لإطلاق سيرته النبوية.
تعرّف الجمعية الوطنية للصحة العقلية (NMHA) العلاقة الترابطية الاعتمادية بأنها ((سلوك مكتسب يمكن نقله من جيل لآخر. وهي حالة سلوكية عاطفية تؤثر على قدرة الفرد على أن يعيش علاقة طبيعية، صحية، مليئة. وتعرف أيضاً باسم "إدمان العلاقة" لأنّ الناس الذين يعيشون علاقة حب غير صحية غالباً ما يكوّنون أو يستمرّون في علاقة من طرف واحد، مدمّرة عاطفياً و/أو مؤذية. تمّ تحديد هذا الاضطراب لأول مرة منذ حوالي عشر سنوات كنتيجة لسنوات طويلة من دراسة العلاقات الشخصية ضمن عائلات المدمنين على الكحول. فهذا النمط من السلوك يتمّ اكتسابه عن طريق مشاهدة ومحاكاة العائلات الأخرى التي تظهر مثل هذا النمط من السلوك)) [2]
كانت خديجة امرأة طيبة ولطيفة وذكية. كانت الابنة المفضّلة عند أبيها خويلد. في الواقع كان خويلد يعتمد عليها بشدّة، أكثر ممّا كان يعتمد على أبناءه من الذكور. كانت خديجة "الابنة المدلّلة عند والدها". كانت قد رفضت عروض أقوى رجال مكة وأعظمهم مكانةً عندما تقدموا للزواج منها. لكنها عندما رأت محمد الشاب الفقير والمحتاج، وقعت في حبه وأرسلت جاريتها إليه تعرض عليه الزواج منها.
على السطح يبدو أنّ محمداً كانت لديه تلك الشخصية المغناطيسية الجذّابة التي جذبت هذه المرأة القوية. لكن هذا بأي حال ما هو إلا فهم سطحي وخرافي في لهذه الآلية المعقدة.
كتب الطبري في تاريخه ((إنّ خديجة أرسلت إلى النبي صلعم تدعوه إلى نفسها تعني التزويج وكانت امرأة ذات شرف وكان كل قريش حريصاً على نكاحها قد بذلوا الأموال لو طمعوا بذلك فدعت أباها فسقته خمراً حتى ثمل وذبحت بقرة وخلقته بخلوق وألبسته حلّة حبرة ثم أرسلت إلى رسول الله صلعم في عمومته فدخلوا عليه فزوّجها فلما صحا قال ما هذا العقير وما هذا العبير وما هذا الحبير قالت زوجتني محمد بن عبد الله قال ما فعلت إني أفعل هذا وقد خطبك أكابر قريش فلم أفعل))[3]
ظلّ أقارب محمد يرددون وبنقمة أنّ هذا الجمع تمّ التخطيط له على يد ابنته. فاستلّ العجوز سيفه غاضباً وأقارب محمد استلوا سيوفهم أيضاً. كانت الدماء على وشك أن تُسْفَك لولا تدخّل خديجة وإعلان حبها لمحمد، وقد اعترفت بأنها قد دبّرت العملية بكاملها وخطّطت لها. هنا هدأ خويلد، ثم تقبّل الأمر الواقع، جاءت المصالحة.
ما تفسير وقوع امرأة ذكية ومتّزنة وناجحة في حب شاب فقير، يصغرها بخمس عشرة سنة؟ هذا السلوك العصبي يعطينا فكرة عن اضطراب شخصية مؤكّد عند خديجة.
يشير الدليل أنّ والد خديجة كان مدمناً على الكحول. ولابد أنّ خديجة كانت تعرف نقطة ضعف والدها تجاه الكحول لتدبّر وتصرّف مثل هذه الخطة الجريئة. عادة ما يشرب الناس غير الكحوليين باعتدال، ويعرفون متى ينبغي عليهم التوقف. لقد شرب خويلد حتى الثمالة قبل وصول الضيوف. فهو لم يكن شارباً عادياً للكحول وفي المناسبات الاجتماعية فقط، بل كان مدمناً على الكحول. والآن، ما أهمية كل هذا؟ ولأنها قطعة أخرى من الأحجية في غاية الأهمية لدعم النظرية التي تقول أنّ خديجة كانت تعاني من علاقة حب اعتمادية وغير طبيعية. فأولاد المدمنين على الكحول غالباً ما يقعون في علاقات حب غير صحية اعتمادية.
