نزهة مع الصحابة


 
 

الصحابي هو كل من (صحب النبي أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه ) حسب تعريف البخاري. بينما يقول سعيد بن المسيب (( الصحابة لا نعدهم إلاّ من أقام مع رسول الله (ص) سنة أو سنتين وغزا معه غزوة أو غزوتين). ومهما كان تعريف الصحابي فهو قد أصبح مقدساً في التراث الإسلامي السني. وقد ثارت ثائرة شيخ الأزهر حديثاً عندما انتقد أحد الكتاب الصحابي أبا هريرة، فقال شيخ الأزهر ما معناه إن من ينتقد أو يسب صحابة الرسول فهو خارج عن الإسلام. وأتى أهل الحديث كالعادة بأحاديث تجعل الصحابة في مصاف القديسين، فقالوا، مثلاً ، نقلاً عن النبي: (لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أُحُد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه) (الموسوعة الفقهية الكويتية، باب الصاد، صحابة). وزعموا أن الرسول قال كذلك (الله، الله، في أصحابي لا تتخذوهم غرضاً بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن أذاني فقد أذى الله، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه) (نفس المصدر). وذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك، فقال أبو زرعة الرازي، مثلاً: (إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله "ص" فاعلم أنه زنديق). وتتبع المؤرخون أخبار الصحابة كما تتتابع الصحف الحديثة أخبار المطربين ونجوم "البوب" ونجوم كرة القدم. وزعموا أن أبا الطفيل عامر بن واثلة هو آخر من مات من الصحابة سنة 100 هجرية (الكامل في التاريخ للمبرد، ج4، ص 52). وإذا عرفنا أن النبي مات في السنة العاشرة بعد الهجرة، نعرف أن هذا الصحابي عاش تسعين عاماً بعد موت الرسول، فكم كان عمره عندما مات محمد؟ وهل يجوز أن يكون الطفل صحابياً؟ المهم أن الرواة قالوا إنه صحابي، وكان السند قوياً، والسند أهم من المتن، لأن المتن يستدعي التفكير وشيوخ الإسلام تفكيرهم ينحصر في ما بين السرة والركبة.
وأغلب الظن أن تقديس الصحابة كان قد بدأ في الدولة العباسية عندما بدأ تدوين الأحاديث وسيرة الرسول وأصحابه. وفي سنة 571 هجرية أسند الخليفة المستضيء إلى ابن الجوزي التحقيق في الزندقة والروافض، فخطب ابن الجوزي من على المنبر وقال (إنّ أمير المؤمنين قد بلغه كثرة الرفض، وقد خرج توقيعه بتقوية يدي في إزالة البدع، فمن سمعتموه من العوام ينتقص الصحابة فاخبروني حتى أنقض داره، وأخلده الحبس) (أحكام النساء لابن الجوزي، ص 35). ومن يومها أصبح نقد الصحابة بدعة عقابها نقض الدار والسجن إن لم يكن القتل.
والصحابة طبعاً كانوا بشر مثلنا، يفرحون ويغضبون، يسكرون (قبل تحريم الخمر، وبعضهم بعد التحريم) ويشتمون بعضهم البعض، وبعضهم سرق أموال المسلمين، وبعضهم قتل مسلماً غيلةً. وأرجو أن يصحبني القاريء في نزهة مع أشهر الصحابة لنسمع ما يقولون عن بعضهم.