كان والد خديجة يفرط في حمايتها وكانت لديه الكثير من الآمال والتوقعات الكبيرة حولها. فمن خلال ردّ فعله تجاه زيجة ابنته ذات الأربعين عاماً من شاب عادي، وجملته التي قالها ((وقد خطبك أكابر قريش فلم أفعل))، من الواضح أنّ خديجة كانت قرّة عينه. كامل خويلد أبناء أخرين أيضاً، من بينهم عدة ذكور، لكن من الواضح أنّ هذه الابنة كانت مصدر فخره واعتزازه وسعادته.
الأولاد الذين يكونون مصدراً للعشق وركيزة للمحبة من قبل آبائهم المتطلّبين يعيشون في ظلّهم. إنهم غالباً ما يطوّرون اضطراباً اعتمادياً في الشخصية. فيتحوّلون إلى أشخاص محبين للأب (أو الأم) لدرجة الهوس، ويرون أن وظيفتهم تتلخّص في جعل صورة آبائهم تبدو جيدة في أعين الآخرين. غالباً ما يُتَوَقع منهم أن يكونوا "الطفل الأعجوبة"، ونراهم يسعون بكل ما لديهم من طاقة وقدرة على أن يعيشوا وفق توقعات وتطلعات آبائهم كي لا يخيّبوا ظنهم.
وتحت ضغط المطالبة بأداء أفضل، يصبح الطفل عاجزاً عن تطوير شخصية مستقلة خاصة به. فنراه يسعى لتحقيق شخصيته الحالية في إرضاء حاجات ورغبات والده النرجسي والمطالب بالكمال. فهو لا يشعر بأنه محبوب لما هو عليه بطبيعته، إنما لما يفعله إرضاءً لوالده. فالأب المدمن على الكحول يلقي حمولته العاطفية الخاصة على أكتاف أولاده، وبشكلٍ أخص الولد الأكفأ بينهم. فهو يتوقع منه أن يبرع في كل شيء وأن يعوّض عن كل فشله وأخطاءه.
الأشخاص الاعتماديون عاجزون عن إيجاد الرضى والسعادة في العلاقات الطبيعية والسليم عاطفياً والتي لا يمكن أن تقوم إلا بين طرفين متعادلين ومتساويين. ولا يمكن للأشخاص الاعتماديين أن يجدوا سعادتهم إلا بوصفهم خدماً ورعاةً. وأفضل شريك لهذا النمط من الشخصية هو النرجسي المتطلّب.
رفضت خديجة جميع من تقدموا لخطبتها من الرجال الناجحين ذوي المكانة الرفيعة، ووقعت في الحب مع شاب فقير كان متطلّباً من الناحيتين العاطفية والاقتصادية. الأشخاص الاعتماديون غالباً ما يخلطون ما بين الحب ومشاعر الشفقة. لديهم الميل لحب الناس الذين يجب أن يشعروا بالشفقة تجاههم ومساعدتهم.
يستخدم فاكنين مصطلح "النرجسية العكسية" بدلاً من الاعتمادية الترابطية. وهذا بالضبط ما يقوله عن العلاقة النرجسية الاعتمادية: ((المصاب بالنرجسية العكسية لا يشعر بأي شيء إلا عندما يكون في علاقة مع نرجسي آخر. الشخص النرجسي العكسي مبرمج منذ البداية على أن يكون الشريك والصاحب المثالي للنرجسي: ليغذّي أناه، ليكون امتداداً له، وليمجّده ويداهنه أكثر فأكثر قدر الإمكان)) [4]
وهذا ما يفسّر لنا لماذا تصبح امرأة جميلة وذكية وناجحة مثل خديجة مهتمّة برجل فقير وكتطلّب كمحمد. مع أنّ النرجسيين العكسيين يميلون إلى أن يكونوا ناجحين في أعمالهم، إلا أنّ علاقاتهم غالباً لا تكون سليمة أو صحية. ويفسّر لنا فاكنين قائلاً: ((في أي علاقة أولية، فإنّ النرجسي المنعكس يحاول إعادة خلق العلاقة ما بين الأب والابن. فالنرجسي المنعكس يسعى ليعكس عظمة النرجسي وجلاله، وبقيامه بذلك يؤمّن النرجسي مصادره النرجسية الأولية (اعتماد النرجسي على المنعكس هو المصدر الثانوي للنرجسية). والمنعكس عليه أن يحصل على نمطه الخاصة من العلاقة مع النرجسي لكي يشعر بالكمال والاكتمال. وسيمضي المنعكس إلى أبعد مدى ممكن يحتاجه لضمان سعادة النرجسي، وأنه يشعر بالرعاية من قبله، وأنه في قائمة أولوياته، وأنّ كل ذلك هو من حق النرجسي. المنعكس يمجّد شريكه النرجسي، ومستعد لتحمّل أي شيء يبدر منه بسعادة تامة ودون كلل أو ملل أو شكوى)) [5]
قد يبدو أنّ زواج محمد وخديجة كان مخططاً له في السماء (وليس تدبيراً من قبلها). كان محمد نرجسياً يتوق للتمجيد والتعظيم الدائمين، الاهتمام والرعاية. كان فقيراً ومتطلّباً عاطفياً. كان راشداً، لكنّ الطفل في داخله كان ما زال توّاقاً للاهتمام والرعاية الأبوية. كان في حاجة لشخص ما ليهتمّ به ويؤمّن له حاجاته ومتطلّباته، شخص ما ليستغلّه ويسيء معاملته، بنفس الطريقة التي يستغلّ فيها الطفل أمه ويسيء معاملتها بشقاوة.