ولنبدأ بعائشة، الزوجة الطفلة وحبيبة رسول الله، فمن الذي أذاع عنها حادثة الإفك عندما اتهموها بخيانة النبي مع الشاب صفوان بن المعطل؟ إنه حسان بن ثابت، شاعر رسول الله، وبنت عمة النبي، حمنة بنت جحش، أخت زينب بنت جحش، زوجة النبي التي زوجه الله بها والتي كانت تغار منها عائشة، فقالت إن حمنة أشاعت عنها حادثة الإفك لتنصر اختها زينب على عائشة (تاريخ الطبري، ج2، ص 111). وماذا قالت عائشة عن صفوان بن المعطل، وقد كان صحابياً بدليل أن النبي قال في خطبته بالمسجد يوم شاعت حادثة الإفك (أيها الناس ما بال رجال منكم يؤذونني في أهلي ويقولون عليهن غير الحق والله ما علمت منهن إلا خيرا ويقولون ذلك لرجل والله ما علمت منه إلا خيرا وما دخل بيتا من بيوتي إلا وهو معي) (تاريخ الطبري، ج2، 113)، قالت عنه عائشة إنه لا يأتي النساء (السيرة لابن هشام، ج4، ص 272). فهل كان عنيناً أم عرفت عائشة حقيقته أم قذفته زوراً وبهتاناً؟
ورغم أن حسان بن ثابت قد أجروا عليه حد القذف، فقد كان مقتنعاً أن صفوان قد خان الرسول، فهجاه بقصيدة عصماء جعلت صفوان يضرب حسان بالسيف حتى كاد يقتله. ولما علمّ النبي بذلك استدعى حسان وقال له: أحسن يا حسان فيما أصابك. فقال له حسان: هي لك يا رسول الله، فأعطاه الرسول قصراً بالمدينة كان مالاً لأبي طلحة وكان قد تصدق به إلى رسول الله فأعطاه لحسان في ضربته وأعطاه سيرين القبطية، أخت مارية (تاريخ الطبري، ج2، ص 115).
ولأن علي بن أبي طالب نصح النبي أن يطلق عائشة بعد حادثة الإفك وقال له: إن النساء غيرها كثير، كرهته عائشة وكانت لا تقدر أن تذكره بخير (نفس المصدر، ص 226). وقالت عن عثمان بن عفان (اقتلوا نعثلاً فقد كفر) (تاريخ الطبري، ج4، 477).
ونترك عائشة الآن ونتحول إلى الركن اليماني حيث يجلس الصحابي الكبير عمرو بن العاص، الذي لا يذكره المسلمون دون أن يقولوا (رضي الله عنه)، فنجده جالساً مع الصحابي الأكبر منه أبي موسى الأشعري، وهما يتحدثان (وأخرج ابن سعد عن عمر بن الحكم أن أبا موسى الأشعري وعمرو بن العاص تكلما فقال أبو موسى لعمرو إنما مثلك كالكلب أن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث. فقال له عمرو: إنما مثلك مثل الحمار يحمل أسفارا) (الحاوي للفتاوي، للسيوطي، ج1، ص 292). وعندما انتشر طاعون عمواس بالشام قام عمرو بن العاص خطيباً في الناس فقال (أيها الناس إن هذا الوجع إذا وقع فإنما يشتعل اشتعال النار فتجبلوا منه في الجبال. فقال له أبو وائلة الهذلي: كذبت والله لقد صحبت رسول الله وأنت شر من حماري هذا. قال عمرو: والله ما أرد عليك ما تقول وأيم الله لا نقيم عليه، ثم خرج وخرج الناس فتفرقوا) (نفس المصدر، ص 488).
ولما دخل عمرو بن العاص مصر والتقي جيشه بجيش المقوقس، تقاعست خيول المسلمين، فأخذ عمرو يحثهم على القتال، فقال له رجل من أهل اليمن (إنا لم نخلق من حجارة ولا حديد. فقال له عمرو: اسكت فإنما أنت كلب. قال له اليماني: فأنت أمير الكلاب) (نفس المصدر ص 516). ولما قدم عمرو بن العاص المدينة بعد أن عزله عثمان عن ولاية مصر، جعل يطعن على عثمان فأرسل إليه يوما عثمان، خاليا به، فقال: يا بن النابغة ما أسرع ما قمُل جربان جبتك، إنما عهدك بالعمل عاما، أتطعن عليّ وتأتيني بوجه وتذهب عني بآخر، والله لولا أكلة ما فعلت ذلك. قال فقال عمرو: إن كثيرا مما يقول الناس وينقلون إلى ولاتهم باطل فاتق الله يا أمير المؤمنين في رعيتك. فقال عثمان: والله لقد استعملتك على ظلعك وكثرة القالة فيك. فقال عمرو: قد كنت عاملا لعمر بن الخطاب ففارقني وهو عني راضي. قال فقال عثمان وأنا والله لو آخذتك بما آخذك به عمر لاستقمت ولكني لنت عليك فاجترأت علي، أما والله لأنا أعز منك نفرا في الجاهلية وقبل أن ألي هذا السلطان. فقال عمرو: دع عنك هذا فالحمد لله الذي أكرمنا بمحمد وهدانا به. قد رأيت العاص بن وائل ورأيت أباك عفان فوالله للعاص كان أشرف من أبيك) (نفس المصدر، 656). وكان عمرو بن العاص قد تزوج أخت عثمان لأمه، أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ، ففارقها حين عزله عثمان.