العلاقة بين أي أم وولدها هي علاقة نرجسية-ترابطية-اعتمادية بشكل متبادل. فالأم مرتبطة عاطفياً بصغيرها. وتتحمّل كل شيء منه عندما يتصرّف بشقاوة تجاهها. وهذا أمر طبيعي وصحي. لكن عندما تكون هذه الدينامية موجودة بين شخصين بالغين، فهذا بعيد كل البعد عن السلامة والصحة.
يكون عادةً النضوج العاطفي للنرجسي متوقفاً عند الطفولة. فحاجاته الطفولية لم تُرضى بعد. كما أنه في مسعى دائم لإرضاء حاجاته الطفولية. جميع الأطفال نرجسيون وهذا جزء هام جداً وحيوي خلال مراحل نموهم. لكن إذا لم يتم إرضاء حاجاتهم النرجسية وإشباعها خلال مرحلة الطفولة، فإنّ نضوجهم العاطفي سيتوقف عند تلك النقطة. إنهم يسعون لنيل الاهتمام الذي لطالما افتقدوه خلال طفولتهم، في علاقاتهم مع شركائهم وأصحابهم والآخرين، ومن بينهم أولادهم هم.
كان محمد يعبّر عن توقه للحب والاهتمام خلال العديد من المناسبات. وينقل ابن سعد عنه وهو يقول لا أسألكم على هذا البلاغ والنصح لكم مالاً تعطونيه، وإنما أطلب منكم أن تكفوا شركم عني، وتذروني أبلغ رسالات ربي، إن لم تنصروني، فلا تؤذوني بما بيني وبينكم من القرابة [6]. وقد جاء في القرآن {لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى? ?}[7] هذه الكلمات تعبّر عن توق شديد ويائس للحب والاهتمام.
خديجة من جهةٍ أخرى، كانت مصابة بالنرجسية المعكوسة، وكانت بحاجة لأحدٍ ما يرضي لها خيالاتها وحاجياتها بوصفها راعية ومعيلة. ولا يقتصر الأمر على أنّ الشخص الاعتمادي لا يمانع بأن يتمّ استغلاله، بل هو يستمتع بذلك.
يكتب فاكنين قائلاً: ((المصاب بالنرجسية المعكوسة يتغذّى على النرجسي الأولي وبذلك يحصل على مصدره النرجسي. لذا يمكن لهذين النمطين من الشخصية أن يشكّلا من الناحية الجوهرية نظاماً تعايشياً ذاتي الدعم. لكن في الواقع، كل من النرجسي والنرجسي المعكوس بحاجة لأن يكونا مدركين لديناميكيات هذه العلاقة لكي يجعلان منها علاقة ناجحة وطويلة الأمد)) [8]
يفسّر لنا عالم النفس الدكتور فلورِنس كاسلو هذا التعايش بالقول أنّ كلا الطرفين يعانيان من خلل أو اضطراب في الشخصية PDs _ لكن كل واحد منهما يقف عند طرف الطيف، والآخر يقف عند الطرف الآخر. ((يبدو أنّ كلٍ منهما لديه انجذاباً قاتلاً وفتّاكاً نحو الآخر وفي ذلك تتكامل شخصيتاهما بشكل متبادل _وهذا هو أحد الأسباب التي تدفعهما_ إذا حدث وانفصلا أو تطلّقا، أن ينجذبا مرة بعد أخرى نحو أشخاص مماثلين لشريكهم السابق))[9]
العلاقة التعايشية بين محمد النرجسي وخديجة النرجسية المنعكسة عملت بطريقة أكثر من مثالية. محمد لم يعد بحاجة إلى العمل وتأمين المال اللازم من أجل العيش. بل قضى أيامه هائماً على وجهه في الكهوف والبراري لوحده مع مخيّلته الخصبة، في عالمه الخيالي اللذيذ والجميل حيث كان محبوباً، ومحترماً ومهاباً. غرقت خديجة حتى أذنيها في هذا النرجسي المنغمس بذاته، فأهملت عملها وتجارتها في سبيل تلبية احتياجاته الخاصة. تدنّى عملها المزدهر سابقاً وتبخّرت ثروتها. لابد أنها كانت في الخمسين من عمرها تقريباً عندما أنجبت أصغر أولادها. وبقيت في المنزل بينما كان زوجها بعيداً عنها معظم الوقت، غائباً في كهوفه البرية والعقلية.
حسب فاكنين ((إنّ النرجسي المنعكس إنسان معطاء وغير أناني إلى أبعد حد، ميّال للتضحية، بل حتى أنه متملّق ومداهن في علاقاته الشخصية، وسيتجنّب مساعدة الآخرين له بأي ثمن. ولا يمكنه التفاعل مع الآخرين إلا عندما يكون من الممكن مشاهدته كشخص معطاء، داعِم، مساند، يبذل مجهوده لتقديم العون والمساعدة والرعاية للآخرين))[10]
كما أنّه [فاكنين] يعرّف الأشخاص الاعتماديون بوصفهم ((الأشخاص الذين يعتمدون على أشخاص آخرين من أجل تقديرهم العاطفي لهم وأداء الأنا أو الوظائف اليومية)) ويقول أيضاً ((إنهم متطلّبون، ملحاحون، ومنقادون. إنهم يخشون الهجر والتخلي عنهم، يتعلّقون بسهولة، ويظهرون أنماطاً من السلوك الصبياني والتصرفات غير الناضجة في محاولتهم للحفاظ على "العلاقة" مع أصحابهم أو شركائهم الذين يعتمدون عليهم)) [11]
تفسّر لنا ميلودي بيتي مؤلّفة كتاب Codependent No More أنّ الأشخاص الاعتماديون ينتقون وبطريقة لا شعورية شركاء يعانون من المشاكل والاضطرابات النفسية لكي يشعروا أنّ لديهم غاية، وبأنّ هؤلاء بحاجة لهم ولكي يشعروا بالرضا والاكتفاء.
أي إنسان عاقل سيفسّر تجربة محمد الغريبة على أنها اضطراب عقلي أو ذهان، أو "مَسّ شيطاني"، كما كانوا يسمونها في تلك الأيام. وحتى محمد نفسه اعتقد بأنه قد أصبح "كاهن"، أو "ممسوس". وكما نقرأ في القرآن، نرى أنّ عقلاء مكّة اعتقدوا أنّ محمداً قد "جُنّ"، أي بمعنى أنه قد مَسّه الجن، وتُفهَمُ أيضاً بأنها تعني "مجنون". لكنّ خديجة لم تكن تطيق احتمال هذه الأفكار عن زوجها، وهي التي كانت تعتقد أنّ كمالها وسعادتها ورضاها جميع هذه الأمور تكمن في تلبية حاجات زوجها وإشباعها. كانت بحاجة للتعلق والتمسّك بشريكها النرجسي مهما كلّف الأمر. وبما أنها كانت اعتمادية، شعرت بالحاجة للتدخّل في الأمر، ومساعدة زوجها، وأن تكون له المصدر النرجسي المثالي.
غالباً يطالب النرجسي الناس الذين حوله بالتضحية ويتوقع منهم أن يتحوّلوا إلى معتمدين عليه. كما أنّ النرجسي يعيش فوق القواعد والقوانين الأخلاقية. إنه يشعر بأنه أكبر وأفضل من أن يخضع لأية قوانين أو قواعد أخلاقية.