وقد شتم عدد كبير من الصحابة عثمان في آخر أيامه، وفي يومٍ مر عثمان على جبلة بن عمرو الساعدي وهو بفناء داره ومعه جامعة فقال يا نعثل والله لأقتلنك ولأحملنك على قلوص جرباء ولأخرجنك إلى حرة النار (نفس المصدر، 661). والنعثل هو الضبع الذكر. وبعد أن خطب عثمان خطبته الشهيرة التي نزع فيها وتاب إلى الله مما فعل، دخل عليه مروان بن الحكم وقال له: أأتحدث أم أصمت؟ فقالت نائلة ابنة الفرافصة امرأة عثمان الكلبية: لا بل اصمت فإنهم والله قاتلوه ومؤثموه إنه قد قال مقالة لا ينبغي له أن ينزع عنها. فأقبل عليها مروان فقال: ما أنت وذاك فوالله لقد مات أبوك وما يحسن يتوضأ. فقالت له مهلا يا مروان عن ذكر الآباء تخبر عن أبي وهو غائب تكذب عليه وإن أباك لا يستطيع أن يدفع عنه أما والله لولا أنه عمه وأنه يناله غمه أخبرتك عنه ما لن أكذب به عليه (نفس المصدر، ص 659).
ويوم مات النبي جاء جماعة من أهل العراق إلى عليّ بن أبي طالب فقالوا يا أبا الحسن جئنا نسألك عن أمر نحب أن تخبرنا به فقال أظن المغيرة يحدثكم أنه كان أحدث الناس عهدا برسول الله. قالوا أجل عن ذا جئنا نسألك. قال كذب، كان أحدث الناس عهدا برسول الله قثم بن العباس (نفس المصدر، ص 239). فالمغيرة كان معروفاً بالغدر والخيانة، فقد غدر برجال كانوا نائمين تحت شجرة وهو في طريقه إلى المدينة ليعلن إسلامه، فقتلهم وأخذ أموالهم( تاريخ الطبري2، ص 119). وقصته مع أم جميل معروفة لا تحتاج إلى تكرار، فقد زنى بها وشهد عليه 4 شهداء، ثلاثة منهم رؤوا الميل في المكحلة والرابع رآهما عريانين وهو عليها، وسمع الأصوات الصادرة عنهما لكنه لم يرَ ما رأى الآخرون، فكانت نجاته بهذا الشاهد. وعندما بايع الناس عثمان على الخلافة قال المغيرة بن شعبة لعبدالرحمن بن عوف: يا أبا محمد قد أصبت إذ بايعت عثمان، وقال لعثمان لو بايع عبدالرحمن غيرك ما رضينا. فقال عبدالرحمن للمغيرة: كذبت يا أعور لو بايعت غيره لبايعته (نفس المصدر ص 583).
وعندما اجتمع رأي الناس أن يرسلوا عامر بن عبد الله التميمي إلى الخليفة عثمان بن عفان لينصحه بما يرى المسلمون فيه من عيوب، قال عنه عثمان (انظر إلى هذا فإن الناس يزعمون أنه قارئ ثم هو يجيء فيكلمني في المحقرات فوالله ما يدري أين الله. قال عامر: أنا لا أدري أين الله ؟ قال نعم والله ما تدري أين الله. قال عامر: بل والله إني لأدري أن الله بالمرصاد لك (نفس المصدر ص 642).
وعندما خطب النبي أيام حادثة الإفك وقال ما لرجال يؤذوني في أهلي، قال له أسيد بن حضير أخو بني عبد الأشهل (الذي نزلت الملائكة لتستمع لقراءته القرآن): يا رسول الله! إن يكونوا من الأوس نكفكهم وإن يكونوا من إخواننا من الخزرج فمرنا بأمرك فوالله إنهم لأهل أن تضرب أعناقهم. فقام سعد بن عبادة وكان قبل ذلك يُرى رجلا صالحا فقال: كذبت لعمر الله لا تضرب أعناقهم، أما والله ما قلت هذه المقالة إلا لأنك قد عرفت أنهم من الخزرج ولو كانوا من قومك ما قلت هذا. قال أسيد: كذبت لعمر الله ولكنك منافق تجادل عن ا لمنافقين. (وسعد بن عبادة كان أمير الخزرج الذين آووا الرسول عندما نبذته قريش).
ولما غضب أهل البصرة على واليهم أبي موسى الأشعري، أتوا عثمان يطلبون منه أن يولي عليهم غيره، فقال من تحبون؟ فقال غيلان بن خرشة: في كل أحد عوض من هذا العبد الذي قد أكل أرضنا وأحيا أمر الجاهلية فينا فلا ننفك من أشعري كان يعظم ملكه عن الأشعرين ويستصغر ملك البصرة، وإذا أمّرت علينا صغيرا كان فيه عوض منه أو مهترئأ كان فيه عوض منه ومن بين ذلك من جميع الناس خير (الطبري ج2، 605). فحتى الشيخ المهترئ خيرٌ من الصحابي الكبير أبي موسى الأشعري الذي أكل أرضهم.
ولما كان عمار بن ياسر والياً على الكوفه قال عمر لأهل الكوفة أي منزليكم أعجب إليكم يعني الكوفة أو المدائن؟ وقال إني لأسألكم وإني لأعرف فضل أحدهما على الآخر في وجوهكم. فقال جرير أما منزلنا هذا الأدنى فإنه أدنى محلة من السواد من البر وأما الآخر فوعك البحر وغمه وبعوضه. فقال عمار لجرير: كذبت. فقال عمر لعمار: بل أنت أكذب منه. وقال ما تعرفون من أميركم عمار؟ فقال جرير: هو والله غير كاف ولا مجز ولا عالم بالسياسة (نفس المصدر ص 544).
أما خالد بن الوليد فالحديث عنه يطول، ويكفي أن نعلم أن النبي رفع يديه إلى السماء وقال: أللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد. كان هذا عندما بعث النبي خالد إلى بني جذيمة داعياً، فأمرهم خالد بوضع سلاحهم لأن الحرب قد وضعت أوزارها وأنهم في مأمن. ولما وضعوا سلاحهم أمر بهم فربطوا بالحبال وعرضهم على السيف. وكانت جذيمة قد أصابت في الجاهلية عوف بن عوف أبا عبد الرحمن بن عوف والفاكه بن المغيرة عم خالد. وكان بين عبد الرحمن بن عوف وخالد كلام في ذلك ، فقال له عبد الرحمن : عملتَ بأمر الجاهلية في الإسلام. فقال خالد : إنما ثأرت بأبيك ، فقال له عبد الرحمن : كذبتَ. قد قتلتُ أنا قاتل أبي (الكامل في التاريخ للمبرد، ج2، ص 129). فهاهو خالد يكذب، ويقتل الأسرى ثأراً لعمه ومع ذلك سماه النبي "سيف الإسلام" في عام ثمانية هجرية في موقعة مؤته، وقد كان في سنة ثلاث هجرية سيف اللات والعزى الذي هزم جيش محمد في موقعة أُحد. ويقال كان عمر بن الخطاب كلما مر بخالد قال: يا خالد أخرج مال الله من تحت استك، فيقول والله ما عندي من مال. فلما أكثر عليه عمر قال له خالد: يا أمير المؤمنين إن قيمة ما أصبت في سلطانكم أربعين ألف درهم فقال عمر: ردها. ولم يكن لخالد مالا إلا عدة ورقيق فحسب ذلك فبلغت قيمته ثمانين ألف درهم فناصفه عمر ذلك فأعطاه أربعين ألف درهم.