جون دي رويتر، مدّعي نبوّة زعم أنه المسيح، من ألبرتا، كندا. أتباعه يعبدونه بوصفه إلههم. تقول جويس، زوجة دي رويتر السابقة والمبعدة منذ 18 عاماً: ((في أحد الأيام كنا جالسين في المطبخ ندخّن السجائر، كان يتحدّث عن "موتي"، وعندما اعترف بأني قد مررت بالكثير خلال حياتي، وأني قد تجاوزت العديد من الحالات التي كان من الممكن أن أموت فيها، وهذا أمر جيد. وأني قد استهلكت خمسة وتسعون في المئة من الحياة التي كنت سأغادرها قريباً. لكنه قال بأني لم أكن اسمح لنفسي بالمضي بشكل كلي. وأشار إلى أنّ موتي في نهاية المطاف سيكون إذا اتّخذ هو لنفسه زوجتين غيري)). قالت جويس أنها ظنت في بداية الأمر بأنه كان يمزح. لكنه تطرّق إلى الموضوع مرة ثانية، وسألها إذا كانت تعتقد أنه يمكن لثلاث زوجات أن يعشن في منزل واحد[12]
لحسن الحظ لم تكن جويس اعتمادية إلى حدٍ كبير لتوافق على هذا القدر من الذل والمهانة، وهجرت زوجها النسي الدنيء. الاعتمادي الفعلي سيفعل أي شيء لإرضاء شريكه النرجسي. فالعلاقة بين المرأة الاعتمادية وشريكها النرجسي هي علاقة سادية-مازوشية.
من سوء حظ البشرية أنّ خديجة كانت اعتمادية فعلية، وكانت مستعدة للتضحية بكل شيء في سبيل زوجها النرجسي. كانت هي من شجّعت محمد على ملاحقة طموحه النبوي ودفعته بكل ما أوتيت من جهد في ذلك الاتجاه. وعندما لم تعد تنتاب محمد نوبات صرع، وما عاد يرى ملائكة، شعرت خديجة بالخيبة. يقول ابن إسحاق ((إنّ جبريل قد أبطأ عليه بالوحي، فقالت خديجة للنبي صلعم: ما أرى ربك إلا قد قلاك)) [13] وهذا إن دلّ على شيء فإنه يدلّ على توقها الشديد لنبوّة زوجها النرجسي.
لماذا لم يتّخذ محمد زوجات أخريات لنفسه عندما كانت خديجة ما تزال على قيد الحياة؟... لأنه كان يعيش من مالها وفي منزلها. علاوةً على ذلك، كانت غالبية شعب مكة يسخرون كنه. لقد أطلقوا عليه لقب "مجنون". لم ترضى أي فتاة أو امرأة الزواج به حتى لو كان يملك المال وكانت خديجة خارج الموضوع. كان أتباعه في مكة هم مجموعة من الشبان والمراهقين والعبيد وبضع نساء بينهم، ولم تكن ولا واحدة منهن مناسبة للزواج به. لو أنّ خديجة كتبت لها الحياة ومشاهدة صعود زوجها إلى السلطة ونجاح دعوته، على الأرجح أنها كانت ستخضع لتقلّبات زوجها المزاجية وتتحمّل مذلّة مشاركته مع نساء وفتيات أصغر سناً وأكثر جمالاً منها.
بعد وفاة خديجة، لم يعثر محمد أبداً على شريك اعتمادي آخر يلبي له حاجاته العاطفية، كما فعلت خديجة. وبدلاً من ذلك، سعى لإرضاء حاجاته العاطفية عن طريق التحوّل إلى فراشة جنسية شبقة. فبعد مضيّ شهر واحد على وفاة زوجته، أقنع محمد صديقه الوفيّ والمقرّب أبو بكر ليزوّجه ابنته التي كانت ما تزال في عامها السادس. شعر أبو بكر بالصدمة، وحاول إزاحة الفكرة من عقل محمد، قائلاً له: ((إنّما أنا أخوك)). لكنّ محمد قد طمأنه وأكّد له أنهما أخوة في الإيمان وأنّ زواجه من تلك الفتاة الصغيرة لم يكن حراماً[14]. ثمّ أخبره أنه قد رآها في منامه حيث رأى ملاكاً يحما عائشة الطفلة في ثياب من حرير ((فقلت [قال محمد لنفسه]: إن يكن هذا من عند الله يمضه)) [15]
والآن أبو بكر أمتك عدّة خيارات، أن بترك محمد، لكنه كان قد ضحّى بالكثير لأجله، أن يرفضه ويتنكّر له وينعته بالكذّاب ثم يعود إلى قومه، أن يعترف أنه كان أحمق وساذج، أو ينصاع لرغبة محمد ويحقق له ما طلبه منه. وهذا من أصعب الخيارات التي غالباً ما يقف أمامها المنتمون إلى إحدى الطوائف. حتى أنّ أبو بكر قد بنى مسجداً خلف منزله ليصلي فيه المسلمون. حتى أنه كان يبكي وهو يتلو آيات محمد المزعومة. أمّا رفضه والتنكّر له وتركه في هذه المرحلة بعد كل ما لاقاه وواجهه فلم يكن بالأمر السهل ولا بالخيار المتوفر. المنتمون إلى أي طائفة هم مجرّد أسرى، سجناء. غالباً ما يكونون قد ضحّوا بالكثير والغالي والنفيس في سبيل الطائفة لدرجة أنّ خطّ الرجعة سيكون أصعب وأكثر إيلاماً من الخضوع والانقياد.
يكتب بوب لارسون قائلاً: ((رؤساء وزعماء الطوائف يعرفون جيداً أنه ما أن تتم برمجة أحد الوافدين الجدد حتى يقبل بأفكارهم ووجهات نظرهم، وما أن يبدأ هذا الوافد الجديد بالشعور بحسّ الانتماء الذي يمنحه معنى ومكانة، سرعان ما سيصبح عقله مستعداً لقبول أي تعاليم أو أوامر أو معتقدات، ومن بينها الإيمان بقائد الطائفة على أنه الله))[16]
توسّل أبو بكر إلى محمد أن ينتظر ثلاث سنوات أخرى قبل أن يتمّم الزواج. وافق محمد لكنه في هذه الأثناء تزوّج من سوده [بنت زمعه]، أرملة أحد إتباعه، بعد عدّة أيام من طلبه عائشة.
أنشأ محمد حريماً خاصاً به بأكثر من دزّينة من النساء. كان يحاول التعويض عن خسارة الحضن الحنون بعددٍ وفيرٍ من النساء. واستمرّ في إضافة المزيد من الزوجات إلى موعظته بالإضافة إلى الإماء وملكات اليمين، لكن ولا واحدة منهن استطاعت إرضاء حاجاته الطفولية الصبيانية كما فعلت خديجة. كان في حاجة إلى أم تعتني وتهتم به وبالطفل القابع بداخله، وهذا شيء يصعب على زوجاته المراهقات تحقيقه له، وهو الرجل الذي يعتبر بمثابة جدّهن.
****************
[1] http://www.globalpolitician.com/25109-barack-obama-elections
[2] http://www.nmha.org/infoctr/factsheets/43.cfm
[3] تاريخ الطبري، ج3، ص832
[4] http://samvak.tripod.com/faq66.html
[5] http://www.toddlertime.com/sam/66.htm
[6] سورة الشورى 42: آية رقم 23
[7] (( إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة))،طبقات، جزء1، ص3
[8] http://samvak.tripod.com/faq66.html
[9] from “Mixing oil and water” by Bridget Murray, APA Online Monitor On Psychology, Vol. 35, No. 3, March 2004, (online version), -print- version: page 52, online version found at http://www.apa.org/monitor/mar04/mixing.html (accessed June 22, 2007www.apa.org/monitor/mar04/mixing.html
[10] http://www.toddlertime.com/sam/66.htm
[11] “The Inverted Narcissist” Sam Vaknin, HealthyPlace.com Personality Disorders Community, at http://www.healthyplace.com/communities/Personality_Disorders/narcissism/faq66.html (date not given) (accessed June 22, 2007)
[12] The Gospel According to John,” by Brian Hutchison, Saturday Night Magazine, May 5, 2001, at http://www.rickross.com/reference/ruiter/ruiter3.html (accessed June 22, 2007
[13] تفسير الطبري، ص486. سيرة النبي، ابن إسحاق، ص108.
[14] عن عروة أنّ رسول الله صلعم خطب عائشة إلى أبي بكر،فقال له أبو بكر: إنّما أنا أخوك، فقال: أنت أخي في دين الله وكتابه، وهي لي حلال. /البداية والنهاية، ابن كثير، جزء 3، فصل في تزويجه صلعم بعهد خديجة بعائشة/.
[15] صحيح البخاري، كتاب التعبير، باب كشف المرأة في المنام، 6609.
[16] Larson’s New Book of Cults 1989, pp. 14-15.