والحديث عن المال يقودنا إلى أبي هريرة الذي ولاه النبي على أموال الصدقة فكانت تنقص كل ليلة، ولما سُئل أبو هريرة قال إن الشيطان يأتي كل ليلة إلى البيت ويأخذ من المال، وكلما يمسك به أبو هريرة يقول الشيطان: إنه لإطعام أولادي، فيتركه أبو هريرة (يا لإنسانية أبي هريرة وشفقته على أبناء الشيطان). وكلما يراه النبي يساله: كيف فعل أسيرك البارحة؟ فيعيد نفس القصة. وأخيراً قال له النبي: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي فلن يعود الشيطان. (شذرات الذهب للدمشقي، ج1، ص 64). ولما ولاه عمر على البحرين اختلس من بيت المال فعزله عمر واسترد منه المال المسروق.
ولما كان سعد بن أبي وقاص والياً على الكوفة وعبد الله بن مسعود مسؤول بيت المال، نشب بينهما شجار وسبب ذلك أنّ سعداً اقترض من عبد الله بن مسعود من بيت المال قرضاً فلما تقاضاه ابن مسعود لم يتيسر له قضاؤه فارتفع بينهما الكلام فقال له سعد : ما أراك إلا ستلقى شراً هل أنت إلا ابن مسعود، عبدٌ من هذيل ؟ فقال : أجل والله إني لابن مسعود وإنك لابن حمينة (الكامل في التاريخ لابن المبرد، ج2، ص 476).
وابن عباس أخذ ما كان ببيت مال الكوفة وهرب إلى مكة ولما طلب منه الخليفة على بن أبي طالب أن يرد المال هدده بأنه سوف يذهب بالمال إلى معاوية ليقاتله به.
هذه كانت نبذة قصيرة عن أشهر صحابة رسول الله تبين منها أنهم كانوا بشراً مثلنا لا يميزهم عنا إلا أنهم عاشوا في الفترة التي ظهر فيها الإسلام وعاصروا محمد. وكانوا يكذبون، ويشتمون بعضهم بعضاً ويختلسون المال العام ويعيرون بعضهم بعضاً بآبائهم وأمهاتهم. وقد وصف القرآن بعضهم بالنفاق، فقال (وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم) (التوبة 101). فأهل المدينة، وقت نزول القرآن، كلهم قد عاصر النبي ولذا كانوا صحابة. فإذا كان القرآن قد وصف بعضهم بأنهم مردوا على النفاق، وقد رأينا ما دار بينهم من شتائم في نزهتنا القصيرة معهم، أيحق لشيوخ الأزهر بعد هذا أن يقدسوا كل من عاصر النبي ويعتبروا كل الصحابة عدول؟ وهل يجوز للشيوخ أن يقدسوا الأحاديث التي وردت إلينا من الصحابة ويجعلوها فوق الشك، ولا يجوز انتقادها أو انتقاد رواتها؟ والأفدح من ذلك أنهم نسخوا صريح القرآن بأحاديث هؤلاء الصحابة، فجعلوا حد الزنا الرجم بالحجارة بينما آخر سورة نزلت بالمدينة تقول (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة) (سورة النور، 2). وهل يحق، مثلاً، لمحاكم الكويت أن تحكم بالسجن عشر سنوات على السيد ياسر الحبيب (من هيئة خدام المهدي) بالسجن عشر سنوات لأنه سب بعض هؤلاء الصحابة الذين كانوا قد سبوا بعضهم قبل أن يسبهم ياسر الحبيب؟
كفي تقديساً لرجال من الناس كانوا مثلنا يعتريهم النقصان في كل شيء، وكفي تقديساً وإجلالاً لما زعم الرواة أنهم قالوه.